إسرائيل دمَّرت أكثر من 1500 مبنى في غزة منذ وقف النار

مبانٍ مدمَّرة في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة (رويترز)
مبانٍ مدمَّرة في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة (رويترز)
TT

إسرائيل دمَّرت أكثر من 1500 مبنى في غزة منذ وقف النار

مبانٍ مدمَّرة في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة (رويترز)
مبانٍ مدمَّرة في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة (رويترز)

دمَّرت إسرائيل أكثر من 1500 مبنى في مناطق من غزة بقيت تحت سيطرتها، منذ بدء وقف إطلاق النار مع حركة «حماس» في 10 أكتوبر (تشرين الأول)، وفق ما أظهرت صور الأقمار الاصطناعية التي راجعتها شبكة «بي بي سي».

وتُظهر الصور الجديدة –التي التقطت أحدثها في 8 نوفمبر (تشرين الثاني)- أن أحياءً كاملة خاضعة لسيطرة قوات الدفاع الإسرائيلية قد سُويت بالأرض في أقل من شهر، على ما يبدو من خلال عمليات هدم.

وقد يكون العدد الفعلي للمباني المدمَّرة أعلى بكثير، نظراً إلى أن صور الأقمار الاصطناعية لبعض المناطق لم تكن متاحة لتقييم «بي بي سي».

وقال بعض الخبراء إن عمليات الهدم قد تنتهك شروط وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا، ولكن متحدثاً باسم الجيش الإسرائيلي قال لـ«بي بي سي» إن القوات تتصرف «وفقاً لإطار وقف إطلاق النار».

صورة ملتقطة بالأقمار الاصطناعية تظهر أعمال حفرٍ جارية في موقع عسكري إسرائيلي شرق مدينة غزة (رويترز)

خطة السلام المكوَّنة من 20 نقطة التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب من أجل غزة –والتي شكَّلت أساس وقف إطلاق النار– نصَّت على أن «جميع العمليات العسكرية، بما في ذلك القصف الجوي والمدفعي، سيتم تعليقها». ومنذ ذلك الحين، كرَّر ترمب مراراً القول إن «الحرب انتهت».

لكن التحليل البصري الذي أجرته وحدة «BBC Verify» لصور الأقمار الاصطناعية، كشف أن تدمير المباني في غزة على يد الجيش الإسرائيلي ما زال مستمراً على نطاق واسع.

وقد استخدم الفريق خوارزمية لرصد التغيُّرات لتحليل صور الرادار الملتقطة قبل وبعد وقف إطلاق النار، لتسليط الضوء على التغييرات التي قد تشير إلى تدمير، ثم قام بعد ذلك بعَدِّ المباني المدمَّرة يدوياً.

وقد ركَّز التحليل على المباني المدمَّرة خلف الخط الأصفر، وهو خط حدودي يمتد على طول شمال وجنوب وشرق غزة.

وبموجب اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر، وافقت إسرائيل على سحب قواتها حتى هذا الخط الذي تم تمييزه بخط أصفر، على الخرائط التي أصدرتها قوات الجيش الإسرائيلي.

منازل وبساتين سُوِّيت بالأرض

كثير من المباني التي أُزيلت لم تكن تبدو متضررة قبل تدميرها، على سبيل المثال في شرق خان يونس، قرب بلدة عبسان الكبيرة.

من الصعب الجزم من خلال صور الأقمار الاصطناعية الملتقطة من الأعلى، ولكن هذه المباني لم تُظهر أضراراً ظاهرة في هيكلها أو مؤشرات واضحة، مثل ركام القريب أو تغيّر في محيطها. كانت هناك منازل تحيط بها حدائق وأشجار وبعض البساتين الصغيرة.

وتُظهر مقارنة بين صور الأقمار الاصطناعية الملتقطة لهذه المنطقة في بداية الحرب في أكتوبر 2023، وتلك التي التقطت في فترة وقف إطلاق النار، تغيّراً طفيفاً في كثير من المباني.

جانب من الدمار نتيجة الغارات الإسرائيلية على منطقة جباليا في شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كانت لانا خليل تعيش في بلدة عبسان الكبيرة، قبل أن تُهجَّر إلى منطقة المواصي المجاورة. وقد وصفت منزلها بأنه كان «جنة» مليئة بـ«المزارع والخضراوات». أما الآن، فكما هي الحال في أجزاء كثيرة من غزة، تحوَّل المكان إلى ركام.

قالت لانا خليل: «الجيش الإسرائيلي لم يترك لنا شيئاً، دمَّر كل شيء». وأضافت أن السكان السابقين كانوا يسمعون أصوات هدم المنطقة من خيامهم في المواصي. وأردفت بأسى: «قلوبنا مكسورة».

وفي منطقة أخرى قرب البيوك شرق مدينة رفح، تُظهر صور الأقمار الاصطناعية القصة نفسها؛ إذ دُمِّر عدد كبير من المباني التي كانت تبدو غير متضرِّرة قبل وقف إطلاق النار. وتُظهر لقطات جوية لانفجار ضخم، نُشرت في مطلع نوفمبر، غباراً يتصاعد من أنقاض الحيِّ.

كما تواصل الدمار في مدينة غزة نفسها، وتحديداً في حي الشجاعية شرق المدينة، وكذلك في المنطقة القريبة من المستشفى الإندونيسي عند أطراف مخيم جباليا.

وقد قال إيتان شامير، الرئيس السابق لقسم العقيدة الأمنية الوطنية في وزارة الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلية، إن تصرفات الجيش الإسرائيلي لا تُعدُّ انتهاكاً لشروط وقف إطلاق النار، مبرِّراً ذلك بأن تلك الشروط لا تنطبق على المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر في قطاع غزة.

كما تم التحقق من مقاطع فيديو نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي منذ بدء وقف إطلاق النار، تُظهر عمليات هدم منظَّمة وجرافات تدمِّر مباني، وقد تم تحديد مواقعها الجغرافية ليتبيَّن أنها داخل المناطق الواقعة خلف الخط الأصفر.

«انتهاك لوقف إطلاق النار»

دافع الجيش الإسرائيلي عن أفعاله، وقال متحدث باسمه: «وفقاً للاتفاق، يجب تفكيك جميع البُنى التحتية الإرهابية، بما في ذلك الأنفاق، في جميع أنحاء غزة. وتتحرك إسرائيل استجابة للتهديدات والانتهاكات والبُنى التحتية الإرهابية».

وفي 18 أكتوبر، قال وزير الدفاع الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، إن «نزع سلاح غزة عبر تدمير أنفاق الإرهاب وكل البنية التحتية الإرهابية» يشكِّل جزءاً «واضحاً» من سياسة إسرائيل الأمنية.

مبانٍ دمَّرها الجيش الإسرائيلي في حي الشجاعية بمدينة غزة (أ.ب)

وتشير النقطة 13 من خطة السلام التي أعلنها البيت الأبيض –وهي الوثيقة الأقرب إلى شروط وقف إطلاق النار المعلنة– إلى أن جميع «البنى التحتية العسكرية والإرهابية والهجومية، بما في ذلك الأنفاق ومرافق تصنيع الأسلحة، يجب تدميرها وعدم إعادة بنائها»، ولكنها تنص أيضاً على أن عملية نزع السلاح في غزة يجب أن تتم تحت إشراف مراقبين مستقلين.

وقال الدكتور هـ. أ. هيليَر، الزميل البارز في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI): «هذا بالتأكيد انتهاك لوقف إطلاق النار، ولكن واشنطن غير راغبة في الاعتراف بذلك، مُصِرَّة على أن الهدنة يجب أن تصمد، حتى عندما لا تكون صامدة فعلاً».

أما إيتان شامير، فأنكر أن الجيش الإسرائيلي يخرق الهدنة، وقال لـ«بي بي سي»، إن مصادره داخل الجيش ترى أن «(حماس) مسموح لها بأن تفعل ما تشاء في الأراضي التي تسيطر عليها، وإسرائيل مسموح لها بأن تفعل ما تشاء في الأراضي التي تسيطر عليها».

وأضاف أن «الجيش يعتبر أنه من غير المرجَّح أن تفي (حماس) بالمرحلة الثانية من الاتفاق، ولذلك: تجب تهيئة المنطقة لاستمرار القتال، حتى لا تُترك لهم أي فرصة لنصب كمائن لجنودنا».

جانب من الدمار نتيجة الغارات الإسرائيلية على مدينة غزة (رويترز)

كما أشار إلى أن هناك محاولات متكرِّرة من «حماس» للتسلل خلف الخط الأصفر، وأن هناك مقاطع طويلة من الأنفاق لا تزال قيد المعالجة.

من جانب آخر، قال بعض المحللين –مثل عادل حق، أستاذ القانون في جامعة «روتغرز»- إن إسرائيل قد تكون تنتهك قوانين الحرب التي تحظر على القوة المحتلة تدمير الممتلكات المدنية. وأوضح أن الاستثناءات من هذا الحظر لا تنطبق إلا في حالة «العمليات العسكرية المباشرة، أو التحضيرات الفورية لها»، مؤكداً أنه «خلال وقف إطلاق النار، من غير المعقول أن يكون هذا الكمُّ الهائل من تدمير الممتلكات المدنية ضرورياً بشكل مطلق لأسباب عسكرية».

أما هيو لوفات، الزميل البارز في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، فقال إن عمليات الهدم الإسرائيلية قد تهدِّد خطة السلام برمَّتها. وأضاف: «ستتفاقم مشكلة عمليات الهدم الإسرائيلية كلما طالت مدة بقاء إسرائيل في المنطقة الواقعة خلف الخط الأصفر. وفي النهاية، الإحساس بأن إسرائيل تؤخر انسحابها وتسعى إلى خلق وقائع جديدة دائمة على الأرض، كما فعلت في الضفة الغربية، سيصبح تهديداً متزايداً لاستمرار الهدنة».


مقالات ذات صلة

«اتفاق غزة»... زخم يتصاعد أمام تعقيدات ومخاوف

المشرق العربي خيام تؤوي فلسطينيين نازحين إلى جانب مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

«اتفاق غزة»... زخم يتصاعد أمام تعقيدات ومخاوف

زخم يتواصل بشأن ملف اتفاق وقف إطلاق النار في غزة بعد جمود زاد من وتيرته اندلاع حرب إيران قبل نحو أسبوعين.

محمد محمود (القاهرة )
خاص جنديان إسرائيليان يشغلان طائرة مسيرة (الجيش الإسرائيلي) p-circle

خاص مصادر من «حماس»: إسرائيل درّبت عصابات غزة على المسيرات

أظهرت استجوابات أجرتها «حماس» لشخص تتهمه بالعمل مع العصابات المسلحة الموالية لإسرائيل في غزة نمواً في الدعم العسكري والتدريبي الذي تقدمه لهم إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي مبانٍ مدمرة جراء القصف الإسرائيلي لقطاع غزة في خان يونس جنوب القطاع 10 مارس 2026 (أ.ف.ب)

«حماس» أجرت محادثات مع «مجلس السلام» للحفاظ على وقف النار في غزة

أفادت ثلاثة ​مصادر لوكالة «رويترز» للأنباء بأن مبعوثين من «مجلس السلام» برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب التقوا بممثلين عن حركة «حماس» في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي سيارة الشرطة التي استُهدفت قرب مدخل بلدة الزوايدة (أ.ف.ب)

إسرائيل تقتل 16 فلسطينياً في غزة والضفة الغربية

قال مسؤولون بقطاع الصحة إن القوات الإسرائيلية قتلت 16 فلسطينياً بقطاع غزة والضفة الغربية، في واحد من الأيام التي شهدت تسجيل أكبر عدد من القتلى منذ أسابيع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يمرون أمام أنقاض المباني السكنية التي دُمرتها إسرائيل في جباليا شمال قطاع غزة (رويترز)

خاص مصادر لـ«الشرق الأوسط»: حراك لتنفيذ المرحلة الثانية من خطة ترمب في غزة

عاد الحراك مجدداً لملف قطاع غزة بعد اتصالات جديدة بين حركة «حماس» والوسطاء بشأن دفع المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (غزة)

ساعر: لا يمكن إسقاط النظام الإيراني إلا عن طريق الإيرانيين

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
TT

ساعر: لا يمكن إسقاط النظام الإيراني إلا عن طريق الإيرانيين

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)
وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (رويترز)

أكد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أنه «لا يمكن إسقاط النظام الإيراني إلا عن طريق الإيرانيين»، وفق ما نقلت وكالة «رويترز».

وخلال إحاطة إعلامية سابقة لوسائل الإعلام الأجنبية، أشار ساعر إلى أن إسرائيل «لا تعاني نقصاً في صواريخ الاعتراض»، مشدداً على أن إسرائيل والولايات المتحدة عازمتان على مواصلة الحرب ضد إيران حتى تحقيق أهدافهما.

يأتي ذلك في وقتٍ قال فيه مسؤول إيراني كبير، اليوم الثلاثاء، إن المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي رفض مقترحاتٍ نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لتهدئة التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، وذلك خلال أول اجتماع له بشأن السياسة الخارجية.

وأضاف المسؤول أن موقف خامنئي الخاص بالثأر من الولايات المتحدة وإسرائيل «حازم وجاد للغاية»، وفقاً لما أوردت «رويترز».

كان وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قد أكد، في مقابلة مع شبكة «سي بي إس»، أنّ طهران غير مهتمة بإجراء محادثات مع واشنطن، وذلك رداً على تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنّ إيران تريد اتفاقاً لإنهاء الحرب.


علي لاريجاني… مهندس التوازنات في منظومة الحكم الإيرانية

صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
TT

علي لاريجاني… مهندس التوازنات في منظومة الحكم الإيرانية

صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي
صورة نشرها موقع لاريجاني من مقابلة صحافية في نهاية سبتمبر الماضي

في تاريخ الجمهورية الإسلامية، برزت شخصيات سياسية كثيرة في الواجهة، لكن قلة منها تنجح في البقاء داخل دائرة هرم السلطة وأجهزة صنع القرار لعقود طويلة. علي لاريجاني السياسي المحافظ كان واحداً من تلك الشخصيات التي لا تختفي تماماً عن المشهد، حتى عندما تبدو خارج السلطة. فمنذ التسعينات ظلَّ اسمه يتكرَّر في أكثر الملفات حساسية في إيران: الإعلام الرسمي، المفاوضات النووية، البرلمان، وأخيراً عاد لمجلس الأمن القومي.

لم يكن لاريجاني سياسياً شعبوياً ولا خطيباً ثورياً، بل أقرب إلى نموذج رجل الدولة داخل النظام. رجل يعرف بنية السلطة الإيرانية المعقدة، ويعرف أيضاً حدود الحركة داخلها. ولهذا بقي حاضراً في مفاصل الحكم بينما تعاقبت أجيال سياسية مختلفة، من الإصلاحيين إلى المحافظين المتشددين.

وفي خضم الحرب الجارية بين إيران وإسرائيل، عاد اسم لاريجاني إلى الواجهة مع مقتل المرشد علي خامنئي وتولي نجله، إلى أن أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بثقة عالية أن الضربات الإسرائيلية استهدفته في طهران.

صورة نشرها موقع لاريجاني في 24 يناير الماضي بعد محادثاته مع قائد «الحرس الثوري» محمد باكبور الذي قتل خلال الضربات الأولى

وحتى لحظة كتابة هذه السطور لم يصدر تأكيد رسمي إيراني نهائي حول مقتله، لكن إدراج اسمه بين أهداف الغارات يعكس موقعه داخل هرم السلطة الإيرانية.

سواء تأكدت تلك التقارير أم لا، فإن مسيرة لاريجاني السياسية تبقى مفتاحاً لفهم طبيعة الحكم في إيران، حيث تتداخل السياسة والأمن والدين في منظومة معقدة من المؤسسات.

نشأة في قلب الثورة

وُلد علي لاريجاني عام 1957 في مدينة النجف العراقية، حيث كانت عائلته تقيم في محيط الحوزة العلمية الشيعية. والده المرجع الديني ميرزا هاشم آملي كان من الشخصيات المعروفة في الأوساط الدينية، وارتبط بعلاقات وثيقة مع رجال الدين الذين قادوا الثورة في إيران.

بعد انتصار الثورة عام 1979 انتقلت العائلة إلى إيران، لتبدأ مرحلة جديدة في حياة أبنائها الذين دخلوا مؤسسات الدولة الجديدة. وقد برز عدد من أبناء العائلة في مواقع مهمة، أبرزهم صادق آملي لاريجاني الذي أصبح لاحقاً رئيساً للسلطة القضائية قبل أن يتولى رئاسة مجمع تشخيص مصلحة النظام.

لكن صعود علي لاريجاني لم يكن نتيجة النفوذ العائلي فقط. فقد جمع بين الخلفية الدينية والتعليم الأكاديمي والعمل السياسي المبكر. حصل على دكتوراه في الفلسفة الغربية من جامعة طهران، وهي خلفية فكرية غير مألوفة نسبياً في صفوف النخبة السياسية الإيرانية.

هذا التكوين الفلسفي منح خطابه السياسي طابعاً مختلفاً. فهو يستخدم لغة تحليلية هادئة، بعيدة عن الخطاب الثوري الصاخب الذي يميز كثيراً من السياسيين الإيرانيين.

من «الحرس الثوري» إلى إدارة الإعلام

بدأ لاريجاني مسيرته السياسية في أوساط «الحرس الثوري» خلال السنوات الأولى للجمهورية الإسلامية. هذه التجربة المبكرة وفرت له فهماً عميقاً لطبيعة المؤسسة العسكرية التي تعد أحد أهم مراكز القوة في النظام الإيراني.

لكن انتقاله لاحقاً إلى المجال الثقافي والإعلامي كان نقطة تحول مهمة. ففي منتصف التسعينات عيّنه المرشد علي خامنئي رئيساً لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية.

ويعد هذا المنصب أحد أكثر المواقع حساسية في الدولة. فالتلفزيون الرسمي في إيران ليس مجرد مؤسسة إعلامية، بل أداة مركزية في تشكيل الخطاب السياسي والثقافي للنظام الذي يمثله المرشد.

خلال نحو عقد من إدارة هذه المؤسسة اكتسب لاريجاني خبرة كبيرة في إدارة السردية العامة للنظام، وفي التعامل مع الأزمات الإعلامية. كما بنى شبكة علاقات واسعة داخل مؤسسات الدولة.

المفاوض النووي... ورئاسة البرلمان

ظهر اسم علي لاريجاني على الساحة الدولية عندما تولى منصب أمين مجلس الأمن القومي للمرة الأولى في منتصف العقد الأول من الألفية. وفي هذا الموقع أصبح كبير المفاوضين الإيرانيين في الملف النووي، حيث قاد جولات تفاوض مع الدول الأوروبية بشأن برنامج إيران النووي في مرحلة كانت طهران تحاول فيها تجنب مواجهة مباشرة مع المجتمع الدولي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على برنامجها النووي.

غير أن تلك المرحلة انتهت بخلافات متصاعدة مع الرئيس محمود أحمدي نجاد، الذي كان يميل إلى مقاربة أكثر تشدداً في إدارة الملف النووي. ففي حين سعى لاريجاني إلى إبقاء قنوات التفاوض مع القوى الغربية مفتوحةً وإدارة الأزمة عبر مسار دبلوماسي حذر، تبنّى أحمدي نجاد خطاباً أكثر صدامية ورفض أي مرونة يمكن أن تُفسَّر داخلياً بوصفها تراجعاً أمام الضغوط الدولية.

ومع اتساع الفجوة بين المقاربتين داخل مؤسسات الحكم، تحوّل الخلاف إلى صدام سياسي حول أسلوب إدارة الملف النووي نفسه، وانتهى باستقالة لاريجاني من منصبه عام 2007.

لكن التوتر بين الرجلين لم يتوقَّف عند هذا الحد. فعندما أصبح لاريجاني رئيساً للبرلمان في عام 2008، دخل في مواجهة سياسية متكرِّرة مع حكومة أحمدي نجاد، في واحدة من أكثر مراحل التوتر وضوحاً بين السلطتين التشريعية والتنفيذية في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فقد انتقد البرلمان الذي كان يقوده أداء الحكومة في ملفات اقتصادية وإدارية عدة، بينما ردَّ أحمدي نجاد وأنصاره باتهام البرلمان بعرقلة سياسات الحكومة.

الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد يلقي كلمة أمام البرلمان برئاسة لاريجاني فبراير 2013

وخلال تلك السنوات تحوَّلت جلسات البرلمان أحياناً إلى ساحة سجال علني بين الطرفين، وتبادلا انتقادات حادة في وسائل الإعلام. وبلغ هذا التوتر ذروته في واحدة من أشهر لحظات الصراع السياسي داخل النظام عندما اندلع تلاسن علني بين أحمدي نجاد ولاريجاني خلال جلسة برلمانية، في مشهد نادر نسبياً في الحياة السياسية الإيرانية، كشف عن عمق الانقسام داخل التيار المحافظ نفسه.

كما تصاعدت المواجهة في حادثة أثارت جدلاً واسعاً عندما عرض أحمدي نجاد خلال جلسة في البرلمان شريط فيديو قال إنه يتضمَّن أدلةً على تورط مقربين من عائلة لاريجاني في قضايا فساد، في خطوة عُدّت حينها تصعيداً غير مسبوق في الصراع بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. وقد ردَّ لاريجاني بانتقادات حادة للرئيس، عادّاً أن استخدام منصة البرلمان لتصفية حسابات سياسية يضر بمكانة المؤسسات، في واحدة من أكثر المواجهات العلنية حدة داخل النظام الإيراني.

لم يكن ذلك الخلاف مجرد نزاع شخصي، بل عكس صراعاً أوسع داخل المعسكر المحافظ بين نهجين مختلفين: نهج شعبوي تصادمي ميّز خطاب أحمدي نجاد خصوصاً بعد توليه ولاية ثانية عقب احتجاجات الحركة الخضراء الإصلاحية، ورؤية أكثر مؤسسية وبراغماتية حاول لاريجاني تمثيلها داخل مؤسسات الدولة. كما كشف هذا الصراع عن خلاف أعمق حول أسلوب إدارة الدولة، بين خطاب يعتمد المواجهة والتعبئة الشعبية، ورؤية تركز على دور المؤسسات والتوازن بين مراكز القوة داخل النظام.

ورغم حدة تلك المواجهات، فإنها لم تؤدِ إلى خروج لاريجاني من دائرة السلطة، بل أسهمت في ترسيخ صورته بوصفه أحد السياسيين المحافظين القادرين على إدارة التوازنات داخل النظام، حتى في مواجهة رئيس كان يتمتع آنذاك بدعم شعبي واسع.

قاسم سليماني... من البراغماتية إلى الميدان

إلى جانب مسيرته السياسية، ارتبط اسم علي لاريجاني بعلاقات وثيقة مع شخصيات محورية داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية، وعلى رأسهم قائد «فيلق القدس» السابق، قاسم سليماني، مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري».

لاريجاني يعانق قاسم سليماني (أرشيفية - موقع البرلمان)

فقد جمع الرجلين تقاربٌ داخل المعسكر المحافظ، خصوصاً خلال السنوات التي أعقبت الاتفاق النووي عام 2015. ولعب سليماني دوراً في حشد دعم داخل التيار المحافظ لتمديد ولاية لاريجاني على رأس البرلمان في تلك المرحلة، في وقت كان الاتفاق النووي يثير فيه انقساماً واضحاً داخل المحافظين بين مؤيديه ومعارضيه.

لم تكن تلك العلاقة مجرد تقارب شخصي، بل عكست موقع لاريجاني داخل شبكة التوازنات التي تربط المؤسسات السياسية بالأجهزة الأمنية في إيران. فخلفيته المبكرة في «الحرس الثوري»، إضافة إلى خبرته الطويلة في إدارة الملفات الاستراتيجية داخل مجلس الأمن القومي والبرلمان، جعلته أحد السياسيين القلائل القادرين على التحرك بين دوائر القرار المدني والعسكري في آن واحد. وبينما كان سليماني يمثل الذراع العسكرية لنفوذ إيران الإقليمي، خصوصاً في العراق وسوريا ولبنان، قدَّم لاريجاني نفسه في المقابل كواجهة سياسية قادرة على إدارة التوازنات داخل مؤسسات الدولة.

وبهذا المعنى، عكست العلاقة بين الرجلين تقاطعاً بين مسارين داخل النظام الإيراني: مسار القوة العسكرية الذي مثّله «فيلق القدس»، ومسار الإدارة السياسية داخل مؤسسات الدولة. وقد رأى بعض المراقبين في هذا التقاطع أحد الأسباب التي ساعدت لاريجاني على الحفاظ على موقعه داخل منظومة الحكم، حتى في لحظات الانقسام داخل المعسكر المحافظ نفسه.

صراع داخل المعسكر المحافظ

مع مرور الوقت أصبح لاريجاني جزءاً من صراع أوسع داخل التيار المحافظ الإيراني. فقد ظهر جناح أكثر تشدداً يقوده سياسيون مثل سعيد جليلي، الذين كانوا يعارضون أي مرونة في الملف النووي.

لاريجاني لدى تقديم أوراق ترشحه لانتخابات الرئاسة في مقر الانتخابات الإيرانية بطهران مايو 2024 (أ.ف.ب)

وانعكس هذا الصراع في الانتخابات الرئاسية. فقد حاول لاريجاني الترشُّح للرئاسة أكثر من مرة، لكنه اصطدم بقرار مجلس صيانة الدستور استبعاده من السباق في عامَي 2021 و2024. وأثار إقصاؤه جدلاً واسعاً داخل إيران. فالرجل كان جزءاً من المؤسسة السياسية لعقود، ومع ذلك مُنع من الترشُّح لمنصب الرئاسة.

وكشف هذا التطور حدود التوازنات داخل النظام. فقبول شخصية داخل المؤسسات لا يعني بالضرورة السماح لها بالوصول إلى قمة السلطة التنفيذية.

عودة رجل الدولة بعد الحرب

بعد سنوات من العمل في البرلمان، بقي لاريجاني على هامش أجهزة صنع القرار عندما أصدر خامنئي مرسوماً بتعيينه مستشاراً، وهو دور حصل عليه بعض الرؤساء وقادة الأجهزة العسكرية في نهاية مهامهم، لكن لاريجاني عاد بقوة إلى مركز القرار الأمني عندما عُيِّن أميناً للمجلس الأمن القومي في أعقاب التغييرات الأمنية إثر حرب الـ12 يوماً بين إيران وإسرائيل.

وجاءت عودته في لحظة حساسة بالنسبة لإيران. فقد تزامنت مع تصاعد التوتر الإقليمي، واندلاع مواجهة عسكرية مع إسرائيل، وارتفاع الضغوط الدولية على البرنامج النووي الإيراني.

رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف مع سلفه علي لاريجاني في افتتاح البرلمان الحالي خلال مايو 2024 (أ.ف.ب)

وينظَر إلى تعيينه بأنه محاولة لإعادة إدخال عنصر سياسي في إدارة الملف الأمني، بعد فترة شهدت صعوداً أكبر لدور العسكريين داخل مؤسسات القرار. كما جاء التعيين في إطار إعادة هيكلة أوسع للأجهزة الأمنية، بما في ذلك تشكيل لجنة دفاع عليا داخل مجلس الأمن القومي.

هذه الخطوة فسّرها بعض المسؤولين الإيرانيين باعتبارها ضرورة فرضتها ظروف الحرب، بينما رأى فيها آخرون رسالة سياسية إلى الغرب بأن إيران لا تزال تفضِّل إدارة أزماتها عبر السياسة والدبلوماسية.

رجل المنظومة

أحد أسباب بقاء لاريجاني في قلب النظام طوال هذه السنوات هو قدرته على بناء شبكة علاقات واسعة داخل المؤسسات المختلفة. فهو يحتفظ بعلاقات مع «الحرس الثوري» بحكم خلفيته الأمنية، ويتمتع بثقة نسبية لدى مكتب المرشد، كما يملك خبرة طويلة في العمل البرلماني. وجعلته شخصية مفيدة في لحظات الأزمات، خصوصاً عندما يحتاج النظام إلى شخصيات قادرة على التواصل بين مراكز القوة المختلفة.

لكن هذه القدرة على التكيُّف مع موازين القوى داخل النظام جعلت بعض منتقديه يرونه نموذجاً لسياسي يتقن البقاء داخل المنظومة أكثر مما يسعى إلى تغييرها.

ويصعب تصنيف علي لاريجاني ضمن التيارات السياسية التقليدية في إيران. فهو ليس إصلاحياً بالمعنى السياسي للكلمة، لكنه أيضاً لا ينتمي إلى التيار المحافظ الأكثر تشدداً.

الأقرب إلى توصيفه أنه محافظ براغماتي. رجل يعمل داخل المنظومة ويقبل بقواعدها، لكنه يحاول في الوقت نفسه إدارة توازنات تسمح ببعض المرونة في السياسة الخارجية. هذه البراغماتية كانت مصدر قوته ومصدر الجدل حوله في الوقت نفسه.

نهاية مفتوحة في زمن الحرب

إعلان إسرائيل استهداف لاريجاني خلال الضربات على طهران يعكس المكانة التي يحتلها داخل منظومة الحكم الإيرانية. فاستهداف شخصية بهذا الوزن السياسي يشير إلى أن الحرب لم تعد تقتصر على المواقع العسكرية، بل تمتد إلى دوائر القرار السياسي. ويأتي الإعلان غداة إصدار مرسوم للمرشد الجديد يؤكد بقاء

لكن بغض النظر عن مصير تلك الضربة، فإن دور لاريجاني في السياسة الإيرانية كان قد ترك بصمته بالفعل.

فهو يمثل نموذجاً لنخبة سياسية نشأت داخل الثورة واستمرت في العمل ضمن مؤسساتها لعقود. وفي نظام سياسي شديد التعقيد مثل النظام الإيراني، حيث تتداخل المؤسسات الدينية والعسكرية والسياسية، كان سر بقاء لاريجاني في دائرة القرار هو قدرته على فهم تلك الشبكة المعقدة والتحرك داخلها من دون الاصطدام المباشر بها. ولهذا السبب ظل اسمه، حتى في أكثر اللحظات اضطراباً في تاريخ إيران الحديث، مرتبطاً بصناعة التوازنات داخل الدولة.


مجتبى خامنئي يرفض مقترحات لوقف النار مع واشنطن

غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
TT

مجتبى خامنئي يرفض مقترحات لوقف النار مع واشنطن

غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)
غبار ودخان يتصاعد بعد غارة جوية على منطقة فرمانية شمال طهران فجر الثلاثاء(شبكات التواصل)

قال مسؤول إيراني كبير إن المرشد الجديد مجتبى خامنئي رفض مقترحات نقلتها دولتان وسيطتان إلى طهران لخفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة، مشترطاً أن تأتي إسرائيل والولايات المتحدة «راكعتين».

وأوضح المسؤول، في تصريحات لوكالة «رويترز» الثلاثاء، أن موقف خامنئي بشأن الثأر من الولايات المتحدة وإسرائيل كان «حازماً وجاداً للغاية» خلال أول اجتماع يتناول السياسة الخارجية منذ توليه المنصب، من دون أن يوضح ما إذا كان المرشد الجديد قد حضر الاجتماع شخصياً.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، أن دولتين وسيطتين نقلتا إلى وزارة الخارجية الإيرانية مقترحات تتعلق بـ«خفض التوتر أو وقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة»، من دون أن يقدم تفاصيل إضافية عن مضمون تلك المقترحات أو هوية البلدين الوسيطين.

وبحسب المسؤول، رد خامنئي بأن «الوقت لن يكون مناسباً للسلام إلى أن تُجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على الرضوخ وقبول الهزيمة ودفع التعويضات».

ويمسك المرشد في إيران بالقرار النهائي في شؤون الدولة، ولم تُنشر صور جديدة لمجتبى خامنئي منذ اختياره قبل أكثر من أسبوع من قبل مجلس من رجال الدين خلفاً لوالده علي خامنئي.

وقال بعض المسؤولين الإيرانيين إنه أصيب بجروح طفيفة في الغارات التي أودت بحياة والده، في حين أشار مسؤولون أميركيون إلى أنه أصيب بجروح بالغة.

ودخلت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أسبوعها الثالث بعدما أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ألفي شخص، من دون أن تلوح نهاية قريبة لها في الأفق. ولا يزال مضيق هرمز الحيوي مغلقاً إلى حد كبير، في وقت يرفض بعض حلفاء الولايات المتحدة طلب الرئيس الأميركي دونالد ترمب المساعدة في إعادة فتح الممر البحري، الأمر الذي دفع أسعار الطاقة إلى الارتفاع وأثار مخاوف من موجة تضخم جديدة.

وفي أول رسالة عامة له منذ اختياره، والتي قرأتها مذيعة في التلفزيون الحكومي الأسبوع الماضي، قال مجتبى خامنئي إن مضيق هرمز يجب أن يبقى مغلقاً بوصفه أداة ضغط على «أعداء إيران».

وكانت ثلاثة مصادر قد قالت لوكالة «رويترز» في 14 مارس (آذار) إن إدارة ترمب رفضت جهود حلفاء في الشرق الأوسط لبدء مسار دبلوماسي يهدف إلى إنهاء الحرب مع إيران.