مهلة ترمب لطهران تقترب... وهرمز في قلب الاشتباك

حريق كبير قرب مطار مشهد... أكثر من 20 غارة إسرائيلية وسط طهران ومقتل قائد وحدة «فاتحين»

صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)
صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)
TT

مهلة ترمب لطهران تقترب... وهرمز في قلب الاشتباك

صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)
صورة انتشرت من جسر قيد الإنشاء بعد غارة جوية في كرج غرب طهران (شبكات التواصل)

اقتربت المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز، بينما أكد أن قواته ستواصل ضرب إيران «بعنف شديد» خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة، وأن الأهداف العسكرية الأميركية ستُنجز «قريباً جداً». وفي المقابل، تمسكت طهران بإغلاق المضيق أمام «الأعداء»، وردت بتهديدات بتوسيع الضربات.

وتزامن ذلك مع جولة جديدة من الغارات داخل إيران، ورشقات صاروخية إيرانية متكررة على إسرائيل، وتحركات دبلوماسية متسارعة حول مستقبل الملاحة في المضيق.

واستمرت الضربات على منشآت ومواقع داخل إيران، من مشهد شمال شرقي البلاد إلى أصفهان وسط والعاصمة طهران وبضواحيها كرج وعبادان ومعشور في جنوب غربي البلاد، وبندر عباس وبجواره جزيرة قشم أكبر الجزر المأهولة في الخليج العربي قبالة مضيق هرمز، بينما أعلن الجيش الإسرائيلي استهداف قاعدة للقوات البرية التابعة لـ«الحرس الثوري» ومركز قيادة متنقل وموقع لتخزين الصواريخ الباليستية في منطقة تبريز شمال غربي البلاد.

وفي المقابل، واصل «الحرس الثوري» والجيش الإيراني إصدار بيانات عن موجات جديدة، شملت هجمات صاروخية ومسيّرة على أهداف إسرائيلية، وأخرى في دول المنطقة، بدعوى أنها مرتبطة بالولايات المتحدة، منها استهداف قاعدة الأزرق الجوية في الأردن.

وأشاد ترمب بقصف جسر«B1» الرابط بين طهران وكرج، قائلاً إن «أكبر جسر في إيران» انهار «ولن يُستخدم مجدداً أبداً»، مجدداً دعوة طهران إلى إبرام اتفاق «قبل فوات الأوان». وجاء ذلك بعد إعلان التلفزيون الرسمي الإيراني أن الجسر تعرّض لضربات إسرائيلية - أميركية على مرحلتين الخميس، أسفرت، بحسبه، عن مقتل شخصين على الأقل. وأضاف ترمب أنه حان الوقت لإيران لعقد اتفاق «قبل ألا يبقى شيء» مما يمكن أن يصبح «بلداً عظيماً».

ونائب الشؤون الأمنية لحاكم محافظة البرز إن الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على الجسر في كرج أسفر عن مقتل 8 مدنيين وإصابة 95 آخرين.

وأضاف أن القتلى من سكان قرية بيلقان ومن مسافرين عابرين وعائلات كانت موجودة في محيط المنطقة لقضاء يوم الطبيعة وقت وقوع الهجوم، واصفاً ما جرى بأنه «جريمة مروعة»، وفقاً لوكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري».

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن استهداف منشآت مدنية، بما في ذلك الجسور غير المكتملة، «لن يجبر الإيرانيين على الاستسلام»، معتبراً أن ذلك يعكس «هزيمة وانهياراً أخلاقياً» لدى الخصم.

وأضاف، في منشور على منصة «إكس»، أن كل جسر ومبنى متضرر «سيعاد بناؤه بصورة أقوى»، لكنه قال إن ما «لن يتعافى» هو الضرر الذي لحق بمكانة الولايات المتحدة.

الخيار المطروح

وقال ترمب، في خطاب استمر نحو 20 دقيقة من البيت الأبيض مساء الأربعاء، إن العملية الجارية منذ 32 يوماً «استثمرت في مستقبل الأميركيين»، معتبراً أن إيران «لم تعد في الأساس تشكل تهديداً». وأضاف أن الولايات المتحدة لا تزال تسعى إلى اتفاق دبلوماسي، لكنه شدد على أنه إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق «فسنضرب كل محطة من محطات توليد الكهرباء لديهم بعنف شديد، وعلى الأرجح في وقت واحد».

وقال أيضاً إن واشنطن لم تستهدف النفط الإيراني حتى الآن، رغم أنه «الهدف الأسهل على الإطلاق»، لأن ذلك «لن يمنحهم حتى فرصة صغيرة للبقاء أو إعادة البناء»، لكنه أبقى هذا الخيار مطروحاً.

ساعة الإنذار

فصّل ترمب في خطابه ملامح الضغط الأميركي في هذه المرحلة، قائلاً إن الولايات المتحدة ستواصل ضرب إيران «بعنف شديد» خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة، وإن بلاده «في طريقها إلى استكمال جميع الأهداف العسكرية الأميركية قريباً، قريباً جداً». وأضاف أن أي عدو في تاريخ الحروب «لم يتعرض لخسائر واسعة النطاق واضحة ومدمرة بهذا الشكل خلال أسابيع»، معتبراً أن النجاح العسكري تحقق وأن ما تبقى هو إنهاء المهمة.

وقال أيضاً إن إيران ستُدفع «إلى العصر الحجري»، وإن الولايات المتحدة ستضربها «بعنف شديد» إذا لم تستجب. وكرر أن هدفه الأساسي من الحرب كان ضمان ألا تمتلك إيران «سلاحاً نووياً أبداً»، مضيفاً أن اليورانيوم عالي التخصيب المدفون تحت الأنقاض الناتجة عن ضربات سابقة «تحت مراقبة وسيطرة مكثفتين بالأقمار الاصطناعية». وقال: «إذا رأيناهم يتحركون، حتى مجرد التحرك نحوه، فسوف نضربهم بالصواريخ بعنف شديد مرة أخرى. نحن نمسك بكل الأوراق. وهم لا يملكون شيئاً».

ولم يبد ترمب ميلاً لإرسال قوات برية لتأمين اليورانيوم المخصب، قائلاً إن الوصول إليه «سيستغرق أشهراً» لأنه مدفون تحت الأنقاض. لكنه أبقى الباب مفتوحاً أمام ضرب البنية التحتية للطاقة والنفط إذا لم تخضع طهران للشروط الأميركية.

وفي هذا السياق، ربط مجدداً أي نهاية للحرب بإعادة فتح مضيق هرمز، قائلاً إن الولايات المتحدة تريد اتفاقاً قبل مهلة 6 أبريل (نيسان) التي حددها بعد تمديد مهلة سابقة كانت قد اقتصرت على 48 ساعة لإعادة فتح المضيق.

جاء ذلك بعدما قال ترمب إن من هم الآن في السلطة في إيران «أقل تطرفاً وأكثر عقلانية بكثير» بعد الضربات الأميركية والإسرائيلية، لكنه لم يحدد بصورة واضحة وضع المفاوضات أو جدولاً زمنياً لإنهاء الحرب. كما لم يوضح كيف يمكن إنهاء الاضطراب في أسواق الطاقة إذا استمرت إيران في تعطيل الملاحة. لكنه قال إن مضيق هرمز «سينفتح تلقائياً» بمجرد انتهاء القتال، لأن الإيرانيين «سيريدون بيع النفط». ودعا الدول التي تعتمد على النفط المار عبر المضيق إلى «بناء بعض الشجاعة المتأخرة» و«الذهاب وأخذ المضيق»، قائلاً: «احموه، واستخدموه لأنفسكم».

رسائل التصلب

جاءت الردود الإيرانية واسعة وموزعة بين المؤسسة العسكرية والقيادة السياسية والخطاب التعبوي. فقال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان إن تقدير الولايات المتحدة وإسرائيل للقدرات العسكرية الإيرانية «غير مكتمل»، وقال إن إيران تحتفظ بمخزونات سرية من الأسلحة والذخائر ومنشآت الإنتاج، مضيفاً أن «إنتاجنا العسكري الاستراتيجي يجري في مواقع لا علم لكم بها ولن تصلوا إليها أبداً» وإن «المراكز التي تظنون أنكم استهدفتموها غير ذات أهمية». وتوعد بأن العمليات المقبلة ستكون «أكثر سحقاً واتساعاً وتدميراً». مضيفاً أن الحرب ستستمر حتى «ندم» الخصوم و«استسلامهم».

ورد مجيد موسوي، قائد الوحدة الصاروخية في «الحرس الثوري»، على تهديدات «العصر الحجري» بالقول إن «من قد يُدفنون تحت الأنقاض هم جنودكم، لا إيران»، مضيفاً أن «الأوهام الهوليوودية» دفعت الأميركيين إلى تهديد حضارة يزيد عمرها على ستة آلاف عام. وفي رسالة بالعبرية إلى الإسرائيليين، قال إن صفارات الإنذار والاهتزازات في الملاجئ تحت وابل الصواريخ الإيرانية تمثل «جزءاً من هدية نتنياهو» للإسرائيليين في العيد.

وفي بيان مماثل، قال «الحرس الثوري» إن الضربات الأميركية والإسرائيلية لم تدمر مراكز إنتاج الصواريخ ولا الطائرات المسيّرة بعيدة المدى ولا الدفاعات الجوية ولا أنظمة الحرب الإلكترونية. وأضاف أن الولايات المتحدة وإسرائيل «لا تعرفان شيئاً عن قدراتنا الهائلة والاستراتيجية».

كما قالت قيادة الوحدة البحرية في «الحرس الثوري» إن توسيع الحرب «يوسع بنك الأهداف» ويُسرع «إخراج أميركا من المنطقة»، مشيرة إلى أهداف تشمل منشآت صلب وألمنيوم في المنطقة.

صورة نشرها المتحدث باسم وزارة الصحة الإيرانية بعد تدمير معهد باستور العلمي في منطقة تحمل الاسم نفسه وتضم مراكز صنع القرار بما في ذلك مكتب المرشد الإيراني ومجلس الأمن القومي وديوان الرئاسة

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، فاختار خطاباً تعبوياً مباشراً، قائلاً إن مهاجمة إيران تعني مواجهة «العائلة كلها». وقال إنه حمل السلاح في سن الثامنة عشرة، وإن شقيقه قُتل في الحرب، قبل أن يضيف أن الإيرانيين «ليسوا دعاة حرب»، لكن «كل فرد يصبح جندياً عندما يحين وقت الدفاع عن الوطن». وأضاف أن حملة وطنية جارية أظهرت استعداد نحو سبعة ملايين إيراني لحمل السلاح والدفاع عن البلاد.

ومن جانبه، قال قائد الجيش الإيراني اللواء أمير حاتمي إن أي قوة معادية تحاول تنفيذ عملية برية «لن ينجو منها أحد»، في حين قال رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف إن مهاجمة إيران تعني مواجهة «العائلة كلها»، مشيراً إلى أن نحو سبعة ملايين إيراني أعلنوا استعدادهم لحمل السلاح والدفاع عن البلاد.

وقال حاتمي إن مقر العمليات الإيراني يجب أن يراقب تحركات العدو «بأقصى درجات الحذر والدقة»، وأن يكون مستعداً لمواجهة أي شكل من أشكال الهجوم.

وأضاف، في توجيه إلى القيادات العملياتية، أن «شبح الحرب» يجب أن يُرفع عن البلاد، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أي عملية برية معادية ستُقابل برد لا ينجو منه أحد. وأظهرت وسائل إعلام إيرانية حاتمي مع عدد من القادة العسكريين في غرفة عمليات، في رسالة أرادت طهران من خلالها إظهار الجاهزية والقيادة المباشرة.

ومن جانبه، قال سعيد جليلي، ممثل المرشد الإيراني في مجلس الأمن القومي، إن تسلسل التصريحات الأميركية عن مضيق هرمز يمثل «سجل التراجع التدريجي للولايات المتحدة وانهيار أوهام رئيسها». واستعرض ما قال إنها مواقف أميركية متبدلة: من الحديث عن فتح المضيق وفرض مهلة 48 ساعة ثم تمديدها خمسة أيام، إلى مطالبة «الناتو» بالمساعدة، ثم دعوة الدول المحتاجة إلى النفط لأن «تذهب وتفتحه بنفسها».

وبدوره، قال حسام الدين آشنا، أحد كبار الخبراء في وزارة الاستخبارات ومستشار الرئيس الأسبق حسن روحاني، إن إيران «لم تأتِ في يوم ما من العصر الحجري حتى يمكن إعادتُها إليه بالقصف».

دبلوماسية المضيق

بقي مضيق هرمز في صلب الاشتباك السياسي والعسكري. فإيران واصلت استخدامه أداة ضغط استراتيجية، بينما تعاملت معه واشنطن والدول الغربية بوصفه عنواناً رئيسياً للنزاع. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي إن بلاده تعمل مع سلطنة عمان على إعداد نظام جديد للملاحة في المضيق، على أن يبدأ تطبيقه بعد انتهاء الحرب، مشيراً إلى أن المشروع بلغ مراحله النهائية. وأضاف أن إيران ترى ضرورة منع سفن «المعتدين وحلفائهم»، التجارية والعسكرية، من عبور المضيق إذا كانت تشارك في العمليات العسكرية أو تدعمها.

دخان يتصاعد من بلدة صناعية تضم ورشات لصناعة السجاد بمدينة أصفهان (شبكات التواصل)

وأوضح غريب آبادي أن التصور الإيراني يقوم على إلزام جميع السفن العابرة، حتى في أوقات السلم، بالحصول مسبقاً على الموافقات والتصاريح اللازمة من إيران وعُمان، بما يضمن أمن الممر وسلامة العبور. وقال إن العمل يتركز حالياً على بروتوكول مشترك مع سلطنة عُمان لا يستهدف فرض قيود بل تنظيم المرور وتقديم الخدمات وضمان الأمن.

في المقابل، قالت باكستان إنها مستعدة لاستضافة محادثات مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران للمساعدة في إنهاء الصراع، من دون تحديد موعد بعد. وقالت وزارة الخارجية الباكستانية إن إسلام آباد تواصل بذل «جهود دبلوماسية بنشاط» لوقف الأعمال العدائية، وإن دول المنطقة تدعم إمكان عقد محادثات محتملة في إسلام آباد. وأضافت أن رئيس الوزراء شهباز شريف بحث المبادرة مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وشدد على ضرورة بناء الثقة لتسهيل التفاوض والوساطة.

كما تحدثت بريطانيا عن اجتماع افتراضي يضم نحو 30 إلى 35 دولة لبحث تدابير دبلوماسية وسياسية لاستئناف الملاحة في المضيق بعد انتهاء الحرب. لكن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قال إن أي عملية عسكرية لـ«تحرير» هرمز ستكون «غير واقعية».

ودعت الصين إلى وقف فوري لإطلاق النار، وقالت إن استعادة الاستقرار في المضيق هدف مشترك للمجتمع الدولي، محملة العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية مسؤولية تعطيل الملاحة. كما حصلت الفلبين على تأكيد إيراني بسلامة مرور سفنها ووارداتها النفطية وبحارتها عبر المضيق. وأبدت روسيا استعداداً للمساعدة في تسوية الحرب، فيما حذر وزير الخارجية الإيطالي من أن استمرارها قد يؤدي إلى زيادة تدفقات الهجرة.

خرائط النار

ميدانياً، أعلن الجيش الإسرائيلي توسيع بنك أهدافه داخل إيران ليشمل، إلى جانب القواعد ومراكز القيادة والمخازن الصاروخية، البنية المالية التي يعتمد عليها النظام الإيراني في تمويل قواته المسلحة ووكلائه في المنطقة. وقال إنه استهدف قاعدة للقوات البرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، إلى جانب مركز قيادة متنقل يستخدمه قادة في النظام، مشيراً إلى أنه أنجز الأربعاء موجة واسعة من الضربات استهدفت بنى تحتية تابعة للنظام في أنحاء طهران.

وأضاف أن هذه الضربات شملت أيضاً موقعاً لتخزين الصواريخ الباليستية تابعاً للوحدة الصاروخية في منطقة تبريز، وأن النظام الإيراني بدأ في الأيام الأخيرة نقل بعض مراكز قيادته إلى وحدات متنقلة، فجرى استهداف أحد هذه المراكز بينما كان القادة بداخله.

وفي تطور موازٍ، قال الجيش الإسرائيلي إنه نفذ في طهران ضربة دقيقة أسفرت عن مقتل جمشيد إسحاقي، الذي وصفه بأنه قائد «مقر النفط» التابع لقوات النظام الإيراني، مضيفاً أن هذا المقر يمثل جزءاً أساسياً من بنية التمويل العسكري عبر عائدات بيع النفط.

وقال إن إسحاقي كان يدير الذراع المالية لقوات النظام، إلى جانب الصناعات العسكرية المسؤولة عن إنتاج الصواريخ الباليستية وآليات القمع الداخلي، كما كان يشرف على تخصيص أموال لتمويل وكلاء إيران في الشرق الأوسط، وفي مقدمهم «حزب الله» والحوثيون.

وأضاف الجيش الإسرائيلي أن سلاح الجو استهدف كذلك في طهران مقار عسكرية مركزية يستخدمها «الحرس الثوري» لإدارة موازنات الأجهزة الأمنية وتمويل الأنشطة العسكرية والعمليات الخارجية، بما في ذلك ما قال إنها تحويلات بمليارات الدولارات إلى «حزب الله» و«حماس» والحوثيين.

وفي تحديث عملياته خلال عطلة عيد الفصح، قال الجيش الإسرائيلي إنه استهدف أكثر من 50 هدفاً من منظومة الصواريخ الباليستية في إيران، مضيفاً أن سلاح الجو نفذ خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية أكثر من 20 غارة في وسط طهران وغربها، استهدفت عشرات منصات الإطلاق ومواقع تخزين الصواريخ الباليستية باستخدام أكثر من 140 ذخيرة.

وأضاف أن مقاتلة من طراز «إف - 35 آي أدير» رصدت عملية إطلاق صاروخ باليستي من داخل موقع لتخزين الصواريخ، وبعد تحديد الموقع جرى استهداف منصة الإطلاق وإحباط هجوم صاروخي كان موجهاً إلى إسرائيل. وقال إن سلاح الجو نفذ، طوال عملية «زئير الأسد»، مئات الضربات على منظومات الصواريخ الباليستية والدفاعات الجوية التابعة لـ«الحرس الثوري» بهدف إضعاف قدراته الصاروخية ومنع إطلاق مزيد من الصواريخ نحو إسرائيل.

وعلى الجبهة المقابلة، أبلغ الجيش الإسرائيلي عن رصد صواريخ أُطلقت من إيران باتجاه الأراضي الإسرائيلية خمس مرات على الأقل حتى لحظة إعداد التقرير، قبل أن يعلن السماح بمغادرة الأماكن المحمية، فيما تحدثت بياناته عن عمل فرق الإنقاذ في مواقع سقوط بوسط إسرائيل ثم في شمالها.

وقالت «وكالة الصحافة الفرنسية» إن الجيش الإسرائيلي أعلن التصدي لأربع رشقات صاروخية خلال ست ساعات صباح الخميس. كما وردت تقارير عن إصابات طفيفة في منطقة تل أبيب.

نيران ودخان يتصاعد من رصيف بجزيرة قشم صباح الخميس (شبكات التواصل)

أما داخل إيران، فطالت الضربات، الخميس، منشآت عسكرية وبنى تحتية ومرافق لوجيستية في عدد من المحافظات. ففي مشهد، اندلع حريق كبير قرب المطار بعد إصابة خزان وقود أو منشأة مرتبطة به، من دون تسجيل ضحايا. وفي قشم، لحقت أضرار بأجزاء من ميناء بهمن التجاري ورصيف الصيادين في قشم، كما وردت تقارير عن أضرار في ميناء لنجة. فيما امتدت الهجمات إلى عبادان ومعشور وسيرجان وخرم آباد وتبريز.

وفي أصفهان، أظهرت صور وتقارير متداولة استهداف مخزن ذخيرة تابع لـ«الحرس الثوري» في بهارستان، بالتزامن مع استمرار الحديث عن ضربات سابقة على «فولاد مباركة».

وفي طهران، أعلن المتحدث باسم وزارة الصحة أن الهجوم ألحق أضراراً واسعة بمعهد باستور، واصفاً ذلك بأنه «هجوم مباشر على الأمن الصحي الدولي».وفي المقابل، قالت بيانات «الحرس الثوري» والجيش الإيراني إن الموجة التسعين من عملية «الوعد الصادق 4» استهدفت صناعات صلب وألمنيوم أميركية في أبوظبي والبحرين.

كما أعلن «الحرس الثوري» إسقاط مسيّرة «هيرميس 900» في شيراز، فيما قال الجيش الإيراني إن دفاعاته دمرت طائرتين من طراز «إم كيو 9» هناك، ما رفع عدد المسيّرات التي أسقطتها الشبكة المشتركة إلى 154. وأعلن الجيش أيضاً، في بيانه رقم 52، أنه شن هجوماً بمسيّرات استهدف موقع تمركز المقاتلات الأميركية المتطورة في قاعدة الأزرق الجوية بالأردن.

حسابات المعركة

قال قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر إن تقديره العملياتي، مع دخول الحملة أسبوعها الخامس، يشير إلى «تقدم لا يمكن إنكاره». وأضاف أن البحرية الإيرانية لم تعد تظهر في البحر، وأن الطائرات الإيرانية لم تعد تحلق، مشيراً إلى أن منظومات الدفاع الجوي والدفاع الصاروخي الإيرانية «دُمّرت إلى حد كبير».

وأعلنت «سنتكوم» أن عملية «ملحمة الغضب» ضد إيران، التي بدأت بتوجيه من الرئيس الأميركي في 28 فبراير (شباط) عند الساعة 1:15 فجراً، لا تزال مستمرة. وقالت إن عدد الأهداف التي ضُربت تجاوز 12300 هدف، فيما تجاوز عدد الطلعات القتالية 13 ألف طلعة، إضافة إلى تضرر أو تدمير أكثر من 155 سفينة إيرانية.

وأضافت أن بنك الأهداف شمل مراكز القيادة والسيطرة، ومقار «الحرس الثوري»، ومواقع الاستخبارات، ومنظومات الدفاع الجوي، ومواقع الصواريخ الباليستية، والسفن والغواصات، ومنشآت تصنيع الصواريخ والمسيّرات، ومخابئ إنتاج الأسلحة وتخزينها، والبنية التحتية العسكرية المساندة. كما قالت إن العملية اعتمدت على قدرات جوية وبحرية وبرية واسعة، شملت قاذفات ومقاتلات وطائرات حرب إلكترونية واستطلاع وتزود بالوقود ومسيّرات هجومية، إلى جانب حاملات طائرات وغواصات ومدمرات ومنظومات «باتريوت» و«ثاد » و«هيمارس».

وفي إيران، أعلن إعلام «الحرس الثوري» مقتل العميد محمد علي فتح علي زاده، قائد وحدة «فاتحين»، أمس الأربعاء. وتُعد «فاتحين» من قوات النخبة في «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري»، وتضم عناصر تتلقى تدريباً عسكرياً خاصاً في القتال البري والانتشار السريع والعمليات الخاصة المحمولة جواً والعمل في البيئات الحضرية، وشاركت في الحرب السورية واستخدمت في مهام الأمن الداخلي قبل أن تتحول إلى تشكيل قتالي منظم داخل بنية «الحرس».

صورة نشرها إعلام «الحرس الثوري» من قائد وحدة «فاتحين» في جهاز «الباسيج» بعد تأكيد مقتله في ضربة استهدفته الأربعاء

وفي بوشهر جنوب البلاد، استمر تشييع قائد بحرية «الحرس الثوري» علي رضا تنغسيري، الذي قُتل في غارة إسرائيلية الأسبوع الماضي، بعدما أقيمت له الأربعاء جنازة في طهران سبقتها مراسم أخرى في بندر عباس.

وعلى الصعيد النووي، قال سفير إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية رضا نجفي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن بلاده لم تستأنف تخصيب اليورانيوم بعد الضربات الإسرائيلية والأميركية التي استهدفت بعض منشآتها النووية في يونيو (حزيران) 2025، واصفاً الاتهامات الأميركية بأنها «كذبة كبيرة».

كما قال إن الهجمات على محطة بوشهر النووية تمثل «انتهاكاً فاضحاً للقانون الدولي» و«جريمة حرب»، محذراً من أي تسرب إشعاعي قد يؤدي إلى تلوث المياه وإجبار السكان على الإخلاء. وفي الداخل الإيراني، أعلنت السلطة القضائية تنفيذ حكم الإعدام شنقاً بحق أمير حسين حاتمي، المدان بتنفيذ أعمال لصالح إسرائيل والولايات المتحدة خلال اضطرابات سابقة هذا العام، بينها محاولة اقتحام مركز عسكري وتدميره والاستيلاء على أسلحة وذخائر.

وبحسب الأرقام المتداولة حتى الآن، قُتل أكثر من 1900 شخص في إيران منذ بدء الحرب، فيما أُبلغ عن مقتل 19 شخصاً في إسرائيل. كما قُتل أكثر من عشرين شخصاً في دول الخليج والضفة الغربية المحتلة، إضافة إلى 13 من أفراد القوات المسلحة الأميركية. وفي لبنان، قُتل أكثر من 1200 شخص ونزح أكثر من مليون، كما قُتل 10 جنود إسرائيليين هناك.


مقالات ذات صلة

عراقجي وطالباني يبحثان «التعاون الأمني» على الحدود

شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الخارجية الإيرانية)

عراقجي وطالباني يبحثان «التعاون الأمني» على الحدود

بحث وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني تعزيز التعاون الأمني على الحدود بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال توقيعه «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الجمعة (واس)

خاص إردوغان لـ«الشرق الأوسط»: «اتفاقية مكة» تعزّز البعد الردعي... ولا تستهدف أي دولة

شدَّد الرئيس رجب طيب إردوغان على أن علاقات تركيا مع السعودية هي «علاقة استراتيجية»، موضحاً أن «اتفاقية مكة» تعزّز الردع وتهدف إلى حماية الاستقرار الإقليمي.

غسان شربل (الرياض)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب ملوحاً بيده لدى وصوله قاعدة سانت أندروز الجوية المشتركة بميريلاند يوم 7 أغسطس (أ.ب)

عملية تمويه استثنائية لحماية ترمب من «تهديدات إيرانية»

دفعت تهديدات إيرانية ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب المسؤولين الكبار في إدارته إلى القيام بعملية تمويه استثنائية لعودته من تركيا حيث شارك في قمة لحلف «الناتو».

علي بردى (واشنطن)
تحليل إخباري طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

تحليل إخباري ترمب وإيران ... خيارات ضيّقة في حرب مفتوحة

لم تعد الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدور بين نصر واضح وهزيمة قابلة للاحتواء بل بين مسارات لكل منها تكلفته

إيلي يوسف ( واشنطن)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو (يسار) إلى جانب يوسي كوهن الذي عُين رئيساً لـ«الموساد» من قبل نتنياهو... 7 ديسمبر 2015 (أرشيفية - غيتي)

رئيس سابق لـ«الموساد»: جواسيس «تجولوا» في منشأة نووية إيرانية

قال يوسي كوهين، الرئيس السابق لجهاز «الموساد» الإسرائيلي، إنَّ جواسيس الجهاز زاروا منشأة فوردو النووية الإيرانية «مرات كثيرة» في الماضي لفهمها بصورة أفضل.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

عراقجي وطالباني يبحثان «التعاون الأمني» على الحدود

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الخارجية الإيرانية)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الخارجية الإيرانية)
TT

عراقجي وطالباني يبحثان «التعاون الأمني» على الحدود

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الخارجية الإيرانية)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (الخارجية الإيرانية)

قالت وزارة الخارجية الإيرانية، الثلاثاء، إن وزير الخارجية عباس عراقجي ورئيس الاتحاد الوطني الكردستاني بافل طالباني بحثا في اتصال هاتفي تعزيز التعاون الأمني على الحدود بين إيران والعراق ومكافحة ما وصفاه بالتهديدات الإرهابية.

وأضافت الوزارة في بيان صحافي أن «الجانبين ناقشا أيضاً توسيع العلاقات الاقتصادية والتجارية بين إيران وإقليم كردستان العراق، مع التركيز بشكل خاص على محافظة السليمانية» التي تعتبر معقلاً للاتحاد الوطني الكردستاني.

ويأتي الاتصال في وقت تتعرض فيه مناطق من إقليم كردستان العراق، بما في ذلك محافظتا أربيل والسليمانية، لهجمات مرتبطة بالتوترات الإقليمية، استهدفت في بعضها جماعات كردية إيرانية معارضة تتخذ من الإقليم مقراً لها.

وسجلت تقارير إعلامية كردية أن إقليم كردستان العراق تعرض إلى مئات الهجمات خلال الأشهر الماضية، تركزت بدرجة كبيرة على جماعات المعارضة الكردية الإيرانية ومخيماتها، كما أن فصائل عراقية موالية لإيران نفذت جانباً كبيراً منها.

بافل طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكردستاني (موقع الحزب)

وتستضيف المنطقة منذ سنوات مقار ومخيمات لجماعات كردية إيرانية معارضة، بينها الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وحزب «كومله»، وحزب الحرية الكردستاني. وقد تعرضت هذه المواقع مراراً لضربات إيرانية، فيما تقول طهران إن هذه الجماعات تمثل تهديداً لأمنها وتتهمها بشن أنشطة مسلحة ضدها انطلاقاً من الأراضي العراقية.

ويأتي بحث التعاون الأمني بين طهران والاتحاد الوطني في الوقت الذي تسعى فيه بغداد وطهران إلى تطبيق اتفاق أمني أبرم بين البلدين لمعالجة نشاط الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة الموجودة في إقليم كردستان.

وينص الاتفاق على عدم استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على إيران، فيما تعهد العراق باتخاذ إجراءات لمنع الجماعات المسلحة من استخدام أراضيه ضد إيران، وهو ما تنفيه أحزاب إيرانية في كردستان العراق.

ويعكس الاتصال بين عراقجي وطالباني، وفق مراقبين، أهمية السليمانية بالنسبة إلى طهران في إدارة ملف الحدود والجماعات الكردية الإيرانية المعارضة، إلى جانب المصالح التجارية والاقتصادية بين الجانبين.


إردوغان لـ«الشرق الأوسط»: «اتفاقية مكة» تعزّز البعد الردعي... ولا تستهدف أي دولة

الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس إردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف بعد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (واس)
الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس إردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف بعد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (واس)
TT

إردوغان لـ«الشرق الأوسط»: «اتفاقية مكة» تعزّز البعد الردعي... ولا تستهدف أي دولة

الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس إردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف بعد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (واس)
الأمير محمد بن سلمان يتوسط الرئيس إردوغان ورئيس الوزراء شهباز شريف بعد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (واس)

أكد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن علاقات بلاده مع المملكة العربية السعودية هي «علاقة استراتيجية»، كاشفاً عن أن المرحلة المقبلة ستشهد خطوات من شأنها «الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستويات أعلى بكثير». وقال إن مضيق هرمز يشكّل أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي و«تتمثل أمنيتنا وتوقعاتنا في أن ينتهي التوتر الراهن في أقرب وقت ممكن، وأن يعود مضيق هرمز ليؤدي دوره في خدمة التجارة الدولية بصورة آمنة ومستقرة ومن دون انقطاع».

وكان إردوغان يرد على أسئلة مكتوبة وجَّهتها له «الشرق الأوسط» عقب توقيعه «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» مع ولي العهد رئيس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في مكة المكرمة الأسبوع الماضي. وقال الرئيس التركي في أجوبته إن «من الخطأ اختزال (اتفاقية مكة للدفاع المشترك) في اعتبارها مجرد انعكاس ظرفي» للتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، موضحاً أنه «لا ينبغي النظر إلى الأمر بالاقتصار على البعد العسكري؛ ذلك أن الهدف الأساسي من هذه الاتفاقية هو تعزيز بعدها الردعي، وتحصين الوازع الأمني لدى الأطراف من خلال تقوية روح التضامن فيما بينها، وحماية الاستقرار الإقليمي». ولفت إلى أن الاتفاقية «جاءت للتأكيد على حق الدفاع المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة»، ومشدداً على أنها «لا تستهدف أي دولة من الدول»، بل هي «مفتوحة أمام جميع الدول الشقيقة الراغبة في الانضمام إليها».

وطالب إردوغان بضرورة أن «تتوقف على وجه السرعة الهجمات الإسرائيلية على لبنان»، معتبراً أن سوريا باتت «أمام مرحلة جديدة» و«أهم تطلعاتنا هو أن تُمهد هذه المرحلة الطريق أمام سلام دائم واستقرار وإعادة إعمار سوريا»، متعهداً بأن بلاده «لن تسمح بوجود أي تنظيمات أو كيانات في شمال سوريا أو في أي جزء آخر منها من شأنها أن تهدد أمن تركيا».

وفيما يأتي نص أجوبة الرئيس التركي:

اتفاقية مكة الثلاثية

* فخامة الرئيس، كيف نشأت فكرة «اتفاقية مكة الثلاثية»، وما أبرز التطورات التي قادت إليها؟

- جاءت فكرة «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» نتيجة للأوضاع الجديدة التي فرضتها التطورات التي شهدتها منطقتنا، وانطلاقاً من وعي الدول الثلاث بمسؤولياتها المشتركة. لقد كنا دائماً نعتقد أن قضايا المنطقة يجب أن تُحلّ من قِبل دولها، وقد كنا دائماً ندعم محاولات إيجاد حلول لها؛ وكان هذا على الدوام هو الأساس الذي تنبني عليه مقاربتنا للوضع. فقضايا المنطقة ينبغي أن تصل إلى الحلول من قِبل الفاعلين الإقليميين بها؛ فنعتبر أننا بهذا العمل نكون قد أقدمنا على خطوة أولى في سبيل تحقيق ذلك. وقد أثبتت الأحداث الأخيرة؛ الأهمية القصوى التي تكتسيها جهود التآزر والتضامن بين الدول الشقيقة والصديقة. فنحن في تركيا كنا ولا نزال على الدوام ندعو إلى الحوار وتعزيز قنوات التشاور بدلاً من تعميق الخلافات؛ لأننا نعلم أن السلام الدائم لا يتحقق من خلال وضع حد للنزاعات فحسب، بل من خلال مد جسور الثقة المتبادلة والإرادة السياسية القوية والرؤية المستقبلية المشتركة. وبالتالي، فـ«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» هي ثمرة لهذا الفهم، فهي تتعدى كونها توافقاً بين الدول الثلاث إلى مبادرة لتحمّلنا للمسؤولية التاريخية الجسيمة في تحقيق الاستقرار للمنطقة وتمكين شعوبها الشقيقة والصديقة من الأمن والأمان. وهنا أريد أن أؤكد على شيء بالغ الأهمية، وهو أن هذه الاتفاقية مفتوحة أمام جميع الدول الشقيقة التي ترغب في السلام والاستقرار.

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال توقيعه «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» الجمعة (واس)

إننا في تركيا اليوم وكما كنا في الماضي وسنبقى على الدوام ندعم السلام والاستقرار وتعزيز الأخوة مع أشقائنا. فنحن نعتبر «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» تجسيداً عملياً لهذه الإرادة القوية، وليس لنا أي اعتراض حول انضمام دول أخرى إلى هذه الاتفاقية. إننا - بحول الله: سنكون نحن تركيا والسعودية وباكستان قد فتحنا الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون والعمل المشترك في منطقتنا. فبلدنا يملك الإرادة القوية في إبقاء هذا الباب مفتوحاً على مصراعيه على الدوام؛ والمساهمة بكل قوة في جهود تعزيز السلام والاستقرار في المنطقة.

* هل للاتفاقية؛ علاقة بمسار التوتر المحتدم بين الولايات المتحدة وإيران، أم أن فكرة التنسيق الثلاثي كانت مطروحة في السابق؟

- لا شك أن لارتفاع حدة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران خطورته على التطورات التي تعرفها المنطقة. لكن من الخطأ اختزال «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في اعتبارها مجرد انعكاس ظرفي لهذا التصعيد؛ فذلك سيؤدي إلى فهم غير صحيح للسياسات والنوايا المعتمدة في بلدنا. فهذه الاتفاقية جاءت للتأكيد على حق الدفاع المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، وأنها لا تستهدف أي دولة من الدول، فقد جاءت من أجل العمل على تعزيز الأمن والرفاهية والاستقرار في المنطقة، وهي مفتوحة أمام جميع الدول الشقيقة الراغبة في الانضمام إليها. ذلك أن رؤيتنا فيها لا تقتصر على الدول الثلاث، بل نطمح أن تكبر، بل ولربما تتوفر الظروف المناسبة في يوم ما فتجتمع تحت سقفها كل دول المنطقة، فذلك سيكون الخطوة المثلى في سبيل تحقيق الاستقرار الدائم في كل ربوع المنطقة. فهذه الخطوة التي أقدمنا عليها اليوم لم تكن وليدة اللحظة، بل كانت الاتفاقية مطروحة منذ زمن طويل؛ أثناء مباحثاتنا و لقاءاتنا المتكررة مع الشركاء الذين وقَّعنا معهم الاتفاقية، ومع سائر دول المنطقة. لقد كنا دائماً وأبداً نؤكد ومنذ سنوات طويلة أن تعزيز السلام والأمن في منطقتنا يتطلب مشاورات منتظمة على صعيد الدول المعنية، وكانت جهودنا تنصبّ على ما يخدم ذلك. لأن حلحلة قضايا المنطقة ينبغي أن تقام بعيداً عن الوصفات المفروضة من الخارج؛ فنحن نعرف جيداً تلك الحلول المستوردة من الخارج إنما تجلب الكوارث. لهذا؛ فقد عملنا في تركيا باستمرار ملتزمين بالمضي على ضوء السياسات التي تعتمد الإرادة الذاتية والعقل المشترك لدول المنطقة. وبالتالي، فإننا لا ننظر للآلية الثلاثية المنبثقة عن «اتفاقية مكة» باعتبارها ردة فعل آنية في مقابل وضع دولي معين، بل نراها خطوة جبارة قمنا بها انطلاقاً من إرادة استراتيجية في مواجهة المستجدات التي تعرفها المنطقة. إننا في تركيا نقف دائماً إلى جانب الحلول الدبلوماسية لا مع التصعيد، ومع الحوار لا الصراع، ومع التعاون الإقليمي وتعزيز روابط العمل المشترك لا مع الانقسام. نحن بلد قادر على التحدث مع جميع الأطراف، وعلى تحمّل المسؤولية في القضايا الصعبة، وسنواصل دورنا من أجل تحقيق السلام والاستقرار الدائم في كل المنطقة.

الردع الجماعي

* مع أن الاتفاقية تحمل الصبغة الدفاعية، فإن نصها يطالعنا بعبارة تقول إن أي اعتداء على أي طرف فيها يُعتبر اعتداءً على الأطراف الثلاثة. هل هذا صحيح؟

- نعم، فكما يفهم من اسمها إنها «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» فهي تقوم على أساس الدفاع الجماعي. كما أن توقيعها في مكة المكرمة بين دول شقيقة يضفي عليها رمزية خاصة. وهذا مصدر سعادة بالغة لنا. فـ«اتفاقية مكة للدفاع المشترك» قبل كل شيء قائمة على أساس الردع الجماعي؛ اتفاقية تسعى إلى تعزيز مجالات التعاون الأمني والدفاعي وتفسح الباب أمام تطوير المشاريع المشتركة في مجال الصناعات الدفاعية. ودعم الجهود المبذولة في مكافحة الإرهاب. فهذه الاتفاقية لا تستهدف أي طرف، بل الغاية منها هي تحقيق السلام والاستقرار والرفاهية لشعوبنا. والمواد الواردة في نصها واضحة؛ لا لبس فيها على الإطلاق. فالأساس الذي تعتمده هو أن أي تهديد لأمن أحد الأطراف ينظر إليه على اعتباره تهديداً أمنياً لباقي الأطراف الموقّعة عليها. لكن لا ينبغي النظر إلى الأمر بالاقتصار على البعد العسكري؛ ذلك أن الهدف الأساسي من هذه الاتفاقية هو تعزيز بعده الردعي، وتحصين الوازع الأمني لدى الأطراف من خلال تقوية روح التضامن فيما بينها، وحماية الاستقرار الإقليمي. لقد حققت تركيا إنجازات عظيمة في مجال الدفاع والأمن، ونالت تقدير وإعجاب الكل في هذا الصدد. وعبر هذه الاتفاقيات مع الدول الشقيقة والصديقة، فإننا نمنح هذه الإنجازات بعداً إقليمياً داعماً للسلام. وفي الوقت نفسه، فإن الدول الموقّعة على هذا الاتفاقية تؤكد على تعهدها ألا تكون محل عنصر تهديد فيما بينها، بل على النقيض من ذلك ستسعى إلى القيام بكل ما من شأنه أن يقوّي مظاهر التضامن فيما بينها. فالرسالة التي تريد الأطراف الموقّعة على «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» إبلاغها واضحة لا لبس فيها: وهي أن أمننا يتحقق من خلال ما يضمن الأمن لنا جميعاً، وأننا على يقين تام أنه في حالة ما إذا طبقنا هذا النهج الشامل سنكون قد حققنا السلام والاستقرار والازدهار لنا جميعاً.

الأمير محمد بن سلمان وإردوغان وشهباز شريف في صورة جماعية مع وزراء الدفاع والخارجية ورؤساء المخابرات ببلادهم بعد توقيع «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» (الرئاسة التركية)

* هل يمكن القول إن القوى الإقليمية في الشرق الأوسط قرَّرت تحمّل مسؤولية الأمن والاستقرار، الشيء الذي كان يُعتبر في السابق من اختصاص القوى العظمى؟

- اليوم باتت دول المنطقة مضطرة أكثر من أي وقت مضى إلى تحمّل مسؤولية أمنها واستقرارها ومستقبلها بنفسها. وهذا هو المبدأ الذي كنا ندافع عنه على الدوام: فلا أحد يعرف قضايا المنطقة أفضل من دولها وشعوبها. صحيح أن التطورات الإقليمية قد تكون لها انعكاسات دولية، لكن تعزيز السيادة الإقليمية والتضامن المشترك والإرادة الجماعية سيسهِم في تعزيز الاستقرار العالمي. فنحن في تركيا نعتقد أن بناء آليات اكثر متانة بشكل متضافر بين دول المنطقة لتأمين الأمن والاستقرار أمر بالغ الأهمية. ذلك أننا ما فتئنا نقيم علاقات جيدة مع معظم دول المنطقة، وندرك أن تحويل هذه العلاقات تعاوناً مؤسسياً دائماً أمر مفيد جداً. لذلك؛ نؤمن بضرورة أن تضمن دول المنطقة أمنها واستقرارها الاقتصادي عبر علاقات مؤسسية فيما بينها. فالمشهد القائم في الوضع الراهن يؤكد أن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُرسَم بمعزل عن إرادة دولها. ولا ينبغي أن يكون هدفنا هو تشكيل تكتلات إقصائية، بل أن يكون بناء نظام تعاون إقليمي قائم على احترام السيادة ووحدة الأراضي، والثقة المتبادلة والمصالح المشتركة. ستواصل تركيا العمل وفق هذا النهج، وستتحمل مسؤولياتها متى دعت الضرورة، وستواصل جهودها الدبلوماسية لتعزيز السلام والأمن والاستقرار في المنطقة.

أمن إمدادات الطاقة

* هل ترون أن «اتفاقية مكة» ستُسهِم في تعزيز الأمن في منطقة الخليج، التي تتمتع بأهمية كبيرة بالنسبة للاقتصاد العالمي؟

- بالطبع، أرى ذلك، ونرى ذلك. وكما أكدتُ منذ البداية، فقد وقّعنا اتفاقية من شأنها أن تخدم ازدهار المنطقة ورفاهها وسلامتها وأمنها. إن أمن منطقة الخليج لا يكتسب أهمية كبيرة بالنسبة إلى دول المنطقة فحسب، بل يحظى أيضاً بأهمية بالغة بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي والتجارة الدولية. ترتبط الكثير من الملفات ارتباطاً مباشراً بأمن وسلام هذه المنطقة، بدءاً من أمن إمدادات الطاقة وحتى سلامة الممرات البحرية، ومن استمرارية حركة التجارة وحتى الاستقرار الاقتصادي العالمي. وهذا ليس مجرد طرح نظري؛ فقد أظهرت لنا التطورات التي شهدتها الأشهر القليلة الماضية ذلك بوضوح.

لذلك؛ فإننا نرى أن كل خطوة تهدف إلى تعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الخليج تكتسب قيمة وأهمية ليس على الصعيد الإقليمي فحسب، بل أيضاً من منظور السلام والازدهار العالميين. ونحن نرى أن «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» ستُسهِم إسهاماً كبيراً في ترسيخ مفهوم الأمن المشترك والتضامن في المنطقة، وستُحدث تغييراً في النهج السائد فيها. ولا يمكن النظر إلى الأمن والتنمية الاقتصادية بمعزل أحدهما عن الآخر. وقد أكدتُ مراراً أن الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية يسيران جنباً إلى جنب. بعد أن مرت أوروبا بحروب كبرى، وصلت أولاً إلى تحقيق الاستقرار والأمن من خلال العمل المشترك، ثم انتقلت إلى التكامل الاقتصادي والازدهار. ويمكننا أن نصل معاً إلى هذه المرحلة من دون أن نمر بكل هذه الآلام والمعاناة. فلا يمكن أن تكون التجارة والاستثمارات والازدهار مستدامة في غياب السلام والاستقرار. كما أن استقرار منطقة الخليج يمثل، في الوقت ذاته، مسألة استراتيجية فيما يتعلق بأمن الروابط الاقتصادية بين آسيا وأوروبا وأفريقيا. ونحن لا ننظر إلى السلام والاستقرار في الخليج بمعزل عن رؤيتنا لأمننا والسلام الإقليمي. ولذلك؛ سنواصل الاضطلاع بكل المسؤوليات الملقاة على عاتقنا، ونستمر بجهودنا الدبلوماسية البناءة.

مضيق هرمز

سفن تعبر مضيق هرمز قبالة بندر عباس جنوب إيران يوم الاثنين 10 أغسطس (أ.ف.ب)

* هل تتوقعون أن تعود الأوضاع في مضيق هرمز إلى مسارها الذي كانت عليه قبل اندلاع الصراع الحالي؟

- يعتبر مضيق هرمز منطقة ذات أهمية لا تقتصر على النطاق الإقليمي، بل تمتد إلى المستوى العالمي. فهو يُعدّ ممراً استراتيجياً بالغ الأهمية بالنسبة إلى إمدادات الطاقة العالمية والتجارة الدولية. ولذلك؛ فإن أي توتر قد يحدث في هذه المنطقة لا تقتصر تداعياته على دول المنطقة وحدها، وقد رأى العالم بأسره ولمس آثار ذلك من خلال أسعار النفط.

لقد أثبت مضيق هرمز أنه يشكل أحد الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي. وتتمثل أمنيتنا وتوقعاتنا في أن ينتهي التوتر الراهن في أقرب وقت ممكن، وأن يعود مضيق هرمز ليؤدي دوره في خدمة التجارة الدولية بصورة آمنة ومستقرة ومن دون انقطاع. وهذا بدوره مرهون بتحلي جميع الأطراف بضبط النفس، والإبقاء على قنوات الدبلوماسية مفتوحة. ولم نؤيد قط تصعيد التوتر، بل على العكس، دافعنا عن حل المشكلات عبر التفاوض، من خلال إقامة حوار مع جميع الأطراف. وسعينا إلى جمع الأطراف على طاولة واحدة. لأننا نعلم أن الوصول إلى حل دائم، سواء في مضيق هرمز أو أوكرانيا أو فلسطين، لا يتحقق عن طريق الصراع، بل عن طريق الدبلوماسية. وتقع على عاتق دول المنطقة مسؤولية كبيرة فيما يتعلق بأمن ممر مائي بهذه الأهمية والحساسية. ونحن نرى أن تعزيز المِلكية الإقليمية ومفهوم الأمن المشترك من شأنه أن يسهِم إسهاماً كبيراً في استقرار مضيق هرمز. وينبغي أن يكون الهدف هو عودة مضيق هرمز إلى وضعه الطبيعي الآمن والمستقر، وأن يصبح هذا الوضع مستداماً ودائماً.

علاقة استراتيجية

* كيف تقيّمون العلاقات الحالية مع المملكة العربية السعودية؟

- نحن نرى أن علاقاتنا مع المملكة العربية السعودية تمثل علاقة استراتيجية، شكّلها تاريخنا المشترك، وروابط الأخوة التي تجمع بيننا، والمصالح المتبادلة. إن تركيا والمملكة العربية السعودية ليستا دولتين صديقتين وشقيقتين فحسب، بل إنهما أيضاً دولتان تضطلعان بمسؤوليات مهمة تجاه السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة. ونحن سعداء بالزخم الذي اكتسبته علاقاتنا خلال الفترة الأخيرة. وبينما نعمل على تعزيز حوارنا السياسي، فإننا نعمل أيضاً على تطوير تعاوننا في كثير من المجالات، وفي مقدمتها الاقتصاد والتجارة والاستثمار وصناعات الدفاع والطاقة والسياحة. ونحن نتعامل مع علاقاتنا مع المملكة العربية السعودية من منظور يتجاوز التطورات والظروف الآنية، ويستند إلى المصالح المشتركة طويلة الأمد والاحترام المتبادل. وفي وقت تمر فيه منطقتنا بمرحلة تشهد تحديات بالغة الخطورة، يكتسب التشاور والتعاون المستمران بين تركيا والمملكة العربية السعودية أهمية أكبر من أي وقت مضى. ونرى بأن «اتفاقية مكة» ستُسهم في تعزيز علاقاتنا في كثير من المجالات، وفي مقدمتها التعاون الدفاعي.

نحن على معرفة بمسؤولياتنا المشتركة تجاه سلام منطقتنا واستقرارها، ونتصرف على هذا الأساس. ونحن في تركيا نولي أهمية كبيرة لاستقرار المملكة العربية السعودية وسائر دول المنطقة وأمنها. ذلك أن أي أزمة، مهما كانت محدودة، تشهدها منطقتنا، تؤثر على جميع دول المنطقة، ولا سيما فيما يتعلق بالهجرة والإرهاب. وأرى بأننا سنتخذ خلال المرحلة المقبلة خطوات من شأنها الارتقاء بالعلاقات بين البلدين إلى مستويات أعلى بكثير.

استقرار لبنان

دبابات إسرائيلية في زوطر الشرقية كما تظهر من زوطر الغربية جنوب لبنان 5 أغسطس 2026 (إ.ب.أ)

* تتابع تركيا من كثب الوضع في لبنان أيضاً. ما تقييمكم للتطورات الأخيرة التي يشهدها لبنان؟

- لبنان بالنسبة إلينا ليس مجرد بلد قريب جغرافياً، بل هو بلد صديق وشقيق تربطنا به أيضاً روابط تاريخية. إن أمن لبنان وسلامه واستقراره يحمل أهمية كبيرة بالنسبة لاستقرار منطقتنا بأسرها. ويجب الحفاظ على سيادة لبنان ووحدته السياسية وسلامة أراضيه، كما هو الحال في سائر دول المنطقة.

ونحن نعارض أيضاً تعقيد القضايا الداخلية في لبنان بصورة أكبر من خلال التدخلات الخارجية أو من خلال الوسائل العسكرية، وتحويل البلاد ساحةً للتنافس بين القوى الخارجية. ونؤمن بأن من حق اللبنانيين أن يتخذوا بأنفسهم، وبإرادتهم الحرة، القرارات المتعلقة بمستقبل بلادهم. ويجب أن تتوقف على وجه السرعة الهجمات الإسرائيلية على لبنان، في ظل السياسات العدوانية والتوسعية التي تنتهجها إسرائيل، والتي تشكل المشكلة الأساسية في المنطقة. وفي هذا الإطار، نرى أن المباحثات الجارية من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان خطوة إيجابية. ولا يمكن النظر إلى أمن لبنان واستقراره بمعزل عن السلام الإقليمي. لا ينبغي أن يُكتب تاريخ الشرق الأوسط بصورة متواصلة بالصراعات والدمار والمعاناة. فهذه المنطقة تستحق أيضاً أن تنعم بالسلام والطمأنينة والازدهار. وهذا هو النهج الذي تقوم عليه جميع جهودنا الدبلوماسية في تركيا. فمنطقتنا ارتبط اسمها بالحرب والدموع على مدى سنوات طويلة، وعلينا أن نبذل قصارى جهدنا لتغيير هذا الواقع. وبطبيعة الحال، نتطلع إلى أن يستعيد لبنان استقراره، وأن تتعزز مؤسساته، وأن يتمكن شعبه من التطلع إلى مستقبله بأمان واطمئنان. وفي هذا الإطار، نحن على استعداد لتقديم كل أشكال الدعم التقني وإقامة التعاون. وقد أعربنا عن إرادتنا والتزامنا بهذا الشأن لكل من السيد الرئيس (جوزيف) عون والسيد رئيس الوزراء (نواف) سلام، اللذين استضفناهما في بلادنا مؤخراً.

سوريا... مرحلة جديدة

* كيف تقيّمون مسار التغيير في سوريا حتى الآن؟

- نقيّم مسار التغيير الذي تشهده سوريا باعتباره نقطة تحول تاريخية، من حيث إرادة الشعب السوري في تقرير مستقبله بنفسه. ومنذ البداية، دافعت تركيا عن وَحدة الأراضي السورية ووَحدتها السياسية وسيادتها. لقد تسببت الحرب والإرهاب وحالة عدم الاستقرار التي عانت منها سوريا في تكبيد المنطقة بأسرها أثماناً باهظة. والآن، نحن أمام مرحلة جديدة. وإن أهم تطلعاتنا هو أن تُمهد هذه المرحلة الطريق أمام سلام دائم واستقرار وإعادة إعمار سوريا.

لن نسمح بوجود أي تنظيمات أو كيانات في شمال سوريا أو في أي جزء آخر منها من شأنها أن تهدّد أمن تركيا. وكما أن وحدة الأراضي السورية تحظى بأهمية بالغة بالنسبة إلينا، فإن الأمن القومي التركي يحظى بالقدر نفسه من الأهمية. ومنذ بداية هذه المرحلة، كان تطلعنا أن يتمكن أشقاؤنا السوريون من العيش في بلدهم بأمن وسلام. وقد قطعت سوريا، منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024، شوطاً مهماً في مسار تحسين الظروف الأمنية في البلاد، وتهيئة الأرضية اللازمة للتنمية الاقتصادية، وإرساء التوافق المجتمعي. وبطبيعة الحال، كان للمِلكية الإقليمية، والدعم الإقليمي للحكومة السورية، دور مهم في تحقيق هذه النتائج. لقد أظهرت الحكومة السورية، التي نجحت في تطوير علاقات جيدة مع دول المنطقة والمجتمع الدولي، قدرةً على تجنب الانخراط في صراعات إضافية، من خلال تركيزها على أجندة الاستقرار والأمن المستدامين. واليوم، أصبح تطبيع الأوضاع في سوريا، في الواقع، قضية ذات أهمية استراتيجية بالنسبة إلى المنطقة بأسرها. فبدل أن يرتبط اسم سوريا بمصدر لعدم الاستقرار، بدأ يُرتبط الآن بمشاريع الربط والتنمية.

ستواصل تركيا، كما فعلت حتى اليوم، الاضطلاع بمسؤولياتها وبذل ما يقع على عاتقها من أجل استقرار سوريا، ومساعدتها على النهوض من جديد، وتعزيز السلام الإقليمي. كما أن تركيا عازمة على العمل بالتعاون مع شركائها الإقليميين والدوليين في هذا الاتجاه. وفي وقت فُتحت فيه صفحة جديدة في سوريا، ينبغي أن تُكتب هذه الصفحة لا بآلام جديدة، بل بروح السلام والأخوة والسيادة، وبرؤية تقوم على المستقبل المشترك.


ترمب وإيران ... خيارات ضيّقة في حرب مفتوحة

طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
TT

ترمب وإيران ... خيارات ضيّقة في حرب مفتوحة

طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
طائرة تابعة لمشاة البحرية الأميركية على متن السفينة «بوكسر» خلال عمليات دعم تطبيق الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)

لم تعد الخيارات المتاحة أمام الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدور بين نصر واضح وهزيمة قابلة للاحتواء، بل بين مسارات لكل منها تكلفته: حصار طويل قد يستنزف إيران لكنه يرهق الاقتصاد الأميركي، واتفاق محدود يعيد فتح مضيق هرمز مقابل منح طهران نفوذاً دائماً، وحملة عسكرية جديدة لا تضمن تغيير حساباتها، أو انسحاب سياسي يترك وراءه دولة أكثر ضعفاً وعدائية. وبينما أعادت باكستان الحديث عن قرب التوصل إلى «ترتيب»، توحي المواقف الإيرانية والأميركية بأن الصراع دخل مرحلة إدارة الاستنزاف، لا الاقتراب المؤكد من تسوية نهائية. المشكلة أن الحديث عن قرب الاتفاق تكرر مراراً، فيما كانت الهوة تتسع عند الانتقال من الصياغات العامة إلى التنفيذ. فالاتفاق الإيراني - العماني، الذي تقول طهران إنه بلغ «مراحله النهائية»، يتناول تحديد مسارات ملاحية جديدة، لكنه لا يعني تلقائياً إعادة فتح المضيق.

وتربط إيران فتح المضيق بإنهاء الحصار والعقوبات والتهديدات العسكرية ودفع تعويضات، فيما ترفض واشنطن منحها حق فرض رسوم أو قيود على الملاحة. كما تقول طهران إن المفاوضات المباشرة مع الولايات المتحدة غير واردة ما دامت واشنطن تنتهك مذكرة التفاهم السابقة.

وعليه، قد يكون التفاؤل الباكستاني مؤشراً إلى تفاهم مرحلي بشأن الملاحة أو وقف التصعيد، لا إلى حل ملفات التعويضات والعقوبات والبرنامج النووي والقوات الأميركية في المنطقة. ويزيد تبادل المطالب بالتعويض صعوبة إيجاد صيغة تحفظ ماء الوجه: فبعدما طالبت إيران بأضرار الحرب، رد ترمب بالمطالبة بتعويض ضحايا قال إن طهران مسؤولة عن قتلهم، مضيفاً بذلك بنداً جديداً إلى أي مفاوضات مقبلة.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في طهران اليوم (الخارجية الإيرانية)

الحصار بدل القصف

ويميل ترمب حالياً لخيار إبقاء الحصار البحري وتشديد العقوبات، وتجنب العودة الفورية إلى الحرب الشاملة. وحسب «وول ستريت جورنال»، أقنعه مسؤولون بأن الضغط المالي قد يكون، في هذه المرحلة، أكثر فاعلية من ضربات أظهرت نتائج محدودة في تغيير سلوك النظام. واختصر ترمب منطقه بالقول إن إيران «مفلسة»، فيما رأى السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز أن طهران تخشى وزير الخزانة سكوت بيسنت أكثر مما تخشى وزير الدفاع بيت هيغسيث. وتمنح هذه الاستراتيجية واشنطن وسيلة ضغط قابلة للاستمرار من دون تحمل مخاطر حملة جوية جديدة، وتتيح لترمب أن يواصل معاقبة إيران من دون توسيع الحرب. لكنها تفترض أن الوقت يعمل لمصلحة الولايات المتحدة، وهو افتراض غير محسوم.

ويعاني الاقتصاد الإيراني بالفعل انهيار العملة والتضخم وخسارة عائدات النفط، إلا أن طهران أثبتت استعدادها لنقل التكلفة إلى خصومها عبر مهاجمة السفن ومنشآت الطاقة واستخدام حلفائها في المنطقة. ويؤثر استمرار الأزمة أيضاً في الداخل الأميركي. فقد أظهر استطلاع لـ«أسوشييتد برس - نورك» أن 28 في المائة فقط من الأميركيين يوافقون على إدارة ترمب للحرب، بعدما كانت النسبة 34 في المائة قبل شهر. ومع اقتراب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار الوقود، قد تصبح قدرة واشنطن على تحمل الاستنزاف السياسي والاقتصادي أقل من قدرة النظام الإيراني على تحمل الألم الداخلي، حتى لو كان أشد قسوة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال مراسم توقيع الاتفاق الأميركي - الإيراني في قصر فرساي (أ.ف.ب)

خيار القوة باقٍ

يقول باتريك كلاوسن، مدير الأبحاث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، في حديث مع «الشرق الأوسط» إن «جميع البدائل التي يواجهها ترمب غير مستساغة»، مشيراً إلى أن عملية صنع القرار لديه شخصية إلى حد بعيد، وأنه يستمع إلى عدد محدود من المستشارين وعدد أقل من الخبراء. لذلك لا يستبعد كلاوسن أن يوافق الرئيس، في أي لحظة، على حملة القصف التي تمتد أسبوعين والمنسوبة إلى قائد القيادة المركزية الأميركية الأميرال براد كوبر، أو أن يقرر ببساطة إبقاء الحصار والحملة الاقتصادية. ويستشهد كلاوسن بتقلب تعامل ترمب حتى مع الحلفاء؛ إذ وافقت إدارته بصورة مفاجئة على اتفاق للتعاون النووي المدني مع السعودية، المعروف باتفاق «123»، قبل أن يضيف الرئيس بعد أيام شرط الاعتراف بإسرائيل، وهو مطلب ترفضه الرياض منذ فترة طويلة. ويرى أن هذا الأسلوب قد يكون أشد تقلباً في التعامل مع إيران، إلى درجة أنه «لا أحد يعرف ما سيفعله ترمب، وربما هو نفسه لا يعرف بعد». ويرى دعاة التصعيد أن حملة قصيرة ومحددة يمكنها تدمير مزيد من المواقع النووية والصاروخية والبنية الصناعية، ثم العودة إلى الحصار. غير أن هذا الخيار لا يضمن فتح هرمز، وقد يدفع إيران إلى ضرب منشآت النفط والمياه والقواعد الأميركية. كما أن نقص بعض الصواريخ الاعتراضية والذخائر بعيدة المدى، واحتمال ارتفاع أسعار الطاقة، يجعلان «أسبوعين من القصف» مدخلاً محتملاً إلى مواجهة أطول، لا خاتمة محسوبة لها.

جندي أميركي من سلاح المدفعية يزوّد مولد منظومة «باتريوت» بالوقود في الشرق الأوسط (الجيش الأميركي)

هرمز و«التعايش» القسري

الخيار الثالث هو قبول اتفاق محدود يعيد الملاحة مقابل قدر من الإشراف الإيراني، وتأجيل القضايا الكبرى. دول المنطقة لا ترحب بهذه النتيجة، لكنها تبدو أكثر تحفظاً من حرب جديدة. وقد تراجعت حركة الملاحة عبر المضيق الاثنين إلى ست سفن فقط، مقارنة بنحو 130 إلى 140 سفينة يومياً قبل الحرب، بما يكشف الفارق بين إعلان ترمب أن البحرية الأميركية «تسيطر» على هرمز وبين القدرة الفعلية على ضمان المرور التجاري. ومع ذلك، لا يعد ذلك تسليماً بسيادة إيرانية قانونية على المضيق، بل يعد تعايشاً مؤقتاً مع قدرة طهران على تعطيله. فالطرق البديلة، تعرضت هي الأخرى لتهديدات وهجمات، ما أبقى لإيران «حق النقض» عملياً على جزء من صادرات المنطقة.

ويحذر كلاوسن من أن قبول بعض الشروط الإيرانية قد يدفع طهران إلى إضافة شروط أخرى، لأنها تعتقد أن ترمب عُرضة لمزيد من الضغط. ويلفت إلى أن إيران تجاوزت بالفعل ما ورد في مذكرة التفاهم، بإضافة الاعتذار والتعويضات والمطالبة بانسحاب القوات الأميركية. كما يوضح أن صندوق الـ300 مليار دولار الوارد في المذكرة فُهم أميركياً بوصفه استثمارات في إيران، لا تعويضات، وأن بند القوات فسرته واشنطن بوصفه منعاً لحشد جديد قرب إيران، لا انسحاباً من المنطقة. أما خيار إعلان النصر والابتعاد، حتى من دون اتفاق نووي، فقد يخفف العبء السياسي عن ترمب، لكنه لن ينهي الأزمة ما دام هرمز قابلاً للإغلاق وإيران قادرة على التصعيد. ولهذا تبدو النتيجة الأرجح مزيجاً من الحصار والعقوبات والتفاوض غير المباشر، مع إبقاء الضربات ورقة احتياط. وهو ما يلخصه كلاوسن بالقول إنها مواجهة طويلة سواء أمر ترمب بحملة جديدة أم لم يفعل؛ فالقرار المتاح ليس كيفية تحقيق نصر سريع، بل أي تكلفة يختار تحملها، وأي تكلفة يستطيع نقلها إلى إيران وحلفائه وناخبيه.