انهيار إيران اقتصادياً قد يأتي متأخراً بالنسبة لترمب

الاقتصاد الإيراني يواجه كارثة طويلة الأمد

إيرانية تتسوق في سوق محلية في طهران 28 أبريل (رويترز)
إيرانية تتسوق في سوق محلية في طهران 28 أبريل (رويترز)
TT

انهيار إيران اقتصادياً قد يأتي متأخراً بالنسبة لترمب

إيرانية تتسوق في سوق محلية في طهران 28 أبريل (رويترز)
إيرانية تتسوق في سوق محلية في طهران 28 أبريل (رويترز)

أدت الحرب وتداعياتها، على مدى أسابيع، إلى تفاقم المشكلات الاقتصادية العويصة التي كانت إيران تعانيها أصلاً، بما ينذر بكارثة بعد الحرب. غير أن طهران تبدو قادرة، في الوقت الحالي، على الصمود أمام المواجهة في الخليج العربي، رغم حصار بحري أميركي أوقف صادرات الطاقة.

ومع توقف العمليات القتالية الكبرى بموجب وقف لإطلاق النار بدأ في الثامن من أبريل (نيسان)، دخل الموقف بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في حالة جمود، في ظل تعثر محادثات وقف الحرب، بينما تُبقي طهران مضيق هرمز في حكم المغلق، وتفرض واشنطن حصاراً بحرياً على موانئ إيران المطلة على الخليج العربي.

ورغم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية والصناعات، بالتزامن مع تراجع صادرات النفط، تتمتع إيران بمخزونات داخلية وفيرة، وتجارة مستقرة مع جيرانها، ولم تظهر سوى مؤشرات محدودة على تعرضها لضغوط فورية ناجمة عن خسائر في إيرادات الدولة بسبب الحصار.

وإذا كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعوّل على أن تتراجع إيران أولاً في لعبة «كسر العظم» الاقتصادية، فقد يطول انتظاره، في وقت يرتفع فيه التضخم في أنحاء العالم، ويقترب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

إيراني يتسوق في متجر بطهران الخميس 28 أبريل (رويترز)

اقتصاد المقاوم

يرى خبراء أن قادة إيران يراهنون على قدرة البلاد على الصمود لفترة أطول مما يتوقعه صناع القرار في الغرب، مستندين إلى قبضة أمنية مشددة ونهج «اقتصاد المقاوم» القائم على تعبئة الموارد الداخلية والتجارة عبر الحدود البرية.

وأضافت أن حكام إيران من رجال الدين و«الحرس الثوري»، في مواجهة ما يعدّونه تهديداً وجودياً للجمهورية الإسلامية، يستخدمون قبضتهم الحديدية على البلاد بما يمكنهم من الصمود إلى حين التوصل إلى اتفاق دائم مع واشنطن.

ويقول الخبراء إن حكام إيران من رجال الدين و«الحرس الثوري»، في مواجهة ما تعدّه تهديداً وجودياً للمؤسسة الحاكمة، يعولون على استخدام أدوات القمع، وعلى لجوء المواطنين إلى مدخراتهم، إلى حين التوصل إلى اتفاق دائم مع واشنطن.

ويصعب تقدير حجم الضرر الاقتصادي الناجم عن الحرب، واحتمالات حدوث أزمة اقتصادية وشيكة، في ظل نقص البيانات الرسمية الموثوقة، وانقطاع الإنترنت الجزئي منذ يناير (كانون الثاني).

وأفادت «رويترز»، هذا الشهر، بأن الوضع وصل إلى درجة من السوء يخشى معها مسؤولون في إيران خروج موجات جديدة من الاحتجاجات، وحذروا من أن البلاد تواجه كارثة ما لم تُرفع العقوبات.

ويتوقع الخبراء انكماش الناتج المحلي الإجمالي لإيران بنسبة من رقمين هذا العام. وهوى الريال الإيراني 70 في المائة خلال العام الماضي، مما فاقم التضخم وساهم في اندلاع احتجاجات حاشدة في يناير.

وفقد الريال 15 في المائة خلال الأيام القليلة الماضية، لكنه، بعد استقراره خلال مارس (آذار)، لا يزال قريباً من مستواه قبل الحرب.

ولا توجد مؤشرات كثيرة على ضغوط مالية وشيكة. فلم تقيد السلطات عمليات السحب من البنوك، ولم تحدد حصصاً للوقود أو للسلع الغذائية الأساسية، ولم يتأخر صرف رواتب موظفي الدولة. ولا تزال رفوف المتاجر ممتلئة، فيما تواصل الشركات والبنوك عملها.

وأظهرت بيانات الشحن للفترة من 13 إلى 25 أبريل أن نحو 300 ألف برميل فقط من النفط تحركت إلى المحيط الهندي من أصل أكثر من مليون برميل تم تحميلها على ناقلات خلال تلك الفترة. ورغم محدودية سعة التخزين، يعتقد محللون في قطاع الطاقة أن إيران قد تتمكن من الصمود شهرين آخرين قبل خفض الإنتاج.

وحققت طهران إيرادات إضافية من مبيعات الطاقة خلال فترة إعفاءات من العقوبات في بداية الحرب. وتصدر إيران كميات محدودة من النفط براً، لكنها لا تكفي لتعويض الطرق البحرية المحاصرة.

إيرانيون يتبضعون في سوق محلية في طهران الخميس 28 أبريل (رويترز)

وقال مصدر كبير في البنك المركزي الإيراني لـ«رويترز» إن البلاد تمتلك احتياطيات كبيرة من الذهب، «بالأطنان»، يمكن استخدامها إذا لزم الأمر، وإن طهران، بعد عقود من الالتفاف على العقوبات، تعرف كيف تحافظ على الواردات حتى إن استدعى ذلك دفع مبلغ إضافي بسيط.

وقال إيشان باهنو، كبير محللي السلع الزراعية في «كبلر»: «إيران هي أكبر مستورد للغذاء في المنطقة. لكن من المهم أيضاً ملاحظة أنها في الوقت نفسه أقل دول المنطقة معاناة من انعدام الأمن الغذائي».

وأوضح أنه مع اقتراب موسم حصاد يُتوقع أن يكون أفضل من المعتاد، تتراجع الحاجة إلى استيراد القمح، مما يقلل تعرض البلاد لمخاطر تمديد الحصار البحري ليشمل شحنات الحبوب، ويؤجل بعض الإنفاق بالعملات الأجنبية.

وأضاف، مشيراً إلى تحركات سفن جرى تتبعها، أن الحصار الأميركي اقتصر حتى الآن على الموانئ المطلة على الخليج العربي، ولم يشمل ميناء تشابهار الإيراني على بحر العرب، وركز على ناقلات النفط.

وقال مسؤولون في تركيا والعراق وباكستان لـ«رويترز» إنه لا توجد مؤشرات حتى الآن على حدوث تراجع في التجارة عبر الحدود. وأظهرت بيانات وزارة الزراعة الروسية أن موسكو عززت التجارة عبر بحر قزوين هذا العام؛ إذ شحنت 500 ألف طن من الذرة، و180 ألف طن من الشعير، وأربعة آلاف طن من القمح عبر البحر الداخلي من يناير إلى مارس، متجاوزة موانئ الخليج المحاصرة.

معاناة اقتصادية طاحنة

وقال رئيس لجنة الزراعة في البرلمان، محمد جواد عسكري، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام رسمية في يناير، إنه مع تزايد تهديدات ترمب بعمل عسكري في الشهر نفسه، زادت إيران وارداتها لتخزين ما يكفي من الضروريات لمدة ستة أشهر.

وبعد وقت قصير من اندلاع الصراع، قدم البنك المركزي حزمة دعم شملت إعفاء القروض الصغيرة من غرامات التأخير في السداد، ورفع حدود السحب من البنوك لطمأنة المودعين.

ومع ذلك، تعاني طهران من مشكلات اقتصادية شديدة؛ إذ تضررت الشركات الإيرانية من ارتفاع الأسعار، وتعطل سلاسل الإمداد، وانقطاع الإنترنت، مما تسبب في زيادة معدلات البطالة.

تاجر عملات في طهران يحمل أوراقاً نقدية من فئة المائة دولار مع انخفاض قيمة الريال الإيراني (رويترز)

وقال عباس إسماعيل زادة، تاجر الأرز والحبوب: «ارتفاع أسعار السلع الأساسية، خاصة المنتجات مثل منتجاتنا التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بموائد الناس، يضع ضغوطاً حقيقية عليهم». وقدر إسماعيل زادة أن مبيعاته انخفضت بنحو 40 في المائة منذ بدء الحرب.

وقال الميكانيكي حسين أميري إن عدد الزبائن الذين يجلبون سياراتهم إلى ورشته انخفض بشكل كبير مقارنة بما كان عليه قبل الحرب. وأضاف: «عملنا شبه متوقف»، محذراً من أن الأوضاع قد تسوء أكثر بكثير.

وتخشى السلطات موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية. ولم تنته الاضطرابات التي جرت في يناير إلا بقتل الآلاف من المتظاهرين في أعنف موجة من إراقة الدماء منذ عقود.

ويقول الخبراء إن إيران ستحتاج إلى تضمين بند يتعلق بتخفيف العقوبات في أي اتفاق مع واشنطن لتجنب كارثة اقتصادية تلوح في الأفق.


مقالات ذات صلة

النفط يواصل التراجع مع انحسار مخاوف اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط

الاقتصاد ناقلات نفط قادمة من حقول رميلان اصطفت على طول أحد الطرق بعد أن أوقفها السكان المحليون خلال احتجاجات (أ.ب)

النفط يواصل التراجع مع انحسار مخاوف اضطراب الإمدادات في الشرق الأوسط

تراجعت أسعار النفط في التعاملات الآسيوية، الخميس، مواصلة خسائرها، بعدما تراجعت بنحو 3 دولارات للبرميل، الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

فانس: حرب إيران تدخل مرحلة «مختلفة تماماً» خلال شهرين

قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الصراع سيدخل «مرحلة مختلفة تماماً» خلال شهرين، من دون أن يوضح طبيعة المرحلة الجديدة.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
المشرق العربي الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

الزيدي يواجه اختبارات مركبة قبيل الانسحاب الأميركي من العراق

عاد رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى بغداد، الأربعاء، بعد جولة أوروبية شملت فرنسا وألمانيا، في وقت يسعى فيه إلى توسيع الشراكات مع الغرب.

حمزة مصطفى (بغداد)
شؤون إقليمية جانب من المباحثات الموسعة بين وزيري الخارجية السوري أسعد الشيباني والتركي هاكان فيدان في دمشق في 13 سبتمبر بحضور وفدي البلدين (الخارجية التركية)

تركيا: الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي توقف «قسد» عن كونها تهديداً

أكدت تركيا أن الأولوية القصوى في سوريا حالياً هي أن تتوقف «قوات سوريا الديمقراطية» عن كونها تهديداً، عادّةً أن إسرائيل تشكل الخطر الأكبر على استقرار جارتها

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ رئيس مجلس النواب مايك جونسون في الكونغرس يوم 15 سبتمبر 2026 (أ.ب)

حرب إيران تلاحق حزب ترمب

مع اقتراب الانتخابات النصفية في الكونغرس الأميركي واستياء الناخبين من تأثير حرب إيران على معيشتهم، توسّعت الانشقاقات بين نواب الحزب الجمهوري حيال الحرب.

رنا أبتر (واشنطن)

حديث أميركي عن «مرحلة مختلفة» في الحرب

صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لطائرة هليكوبتر تقلع من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس رافائيل بيرالتا» في إطار تنفيذ الحصار على إيران (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لطائرة هليكوبتر تقلع من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس رافائيل بيرالتا» في إطار تنفيذ الحصار على إيران (سنتكوم)
TT

حديث أميركي عن «مرحلة مختلفة» في الحرب

صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لطائرة هليكوبتر تقلع من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس رافائيل بيرالتا» في إطار تنفيذ الحصار على إيران (سنتكوم)
صورة نشرتها قيادة "سنتكوم" أمس لطائرة هليكوبتر تقلع من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «يو إس إس رافائيل بيرالتا» في إطار تنفيذ الحصار على إيران (سنتكوم)

في وقت تتفاقم فيه تداعيات حرب إيران في شهرها السابع على الملاحة في مضيق هرمز، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الصراع سيدخل «مرحلة مختلفة تماماً» خلال شهرين، من دون أن يوضح طبيعة المرحلة الجديدة.

وتأتي تصريحاته في ظل تأكيدات سابقة للرئيس دونالد ترمب بأن الحرب ستنتهي «مباشرة بعد» انتخابات التجديد النصفي، في إشارة إلى مسار جديد للمواجهة يتزامن مع انتخابات الكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وقال فانس، في مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست» على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس 2»، إن الرئيس ترمب محق في توقعه دخول الحرب «مرحلة مختلفة» خلال شهرين، مضيفاً أن الرئيس الأميركي بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، هو من يحدد «متى تبدأ الصراعات ومتى تنتهي». وأضاف فانس: «لا يمكننا التنبؤ بالمستقبل، لكنني أعتقد أن الرئيس محق في قوله إن هذا الأمر سيدخل مرحلة مختلفة تماماً خلال شهرين».

كما أشار نائب الرئيس الأميركي إلى أن حركة الملاحة في مضيق هرمز استعادت أكثر من 50 في المائة من مستوياتها الطبيعية، مضيفاً أن النظام الإيراني يفقد السيطرة تدريجياً على المضيق.

وبينما تستمر الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران، دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال لقائه نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين أمس، طهران إلى فتح مضيق هرمز والعمل على منع تمدد الأزمة إلى البحر الأحمر.


فانس: حرب إيران تدخل مرحلة «مختلفة تماماً» خلال شهرين

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)
TT

فانس: حرب إيران تدخل مرحلة «مختلفة تماماً» خلال شهرين

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)
نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران للشهر السابع، وتتفاقم تداعياتها على الملاحة في مضيق هرمز، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس إن الصراع سيدخل «مرحلة مختلفة تماماً» خلال شهرين، من دون أن يوضح طبيعة المرحلة الجديدة.

وتأتي تصريحاته في ظل تأكيدات سابقة للرئيس ترمب بأن الحرب ستنتهي «مباشرة بعد» انتخابات التجديد النصفي، في إشارة إلى مسار جديد للمواجهة يتزامن مع انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وقال فانس، في مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست» على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس 2»، إن الرئيس دونالد ترمب محق في توقعه دخول الحرب مرحلة مختلفة خلال شهرين، مضيفاً أن ترمب، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، هو من يحدد «متى تبدأ الصراعات ومتى تنتهي».

وأضاف نائب الرئيس الأميركي: «لا يمكننا التنبؤ بالمستقبل، لكنني أعتقد أن الرئيس محق في قوله إن هذا الأمر سيدخل مرحلة مختلفة تماماً خلال شهرين».

وفي محاولة للرد على الانتقادات المتزايدة داخل الولايات المتحدة، أقر فانس بوجود «قدر من نفاد الصبر لدى الشعب الأميركي»، لكنه قال إن الولايات المتحدة «لا تشارك في عمليات عدوانية» في الوقت الراهن.

4 سفن فقط تعبر هرمز

سفينة شحن راسية في مضيق هرمز تنتظر العبور (أ.ب)

كما أشار فانس إلى أن حركة الملاحة في مضيق هرمز استعادت أكثر من 50 في المائة من مستوياتها الطبيعية، مضيفاً أن النظام الإيراني يفقد السيطرة تدريجياً على المضيق، وسيواصل فقدانها حتى موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

لكن بيانات شحن أولية تشير إلى عكس ذلك؛ إذ أوضحت استمرار الاضطراب في مضيق هرمز، حيث عبرت أربع سفن فقط المضيق الثلاثاء، مقارنة بـ7 سفن في اليوم السابق، وهو رقم يقل بصورة كبيرة عن متوسط الأيام العشرة الماضية البالغ 18 سفينة يومياً. وشملت حركة العبور سفينتين دخلتا المضيق وسفينتين غادرتاه، فيما لم تكن أي منها من ناقلات النفط الخام العملاقة أو ناقلات الغاز الطبيعي المسال.

وكان المضيق، قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط)، يشهد عبور نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يومياً، تشمل ناقلات النفط والغاز وسفن البضائع والحاويات، ويمر عبر المضيق ما يقارب 20 في المائة من الإمدادات العالمية اليومية من النفط الخام والغاز الطبيعي المسال.

ولا تعكس بيانات التتبع بالضرورة حركة الملاحة كاملة؛ إذ يمكن لبعض السفن إغلاق أجهزة الإرسال والاستقبال التي تحدد هويتها وموقعها، وبالتالي لا تظهر في الإحصاءات الأولية.

الصين تطالب بفتح المضيق

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي وزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين يوم في 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

وبينما تستمر الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران، دخلت الصين على خط الأزمة مجدداً، داعية واشنطن وطهران إلى ضبط النفس والعودة إلى المسار الدبلوماسي.

وقال وزير الخارجية الصيني وانغ يي، خلال لقائه نظيره الإيراني عباس عراقجي في بكين، الأربعاء، إن على الطرفين التحلي بالحكمة وضبط النفس، والعودة إلى «مذكرة تفاهم إسلام آباد» والانخراط في مشاورات جوهرية.

كما حث وانغ جميع الأطراف على اتخاذ إجراءات تتيح إعادة فتح مضيق هرمز «في أقرب وقت ممكن»، محذراً من تداعيات استمرار الأزمة على استقرار نقل الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وأعرب الوزير الصيني عن قلق بلاده من امتداد التوتر إلى مناطق أخرى، قائلاً إن بكين «لا تريد أن ترى التوترات الإقليمية تمتد بصورة أكبر إلى البحر الأحمر».

ودعا وانغ واشنطن وطهران إلى «إعادة بناء آلية التفاوض» استناداً إلى التفاهمات التي سبق التوصل إليها، في وقت تستعد فيه بكين لاستضافة محادثات رفيعة المستوى مع الجانب الأميركي.

وتكتسب المواقف الصينية أهمية إضافية في ضوء العلاقات الاقتصادية مع إيران؛ إذ تعد الصين المشتري الرئيسي للنفط الإيراني وشريك طهران التجاري الأكبر. وكانت بكين قد دعت مراراً إلى استعادة الملاحة الطبيعية والآمنة عبر مضيق هرمز، مع تجنب توجيه انتقادات مباشرة لطهران بشأن تهديداتها للملاحة.

وقال وانغ إن التطورات الحالية تثبت مجدداً أن «البنية الأمنية القائمة في الشرق الأوسط غير كافية»، داعياً إلى إصلاحها وتعزيزها، ومؤكداً في الوقت نفسه ثبات سياسة بلاده تجاه إيران.

عراقجي: إيران مستعدة للدبلوماسية

من جانبه، قال عراقجي إن إيران، رغم استعدادها للدفاع عن سيادتها وسلامة أراضيها وأمنها، ترحب بالحلول الدبلوماسية التي تضمن حقوق الإيرانيين.

ويأتي ذلك في وقت يؤكد فيه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن بلاده لا تريد الحرب، مع إبداء استعدادها للعودة إلى طاولة المفاوضات، شرط الاستجابة للمطالب الإيرانية. وكان بزشكيان قد حذر كذلك من تداعيات الأزمة الاقتصادية والمعيشية على تماسك البلاد، مشدداً على ضرورة معالجة هذه الضغوط حتى لا تجد إيران نفسها مضطرة إلى التفاوض من موقع ضعف.

انفجارات في جزيرة قشم

صورة جوية لجزيرة قشم الإيرانية قرب مضيق هرمز (رويترز)

ميدانياً، سُمع دوي عدة انفجارات في جزيرة قشم الإيرانية ليل الثلاثاء - الأربعاء، من دون إعلان رسمي عن طبيعتها أو أسبابها. ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إيرنا» عن مصادر محلية أن أصوات الانفجارات جاءت من جهة البحر.

وتكرر سماع الانفجارات في الجزيرة الواقعة جنوب إيران خلال الأيام الأخيرة. وقبل أربعة أيام، تحدثت مصادر محلية عن انفجارين من جهة البحر، بينما قالت السلطات في محافظة هرمزغان، في وقت سابق، إن أصوات انفجارات في المنطقة نجمت عن نشاط لأنظمة الدفاع الجوي في إطار اختبار وتقييم قدراتها.

وتزامنت هذه التطورات مع تصاعد التوتر في مضيق هرمز، بما في ذلك تجدد القصف الأميركي لزوارق إيرانية مسيرة، الأمر الذي أبقى الممر المائي الاستراتيجي في قلب المواجهة بين البلدين.

خلاف على إدارة المضيق

ويظل مستقبل مضيق هرمز أحد أبرز الملفات التي تعرقل التوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران. فإيران تتمسك بدور رئيسي في إدارة حركة الملاحة، بالتنسيق مع سلطنة عُمان، وتطرح إمكانية فرض بدلات مرور أو رسوم مقابل الخدمات المقدمة للسفن. وتعارض الولايات المتحدة هذا الطرح، وتتمسك بضرورة أن تتمكن السفن التجارية من عبور المضيق من دون قيود.

وكانت طهران ومسقط قد أجرتا على مدى فترة طويلة مباحثات بشأن ترتيبات إدارة الملاحة، إلا أن الخلاف حول طبيعة هذه الترتيبات أسهم في تعقيد المفاوضات الأوسع بين إيران والولايات المتحدة.

ومع استمرار الخلافات حول هرمز، إلى جانب قضايا أخرى، انهار الاتفاق المبدئي الذي جرى التوصل إليه في يونيو (حزيران)، لتدخل الحرب شهرها السابع من دون مؤشرات واضحة على تسوية نهائية.

وفي ظل استمرار التوتر العسكري، وتراجع حركة السفن، وتداخل المصالح الأميركية والإيرانية والصينية حول أمن الطاقة، يبدو مضيق هرمز أكثر من مجرد ساحة للمواجهة المباشرة؛ فهو بات أيضاً محوراً رئيسياً لأي مسار تفاوضي محتمل بين واشنطن وطهران، فيما تزداد الضغوط لإبقاء الأزمة محصورة في حدودها الحالية، ومنع امتدادها إلى مناطق أخرى في الشرق الأوسط.


ملف يبدو طبياً لكنه خبيث… تحذير من أسلوب إيراني لاستهداف المعارضين

مهاجمون إلكترونيون يعملون لصالح النظام الإيراني يتبعون أساليب مبتكرة ومتطورة بشكل متزايد لخداع أهدافهم (رويترز)
مهاجمون إلكترونيون يعملون لصالح النظام الإيراني يتبعون أساليب مبتكرة ومتطورة بشكل متزايد لخداع أهدافهم (رويترز)
TT

ملف يبدو طبياً لكنه خبيث… تحذير من أسلوب إيراني لاستهداف المعارضين

مهاجمون إلكترونيون يعملون لصالح النظام الإيراني يتبعون أساليب مبتكرة ومتطورة بشكل متزايد لخداع أهدافهم (رويترز)
مهاجمون إلكترونيون يعملون لصالح النظام الإيراني يتبعون أساليب مبتكرة ومتطورة بشكل متزايد لخداع أهدافهم (رويترز)

في أسلوب جديد لخداع المستهدفين، لجأ مهاجمون إلكترونيون مرتبطون بالنظام الإيراني إلى إخفاء برمجيات تجسس داخل ملفات تبدو كأنها نتائج لفحوص طبية؛ في محاولة لدفع معارضين ومنتقدين للنظام حول العالم إلى تحميل ملفات خبيثة على أجهزتهم. وتحذّر السلطات المختصة من أن هذه الأساليب تعتمد بصورة متزايدة على انتحال هوية أشخاص موثوقين وبناء علاقة ثقة مع الضحايا قبل استدراجهم إلى فتح الملفات.

وحذَّرت وكالة الأمن السيبراني البريطانية من أن إيران تخفي برمجيات تجسس في هيئة نتائج لفحوص التصوير بالرنين المغناطيسي؛ بهدف خداع منتقدي النظام حول العالم وحملهم على تحميل ملفات خبيثة، وفقاً لصحيفة «التلغراف».

وفي تحذير نادر، أفاد المركز الوطني للأمن السيبراني (NCSC)، التابع لمقر الاتصالات الحكومية (GCHQ)، بأن مهاجمين إلكترونيين يعملون لصالح النظام الإيراني يتبعون أساليب مبتكرة ومتطورة بشكل متزايد لخداع أهدافهم، ودفعهم إلى تحميل برمجيات خبيثة تتيح تتبعهم رقمياً.

وقد رُصد عملاء إيرانيون وهم ينتحلون شخصيات يعرفها المستهدفون عبر تطبيقي «واتساب» و«تلغرام»؛ بهدف «بناء علاقة ثقة» معهم، قبل إقناعهم بتحميل وفتح ملفات تبدو حقيقية وسليمة.

نتائج فحوص مزيفة وبرنامج تجسس

وصدر التحذير بشأن استخدام نتائج مزيفة لفحوص التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) بالتعاون مع أجهزة استخبارات في كل من الولايات المتحدة وهولندا. وأفادت هذه الجهات بأنه تم رصد أطراف معادية تستخدم برنامج تجسس يُعرف باسم «Chosen Brick».

وبمجرد تثبيت هذا البرنامج الخبيث على الجهاز، يصبح بإمكانه جمع معلومات حساسة عن المستهدفين، بما في ذلك قوائم جهات الاتصال ورسائل البريد الإلكتروني ومراسلات وسائل التواصل الاجتماعي، كما يتيح إمكانية التنصت على الضحية من خلال الوصول إلى ميكروفون الجهاز.

وذكر المركز الوطني للأمن السيبراني (NCSC) أن بعض البيانات الشخصية المسروقة ظهرت على مواقع إلكترونية مؤيدة لإيران مخصصة لنشر التسريبات؛ ما عرّض الضحايا لمزيد من المضايقات.

وأوضح كل من المركز الوطني للأمن السيبراني، ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (FBI)، وجهاز الأمن الهولندي، أنهم أصدروا هذا التحذير بهدف تنبيه الضحايا المحتملين والمساعدة في حماية الآخرين المعرضين لخطر الاستهداف.

وتشمل أهداف طهران المعارضين الإيرانيين المقيمين في الخارج، والصحافيين الذين يغطّون أخبار النظام، وغيرهم ممن يُعدَّون «مصدر تهديد».

وقال بول تشيتشستر، مدير العمليات في المركز الوطني للأمن السيبراني (NCSC)، إن تفاصيل حملة التجسس «تكشف كيف تستخدم إيران المراقبة الرقمية بلا هوادة سعياً منها لقمع منتقدي النظام، وذلك من خلال سرقة رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية واختراق الأجهزة».

وأضاف: «نحن نحثّ بشدة، بالتعاون مع شركائنا الدوليين، الأفراد المعرضين للخطر على الاطلاع على تقنيات الهندسة الاجتماعية الموضحة في التحذير الأمني، والعمل بموجب النصائح والإرشادات الوقائية الواردة فيه».

وتابع: «سنواصل تسليط الضوء على الأنشطة السيبرانية الخبيثة التي تمارسها الدولة الإيرانية، ودعم المجتمعات بتقديم نصائح عملية لتعزيز أمنهم الشخصي على الإنترنت».

برمجيات قادرة على البقاء في الأجهزة

ووصفت الوكالات البرمجية الخبيثة التي تستهدف نظام «ويندوز» بأنها «مستمرة»، أي إنها قادرة على البقاء في الجهاز حتى بعد إعادة تشغيله؛ ما يزيد من قدرتها على مواصلة عملها والوصول إلى بيانات الضحية.

وسبق أن وردت تقارير تفيد باستخدام إيران برمجيات تجسس لاستهداف المعارضين، كما أصدر مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) تحذيراً بعد أسابيع من اندلاع التوتر بين الولايات المتحدة وإيران في فبراير (شباط) من هذا العام.

غير أن التحذير الصادر، الثلاثاء، يُعدّ أول تحذير سيبراني رئيسي من جانب بريطانيا منذ بدء الأزمة؛ وهو ما يشير إلى أن الوكالات المعنية رصدت تزايداً حديثاً في الأنشطة ذات الصلة.