نتنياهو رضخ لإملاءات ترمب... لكنه حصل على أكبر دعم شخصي للانتخابات المقبلة

غالبية إسرائيلية قلقة من نتائج قمة ميامي

الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماعهما في نادي مار-إيه-لاغو في بالم بيتش بفلوريدا (رويترز)
الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماعهما في نادي مار-إيه-لاغو في بالم بيتش بفلوريدا (رويترز)
TT

نتنياهو رضخ لإملاءات ترمب... لكنه حصل على أكبر دعم شخصي للانتخابات المقبلة

الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماعهما في نادي مار-إيه-لاغو في بالم بيتش بفلوريدا (رويترز)
الرئيس ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماعهما في نادي مار-إيه-لاغو في بالم بيتش بفلوريدا (رويترز)

على الرغم من الهوة العميقة بين مؤيدي رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وبين خصومه، فإن غالبية الإسرائيليين ينظرون بقلق إلى نتائج قمة مار-إيه-لاغو في ميامي. فأنصار نتنياهو قلقون من الشعور بأنه رضخ لإملاءات الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، في معظم الملفات، وخصومه قلقون من الأهداف الكامنة في المدائح التي أغدقها عليه؛ لأنهم يرون فيها تدخلاً في السياسة الداخلية أكثر فظاظة من مدائحه السابقة ونذير شؤم للانتخابات المقبلة.

وقد أجمعت وسائل الإعلام العبرية على نقل تسريبات مصادر سياسية أكدت، أن ترمب حقق مراده في الانتقال إلى المرحلة الثانية في غزة، من دون تلبية الشروط الإسرائيلية (إعادة جثمان الجندي ونزع سلاح «حماس»). في حين حصل نتنياهو على ضوء أخضر لتصعيد في لبنان، لكن من دون حرب. ووافق على تغيير التوجه نحو سوريا والعودة إلى المفاوضات حول إبرام اتفاق تفاهمات أمنية. ووافق على الاستمرار في إبقاء إسرائيل سوط تهديد لإيران، ولكن من دون ضربها في الوقت الحاضر. عملياً، لم يستجب ترمب لأي من مطالب نتنياهو.

عشاء أميركي - إسرائيلي في منتجع مار-إيه-لاغو بولاية فلوريدا 29 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

وأما المدائح التي أغدقها ترمب بطريقة عجيبة، والتي يحتاج إليها نتنياهو كحاجة الظامئ إلى الماء في الصحراء، فقد عُدَّت فظّة وخطيرة في شكلها ومضمونها. فعندما سُئل ترمب عن كيفية وصفه للعلاقة مع نتنياهو، بعد اللقاء بينهما، أجاب: «إنه رئيس حكومة يصلح لمنصبه في وقت الحرب. قاد إسرائيل في مجابهات عملاقة. دراما ضخمة. وقام بذلك بنجاح مذهل. ربما لم تكن إسرائيل لتصمد لولا نتنياهو. ربما لم تكن موجودة لولاه».

وعندما سُئل مرة أخرى في الموضوع، عاد ترمب لتكرار موقفه عن «بيبي البطل»، ولكنه أضاف: «بتواضعه الشديد»: «هذا بفضل وقوفي معه بالطبع». وغاص الرئيس الأميركي في الموضوع أكثر، عندما قال في معرض إجابته عن سؤال آخر: «لا أعتقد أن علاقتنا يمكن أن تكون أفضل مما هي عليه الآن. هو بطل حرب، وأعتقد أنه يستحق عفواً». وأضاف لاحقاً: «أعتقد أن نتنياهو سيحصل على عفو. تحدثت مع الرئيس هرتسوغ، وقال لي إن الأمر في الطريق».

الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ (رويترز)

ومع أن الرئيس هرتسوغ فزع من هذا التصريح، وأصدر بياناً عبر مكتبه يقول إنه لم يجرِ أي اتصال هاتفي بينهما، منذ تقديم طلب العفو، تبين، ان مكتب الرئيس الأميركي يتواصل مع مكتب هرتسوغ ويلح عليه في طلب إصدار العفو، ووقف محاكمة نتنياهو في قضايا الفساد. وكان جواب مكتب هرتسوغ، إن الأمر «قيد العلاج لدى المستشارين القضائيين».

بكل الأحوال، فإن المدائح التي أغدقها ترمب على نتنياهو، خصوصاً القول، إن إسرائيل ما كانت لتبقى لو أن شخصاً آخر يقودها عدا نتنياهو، هي أقصى ما يتمناه رئيس الوزراء. فهو نفسه لم يكن يعرف، بأن بقاء إسرائيل جاء بفضله. ويعتبر تصريح ترمب أفضل فاتحة للمعركة الانتخابية الإسرائيلية، خصوصا لدى قاعدة نتنياهو الشعبية اليمينية. وحسب وسائل الإعلام، باشر مستشاروه في إعداد الخطط لكيفية استغلال هذه الكلمات على طول المعركة الانتخابية المقبلة.

لكن هذا التصريح يثير استفزاز المعارضة، التي ترى تدخل ترمب المبالغ فيه، «إهانة للدولة برمتها ولجهازها القضائي المفترض أنه مستقل». وأكثر من ذلك، يسأل الإسرائيليون: هل حقاً بقاء إسرائيل جاء بفضل نتنياهو؟ ويسأل الجيش مثلاً، هل يعقل أن يكون وجود إسرائيل بفضل نتنياهو؟ فماذا عن دور الجيش الذي حارب بجنون في غزة ووجّه ضربات موجعة لإيران و«حزب الله» و«حماس» والحوثيين ودمَّر الجيش السوري؟ وماذا عن «الموساد» الذي حقق اختراقاً مذهلاً للأمن الإيراني، ولـ«حزب الله»؟ وماذا عن الاغتيالات التي شملت قادة «حماس» و«حزب الله» والجيش الإيراني و«الحرس الثوري»؟ وماذا عن «البيجرز»؟... لقد صغّر ترمب كل هذه الإنجازات وحصرها في نتنياهو، الذي يؤكد عشرات شهود العيان، أنه كان منهاراً في 7 أكتوبر (تشرين الأول)، وأن التفاف الجنرالات من حوله، هو الذي جعله يعود إلى الصواب.

جنود إسرائيليون في قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

وأما الإسرائيليون الواقعيون والصحافيون والخبراء، فقد نظروا إلى لقاء ترمب نتنياهو بشيء من الحزن والخجل. فقد بدا واضحاً انهما ظهرا كعملاق وقزم. حتى بلغة الجسد وفي المظهر الخارجي. ترمب يتكلم طيلة الوقت، وتوجه إليه الأسئلة وليس لنتنياهو. وفي المضمون، هناك من أجرى مقارنة بينه وبين لقاء ترمب مع رئيس أوكرانيا، فلودومير زيلينسكي، الذي سبقه ببضع ساعات.

وكما هو معروف، كان الإسرائيليون يتحسبون من معاملة مهينة لنتنياهو مثلما عومل زيلينسكي قبل شهور عدة. وصحيح أن نتنياهو لم يظهر مثل زيلينسكي. فلا ترمب يعامله بهذه الطريقة، ولا هو يسمح لنفسه بموقف كهذا. إلا أن هناك شبهاً ما، بدا بارزاً. فالمخرج لتنازلات زيلينسكي أمام روسيا، وفقاً لإملاءات ترمب، كان «الضمانات الأميركية».

وقال زيلينسكي إنه حقق 90 في المائة من التفاهمات وحصل على 100 في المائة من الضمانات الأميركية لأمن بلاده. وما فعله نتنياهو هو أنه وضع نفسه مسبقاً كمن يطلب ضمانات أميركية. وبعد أن كان يقول، إنه لن ينتقل إلى المرحلة الثانية من دون إعادة جثمان آخر رهينة إسرائيلية لدى «حماس»، وقبل أن يتم نزع سلاحها، طلب من ترمب ضمانات بإعادة الجثمان وبنزع السلاح وحصل عليها. وعدّ ذلك مخرجاً مشرفاً يعود به إلى إسرائيل، كمن يحمل إنجازاً عظيماً. وفرح به لدرجة أنه قرر منح ترمب «جائزة إسرائيل»، التي لا تعطى لأجانب. وطلب من ترمب أن يحضر بنفسه إلى إسرائيل في أبريل (نيسان) المقبل، ليتسلمها في «عيد الاستقلال».

ترمب ونتنياهو في منتجع مار-إيه-لاغو بفلوريدا (أ.ف.ب)

وأما الجائزة الأميركية لنتنياهو، فستكون في حجم وشكل المساعدات التقليدية. التي يتم الاتفاق عليها مسبقاً كل عشر سنوات. والاتفاق الحالي أبرمه نتنياهو مع الرئيس السابق باراك أوباما في سنة 2016 ويشمل 38 مليار دولار من 2018 وحتى 2028. وقد بدأت محادثات بين الحكومتين على الاتفاق القادم (من 2028 وحتى 2038). و ألمح نتنياهو بغبطة، إلى أن الاتفاق الجديد سيكون مختلفاً وأفضل بشكل كبير..لكن لم تُعرف تفاصيل هذا الجديد.


مقالات ذات صلة

تحذير إسلامي - عربي - أفريقي من تصاعد اعتداءات إسرائيل في القدس

الخليج قوات الاحتلال الإسرائيلي واصلت إغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين المسلمين لليوم الأربعين على التوالي (أ.ف.ب)

تحذير إسلامي - عربي - أفريقي من تصاعد اعتداءات إسرائيل في القدس

حذَّرت منظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي، في بيان مشترك، الأربعاء، من خطورة تصاعد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية في القدس المحتلة.

«الشرق الأوسط» (جدة)
المشرق العربي فلسطيني يلتقط صورة سيلفي مع المسجد الأقصى يوم الأربعاء الذي ظل مغلقاً منذ بدء الحرب (أ.ف.ب)

عباس يرحب بوقف النار ويطالب بأن يشمل الضفة وغزة

دعا الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى وقف النار أيضاً في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ بالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.

كفاح زبون (رام الله)
خاص إسرائيليون يهود يؤدون طقوساً في البلدة القديمة بالقدس في 5 أبريل الحالي (رويترز) p-circle 02:05

خاص «رسالة قبل الهجوم»... لماذا أدى مستوطنون طقوساً تلمودية في «حمامات المالح» الفلسطينية؟

ينطلق المستوطنون الإسرائيليون في مهاجمة فلسطينيي الضفة الغربية من ذرائع يروجون أنها «دينية»؛ لكن منطقة «حمامات المالح» بدت جديدة ضمن أهدافهم... فلماذا الآن؟

كفاح زبون (رام الله)
خاص فلسطينيون بجوار جثامين ضحايا غارة جوية إسرائيلية في وسط قطاع غزة يوم الثلاثاء (إ.ب.أ) p-circle 02:23

خاص محاولة لاختطاف نشطاء من «القسام» تنتهي بمجزرة وسط غزة

أسفرت محاولة عناصر عصابة مسلحة موالية لإسرائيل اختطاف نشطاء من «كتائب القسام» الذراع العسكرية لـ«حماس» وسط غزة عن مقتل ما لا يقل عن 10 فلسطينيين وإصابة 15.

«الشرق الأوسط» (غزة)
شؤون إقليمية انتشار كثيف للشرطة التركية في محيط مجمع يقع به مقرُّ القنصلية الإسرائيلية في حي بيشكتاش بإسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين استهدفوه الثلاثاء (أ.ف.ب)

استهداف القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول... والشرطة تقتل مهاجماً وتقبض على اثنين

حددت السلطات التركية هوية 3 أشخاص اشتبكوا مع عناصر الشرطة، التي تتولى تأمين مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول؛ ما أسفر عن مقتل أحد المهاجمين وإصابة الآخرَين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

رئيس وزراء باكستان: محادثات أميركا وإيران «فرصة حاسمة»

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال خطابه للأمة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال خطابه للأمة (أ.ف.ب)
TT

رئيس وزراء باكستان: محادثات أميركا وإيران «فرصة حاسمة»

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال خطابه للأمة (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف خلال خطابه للأمة (أ.ف.ب)

قال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، اليوم الجمعة، إن المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد، والمقرر أن تبدأ غداً السبت، تمثل فرصة حاسمة للتوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط منذ أسابيع.

وأشار شريف، خلال خطاب للباكستانيين، إلى أن أميركا وإيران «مستعدتان للتفاوض وحل الخلافات عبر المحادثات». وأكد أن بلاده تسعى لوقف الحرب عبر المفاوضات و«ستبذل كل ما في وسعها لإنجاح المفاوضات».

وقال: «هذه المرحلة من المحادثات الأميركية - الإيرانية مصيرية، فإما أن تنجح أو تفشل في التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار».

بدوره، قال نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، الجمعة، إن باكستان ستوفر تسهيلات لمنح تأشيرات عند وصول أعضاء الوفود القادمة إلى إسلام آباد لحضور محادثات السلام المرتقبة.

وأشار نائب رئيس الوزراء، في منشور على منصة «إكس»، إلى أن «باكستان ترحب بجميع أعضاء الوفود، بما في ذلك الصحافيون من الدول المشاركة، القادمين لحضور محادثات إسلام آباد 2026»، وفقاً لما ذكرته وكالة «أسوشييتد برس».

وذكر أنه «لهذا الغرض يرجى من جميع شركات الطيران السماح لجميع هؤلاء الأفراد بالصعود إلى الطائرة دون تأشيرة».

وأضاف أن «سلطات الهجرة في باكستان ستقوم بإصدار تأشيرات دخول لهم عند الوصول».


دور رئيسي... كيف تدخلت الصين لإقرار الهدنة بين أميركا وإيران؟

رجل شرطة باكستاني يقف أمام شاشة رقمية تعرض أخبار محادثات السلام الأميركية الإيرانية على أحد الطرق في إسلام آباد (أ.ف.ب)
رجل شرطة باكستاني يقف أمام شاشة رقمية تعرض أخبار محادثات السلام الأميركية الإيرانية على أحد الطرق في إسلام آباد (أ.ف.ب)
TT

دور رئيسي... كيف تدخلت الصين لإقرار الهدنة بين أميركا وإيران؟

رجل شرطة باكستاني يقف أمام شاشة رقمية تعرض أخبار محادثات السلام الأميركية الإيرانية على أحد الطرق في إسلام آباد (أ.ف.ب)
رجل شرطة باكستاني يقف أمام شاشة رقمية تعرض أخبار محادثات السلام الأميركية الإيرانية على أحد الطرق في إسلام آباد (أ.ف.ب)

حظيت باكستان بإشادة دولية لتوسطها الذي فاجأ البعض في وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، لكن في الكواليس اضطلعت الصين بدور بالغ الأهمية، كما يؤكد خبراء ومصادر دبلوماسية.

قبل ساعات فقط من إعلان وقف إطلاق النار في النزاع الذي أودى بحياة الآلاف، وهز الاقتصاد العالمي، كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب لا يزال يهدد بتدمير إيران. ويقول مسؤول باكستاني كبير مطلع على المفاوضات إن «الآمال كانت تتلاشى، لكن الصين تدخلت، وأقنعت إيران بقبول وقف إطلاق نار أولي».

ويضيف المصدر الذي طلب عدم كشف هويته لحساسية المسألة: «رغم أننا قمنا بدور محوري، فإننا لم نتمكن من تحقيق اختراق، وهو ما تحقق في النهاية بعدما أقنعت بكين الإيرانيين».

تؤكد هذه التصريحات ما قاله ترمب لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بُعيد إعلانه وقف إطلاق النار لأسبوعين على وسائل التواصل الاجتماعي، عن أن الصين اضطلعت بدور رئيسي في إقناع إيران بالجلوس إلى طاولة المفاوضات.

وتستعد باكستان التي تربطها علاقات تاريخية بجارتها الإيرانية، ويتمتع قادتها بعلاقات وثيقة مع ترمب، لاستضافة محادثات بين الجانبين.

ويكشف مصدر دبلوماسي ثانٍ طلب أيضاً إخفاء هويته، أن «باكستان شكلت فريقاً من الخبراء لمساعدة الجانبين في المفاوضات بشأن الملاحة البحرية و(النووي) وموضوعات أخرى».

لكن هذا المصدر وعدة خبراء ومسؤولين سابقين يؤكدون أنه حتى لو وضعت باكستان إطاراً للمحادثات، فمن المتوقع أن يكون للصين دور محوري.

«إيران تريد ضامناً»

يوضح المصدر الدبلوماسي أنه «طُلب من الصين أن تكون ضامناً. إيران تريد ضامناً»، مضيفاً أن الصين هي «الأقدر» على أداء هذا الدور.

ويلفت إلى أن البديل هو روسيا التي من المستبعد أن يقبلها الغرب، خصوصاً الاتحاد الأوروبي، في خضم حربها في أوكرانيا.

تربط بكين علاقات وثيقة بكل من إسلام آباد وطهران. والصين هي الشريك التجاري الرئيسي لإيران، الخاضعة لعقوبات غربية، كما تستثمر بكثافة في مشروعات البنى التحتية في باكستان.

يقول مشاهد حسين سيد، وهو عضو سابق في مجلس الشيوخ الباكستاني حيث ترأس لجنتي الدفاع والشؤون الخارجية: «بصفتهما شريكين وجارين مقربين، نسقت باكستان والصين جهودهما بشكل وثيق منذ اليوم الأول لإنهاء الأعمال العدائية».

ويضيف: «سيظل دور الصين لا غنى عنه في إبرام أي اتفاق سلام نهائي بصفتها ضامناً أساسياً، نظراً لأن إيران لا تثق في الثنائي (دونالد) ترمب - (بنيامين) نتنياهو».

وأعلنت الصين دعمها لجهود الوساطة الباكستانية. وهي منخرطة في الوقت نفسه في محاولات لحل النزاع بين باكستان وأفغانستان، مع استضافتها ممثلين عن حكومة طالبان الأفغانية ومسؤولين باكستانيين في مدينة أورومتشي بعد أسابيع من القتال.

غياب عن صدارة المشهد

استخدمت الصين، على غرار روسيا، حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار في مجلس الأمن الدولي بشأن إعادة فتح مضيق هرمز الاستراتيجي الذي عطلته إيران منذ بداية الحرب. ومن المرجح أن هذا الموقف لاقى ترحيباً في طهران.

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية إن الوزير وانغ يي أجرى 26 محادثة هاتفية مع نظرائه في الدول المعنية بالنزاع، بينما قام مبعوث بكين الخاص إلى الشرق الأوسط «برحلات مكوكية عديدة» إلى المنطقة التي مزقتها الحرب.

لكن الصين تجنبت أن تتولى زمام المبادرة علناً في جهود السلام، ويعتقد بعض المراقبين أن مدى انخراطها الرسمي لا يزال غير مؤكد.

يقول المصدر الدبلوماسي الثاني: «لديهم اعتباراتهم الخاصة، فهم لا يريدون الانجرار إلى النزاع علناً».

ويعد ملف لبنان نقطة خلاف رئيسية؛ إذ يرغب رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وإيران في إدراجه في وقف إطلاق النار.

وفي أعقاب الضربات الإسرائيلة الدامية واسعة النطاق في لبنان، الأربعاء، قالت الولايات المتحدة إنها ستعقد محادثات منفصلة في واشنطن بين مسؤولين إسرائيليين ولبنانيين، الأسبوع المقبل.

ويخلص المصدر إلى أن «المفاوضات معقدة وحساسة للغاية»، مضيفاً أن «جميع الأطراف ستضطر إلى الموافقة على تنازلات وتسويات مؤلمة».


ميليشيا نصبت «كمين مسيَّرات» لدبلوماسيين أميركيين في بغداد

السفارة الأميركية في «المنطقة الخضراء» ببغداد (د.ب.أ)
السفارة الأميركية في «المنطقة الخضراء» ببغداد (د.ب.أ)
TT

ميليشيا نصبت «كمين مسيَّرات» لدبلوماسيين أميركيين في بغداد

السفارة الأميركية في «المنطقة الخضراء» ببغداد (د.ب.أ)
السفارة الأميركية في «المنطقة الخضراء» ببغداد (د.ب.أ)

كشف مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية عن طبيعة «الكمين» الذي تعرض له دبلوماسيون في بغداد، تزامناً مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت بين واشنطن وطهران حيز التنفيذ.

وقال المسؤول الأميركي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «موظفي السفارة الأميركية في بغداد تعرضوا في 8 أبريل (نيسان) 2026 لهجمات متعددة بطائرات مسيّرة نفذتها، حسب وصفه، ميليشيا عراقية قرب مطار بغداد الدولي».

وكان اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت لمدة أسبوعين بين الولايات المتحدة وإيران قد أُعلن في الساعات الأولى من يوم 8 أبريل، بوساطة باكستانية، ودخل حيز التنفيذ فوراً، في خطوة عُدَّت هشة لاحتواء التصعيد الإقليمي وفتح نافذة للمفاوضات.

ويُشار بالموقع المستهدف قرب مطار بغداد، الواقع غرب العاصمة العراقية، إلى منطقة قاعدة «فيكتوري» للدعم اللوجيستي، أو الطرق التي تسلكها أرتال دبلوماسية وعسكرية، وتخضع لرقابة أمنية عراقية.

وأكد المسؤول الأميركي أن «جميع الموظفين الدبلوماسيين بخير، وتم التأكد من سلامتهم»، دون أن يكشف عن طبيعة المهمة التي كانوا يقومون بها في الموقع الذي تعرض للهجوم بالطائرات المسيّرة، والذي يُعدّ بعيداً نسبياً عن مبنى السفارة في «المنطقة الخضراء» وسط بغداد.

وشهد يوم 8 أبريل أحداثاً متزامنة؛ إذ أفادت مصادر محلية بسقوط صاروخين في مركز الدعم الدبلوماسي الأميركي داخل المطار، مما أدى إلى اندلاع حريق. كما أعلن وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إطلاق سراح الصحافية الأميركية شيلي كيتلسون التي اختطفتها «كتائب حزب الله العراقية»، المتحالفة مع إيران قرب بغداد.

ولم تكشف السلطات الأميركية عن كيفية تسلمها من الخاطفين، كما لم تفصح عما إذا كانت قد نُقلت إلى خارج البلاد، كما حدث عند تحرير الباحثة الإسرائيلية إليزابيث تسوركوف، في سبتمبر (أيلول) 2025.

وأكد المسؤول الأميركي أن الولايات المتحدة أعربت عن «إدانة شديدة» للحكومة العراقية، وحثتها على إجراء تحقيق شامل ومحاسبة المسؤولين عن الهجمات. ولم تصدر أي تعليقات من الحكومة العراقية.

عناصر من «كتائب حزب الله العراقية» يحملون راية الفصيل وسط بغداد (أ.ف.ب)

مشرفون عسكريون

وكانت مصادر عراقية قد كشفت، الجمعة، عن أن ضباطاً في «الحرس الثوري» الإيراني، يشرفون على عمليات الفصائل المسلحة في العراق، رفضوا محاولات من سياسيين شيعة لإقناعهم بوقف الهجمات داخل البلاد.

وأكدت المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن هؤلاء يتصرفون، منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإيرانية بمنزلة «مشرف عسكري في الظل» في بغداد؛ بهدف إدامة «جبهة ضاغطة» على واشنطن، والاستعداد لسيناريو فشل المفاوضات معها.

وتأتي هذه التطورات في سياق تصعيد أوسع؛ إذ كانت وزارة الخارجية الأميركية قد أدانت في وقت سابق ما وصفته بهجمات إرهابية «شائنة» تنفذها جماعات ميليشياوية موالية لإيران تنطلق من الأراضي العراقية ضد مصالح ودبلوماسيين أميركيين.

وأشار بيان سابق للوزارة إلى أن هذه الهجمات تأتي بعد «مئات الهجمات خلال الأسابيع الأخيرة» استهدفت مواطنين أميركيين ومنشآت دبلوماسية ومصالح تجارية، بالإضافة إلى هجمات طالت دولاً مجاورة ومؤسسات ومدنيين عراقيين، بما في ذلك في إقليم كردستان.

كما اتهمت «الخارجية الأميركية» بعض الجهات المرتبطة بالحكومة العراقية بتوفير «غطاء سياسي ومالي وعملياتي» لتلك الميليشيات، محذّرة من أن ذلك ينعكس سلباً على العلاقات بين واشنطن وبغداد.

وشددت واشنطن على أنها «لن تتسامح» مع أي هجمات تستهدف مصالحها، مطالبةً الحكومة العراقية باتخاذ إجراءات فورية لتفكيك الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران داخل البلاد.