من الطاقة إلى البيانات... إيران توسِّع أوراق الضغط في هرمز

ناقلات في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات في مضيق هرمز (رويترز)
TT

من الطاقة إلى البيانات... إيران توسِّع أوراق الضغط في هرمز

ناقلات في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات في مضيق هرمز (رويترز)

بعد محاولتها فرض حصار على مضيق هرمز خلال الحرب، بدأت إيران تتجه إلى أحد الشرايين الخفية للاقتصاد العالمي: الكابلات البحرية الممتدة تحت المضيق، والتي تنقل كميات هائلة من حركة الإنترنت والمعاملات المالية بين أوروبا وآسيا والخليج العربي.

ووفق تقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، تسعى إيران إلى فرض رسوم على أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، مقابل استخدام كابلات الإنترنت البحرية الممدودة تحت مضيق هرمز، في وقت لوَّحت فيه وسائل إعلام مرتبطة بالدولة بإمكانية تعطيل حركة البيانات، إذا لم تلتزم الشركات بالدفع.

وناقش نواب في طهران، الأسبوع الماضي، خطة قد تستهدف الكابلات البحرية التي تربط الدول العربية بأوروبا وآسيا.

وقال المتحدث العسكري الإيراني، إبراهيم ذو الفقاري، الأسبوع الماضي: «سنفرض رسوماً على كابلات الإنترنت».

كما ذكرت وسائل إعلام مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، أن خطة طهران لتحقيق إيرادات من المضيق ستُلزِم شركات مثل «غوغل»، و«مايكروسوفت»، و«ميتا»، و«أمازون» بالامتثال للقوانين الإيرانية، بينما ستُلزِم الشركات المالكة للكابلات البحرية بدفع رسوم ترخيص لعبورها، مع منح حقوق الإصلاح والصيانة حصراً لشركات إيرانية.

ورغم أن بعض هذه الشركات استثمر بالفعل في الكابلات التي تمر عبر مضيق هرمز والخليج العربي، فلا يزال من غير الواضح ما إذا كانت تلك الكابلات تعبر المياه الإقليمية الإيرانية.

ولا يزال من غير الواضح أيضاً كيف يمكن للنظام الإيراني أن يُجبر عمالقة التكنولوجيا على الامتثال؛ إذ إن هذه الشركات ممنوعة من إجراء مدفوعات إلى إيران بسبب العقوبات الأميركية الصارمة، ما قد يدفع تلك الشركات إلى اعتبار التصريحات الإيرانية مجرد استعراض سياسي، أكثر من كونها سياسة قابلة للتنفيذ.

ومع ذلك، أطلقت وسائل إعلام مرتبطة بالدولة تهديدات مبطَّنة حذَّرت فيها من احتمال تعرُّض الكابلات البحرية لأضرار، وهو ما قد يؤثر على جزء من تريليونات الدولارات التي تمر عبر شبكات نقل البيانات العالمية، وقد ينعكس أيضاً على خدمات الاتصال بالإنترنت حول العالم.

ومع تصاعد المخاوف من احتمال تجدد الحرب بعد عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الصين، بدأت إيران ترسل إشارات متزايدة بأنها تمتلك أوراق ضغط تتجاوز القوة العسكرية التقليدية.

وتسلِّط هذه الخطوة الضوء على الأهمية الاستراتيجية لـمضيق هرمز، بما يتجاوز كونه ممراً لصادرات الطاقة، في وقت تسعى فيه إيران إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر نفوذ اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد.

وتشكل الكابلات البحرية العمود الفقري للاتصال العالمي؛ إذ تنقل الغالبية الساحقة من حركة الإنترنت والبيانات حول العالم. واستهدافها لن يؤثر فقط على سرعة الإنترنت؛ بل قد يهدد أنظمة مصرفية، واتصالات عسكرية، وبنى تحتية سحابية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى العمل عن بُعد، والألعاب الإلكترونية، وخدمات البث الرقمي.

وترى دينا إسفندري، المسؤولة عن شؤون الشرق الأوسط في «بلومبرغ»، أن تهديدات إيران تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى إظهار قدرتها على التأثير في مضيق هرمز وضمان بقاء النظام، وهو هدف أساسي لطهران في هذه الحرب.

وقالت: «إنها تسعى إلى فرض تكلفة باهظة إلى هذا الحد على الاقتصاد العالمي، بحيث لا يجرؤ أحد على مهاجمة إيران مرة أخرى».

«كارثة رقمية متسلسلة»

يمر عدد من الكابلات البحرية العابرة للقارات عبر مضيق هرمز. وبسبب المخاطر الأمنية المرتبطة بـإيران منذ سنوات، تعمدت الشركات الدولية المشغِّلة لهذه الكابلات تجنُّب المياه الإقليمية الإيرانية، وبدلاً من ذلك ركَّزت معظم هذه الكابلات ضمن نطاق ضيق على الجانب العُماني من الممر المائي؛ حسب مصطفى أحمد، الباحث الأول في «مركز الحبتور للأبحاث»، والذي نشر دراسة حول تداعيات أي هجوم واسع النطاق على البنية التحتية للاتصالات البحرية في الخليج.

لكن اثنين من هذه الكابلات، وهما «فالكون» و«جسر الخليج الدولي» (جي بي آي)، يمران عبر المياه الإقليمية الإيرانية، حسب آلان مولدن، مدير الأبحاث في شركة «تيلي جيوغرافي» المتخصصة في أبحاث الاتصالات.

ورغم أن إيران لم تعلن بشكل صريح أنها ستقوم بتخريب هذه الكابلات، فإنها كررت عبر مسؤولين ونواب ووسائل إعلام مرتبطة بالدولة، نيتها معاقبة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ويبدو أن ذلك يمثل أحدث أساليب الحرب غير المتكافئة التي يعتمدها النظام للضغط على جيرانه.

وقال أحمد إن «الحرس الثوري» الإيراني، بما يمتلكه من غواصين قتاليين، وغواصات صغيرة، وطائرات مُسيَّرة تحت الماء، يشكل تهديداً للكابلات البحرية، مضيفاً أن أي هجوم قد يؤدي إلى «كارثة رقمية متسلسلة» تمتد آثارها عبر عدة قارات.

وأضاف أن مضيق هرمز يشكل ممراً رقمياً أساسياً بين مراكز البيانات الآسيوية، مثل سنغافورة ومحطات إنزال الكابلات في أوروبا.

وحذَّر من أن الأضرار قد تصبح أكبر بكثير إذا قررت الجماعات الحليفة لإيران استخدام الأسلوب نفسه في البحر الأحمر.

وفي عام 2024، انقطعت 3 كابلات بحرية، بعدما جرَّت سفينة أصابها الحوثيون في اليمن مرساتها على قاع البحر في أثناء غرقها، ما تسبب في تعطيل نحو 25 في المائة من حركة الإنترنت في المنطقة، وفق شركة «إتش جي سي» للاتصالات العالمية، ومقرها هونغ كونغ.

ومع ذلك، أكدت شركة «تيلي جيوغرافي» أن الكابلات التي تعبر مضيق هرمز تمثل أقل من 1 في المائة من إجمالي السعة الدولية لنقل البيانات عالمياً حتى عام 2025، رغم أن أي ضرر قد تكون آثاره كبيرة في الشرق الأوسط وبعض الدول الآسيوية.

الحرب على الكابلات ليست جديدة

أُرسلت أول برقية عبر المحيط الأطلسي من خلال كابل بحري عام 1858، وحملت رسالة تهنئة من الملكة فيكتوريا إلى الرئيس الأميركي جيمس بيوكانان، مؤلفة من 98 كلمة، واستغرق وصولها أكثر من 16 ساعة. ومنذ ذلك الحين، تضاعفت أهمية الكابلات البحرية بشكل هائل.

واليوم، يمكن لليف بصري واحد داخل الكابلات البحرية الحديثة أن ينقل بيانات تعادل نحو 150 مليون مكالمة هاتفية متزامنة بسرعة الضوء، وفق اللجنة الدولية لحماية الكابلات.

ويعود استهداف كابلات الاتصالات تحت الماء إلى ما يقرب من قرنين، منذ مدِّ أول كابل تلغراف في القناة الإنجليزية عام 1850. وفي بدايات الحرب العالمية الأولى، قامت بريطانيا بقطع كابلات التلغراف الرئيسية التابعة لألمانيا، ما أدى إلى عزل اتصالاتها مع قواتها.

وفي الظروف الطبيعية، لا يؤدي معظم الضرر الذي يصيب الكابلات الحديثة إلى اضطرابات كبيرة؛ لأن المشغلين يستطيعون عادة إعادة توجيه حركة البيانات بسرعة عبر الشبكة العالمية للكابلات البحرية. ولكن أي هجوم واسع النطاق اليوم ستكون له تداعيات أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في عصر التلغراف، نظراً لاعتماد العالم شبه الكامل على تدفق البيانات عبر هذه الكابلات.

ويقول خبراء إن الحرب الجارية في إيران قد تعقِّد أيضاً محاولات إصلاح الكابلات؛ لأن سفن الصيانة تحتاج إلى البقاء ثابتة لفترات طويلة خلال إصلاح الأعطال. ويزداد التحدي لأن من أصل 5 سفن صيانة كانت تعمل عادة في المنطقة، لم تبقَ سوى سفينة واحدة داخل الخليج العربي، حسب الباحث آلان مولدن.

محاكاة نموذج قناة السويس

قدَّمت وسائل إعلام إيرانية مقترح فرض رسوم على الكابلات البحرية التي تمر عبر المياه الإيرانية على أنه متوافق مع القانون الدولي، مستندة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تتضمن بنوداً تنظم مرور الكابلات البحرية.

ورغم أن إيران وقَّعت على الاتفاقية لكنها لم تصادق عليها رسمياً، فإن المجتمع القانوني الدولي يعتبر كثيراً من أحكامها ملزمة بموجب القانون الدولي العرفي. وتنص المادة 79 من الاتفاقية على أن للدول الساحلية الحق في وضع شروط للكابلات أو خطوط الأنابيب التي تدخل إلى أراضيها أو مياهها الإقليمية.

وأشارت وسائل الإعلام الإيرانية إلى مصر كنموذج يمكن الاقتداء به. فقد استفادت القاهرة من الموقع الاستراتيجي لـقناة السويس لاستضافة عدد كبير من الكابلات البحرية التي تربط أوروبا بـآسيا، ما يدرُّ عليها مئات ملايين الدولارات سنوياً من رسوم العبور والتراخيص.

لكن -وفق خبير في القانون الدولي- يبدو فرق جوهري، هو أن قناة السويس ممر مائي اصطناعي تم حفره داخل الأراضي المصرية، بينما مضيق هرمز ممر طبيعي يخضع لإطار قانوني مختلف.

وقالت إيريني بابانيكولوبولو، أستاذة القانون الدولي في جامعة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، لشبكة «سي إن إن»: «بالنسبة للكابلات القائمة بالفعل، يتعيَّن على إيران الالتزام بالعقود التي أُبرمت عند مدِّ هذه الكابلات. أما بالنسبة للكابلات الجديدة، فمن حق أي دولة -بما فيها إيران- أن تقرر ما إذا كانت ستسمح بمدِّ الكابلات في مياهها الإقليمية، وتحت أي شروط».


مقالات ذات صلة

مذكرة إيران تفجّر تمرّداً جمهورياً على ترمب

الولايات المتحدة​ ترمب أمام الكونغرس 24 فبراير قبل أربعة أيام من بدء الحرب على إيران (أ.ف.ب)

مذكرة إيران تفجّر تمرّداً جمهورياً على ترمب

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب موجة تشكيك واسعة في واشنطن بالمسار الذي اعتمده مع إيران ومذكرة التفاهم التي تم الإعلان عنها الأسبوع الماضي.

رنا أبتر (واشنطن)
شؤون إقليمية بقائي يستمع إلى رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة، محمد باقر قاليباف ونائب أمين عام مجلس الأمن القومي علي باقري كني، ونائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي على هامش محادثات سويسرا الأحد (الخارجية الإيرانية)

طهران: التعاون مع «الوكالة الذرية» مستمر وفق الأطر القائمة

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن تعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيستمر وفق الآليات المعمول بها حالياً.

«الشرق الأوسط» (لندن_طهران)
الولايات المتحدة​ ماركو روبيو وزير الخارجية الأميركي يستمع إلى دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي بقمة مجموعة السبع 17 يونيو 2026 في إيفيان لي بان بفرنسا (أ.ب)

روبيو يزور الإمارات والكويت والبحرين بدءاً من الثلاثاء

يبدأ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الثلاثاء، جولة تشمل ثلاث دول خليجية في ظل المفاوضات الجارية مع إيران، وفق ما أفاد به ناطق باسمه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزير الخارجية ماركو روبيو ووزير الخزانة سكوت بيسنت خلال اجتماع على هامش قمة مجموعة السبع في إيفيان بفرنسا الأسبوع الماضي (رويترز) p-circle

واشنطن تصدر ترخيصاً عاماً مؤقتاً لمبيعات النفط الإيراني

أصدرت وزارة الخزانة الأميركية، الاثنين، ترخيصاً عاماً مؤقتاً لمدة 60 يوماً يتيح إنتاج وتسليم وبيع النفط الخام والمنتجات البتروكيماوية والنفطية الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
شؤون إقليمية  موكب يغادر منتجع بورغنستوك بعد اختتام المحادثات الأميركية - الإيرانية رفيعة المستوى (رويترز)

خريطة طريق أميركية ـ إيرانية لتنفيذ تفاهم إسلام آباد

اختتمت الولايات المتحدة وإيران الجولة الأولى من المحادثات في منتجع بورغنستوك السويسري، بالاتفاق على خريطة طريق تستهدف التوصل إلى اتفاق نهائي خلال 60 يوماً.

«الشرق الأوسط» (لندن_زيوريخ_طهران)

طهران: التعاون مع «الوكالة الذرية» مستمر وفق الأطر القائمة

بقائي يستمع إلى رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة، محمد باقر قاليباف ونائب أمين عام مجلس الأمن القومي علي باقري كني، ونائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي على هامش محادثات سويسرا الأحد (الخارجية الإيرانية)
بقائي يستمع إلى رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة، محمد باقر قاليباف ونائب أمين عام مجلس الأمن القومي علي باقري كني، ونائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي على هامش محادثات سويسرا الأحد (الخارجية الإيرانية)
TT

طهران: التعاون مع «الوكالة الذرية» مستمر وفق الأطر القائمة

بقائي يستمع إلى رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة، محمد باقر قاليباف ونائب أمين عام مجلس الأمن القومي علي باقري كني، ونائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي على هامش محادثات سويسرا الأحد (الخارجية الإيرانية)
بقائي يستمع إلى رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة، محمد باقر قاليباف ونائب أمين عام مجلس الأمن القومي علي باقري كني، ونائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي على هامش محادثات سويسرا الأحد (الخارجية الإيرانية)

قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن تعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيستمر وفق الآليات المعمول بها حالياً، وبما يتوافق مع قرارات البرلمان الإيراني وقرارات المجلس الأعلى للأمن القومي.

وشدد بقائي على أن تنفيذ إيران لالتزاماتها بموجب تفاهم إسلام آباد سيبقى مرتبطاً بتنفيذ الطرف الآخر تعهداته المتعلقة بإنهاء الحرب، واستمرار صادرات النفط الإيرانية، والإفراج عن الأصول والأموال المجمدة.

وجاءت تصريحات بقائي بعد ساعات من إعلان نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس أن إيران وافقت على دعوة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للعودة، مشيراً إلى أن المحادثات المتعلقة بعمليات التفتيش النووي قد تبدأ خلال الأيام المقبلة، وربما في وقت مبكر من هذا الأسبوع.

واعتبر فانس أن عودة المفتشين تمثل «خطوة كبيرة» وتشكل بداية مسار يهدف إلى ضمان عدم تحول البرنامج النووي الإيراني إلى برنامج عسكري.

ونقلت وكالة «إرنا» الرسمية عن مصادر مطلعة على محادثات سويسرا أن الوفد الإيراني لم يخض خلال الاجتماعات التي استمرت نحو 18 ساعة في أي مفاوضات تفصيلية بشأن الملف النووي، ولم يقبل أي التزامات جديدة في هذا المجال.

وأضافت المصادر أن بدء المفاوضات النووية في إطار تفاهم إسلام آباد لإنهاء النزاع بين إيران والولايات المتحدة يبقى مشروطاً بتنفيذ البند الثالث عشر من مذكرة التفاهم.

وفي السياق نفسه، شدد بقائي على أن المحادثات التي جرت في سويسرا لم تشهد مفاوضات تفصيلية حول البرنامج النووي، وأن طهران لم تتعهد بأي التزامات جديدة تتجاوز الأطر القانونية القائمة لعلاقتها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

في المقابل، شككت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» في التقارير الأميركية التي تحدثت عن موافقة إيران على عودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ووصفت مثل هذه الخطوة بأنها «مخالفة للتفاهم» و«شديدة الضرر» بالمصالح الإيرانية.

وجاء موقف الوكالة بعد تصريحات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي ربط إصدار إعفاءات مؤقتة لصادرات النفط الإيرانية بالتزامات قال إن طهران قدمتها، من بينها ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز والسماح بعودة مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وقالت «تسنيم» إن أي مسؤول إيراني أو عضو في فريق التفاوض لم يؤكد حتى الآن هذه الرواية، معتبرة أن سياسة «الغموض النووي» وعدم الكشف عن مواقع أو تفاصيل المواد النووية المخصبة تشكل إحدى أوراق القوة الإيرانية في مواجهة الضغوط الأميركية.

وأضافت الوكالة أن السماح للمفتشين بالعودة قد يؤدي، من وجهة نظرها، إلى تقليص هذا الغموض وتزويد الولايات المتحدة بمعلومات إضافية عن البرنامج النووي الإيراني، وهو ما اعتبرته «خدمة لمصلحة الخصوم».

كما أشارت إلى أن مذكرة التفاهم لا تتضمن أي بند ينص على منح مثل هذا الإذن، معتبرة أنه لا ينبغي لإيران أن تتحمل التزامات تتجاوز ما ورد في الاتفاق.

ونقلت الوكالة عن مسؤولين إيرانيين شاركوا في محادثات سويسرا قولهم إنهم اعترضوا على مشاركة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي في الاجتماعات.

وذهبت «تسنيم» إلى انتقاد الوكالة الدولية للطاقة الذرية، معتبرة أنها لم تدن الهجمات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، ورأت أن أي بحث في عودة المفتشين يجب أن يُرجأ إلى مرحلة الاتفاق النهائي، الذي قالت إن فرص التوصل إليه لا تزال غير مؤكدة في ضوء التجارب السابقة مع الولايات المتحدة.


تركيا: قيادي في «داعش» يكشف خطة لاغتيال أكرم إمام أوغلو

كشف قيادي في «داعش» عن خطة لم تنفذ لاغتيال رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو (أ.ف.ب)
كشف قيادي في «داعش» عن خطة لم تنفذ لاغتيال رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو (أ.ف.ب)
TT

تركيا: قيادي في «داعش» يكشف خطة لاغتيال أكرم إمام أوغلو

كشف قيادي في «داعش» عن خطة لم تنفذ لاغتيال رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو (أ.ف.ب)
كشف قيادي في «داعش» عن خطة لم تنفذ لاغتيال رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو (أ.ف.ب)

كشف قيادي في تنظيم «داعش» الإرهابي، تم جلبه من سوريا مؤخراً بواسطة المخابرات التركية، خطة لاغتيال رئيس بلدية إسطنبول مرشح حزب «الشعب الجمهوري» للرئاسة، المحتجز، أكرم إمام أوغلو.

وأدلى عمر دنيز دوندار، المعروف بالاسم الحركي (عمار)، المشتبه به في تفجير وقع أمام محطة القطار الرئيسية بأنقرة في 10 أكتوبر (تشرين الأول) 2015، خلال استجوابه في شعبة مكافحة الإرهاب بمديرية الأمن العام في أنقرة، باعترافاتٍ تتعلق بهيكل «داعش» في تركيا وأعماله الدموية.

تفجير في أنقرة

حسب مصادر التحقيقات، ذكر دوندار أن تفجير محطة قطار أنقرة، الذي وقع قبل الانتخابات المبكرة التي أجريت في أول نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، وراح ضحيته أكثر من 100 قتيل، فضلاً عن إصابة المئات بجروح، نفذ بأوامر من زعيم «داعش» في غازي عنتاب (جنوب تركيا)، يونس دورماز، كما اعترف بالتخطيط لاغتيال إمام أوغلو.

صورة أرشيفية من موقع الهجوم الإرهابي لـ«داعش» في محيط محطة القطارات الرئيسية بأنقرة - 10 أكتوبر 2015 (أ.ب)

وأضاف أن الهجوم نفذ بقرار من دورماز من دون موافقة أو تمويل، لافتاً إلى أن التنظيم لم يعلن مسؤوليته عن الهجوم، لأنه كان يجري مفاوضات مع السلطات التركية آنذاك، بل واتخذ موقفاً ضد جماعتي ولايتي غازي عنتاب وأديامان.

وذكر أنه عمل تحت قيادة دورماز من صيف عام 2015، حين تم التخطيط لهجوم محطة قطار أنقرة، واستمر كذلك حتى الأشهر الأولى من عام 2016.

وتابع دوندار، بحسب ما نقلت وسائل إعلام تركية الاثنين، أن رئيس الوحدات الخارجية في «داعش»، أبو زينب الأنصاري، أعد تقريراً، قبل تفجير أنقرة، تضمن قائمة بالمواقع والشخصيات المستهدفة في تركيا، وأرسله إلى الوحدة العليا في التنظيم، لكنه لم يعتمد، ولم يعطِ «أبو سيف المصري»، الذي حل محل الأنصاري، موافقة على الخطط ولم يُقدم تمويلاً، ونُفذ الهجوم بقرار من دورماز نفسه.

وخلال الاستجواب، نفى دوندار اتهاماً بشأن وجود بصماته على حزام ناسف تم ضبطه في سيارة أُوقفت بهطاي في 23 يونيو (حزيران) 2017، قائلاً إن عناصر «داعش» لا يستخدمون أيديهم عارية مطلقاً عند تحضير المتفجرات ويرتدون قفازات.

وطلب دوندار، الذي أمضى نحو 12 عاماً في صفوف «داعش»، والذي انضم إليه عام 2013 عبر حلقة نقاش دينية في ولاية أديامان قبل أن يتوجه إلى سوريا، الاستفادة من أحكام «التوبة الفعالة» في قانون العقوبات استناداً إلى اعترافاته.

هجمات لم تنفذ

ذكر دوندار أن هناك هجمات تم التخطيط لها، لكنها لم تنفذ، بسبب عدم الموافقة على تقرير «أبو زينب الأنصاري»؛ منها خطة لاغتيال رئيس بلدية إسطنبول المحتجز، أكرم إمام أوغلو، وضعها القيادي مصطفى دوكوماجي، وهجوم على المناطيد التي يستخدمها السياح والزائرون للمعالم السياحية في منطقة كبادوكيا بولاية بيفشهير، وسط تركيا، والتي كلف عضو سوري في التنظيم بتنفيذه.

الإرهابي عمر دنيز دوندار جلبته المخابرات التركية من سوريا في مايو (أيار) الماضي (الداخلية التركية)

وألقت المخابرات التركية بالتعاون مع نظيرتها السورية، في مايو (أيار) الماضي، القبض على دنيز و9 آخرين، مطلوبين على النشرة الحمراء، لارتكابهم جرائم إرهابية في تركيا، من بينهم «علي بورا»، الذي كان يسمى «أمير الاستخبارات» المسؤول عن أنشطة «داعش» في تركيا، والذي انتقل إلى سوريا عام 2014 للانضمام إلى التنظيم.

ويواجه الإرهابيون الـ10 تهم المشاركة في تدريبات مسلحة وأعمال الترويج والتخطيط لهجمات «داعش» ​أو ​دعمها.

وستنطلق محاكمة دوندار أمام الدائرة الرابعة في المحكمة الجنائية العليا بأنقرة في 30 يونيو (حزيران) الحالي، بتهمة الضلوع في التخطيط وتنفيذ الهجوم الإرهابي على محطة قطارات أنقرة الذي استهدف «مسيرة الديمقراطية» التي نظمها حزب «الشعوب الديمقراطية»، المؤيد للأكراد، بمشاركة آلاف بينهم ممثلون لمنظمات مدنية وجمعيات ثقافية ونقابات مهنية وعمالية.

وتوقعت مصادر أمنية أن تقود اعترافاته إلى تحقيقات جديدة تتعلق بخلايا «داعش» وهيكله التنظيمي في تركيا، ومصادر تمويله وعلاقاته الدولية.

نشاط «داعش» في تركيا

نفذ تنظيم«داعش» الذي أدرجته تركيا على لائحتها للإرهاب في 2013، أو نسبت إليه، هجمات إرهابية وقعت بين عامي 2015 و2017، أسفرت عن مقتل أكثر من 300 شخص وإصابة المئات، وتراجع نشاطه بصورة ملحوظة بسبب حملات أمنية مكثفة انطلقت في مطلع عام 2017.

عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية خلال مداهمة على عناصر من تنظيم «داعش» الإرهابي في إسطنبول (الداخلية التركية)

وبعد 7 سنوات من التوقف، عاود «داعش» نشاطه الإرهابي بالهجوم على كنيسة «سانتا ماريا» في إسطنبول، مطلع فبراير (شباط) 2024، ما أسفر عن مقتل مواطن تركي في العقد السادس من العمر.

وفي 29 ديسمبر (كانون الأول) 2025، قتل 3 شرطيين و6 من عناصر «داعش» في اشتباكات وقعت بمدينة يالوفا، شمال غربي تركيا، أسفرت أيضاً عن إصابة 8 من رجال الشرطة وحارس أمن.

وكشفت تحقيقات في هجوم وقع بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول يوم 7 أبريل (نيسان) الماضي، ارتباط منفذيه بـ«داعش»، وقتل أحد المنفذين وأصيب آخران، بينما أصيب شرطيان بجروح طفيفة.


«بيت الصورة» حيث يفتح أطفال أتراك ولاجئون أنظارهم على العالم

ورشة «بيت الصورة» (أ.ف.ب)
ورشة «بيت الصورة» (أ.ف.ب)
TT

«بيت الصورة» حيث يفتح أطفال أتراك ولاجئون أنظارهم على العالم

ورشة «بيت الصورة» (أ.ف.ب)
ورشة «بيت الصورة» (أ.ف.ب)

تجلس زينب ابنة الثمانية أعوام في غرفة معتمة تنيرها مصابيح خافتة باللون الأحمر، وهي تنتظر تظهير الصور التي التقطتها وأصبحت ظلالاً وخيالات على شريط تصوير فوتوغرافي قديم، ضمن مشروع مخصص لأطفال محليين ومهاجرين، في مدينة ماردين التركية القريبة من الحدود مع سوريا والعراق.

تحت أنظارها المتلهفة، يعمل المصوّر الأربعيني عمار كيليتش على طباعة صور زينب في غرفة التحميض، ويسألها في الانتظار: «ما مدى فضولك؟»، لتجيبه بشكل لا لبس فيه: «وِسع العالم».

زينب، المتحدرة من محافظة ماردين في جنوب شرق تركيا، هي واحدة من ثمانية أطفال يشاركون في ورشة للتصوير الفوتوغرافي التناظري (باستخدام الأفلام القديمة) تمتد شهرين.

وتقام الورشة في إطار مشروع «فوتوهانه دارك روم» (بيت الصورة) الذي أطلقه كيليتش والمصوّر السوري سربست صالح في ماردين عام 2014.

ورشة «بيت الصورة» (أ.ف.ب)

اختار الأطفال بأنفسهم هذا الاسم في حينه، ويصرّ كيليتش على أنهم هم من يتولّى زمام الأمور «من وضع الفيلم (في الكاميرا)، إلى تحميضه وطباعة صورهم، يقومون بكل شيء وحدهم. يضعون أيضاً قواعدهم الخاصة».

تختزن المدينة القديمة في ماردين وأسوارها وأزقتها، تاريخاً يعود لآلاف السنين، وتجذب السياح من العالم. لكنها تضم أيضاً عائلات فقيرة ولاجئين فرّوا من النزاع في سوريا.

من هؤلاء ذوو يحيى (13 عاماً) ويوسف (12 عاماً) ونهال (11 عاماً) وسام (13 عاماً) الذين لجأوا إلى تركيا من سوريا بين عامي 2014 و2015، مع توسيع تنظيم «داعش» سيطرته على مناطق عدة في البلاد.

وتقول نهال بينما تبحث عن لقطة لتوثيقها باستخدام آلة تصوير صغيرة سوداء اللون تتدلى من معصمها: «أشعر بحماس شديد عندما ألتقط الصور، كل هذا أمر مثير جداً بالنسبة لنا».

وكما هؤلاء الأطفال، فرّ سربست صالح الذي يبلغ حالياً 32 عاماً، من مدينة كوباني (عين العرب) ذات الغالبية الكردية في شمال سوريا، بعد الهجوم والحصار الذي فرضه عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العام 2014.

يحمل صالح على محياه ابتسامة دائمة، وفي عينيه فضول عارم، ويصرّ على ألا تكون معاناته مع الحرب واللجوء، موضوع الحديث، بل يريد للأنظار أن تتركز على الأطفال الذين يدرّبهم بروية، متحدثاً إليهم بالتركية والكردية والعربية والإنجليزية.

أقام صالح أول ورشة تصوير تناظري عام 2015، واستخدم مقطورة مستعملة جال بها في القرى على طول الحدود، مركزّاً على العمل مع أطفال محليين ولاجئين ينتمون إلى الفئات الأكثر ضعفاً.

ويقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن «التصوير التناظري يتعلق بالثقة بالنفس. عندما تلتقط صورة رقمية قد تفكر في حذفها في اللحظة نفسها. لكن مع الفيلم، يقضي الأطفال كامل فترة الورشة وهم يفكّرون ويشعرون بكل إطار من الإطارات الستة والثلاثين، ولا يرون النتيجة إلا في النهاية. وصورهم جميلة».

لا يخفي الأطفال ما هو الجزء المفضّل لديهم في هذه العملية: غرفة التحميض المعتمة حيث تولد الصور إلى الحياة.

ويقول كيليتش الذي يهتم بتحميض الصور وطباعتها، إن الأطفال باتوا يسمّونها «الغرفة السحرية»، مشيراً إلى أن رؤية صورة تتكوّن على ورقة بيضاء، وولادة صورة التقطوها بأنفسهم بيديهم، يخلق لديهم شعوراً خاصاً جداً.

يعتمد المشروع بشكل أساسي على إيرادات من فعاليات تنظّم في الخارج، إضافة إلى التبرعات. وتُعرض هذا الصيف صور التقطها الأطفال، في إيطاليا وبلجيكا وبريطانيا وإندونيسيا.

يقيم صالح وكيليتش الورشة في ماردين، لكنهما يدرسان العودة إلى الأصل: غرفة مظلمة متنقلة داخل مقطورة.

ويوضح كيليتش: «أكثر الوسائل منطقية هو أن نصبح متنقّلين: نزور مناطق مختلفة، ونقدّم التدريب، ونترك لهم مهمة حمل الشعلة ومواصلة العمل».