إسرائيل تحوّل القدس لثكنة عسكرية في رمضان... وتقيد وصول المصلين إلى «الأقصى»

ساعة صباحية إضافية للمتطرفين في المسجد... و10 آلاف من الضفة فقط ليوم الجمعة

فلسطينيون في أزقة البلدة القديمة بينما تنشر الشرطة الإسرائيلية قوات معززة (إ.ب.أ)
فلسطينيون في أزقة البلدة القديمة بينما تنشر الشرطة الإسرائيلية قوات معززة (إ.ب.أ)
TT

إسرائيل تحوّل القدس لثكنة عسكرية في رمضان... وتقيد وصول المصلين إلى «الأقصى»

فلسطينيون في أزقة البلدة القديمة بينما تنشر الشرطة الإسرائيلية قوات معززة (إ.ب.أ)
فلسطينيون في أزقة البلدة القديمة بينما تنشر الشرطة الإسرائيلية قوات معززة (إ.ب.أ)

رفعت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية مستوى التأهب مع بدء اليوم الأول من شهر رمضان، وحوّلت القدس إلى ثكنة عسكرية، بالتوازي مع تعزيز القوات والعمليات في الضفة الغربية. وبينما تقرر توسيع وقت اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى في شهر رمضان، تقرر منع المسلمين من الوصول إليه بحرية، وتم تقييد أعداد المصلين من الضفة الغربية إلى 10 آلاف (محددين عمرياً) في يوم الجمعة فقط.

وقالت مصادر أمنية إسرائيلية لهيئة البث الإسرائيلية «كان»، إن «الاستعدادات صارمة، ونحن على أهبة الاستعداد لأي سيناريو طارئ. في هذه المرحلة، سيتم نشر آلاف من رجال الشرطة وحرس الحدود في جميع أنحاء المدينة (القدس)، مع التركيز على بوابات البلدة القديمة، وطرق المرور الرئيسية، وحول الحرم القدسي (المسجد الأقصى)».

وفعلاً حوّلت إسرائيل القدس إلى ثكنة عسكرية، فانتشرت الشرطة الإسرائيلية بكثافة حول المسجد الأقصى وفي شوارع البلدة القديمة، وفي شوارع المدينة وعلى المنافذ ونقاط التماس والجدار الفاصل مع الضفة الغربية.

قبّة الصخرة في القدس كما بدت الأربعاء (أ.ف.ب)

وقال عراد برافرمان، وهو ضابط رفيع في الشرطة، إن القوات ستنتشر «ليلاً ونهاراً» في جميع أنحاء الأقصى وفي المنطقة المحيطة به.

والتعزيزات الضخمة في القدس استبقت قراراً اتخذته القيادة السياسية، الأربعاء، تبنت خلاله توصية المؤسسة الأمنية بالسماح لـ10 آلاف مصلٍّ فلسطيني فقط من الضفة الغربية بدخول المسجد الأقصى لأداء صلاة الجمعة خلال شهر رمضان.

وبحسب القرار، «يُسمح بالدخول للرجال من سن 55 عاماً فما فوق، والنساء من سن 50 عاماً فما فوق، والأطفال حتى سن 12 عاماً برفقة أحد أقاربهم من الدرجة الأولى، ويُشترط الحصول على موافقة أمنية مسبقة لمنح تصاريح لدخول الأقصى».

وإضافةً إلى ذلك، سيُطلب من المصلين الذين يخرجون للصلاة تنفيذ توثيق رقمي عند المعابر الحدودية أثناء عودتهم إلى الضفة في نهاية يوم الصلاة.

ومنع المصلين من الوصول إلى الأقصى قابله قرار بتمديد عدد الساعات التي يسمح خلالها للمستوطنين المتطرفين باقتحام الأقصى. وقالت «القناة 7» الإسرائيلية إنه تقرر لأول مرة في رمضان «تطبيق تغيير ملموس في ترتيبات دخول اليهود إلى جبل الهيكل».

ووفقاً للتوجيهات الجديدة، تم «توسيع ساعات الزيارة المخصصة لليهود اعتباراً من يوم الأربعاء، حيث سيسمح لهم بالدخول في تمام الساعة 6:30 صباحاً حتى 11:30 صباحاً، وستستمر هذه المواعيد طوال الشهر». ويهدف هذا التغيير إلى إتاحة وجود أطول لليهود خلال ساعات الصباح... وكان يسمح للمتطرفين باقتحام المسجد عادة بعد الساعة السابعة والنصف صباحاً.

فلسطينيون عند نقطة تفتيش أقامها الإسرائيليون عند بوابة المسجد الأقصى (رويترز)

وبموجب ترتيبات قائمة منذ أن احتلت إسرائيل القدس، من الأردن في حرب عام 1967، يُسمح لليهود بزيارة «الأقصى» بأعداد محدودة جداً في ساعات محدودة جداً دون أي صلاة أو أداء طقوس، وهي السياسة التي تجاهلتها السلطات الإسرائيلية تدريجياً في السنوات الأخيرة.

وقد تحدى عدد متزايد من المتطرفين اليهود حظر الصلاة، بمَن فيهم وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، الذي صلى في الموقع عامي 2024 و2025.

وأشادت «المدرسة الدينية لجبل الهيكل» بهذه الخطوة، معتبرة أنها تمثل إنجازاً مهماً في تعزيز الوجود اليهودي في الموقع.

وجاء في بيان «نرحب بتمديد ساعات الدخول في الصباح، ونعرب عن تقديرنا العميق للشرطة الإسرائيلية ولوزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، على جهوده المتواصلة لتعزيز الوجود اليهودي في المكان». واستغل المتطرفون الدعم الذي يتلقونه من الحكومة، ولم يفوتوا اليوم الأول في رمضان.

واقتحم مستوطنون المسجد الأقصى، وأدوا رقصات وأناشيد داخل باحات المسجد. وأفادت محافظة القدس بأن عشرات المستوطنين اقتحموا المسجد الأقصى وأدوا طقوساً تلمودية واستفزازية في باحاته، بينما أدت مجموعة منهم حلقات رقص وغناء جماعية خلال الاقتحام.

وقالت المحافظة إن «ما أقدمت عليه سلطات الاحتلال الإسرائيلي من تمديد فترة اقتحامات المستعمرين إلى المسجد الأقصى المبارك ساعة إضافية يومياً خلال شهر رمضان المبارك يعد تصعيداً خطيراً».

وعبّرت المحافظة عن تخوّفها الشديد من «أن يتحول هذا الإجراء المؤقت إلى سياسة دائمة تمتد إلى ما بعد شهر رمضان»، معتبرة هذا القرار «تصعيداً خطيراً يمسّ الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى، ويشكّل استفزازاً صارخاً لمشاعر المسلمين في القدس وفلسطين والعالم أجمع».

وأوضحت أن القرار «ترافق مع حملات تحريضية تقودها جمعيات استعمارية متطرفة، شملت نشر فيديوهات تدعو إلى إغلاق المسجد الأقصى، والترويج لروايات دينية مزيفة تزعم أن المكان مقدّس لليهود، في محاولة واضحة لفرض واقع جديد بالقوة وتكريس التقسيم الزماني والمكاني للمسجد».

وأكدت محافظة القدس أن «المسجد الأقصى المبارك هو مكان عبادة إسلامي خالص، وأن جميع الإجراءات الاحتلالية بحقه باطلة وغير شرعية، وتمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة».

وتعد السياسة الإسرائيلية الجديدة في القدس والمسجد الأقصى غير مسبوقة لجهة تمكين اليهود من اقتحام أوسع للمسجد مقابل تقييد شديد لوصول المسلمين إليه، في شهر رمضان تحديداً.

في الأحياء القديمة للقدس (إ.ب.أ)

وقبيل شهر رمضان، بدأ الجيش الإسرائيلي عملية واسعة متواصلة في أنحاء الضفة الغربية، قال إنها ستتواصل طوال الشهر. واقتحم مناطق واسعة في الضفة، الثلاثاء والأربعاء، وتخللت ذلك عمليات احتلال وتهجير وهدم منازل واعتقالات كبيرة.

وكان الجيش الإسرائيلي قد أرسل، هذا الأسبوع، إلى الضفة وحدات كوماندوز، وعزز قواته في الشوارع وعلى نقاط التماس وحول المستوطنات، وأجرى تدريبات مختلفة.

وتشير التقديرات في جهاز الأمن الإسرائيلي إلى أن الوضع الأمني في الضفة سيتأثر بقرارات اتخذتها الحكومة الإسرائيلية والكابنيت، تتعلق بتعميق السيطرة والسيادة بطريقة تؤدي إلى تفكك السلطة الفلسطينية وضم الضفة الغربية.

ويدعي جهاز الأمن الإسرائيلي أنه يرصد محاولة «جهات خارجية» للتأثير على الوضع في الضفة وتشجيع عمليات مسلحة. يضاف إلى ذلك، اعتداءات المستوطنين المتواصلة التي تتصاعد باستمرار. ويلتقي هذا كله مع أزمة اقتصادية خانقة في الضفة.


مقالات ذات صلة

السعودية تدين استفزازات إسرائيل المتكررة بحق المسجد الأقصى

الخليج أدانت السعودية وجود علم الاحتلال في ساحات المسجد الأقصى بمدينة القدس (رويترز)

السعودية تدين استفزازات إسرائيل المتكررة بحق المسجد الأقصى

أدانت السعودية الممارسات الاستفزازية الإسرائيلية المتكررة بحق المسجد الأقصى، وآخرها اقتحام مسؤول إسرائيلي له تحت حماية شرطة الاحتلال، ورفع آخر علم الاحتلال فيه.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي عناصر أمن إسرائيليون يقومون بدورية أمام قبة الصخرة في باحة المسجد الأقصى بالبلدة القديمة في القدس (أرشيفية - د.ب.أ)

القدس: اعتقال 5 سيدات من الأقصى بالتزامن مع اقتحام مستوطنين

أفادت محافظة القدس بأن عشرات المستوطنين اقتحموا، اليوم الأربعاء، المسجد الأقصى، بحماية مشددة من القوات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير (أرشيفية - إ.ب.أ) p-circle

نتنياهو يوبّخ «المحكمة العليا» بسبب بن غفير

وبّخ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، «المحكمة العليا»، وأبلغها في ردٍّ رسمي، الأحد، بأنها «لا تملك أي صلاحيات» للنظر في إقالة الوزير إيتمار بن غفير.

كفاح زبون (رام الله)
شؤون إقليمية وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير (أرشيفية - رويترز)

بن غفير يقتحم المسجد الأقصى برفقة مستوطنين

اقتحم وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، صباح اليوم (الأحد)، المسجد الأقصى، برفقة مجموعة من المستوطنين.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيات يلتقطن «سيلفي» بالقرب من المسجد الأقصى بالقدس اليوم (أ.ب) p-circle

إسرائيل تفتح «الأقصى» بعد إغلاقه 40 يوماً... وتوافق على 34 مستوطنة بالضفة

أدى آلاف الفلسطينيين صلاة الفجر، الخميس، في المسجد الأقصى بعد 40 يوماً من إغلاقه بسبب الحرب على إيران، حسبما أعلنت محافظة القدس.

«الشرق الأوسط» (القدس)

إسرائيل تتهم محامياً فلسطينياً فرنسياً بإدارة «خلية إرهابية»

أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس (رويترز - أرشيفية)
أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس (رويترز - أرشيفية)
TT

إسرائيل تتهم محامياً فلسطينياً فرنسياً بإدارة «خلية إرهابية»

أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس (رويترز - أرشيفية)
أفراد من الشرطة الإسرائيلية في القدس (رويترز - أرشيفية)

اتهمت إسرائيل، الثلاثاء، المحامي الفلسطيني الفرنسي صلاح حموري بتنظيم وإدارة «خلية إرهابية» أوروبية مؤلفة من فلسطينيين من القدس الشرقية المحتلة كانت قد فُككت أواخر عام 2025، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكرت الشرطة الإسرائيلية وجهاز الأمن الداخلي (الشاباك) في بيان مشترك أن «خمسة من سكان القدس الشرقية، أعضاء في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، اعتُقلوا واستُجوبوا من جانب «الشاباك» خلال شهري نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) 2025».

وأضاف البيان: «كشف تحقيق (الشاباك) أن حموري التقى خلال عامي 2024 و2025 بأعضاء الخلية، وجميعهم من سكان القدس الشرقية، في دول أوروبية عدة، وجنّدهم لإنشاء بنية تحتية تهدف إلى تنفيذ أنشطة إرهابية في إسرائيل».

وقال البيان إن حموري «زوّدهم لهذا الغرض بهواتف تُمكّنهم من إجراء اتصالات مشفرة».

وُلد حموري في القدس لأم فرنسية، وكان يحمل تصريح إقامة دائمة يُمنح للفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية التي احتلتها إسرائيل ثم ضمّتها لاحقاً.

أُلغي تصريحه في أواخر نوفمبر 2022 لما وصفته إسرائيل بـ«خرق الولاء» للدولة الإسرائيلية، وذلك قبل شهر من ترحيله إلى فرنسا، وهي خطوة ندد بها حموري ووصفها بـ«الترحيل».

أُلقي القبض عليه عام 2005، وحُكم عليه من محكمة إسرائيلية عام 2008 بالسجن سبع سنوات لإدانته بالتورط في مؤامرة لاغتيال عوفاديا يوسف، الحاخام الأكبر السابق لإسرائيل ومؤسس حزب شاس اليهودي المتشدد.

أُفرج عن حموري الذي دأب على تأكيد براءته، عام 2011 ضمن صفقة تبادل أسفرت عن إطلاق سراح الجندي الفرنسي الإسرائيلي جلعاد شاليط.

تتهمه إسرائيل بالانتماء إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي منظمة تصنفها إسرائيل بأنها «إرهابية». وينفي محاميه هذه التهمة.


نتنياهو: الجيش الإسرائيلي ينشر قوات كبيرة في جنوب لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

نتنياهو: الجيش الإسرائيلي ينشر قوات كبيرة في جنوب لبنان

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن الجيش ينشر «قوات كبيرة على الأرض» في جنوب لبنان، ويسيطر على «مناطق استراتيجية»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وجاءت تصريحاته بعد أن وسّع الجيش الإسرائيلي عملياته البرية في جنوب لبنان متجاوزًا «الخط الأصفر»، وهو خط الترسيم الذي أقامته إسرائيل على بعد عدة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية عقب اتفاق وقف إطلاق النار مع «حزب الله» في 16 أبريل (نيسان).

وأفادت وسائل ​إعلام إسرائيلية، الثلاثاء، بأن الجيش الإسرائيلي وسّع نطاق عملياته ‌البرية ‌في ​جنوب ‌لبنان إلى ⁠ما ​وراء «الخط الأصفر»، ⁠وهو خط ترسيم رسمته إسرائيل قرب الحدود، إلا أن ⁠التقارير لم ‌تقدّم ‌تفاصيل ​إضافية ‌عن ‌مدى هذا التوسع.


«الأصول المجمدة» تعقد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الأصول المجمدة» تعقد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يصل إلى مطار زفارتنوتس الدولي في العاصمة الأرمينية يريفان، الثلاثاء (إ.ب.أ)

بلغت المفاوضات الأميركية - الإيرانية مرحلة دقيقة مع عودة الوفد الإيراني المفاوض إلى طهران، الثلاثاء، بعد محادثات أجراها في الدوحة حول آلية الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، بالتوازي مع تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكناً خلال أيام، رغم الضربات الأميركية الأخيرة في جنوب إيران وما أثارته من اتهامات إيرانية بانتهاك وقف إطلاق النار.

وقال التلفزيون الإيراني الرسمي إن الوفد الذي ترأسه رئيس البرلمان وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف عاد إلى طهران بعد محادثات أجراها مع مسؤولين قطريين.

وكان قاليباف قد توجه، الاثنين، على رأس وفد رفيع للمشاركة في محادثات تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على مسودة تفاهم مع واشنطن لإنهاء الحرب. وضم الوفد وزير الخارجية عباس عراقجي ومحافظ البنك المركزي عبد الناصر همتي.

وجاءت المحادثات في وقت تواصلت فيه الجهود للتوصل إلى مذكرة تفاهم أولية، تشمل إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز واستئناف مسار تفاوضي أوسع بشأن الملفات الأكثر تعقيداً، وفي مقدمها البرنامج النووي الإيراني.

غير أن الضربات الأميركية الأخيرة، التي قالت واشنطن إنها استهدفت زوارق ومواقع صاروخية «دفاعاً عن النفس»، أعادت إظهار هشاشة وقف إطلاق النار، بينما واصلت طهران وواشنطن الحديث عن إمكان استمرار المحادثات.

وقال روبيو، للصحافيين في مدينة جايبور الهندية صباح الثلاثاء، إن محادثات جرت في قطر، مضيفاً: «سنرى ما إذا كان بإمكاننا إحراز أي تقدم. أعتقد أن هناك الكثير من النقاشات الدائرة حول نقاط محددة في الوثيقة الأولية، لذا سيستغرق الأمر بضعة أيام».

وتابع: «أعرب الرئيس عن رغبته في التوصل إلى اتفاق. إما أن يعقد صفقة جيدة أو لا يعقد أي صفقة».

وأكد روبيو أن «المضايق يجب أن تكون مفتوحة»، مضيفاً: «سيتم فتحها بطريقة أو بأخرى، لذا يجب أن تكون مفتوحة». ووصف ما يحدث في مضيق هرمز بأنه «غير قانوني وغير مشروع وغير مستدام للعالم وغير مقبول».

محطة الدوحة

في الضفة الأخرى، نقلت وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر مطلع قريب من فريق التفاوض أن قاليباف بحث في قطر آلية الإفراج عن 12 مليار دولار في المرحلة الأولى من التفاهم المحتمل، ضمن مذكرة مؤلفة من 14 بنداً تنص على الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة خلال مسار المفاوضات، والمقدرة بنحو 24 مليار دولار.

وقال المصدر إن طهران تشدد على إتاحة نصف هذا المبلغ مع بدء إعلان مذكرة التفاهم، على أن يُنقل النصف الآخر خلال 60 يوماً. وأضاف أن زيارة قاليباف إلى قطر جاءت لبحث آلية تنفيذ هذا المطلب، وكيفية الوصول إلى 12 مليار دولار في الخطوة الأولى، وإزالة العوائق المرتبطة به.

وأوضح المصدر أن تجربة الإفراج السابقة عن الأموال الإيرانية في كوريا الجنوبية وقطر دفعت طهران إلى التشديد على متابعة الخطوات التنفيذية بدقة، تفادياً لتكرار التعقيدات السابقة. وأضاف أن الزيارة استفادت من تلك التجربة لضمان عدم حدوث أي خلل في الوصول إلى الأموال، وحققت «نتائج جيدة» في هذا الجانب.

وقال المصدر إن «مفاوضات قطر كانت جيدة في مجملها، وأسهمت في تحقيق تقدم في المفاوضات العامة»، لكنه أضاف أن طهران تتعامل مع الملف بحذر شديد؛ لأن الولايات المتحدة «معروفة بأنها طرف سيئ العهد»، على حد تعبيره.

وجاء ذلك بعدما نفت قطر تقريراً إسرائيلياً أفاد بأنها عرضت على إيران قرضاً بقيمة 12 مليار دولار لضمان توقيع اتفاق سلام مع الولايات المتحدة.

وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، إن التقارير التي تزعم أن الدوحة «عرضت» 12 مليار دولار على إيران «كاذبة ولا أساس لها»، مضيفاً أنها تُروَّج من أطراف تسعى إلى «إفشال الاتفاق وتقويض الجهود الدبلوماسية الرامية إلى خفض التصعيد وتعزيز الاستقرار في المنطقة».

ونقلت «تسنيم» عن مصدر مطلع آخر، رداً على تصريحات المتحدث باسم الخارجية القطرية بأن الدوحة لا تقدم أموالاً لضمان مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، قوله إن «تصريحات القطريين ليست خاطئة في مجملها»، موضحاً أن الأموال التي جرى بحثها في الدوحة تعود إلى إيران، ولا علاقة لها بضمان التفاهم.

وأضاف أن طهران، بسبب تجاربها السابقة، تسعى «بدقة وتشدد كاملين» إلى استعادة هذه الأموال.

وقالت «تسنيم» إن زيارة الوفد الإيراني جاءت في إطار السعي إلى الإفراج عن جزء من الأموال المجمدة في المرحلة الأولى من تنفيذ مذكرة التفاهم المحتملة. وأضافت أن إيران تصر على الإفراج عن جزء من هذه الأموال خلال العملية؛ لأنها لا تثق بالجانب الأميركي، وتسعى إلى تحقيق نتائج مؤكدة ومنفعة ملموسة.

وذكرت الوكالة أن أهمية الملف دفعت قاليباف، بصفته رئيس فريق التفاوض، إلى التوجه بنفسه إلى الدوحة لمتابعته في محادثات مع أمير قطر. ونقلت عن مصدر مطلع قوله إن الزيارة شهدت «تقدماً»، واتخذت خلالها «خطوات إلى الأمام».

الأموال المجمدة

تتضارب المعلومات حول الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. وتشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أنها تتراوح بين 100 مليار و120 مليار دولار.

وقال محافظ البنك المركزي الإيراني السابق، ولي الله سيف، بعد إعلان الاتفاق النووي في 2015، إن الاتفاق من شأنه إطلاق 30 مليار دولار من أصول إيران المجمدة.

وخلال مفاوضات فيينا التي تعثرت في مارس (آذار) 2022، طالبت إيران بالإفراج عن أصول مجمدة من عائدات مبيعاتها النفطية في اليابان وكوريا الجنوبية، إضافة إلى مستحقات بيع الغاز والكهرباء للعراق، والمقدرة بنحو 6 مليارات دولار.

وتقدر الأصول الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية بنحو 7 مليارات دولار، وفي اليابان بـ1.6 مليار دولار، وفي لوكسمبورغ بـ1.5 مليار دولار. وكانت صحف إيرانية قد ذكرت، في ذلك الوقت، أن لإيران نحو 20 مليار دولار في الصين.

وفي عام 2023، جرى تحويل 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في بنوك كورية جنوبية إلى قطر مقابل الإفراج عن خمسة مواطنين أميركيين محتجزين في إيران. غير أن تلك الأموال لم تُفرج للاستخدام الإيراني، إذ تدهورت العلاقات بين واشنطن وطهران عقب هجوم «حماس» على إسرائيل في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، الذي أشعل حرب غزة.

وقالت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية فاطمة مهاجراني إن إحدى مشكلات طهران في المفاوضات تتمثل في «تناقض الأقوال والسلوك الأميركي»، لكنها أبدت ثقة بـ«القوات العسكرية وفريق الدبلوماسية» الإيراني، معربة عن أملها في الوصول إلى «سلام مستدام».

وأضافت مهاجراني أن الحكومة تسعى إلى السيطرة على التضخم، لكنها أشارت إلى أن التطورات الدولية تؤثر في معدلاته، مؤكدة أن الحكومة تحاول ضبطه عبر «الانضباط في الموازنة».

وقالت إن العقوبات والاضطرابات الدولية تؤثر في كل الصناعات، وإن قطاع الدواء «ليس استثناءً».

روبيو بين الاتفاق والضغط

جاءت تصريحات روبيو بعد ضربات أميركية جديدة قالت إيران إنها انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار. وقالت وزارة الخارجية الإيرانية إن الضربات الأميركية التي وقعت في إقليم هرمزغان بجنوب البلاد تمثل «انتهاكاً صارخاً» للهدنة الهشة، في وقت أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات فجر الثلاثاء في الإقليم.

وقالت الولايات المتحدة إن الضربات استهدفت زوارق كانت تحاول زرع ألغام ومواقع إطلاق صواريخ. وبعد الهجمات، قال روبيو إن التوصل إلى اتفاق لا يزال ممكناً، لكنه قد يحتاج إلى «بضعة أيام» بسبب النقاشات الجارية حول بنود محددة في الوثيقة الأولية.

وتحدثت مصادر إيرانية وأميركية عن تقدم في مذكرة تفاهم، أو اتفاق أولي، من شأنه وقف الحرب واستئناف الملاحة عبر مضيق هرمز، مع منح المفاوضين 60 يوماً لمناقشة قضايا أكثر تعقيداً، بينها البرنامج النووي الإيراني.

وتقول الرواية الإيرانية إن الاتفاق الأولي يقتصر على إنهاء الحرب في جميع الجبهات، ووضع إطار عمل لمدة 30 يوماً بشأن حركة المرور عبر مضيق هرمز، وربما تقديم دعم مالي عبر الإفراج عن جزء من الأصول المجمدة، على أن تبحث القضايا الأكثر حساسية، مثل البرنامج النووي، في مرحلة ثانية.

وقال مصدر إيراني كبير لـ«رويترز» إن إيران كانت تضغط خلال محادثات قطر لإدراج بند الإفراج عن مليارات الدولارات من الأصول المجمدة ضمن المذكرة. ونقلت وكالة «فارس»، التابعة لـ«الحرس الثوري»، عن مصدر قوله إن الإفراج عن هذه الأموال هو «آخر نقطة خلاف جدية» تحول دون الانتهاء من مذكرة التفاهم.

الغبار النووي

قال ترمب، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه يتوقع من إيران أن تسلم اليورانيوم المخصب لديها إلى الولايات المتحدة لتدميره، أو أن يتم تدميره في مكانه بحضور شهود دوليين.

وكتب ترمب: «اليورانيوم المخصب (الغبار النووي) إما سيتم تسليمه على الفور إلى الولايات المتحدة لنقله إلى الوطن وتدميره، أو من الأفضل، بالتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، تدميره في مكانه أو في موقع آخر مقبول بحضور لجنة الطاقة الذرية، أو ما يوازيها، كشاهد على هذه العملية والحدث».

ويرى ترمب أن الهدف الرئيسي من الحرب هو منع إيران من صنع سلاح نووي باستخدام اليورانيوم العالي التخصيب. وتنفي طهران دوماً وجود أي خطط لصنع سلاح نووي، وتقول إن لها الحق في تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية.

وفي خطاب بمناسبة موسم الحج، قال المرشد الإيراني مجتبى خامنئي إن «عقارب الساعة لا يمكن أن تعود إلى الوراء»، مجدداً تهديدات والده المرشد السابق علي خامنئي للقوات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط وكذلك. وأشار إلى ضرورة تكرار شعارات «الموت لأميركا» و«الموت لإسرائيل»، فضلاً عن الوعود بـ« زوال إسرائيل»، وذلك في رد ضمني على دعوة ترمب لإيران بالانضمام لـ«اتفاقيات إبراهيم».

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن بعد ضربات أميركية - إسرائيلية على إيران 2 مارس 2026 (أرشيفية - رويترز)

وفي الوقت نفسه، لا يزال مضيق هرمز في قلب المفاوضات. وقد أدى إغلاقه الفعلي إلى أزمة غير مسبوقة في إمدادات النفط، وارتفاع أسعار الخام والوقود والأسمدة والغذاء. وردت إيران على الضربات الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) بإطلاق طائرات مسيّرة وصواريخ على دول في الخليج العربي تستضيف قواعد أميركية.

وانخفضت حركة المرور عبر المضيق، الذي كان يمر عبره عادة نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، إلى جزء ضئيل من مستواها السابق للحرب. وارتفع خام برنت نحو 3.5 في المائة الثلاثاء، ليتجاوز 99 دولاراً للبرميل بعد أنباء الضربات الأميركية.

وتتجه الأنظار الأربعاء إلى منتجع كامب ديفيد الرئاسي في واشنطن، حيث يعقد ترمب اجتماعاً نادراً لمجلس الوزراء، مع اقتراب المحادثات مع إيران من مرحلة حاسمة، وفق ما صرح مسؤول في البيت الأبيض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

ويعكس اختيار المنتجع المنعزل في جبال ماريلاند، الذي نادراً ما يزوره ترمب مقارنة برؤساء سابقين، حساسية المناقشات. وذكرت صحيفة «نيويورك بوست» أن الملف الإيراني سيهيمن على الاجتماع المتوقع أن يحضره جميع أعضاء مجلس الوزراء، مع طرح الملف الاقتصادي أيضاً على جدول الأعمال.

وشهد كامب ديفيد في الماضي محطات دبلوماسية بارزة، بينها اتفاقات 1978 بين مصر وإسرائيل في عهد جيمي كارتر، وقمة إسرائيلية - فلسطينية فاشلة عام 2000 في عهد بيل كلينتون. وتعد هذه الزيارة الثانية فقط لترمب إلى كامب ديفيد خلال ولايته الثانية، وكانت الأولى قبل أيام من شن الولايات المتحدة ضربات استهدفت منشآت نووية إيرانية في يونيو (حزيران) 2025.