بابا الفاتيكان يوجّه من تركيا رسائل للوحدة والسلام... وينتقد سياسة الهجرة الأميركية

حذر من نذر حرب عالمية... وأجرى لقاءات في إسطنبول قبل احتفالية تاريخية

البابا ليو خلال لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في الشرق الأوسط (أ.ب)
البابا ليو خلال لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في الشرق الأوسط (أ.ب)
TT

بابا الفاتيكان يوجّه من تركيا رسائل للوحدة والسلام... وينتقد سياسة الهجرة الأميركية

البابا ليو خلال لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في الشرق الأوسط (أ.ب)
البابا ليو خلال لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في الشرق الأوسط (أ.ب)

شهد اليوم الثاني من زيارة بابا الفاتيكان ليو الرابع عشر لتركيا نشاطاً مكثفاً عبر برنامج مزدحم؛ إذ أمضى اليوم متنقلاً بين مدينتَي إسطنبول وبورصة في شمال غربي تركيا.

وكان النشاط الرئيسي للبابا، الجمعة، هو المشاركة في مراسم صلاة مسكونية مع بطريرك الروم الأرثوذكس، برثلماوس، قرب أطلال كاتدرائية القديس نيوفيتوس القديمة المطلة على بحيرة بلدة أزنيك في بورصة، بمناسبة الذكرى 1700 لمجمع نيقية الأول الذي أقر صيغة «قانون الإيمان» الذي لا يزال معظم مسيحيي العالم البالغ عددهم نحو 2.6 مليار يتبعونها حتى اليوم.

وقبل توجهه إلى بورصة على متن طائرة مروحية، التقى البابا في إسطنبول قادة مسيحيين من تركيا ودول عديدة في الشرق الأوسط، مثل مصر وسوريا وإسرائيل.

وحدة الطوائف وقضية الهجرة

وحثّ البابا في كلمة خلال اللقاء على الوحدة بين الطوائف المنقسمة منذ قرون، وذلك خلال أولى رحلاته إلى الخارج منذ توليه قيادة الكنيسة الكاثوليكية في مايو (أيار) الماضي.

لقاء البابا ليو مع الحاخام الأكبر في تركيا رابي ديفيد سيفي (إ.ب.أ)

والتقى البابا ليو بالحاخام الأكبر لتركيا، ديفيد سيفي، في مقر البعثة الرسولية في إسطنبول، ثم عقد لقاء مع الأساقفة والكهنة والشمامسة والمسؤولين الروحيين في كنيسة «القديس سبريت» الكاثوليكية (كاتدرائية الروح القدس).

وخلال اللقاء الذي جمع ممثلي الطائفة الكاثوليكية في تركيا، التي لا يتجاوز عددها 33 ألفاً، دعا البابا ليو إلى عدم السعي وراء نفوذ سياسي، والتركيز على مساعدة المهاجرين في تركيا، التي تستضيف ما يقرب من 4 ملايين أجنبي، منهم نحو 2.4 مليون سوري، إلى جانب مهاجرين من أفغانستان وإيران والعراق.

ومنذ تنصيبه، وضع البابا رعاية المهاجرين على رأس أولوياته، وانتقد بشكل متكرر سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترمب المناهضة للهجرة.

البابا ليو متحدثاً إلى راهبات في «دار رعاية الراهبات أخوات الفقراء الصغيرات» (أ.ف.ب)

وانتقل البابا بعد ذلك إلى «دار رعاية الراهبات أخوات الفقراء الصغيرات» في إسطنبول، قبل أن يتوجه إلى أزنيك في بورصة.

احتجاج حزب تركي

وتعد احتفالية أزنيك هي السبب الرئيسي لزيارة البابا ليو التي تستغرق أربعة أيام لتركيا ذات الأغلبية المسلمة، بحضور أكثر من 4 آلاف شخص وسط تدابير أمنية مشددة فرضتها السلطات التركية.

عناصر من قوات الشرطة وخفر السواحل تؤمّن بحيرة أزنيك في بورصة حيث أقيم الاحتفال بالذكرى 1700 لمجمع نيقية (رويترز)

وقبل انطلاق الفعاليات، نظّم حزب «الرفاه من جديد» التركي المعارض، الذي يرأسه فاتح أربكان نجل رئيس الوزراء الراحل نجم الدين أربكان الذي يشار إليه على أنه مهندس الحركة الإسلامية في تركيا، مسيرة للاحتجاج على زيارة البابا وإقامة قداس في نيقية. وانتقد رئيس فرع الحزب في ولاية بورصة، محمد كايغوسوز، زيارة البابا، عادّاً أنها «خطوة سياسية وليست دينية».

وحذّر كايغوسوز، في بيان ألقاه خلال المسيرة، الحكومة التركية من أن لقاء البابا مع بطريرك الروم الأرثوذكس، برثلماوس (الزعيم الروحي لنحو 260 مليوناً من المسيحيين الأرثوذكس حول العالم)، هو «محاولة لاستهداف سيادة تركيا»، قائلاً إن الزيارة ليست «حجاً أو فعالية سياحية»، بل إن الفاتيكان خطط لها كمناورة سياسية.

نقاش بين أعضاء من حزب «الرفاه من جديد» وعناصر من الشرطة بملابس مدنية حاولوا منع مسيرة احتجاج ضد حضور البابا ليو احتفال مجمع نيقية في بورصة (أ.ب)

وعدّ أن لقاء البابا مع الرئيس رجب طيب إردوغان والرموز المستخدمة في شعار الزيارة تحمل رسالة دبلوماسية، وأن السيادة الوطنية التركية مستهدفة، مشدداً على ضرورة الحفاظ على سيادة تركيا، كما حددتها معاهدة لوزان ودستور البلاد.

وقال البابا ليو، الثلاثاء قبل زيارته لتركيا: «لقد التقيت أنا والبطريرك برثلماوس مرات عدة، وأعتقد أنها ستكون فرصة استثنائية لتعزيز الوحدة بين جميع المسيحيين». ويعود الانقسام بين الكاثوليك والأرثوذكس إلى ما يُعرَف بـ«الانشقاق الكبير» عام 1054 للميلاد، ويعترف الكاثوليك بالسلطة العالمية للبابا كرأس للكنيسة، في حين ينتظم الأرثوذكس في كنائس مستقلة.

تحذير من حرب عالمية

حذّر البابا ليو، مساء الخميس، من أن الصراعات الراهنة في العالم تمهد، على مراحل، لحرب عالمية ثالثة، داعياً إلى عدم الاستسلام لهذا الأمر أبداً.

البابا ليو متحدثاً بالقصر الرئاسي في أنقرة مساء 27 نوفمبر عقب لقاء موسع مع الرئيس رجب طيب إردوغان وأعضاء من حكومته (الرئاسة التركية)

وقال البابا، عقب الاجتماع الموسع الذي عقده مع الرئيس إردوغان في أنقرة قبل توجهه إلى إسطنبول، إن تاريخ البشرية يتضمن قروناً من النزاعات، وإن «العالم حولنا تُزعزع استقراره طموحات واختيارات تدوس على العدالة والسلام». وحثّ تركيا على أن تكون عامل استقرار وتقارب بين الشعوب في خدمة سلام عادل ودائم.

وانتقد البابا ليو، على غرار سلفه الراحل البابا فرنسيس، معاملة إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب «المهينة للغاية» للمهاجرين. وأشار إلى أن التطورات التكنولوجية يمكنها أن تزيد من الظلم بدلاً من الإسهام في هزيمته، وأن هذا بمثابة تحدٍّ يجب أن يعيد تشكيل السياسات المحلية والعلاقات الدولية.

وأوضح أن الذكاء الاصطناعي أيضاً «يعيد إنتاج اختيارات البشرية نفسها، ويُسرّع عمليات ليست من صنع الإنسان، بل من صنع الآلات»، داعياً إلى تغيير وجهة التطور. كما أكد أهمية الحفاظ على دور الأسرة وتعزيز دور المرأة وتمكينها من الحصول على حقوقها.

إردوغان متحدثاً في القصر الرئاسي بأنقرة عقب لقاء مع البابا ليو مساء 27 نوفمبر (الرئاسة التركية)

بدوره، أكد الرئيس إردوغان أن تركيا، التي تبلغ نسبة المسلمين فيها 99 في المائة من السكان، تشجع على احترام كل الأديان، بما فيها الطوائف المسيحية، قائلاً: «لا نسمح لأحد منا بأن يكون ضحية للتمييز»، وإنه «لا يرى الاختلافات الثقافية والدينية والعرقية سبباً للانقسام، بل مصدر ثراء».

وأشاد إردوغان بموقف البابا من القضية الفلسطينية، داعياً إلى العدالة للشعب الفلسطيني، وتطبيق «حل الدولتين» بأسرع وقت ممكن.


مقالات ذات صلة

ترمب قد يعطي تركيا محركات مقاتلات دون حل الخلاف بشأن «إف-35»

شؤون إقليمية إردوغان خلال مشاركته في اجتماع حول غزة دعا إليه ترمب على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي (الرئاسة التركية)

ترمب قد يعطي تركيا محركات مقاتلات دون حل الخلاف بشأن «إف-35»

يمكن لزيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى تركيا لحضور قمة حلف «الناتو»، أن تساهم في ضمان حصول أنقرة على محركات نفاثة لطائرة مقاتلة تنتجها، حسبما يرى محللون.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية رئيس حزب «الديمقراطية والتقدم» التركي المعارض علي باباجان (من حساب الحزب في إكس)

تركيا: باباجان يكشف عن سعي لتحالف يجذب أصوات ناخبي حزب إردوغان

بدأت الأحزاب السياسية في تركيا استعداداتها لاحتمالات إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة بعدما أعلن فريق الرئيس رجب طيب إردوغان عن احتمال تقديم موعدها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
رياضة عالمية الهولندي ناثان آكي إلى فنربخشة (رويترز)

فنربخشة التركي يتوصل إلى اتفاق لضم ناثان آكي

أعلن نادي فنربخشة التركي عن توصله إلى اتفاق ينتقل بموجبه الهولندي ناثان آكي، مدافع مانشستر سيتي الإنجليزي، إلى صفوفه.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية مجموعة من مسلحي حزب «العمال الكردستاني» خلال الانسحاب من تركيا إلى مناطق الدفاع الإعلامي في شمال العراق يوم 26 أكتوبر 2025 (رويترز)

«الكردستاني» يخلي موقعاً استراتيجياً... و«قانون السلام» إلى برلمان تركيا

تصاعدت وتيرة التطورات الميدانية والسياسية في إطار «عملية السلام» التي تمر عبر حل حزب «العمال الكردستاني» ونزع أسلحته التي تسمى بـ«عملية تركيا خالية من الإرهاب».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي المتحدث الإعلامي باسم وزارة الدفاع التركية زكي أكتورك خلال إفادة صحافية في أنقرة في 2 يوليو (الدفاع التركية - «إكس»)

تركيا تُطالب الأمم المتحدة بوقف عدوان إسرائيل على جنوب سوريا

طالبت تركيا قوة الإشراف على وقف إطلاق النار ومراقبة تنفيذ اتفاقية فض الاشتباك التابعة للأمم المتحدة (أوندوف) باتخاذ التدابير اللازمة في مواجهة هجمات إسرائيل.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تسريبات جديدة تكشف خلافات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن إخفاق 7 أكتوبر

شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)
شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)
TT

تسريبات جديدة تكشف خلافات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بشأن إخفاق 7 أكتوبر

شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)
شعار جهاز «الموساد» وخلفه علم إسرائيل (رويترز)

كشفت مصادر مطلعة لصحيفة «جيروزاليم بوست» أن جهاز الموساد أوقف عملياته داخل قطاع غزة منذ عام 2021، أي قبل هجوم حركة «حماس» في السابع من أكتوبر 2023 (تشرين الأول) بسنوات، نافيةً صحة الانطباع الذي أوحى به تقرير إسرائيلي أخير بشأن استمرار نشاط الجهاز في القطاع حتى ما قبل الهجوم.

وقالت المصادر إن التسريبات المتعلقة بتلك العمليات يُرجح أن تكون صادرة عن مسؤولين أمنيين إسرائيليين سابقين، سعياً إلى تحميل الموساد جانباً من المسؤولية عن الإخفاقات التي رافقت هجوم السابع من أكتوبر، بعدما رأوا أن الجهاز لم يتحمل القدر نفسه من المساءلة التي واجهتها بقية المؤسسات الأمنية.

وجاءت هذه التصريحات عقب تقرير بثته القناة الإسرائيلية الثانية عشرة، الأحد، تحدث عن مشاركة غير اعتيادية للموساد في تنفيذ عمليات داخل قطاع غزة، رغم أن هذا الملف يُعد تقليدياً من اختصاص الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك). إلا أن المصادر أكدت لـ«جيروزاليم بوست» أن عدداً من التفاصيل التي وردت في التقرير لا تعكس واقع تلك العمليات.

وقالت المصادر إن نشاط الموساد في غزة خلال تلك الفترة اقتصر على عمليات استخباراتية محدودة، ونُفذت بالتنسيق الكامل مع الجيش الإسرائيلي، وجهاز الشاباك، وبناءً على طلبهما، ولم تكن عمليات مستقلة، أو واسعة النطاق كما ورد في التقرير التلفزيوني.

وأضافت أن تلك المهام جاءت في إطار التعاون بين الأجهزة الأمنية، وتركزت على جمع المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بحركة «حماس»، ولم تكن مبادرات منفصلة يقودها الموساد بصورة مستقلة.

وكان تقرير القناة 12 قد أشار إلى أن الموساد حاول اختراق المنظومتين العسكرية والاستخباراتية لـ«حماس»، مدعياً أن جميع تلك المحاولات انتهت بالفشل، كما ربط بين تلك العمليات ورئيس الموساد السابق ديفيد برنيع، في محاولة لإظهار صلة بينها وبين الإخفاقات التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر.

تقديرات استخباراتية مشتركة

ومن بين الأمثلة التي استند إليها التقرير، تقييم استخباراتي صدر قبل أسابيع من الهجوم، تبنى فيه الموساد التقديرات نفسها التي خلص إليها كل من الجيش الإسرائيلي وجهاز الشاباك، ومفادها بأن حركة «حماس» لا تزال في حالة ردع، ولا تبدو معنية بالذهاب إلى مواجهة عسكرية واسعة.

غير أن المصادر أوضحت أن هذا الخطأ في التقدير لم يكن خاصاً بالموساد، بل شاركته فيه المؤسستان العسكرية، والأمنية. وأضافت أن الجهاز لم يتعرض للمستوى نفسه من الانتقادات، نظراً إلى أن اختصاصه الرئيس يتركز في مواجهة التهديدات الخارجية، وعلى رأسها إيران، وإدارة العمليات الاستخباراتية خارج إسرائيل، وليس متابعة الساحة الفلسطينية بصورة مباشرة.

وأكدت المصادر، في الوقت نفسه، أنه لا توجد أي علاقة مباشرة بين ذلك التقييم، الذي صدر خلال ولاية ديفيد برنيع، والعمليات التي نفذها الموساد داخل قطاع غزة خلال فترة رئاسة يوسي كوهين للجهاز بين عامي 2016 و2021.

«تصفية حسابات» داخل المؤسسة الأمنية

ورأت المصادر أن التسريبات الأخيرة قد تكون امتداداً للخلافات المتواصلة داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، في ظل محاولات بعض المسؤولين السابقين في الجيش أو الشاباك تحميل الموساد جانباً من المسؤولية عن إخفاق السابع من أكتوبر، بعدما اعتبروا أن الجهاز خرج من الأزمة بأقل قدر من المساءلة مقارنة بالمؤسسات الأمنية الأخرى.

وأشارت إلى أن رئيس الموساد السابق ديفيد برنيع أكمل ولايته القانونية التي امتدت خمسة أعوام، في حين اضطر رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق هرتسي هليفي إلى الاستقالة تحت وطأة الضغوط بعد أكثر من عامين بقليل من ولايته، كما غادر رئيس جهاز الشاباك السابق رونين بار منصبه قبل استكمال ولايته التي تمتد خمسة أعوام، وسط ضغوط سياسية وشعبية متزايدة. كذلك غادر عدد من كبار مسؤولي الجيش والشاباك مناصبهم على خلفية تداعيات هجوم السابع من أكتوبر.

وختمت المصادر بالقول إن الأشهر والسنوات الأخيرة شهدت تسريب تقارير متكررة تناولت أخطاءً منسوبة إلى الموساد، مرجحةً أن تكون تلك التسريبات جزءاً من صراع داخلي مستمر بين المؤسسات الأمنية الإسرائيلية، في ظل استمرار تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن واحدة من أكبر الإخفاقات الأمنية في تاريخ إسرائيل.


موكب تشييع خامنئي يجوب طهران وسط دعوات للثأر من ترمب

TT

موكب تشييع خامنئي يجوب طهران وسط دعوات للثأر من ترمب

 مشيعون يتجمعون حول نعوش المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وأفراد من عائلته، مع توجه موكب التشييع نحو ميدان آزادي في طهران، 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
مشيعون يتجمعون حول نعوش المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وأفراد من عائلته، مع توجه موكب التشييع نحو ميدان آزادي في طهران، 6 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

جاب موكب تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي شوارع طهران، الاثنين، في اليوم الثالث من مراسم حداد تمتد أياماً، وسط هتافات ولافتات تطالب بالثأر لمقتله وتستهدف الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بينما ظل المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي غائباً عن المشهد العام.

ونقل نعش خامنئي، المغطى بالعلم الإيراني، إلى جانب نعوش أربعة من أفراد عائلته قتلوا معه في ضربة جوية في 28 فبراير، على متن شاحنة كبيرة زينت بزخارف دينية. وتحرك الموكب ببطء عبر أحد الشوارع الرئيسية في العاصمة، وسط إجراءات أمنية وتنظيمية واسعة .

وأظهرت لقطات بثها التلفزيون الرسمي الإيراني من طائرات مسيرة ومروحيات تجمعات على امتداد الطريق بين ميدان آزادي وميدان انقلاب، بطول يقارب 4 كيلومترات، في أحد المسارات التي تحشد فيها السلطات عادة للمراسم الرمزية الكبرى. ويقع المسار قرب منطقة باستور، حيث مقر إقامة المرشد الإيراني السابق الذي تعرض للقصف في 28 فبراير. ولم تقدم السلطات تقديراً فورياً لعدد المشاركين، كما لم يتوفر رقم مستقل يمكن التحقق منه لحجم الحضور.

إيرانيون يشاركون في مراسم تشييع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في طهران، 6 يوليو 2026 (إ.ب.أ)

وحمل مشاركون على جانبي الطريق أعلاماً إيرانية ولافتات ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، ودعت بعض الشعارات إلى الثأر لمقتل خامنئي.

ومد بعض المشيعين أيديهم للمس الشاحنة التي حملت النعوش، فيما ألقى آخرون أوشحة وأغراضاً شخصية كي تلامس النعش، وهي ممارسة شائعة في بعض مراسم التشييع الدينية في إيران. وقام عناصر من فرق الإطفاء ومتطوعون برش رذاذ الماء على المشاركين للتخفيف من حرارة الجو.

وبدا أن السلطات أولت اهتماماً خاصاً بتنظيم حركة المشاركين بمحاذاة الموكب. ودعا مسؤولون عبر مكبرات الصوت إلى السير ببطء، وتجنب التدافع، والبقاء على أطراف الطريق.

وقال الجنرال حسن حسن زاده، قائد «الحرس الثوري» في طهران والمشرف على الموكب، إن النعوش ستُنقل عبر شوارع العاصمة في رحلة تستغرق نحو 12 ساعة إلى مطار مهرآباد الدولي.

وأغلقت السلطات طرقاً في طهران، وفرضت قيوداً على المجال الجوي وحركة المدينة خلال مراسم الحداد التي بدأت السبت. ومن المقرر أن ينتقل الجثمان غداً إلى قم، ثم إلى النجف، قبل مراسم أخرى في العراق.

رجل دين يتابع مرور مركبة تحمل نعوش المرشد الإيراني السابق علي خامنئي وأفراد من عائلته خلال موكب التشييع في طهران الأثنين ( رويترز)

وأفادت وكالة «مهر» الحكومية، بأن مصطفى خامنئي، النجل الأكبر للمرشد الإيراني السابق، والرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، سيشاركون في مراسم التشييع في العراق، قبل دفن خامنئي الخميس في مشهد داخل مجمع ضريح الإمام الرضا، الإمام الثامن لدى الشيعة الاثني عشرية.

ومع استمرار المراسم، ظهرت دعوات متكررة إلى الثأر. وقالت «رويترز» إن بعض المشيعين ألقوا حجارة على لوحة إعلانية كبيرة تظهر ترمب ورصاصة موجهة إلى رأسه، كُتب عليها: «الولايات المتحدة قتلت أبانا... لن ندعكم تفلتون». كما شوهدت على مسار الموكب لافتات تستهدف ترمب ونتنياهو، وعُلّق مجسم لترمب في أحد المشاهد التي رافقت التشييع.

وتتعقب السلطات الأميركية منذ سنوات تهديدات إيرانية ضد ترمب ومسؤولين أميركيين، خصوصاً منذ أمر ترمب بقتل قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني في عام 2020. وتنفي طهران مراراً التخطيط لاغتيال ترمب، رغم أن مواد دعائية متشددة في إيران قدمته سابقاً هدفاً محتملاً.

وكان ترمب قد وجه خلال الحرب تهديدات حادة ضد إيران، في إطار تصعيد عسكري وسياسي رافق المواجهة. وتأتي مراسم التشييع بينما تبدو المفاوضات بين واشنطن وطهران معلقة إلى ما بعد الدفن.

وتسعى الولايات المتحدة إلى دفع المحادثات بشأن إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، ومعالجة الخلاف حول البرنامج النووي الإيراني، والتوصل إلى نهاية دائمة للحرب. وتطالب إيران بدور في إدارة حركة المرور في المضيق، وهو ممر حيوي لإمدادات الطاقة العالمية كانت قد أغلقته خلال الحرب.

وترفض واشنطن هذه المطالب، فيما لا تزال الخلافات قائمة بشأن ملفات أخرى، بينها البرنامج النووي الإيراني، والنزاع بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني المدعوم من طهران.

ولم يظهر مجتبى خامنئي في أي من مراسم التشييع التي تمتد أياماً. ويُعتقد أنه متوار عن الأنظار بعد تقارير تحدثت عن إصابته في الضربة الجوية التي قتلت والده. وكانت وكالة الصحافة الفرنسية قد أشارت إلى أن صلاة الجنازة، الأحد، شهدت حضور ثلاثة من أبناء خامنئي الذكور: مصطفى ومسعود وميثم، في الصفوف الأمامية قرب النعش، بينما غاب مجتبى.

وكانت انتقادات قد ظهرت بعد غياب الرؤساء السابقين محمد خاتمي وحسن روحاني ومحمود أحمدي نجاد عن صلاة الجنازة التي حضرها كبار مسؤولي الدولة وقادة عسكريون وسط إجراءات أمنية مشددة. لكن وسائل إعلام إيرانية نشرت، الاثنين، صورة تظهر حضور أحمدي نجاد في موكب التشييع في طهران، بعد فترة ابتعاد عن الظهور العلني منذ الحرب الأخيرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، التي استهدفت خلالها مناطق قريبة من محل إقامته.

صورة نشرها الموقع الرسمي أحمدي نجاد يشارك في مسيرة تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران الأثنين (دولت بهار)

وخلال الحرب، وقبل وقف إطلاق النار في أبريل، استهدفت إسرائيل عدداً من كبار القادة الإيرانيين، واستخدمت في حالة واحدة على الأقل، على ما يبدو، ظهوراً علنياً لتحديد موقع أحدهم. كما هددت إسرائيل باستهداف مجتبى خامنئي، ما جعل غيابه عن مراسم التشييع أحد أبرز مؤشرات الغموض المحيط بمركز القيادة الجديد في طهران.

وفي إسرائيل، قال وزير الدفاع يسرائيل كاتس إن أي زعيم إيراني يسعى إلى تدمير إسرائيل سيواجه «المصير نفسه» الذي لقيه المرشد الإيراني السابق علي خامنئي.

ونقلت «بلومبرغ» عن كاتس قوله إن خامنئي قتل لأنه «خطط وقاد» جهود إيران لتدمير إسرائيل، مضيفاً أن أي زعيم إيراني يتبنى مستقبلاً خططاً مماثلة سيكون هدفاً أيضاً.

وقال كاتس إن هتافات «الموت لترمب» خلال جنازة خامنئي تكشف، بحسب تعبيره، «حقيقة النظام الإيراني». وأضاف أن الضربات الإسرائيلية والأميركية أزالت «تهديداً وجودياً مباشراً» لإسرائيل، وألحقت أضراراً كبيرة بالقدرات الاستراتيجية الإيرانية. وتابع: «إسرائيل مستعدة للدفاع عن نفسها بشكل مستقل ضد أي تهديد مستقبلي».

اقرأ أيضاً


طهران: تنفيذ التفاهم مع واشنطن ممكن

كبار المسؤولين الإيرانيين في الصف الأمامي خلال صلاة الجنازة على المرشد الإيراني السابق علي خامنئي بطهران (الرئاسة الإيرانية)
كبار المسؤولين الإيرانيين في الصف الأمامي خلال صلاة الجنازة على المرشد الإيراني السابق علي خامنئي بطهران (الرئاسة الإيرانية)
TT

طهران: تنفيذ التفاهم مع واشنطن ممكن

كبار المسؤولين الإيرانيين في الصف الأمامي خلال صلاة الجنازة على المرشد الإيراني السابق علي خامنئي بطهران (الرئاسة الإيرانية)
كبار المسؤولين الإيرانيين في الصف الأمامي خلال صلاة الجنازة على المرشد الإيراني السابق علي خامنئي بطهران (الرئاسة الإيرانية)

قال رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف، أمس (الأحد)، إن تنفيذ مذكرة التفاهم مع واشنطن «صعب؛ لكنه ممكن»، في وقت شيعت طهران المرشد الإيراني السابق علي خامنئي في غياب خليفته ونجله مجتبى الذي لم يظهر علناً منذ اختياره مرشداً.

وقال قاليباف لوفد من «حماس» برئاسة محمد درويش، إن الدبلوماسية يجب أن «تفك العقدة العسكرية» وتحافظ على «إنجازات المقاتلين»، مضيفاً أن طهران ليست في سلام مع واشنطن ولن تعترف بإسرائيل. وأضاف: «نساعد جبهة المقاومة. هذه المساعدة تكون بالصواريخ إذا اقتضت الحاجة، وإذا كانت الحاجة إلى ضغط سياسي يكون الضغط عبر التفاوض».

وفي مصلّى طهران، شارك مصطفى وميثم ومسعود خامنئي، أبناء المرشد الإيراني السابق، في صلاة الجنازة، بحضور الرئيس مسعود بزشكيان وقاليباف ورئيس السلطة القضائية غلام حسين إجئي وقادة من «الحرس الثوري».

وأثار غياب الرؤساء السابقين محمد خاتمي وحسن روحاني ومحمود أحمدي نجاد انتقادات بشأن إدارة الدعوات. وفي واحد من أبرز التعيينات الصادرة باسم مجتبى خامنئي منذ اختياره مرشداً في مارس (آذار)، أبقى إجئي رئيساً للسلطة القضائية لولاية ثانية، بعد تكهنات باحتمال تعيين شخصية أقرب إلى دائرة المرشد الجديد.