شهر على بدء سريان وقف النار في غزة... فهل تحسنت ظروف الحياة؟

أزمات لا تنتهي وخروقات لا تتوقف

أم فلسطينية تحمل طفلها أمام مبان مدمرة على طريق قريب من مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
أم فلسطينية تحمل طفلها أمام مبان مدمرة على طريق قريب من مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
TT

شهر على بدء سريان وقف النار في غزة... فهل تحسنت ظروف الحياة؟

أم فلسطينية تحمل طفلها أمام مبان مدمرة على طريق قريب من مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)
أم فلسطينية تحمل طفلها أمام مبان مدمرة على طريق قريب من مخيم النصيرات بوسط قطاع غزة يوم الأحد (أ.ف.ب)

مر شهر كامل على بدء سريان وقف إطلاق النار الأخير في قطاع غزة، وهدأ القصف نسبياً - وإن لم يتوقف - لكن التحديات المعيشية الصعبة لم تراوح مكانها، وظلت تتربص بأهالي القطاع من دون هوادة.

في العاشر من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بدأ تنفيذ المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنهاء الحرب، وفُتحت المعابر لإدخال المساعدات والبضائع التجارية وغيرها، وكان من المفترض أن تنفتح معها أبواب تحسن الأحوال أمام المواطن الفلسطيني الذي ذاق الجوع، وتجرّع العطش، وسحقه فقد الأهل وضياع الممتلكات.

يكابد الفلسطينيون الذين تدمرت بيوتهم في الحرب الإسرائيلية للعيش بخيام نصبت بين الأنقاض بوسط غزة يوم الأحد (د.ب.أ)

إلا أن أحوال السكان لم تتغير ولم تتحسن؛ مشاهد الجوع قائمة، وإن توفر النزر اليسير من السلع، ظلت الأسعار باهظة، وظل الحطب هو بديل الوقود المستخدم في الطهي.

ويقول البعض إن إسرائيل تسلك سبيلاً جديداً «لهندسة التجويع»، فتقلّص من إدخال المساعدات، في حين تسمح بدخول البضائع التجارية من بعض أصناف الخضار، والبضائع الترفيهية، مثل الشوكولاته والمكسرات وما إلى ذلك.

ويكاد يجمع سكان قطاع غزة على أن حالهم لم تتغير للأفضل منذ وقف إطلاق النار، وأن كثيراً من الأزمات ظل على حاله.

أزمة الماء

لا يزال أحمد الهسي (51 عاماً)، وهو من سكان مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، يضطر للوقوف في طابور طويل ليحصل على 20 لتراً يومياً من المياه الصالحة للشرب لعائلته المكونة من سبعة أفراد.

وبعيداً عن مياه الشرب، لا يزال الهسي وغيره من السكان يعانون للحصول على المياه المخصصة للاستخدام الآدمي اللازم للاغتسال وغسل الأواني. فكل ثلاثة أيام لا تتحصل الأسرة إلا على نحو 250 لتراً، وهي كمية بالكاد تكفي ليوم واحد في الوضع الطبيعي.

طفلان يحملان وعاءً به ماء بوسط غزة يوم الأحد (د.ب.أ)

وعانى السكان كثيراً خلال الحرب من عدم توفر المياه، الأمر الذي تسبب في انتشار الأمراض والأوبئة وغير ذلك.

يقول الهسي: «ما عشناه خلال فترة الحرب، لا يزال على ما هو عليه بعد توقفها. المعاناة لم تنتهِ، ويبدو أنها لن تنتهي ما دام لا يوجد طرف يلزم الاحتلال الإسرائيلي بتحسين ظروف حياتنا بشكل يتناسب مع واقعنا المؤلم».

وأضاف: «كل اللي بدنا إياه المياه الصالحة للشرب والاستخدام الآدمي، تعيد لنا شيئاً من حياتنا دون معاناة وتعب وإرهاق ودون الوقوف في طوابير طويلة من أجل الحصول عليها أو انتظار وصولها لأيام».

ولا يقتصر الأمر على الماء، وإن كان أهم مقومات الحياة، لكن الأزمات تمتد لتشمل تقريباً كل مناحي العيش.

الطهي على «الحطب»

على مدار عامي الحرب، فقد سكان القطاع القدرة على الحصول على الغاز بشكل طبيعي ومستدام، الأمر الذي دفعهم لاستخدام الحطب إما بشرائه من الحطابين، وإما من خلال اضطرار من لا يملك المال لقطع الأشجار أو الوصول للمنازل المدمرة والمتضررة لخلع ما تبقى من أخشاب فيها، وإيقاد النيران بغرض الطهي، أو لتدفئة المياه للاستحمام.

فلسطينية تحمل حطباً لإشعال النار في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتقول رانيا رضوان (44 عاماً)، من سكان حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، إنها مثلها مثل الآلاف من سكان القطاع، تعيش من دون غاز للطهي، وتضطر لإعداد الطعام لأسرتها من خلال إيقاد الحطب أو «البرابيش»، وهي الخراطيم المقطعة أقساماً صغيرة.

وتقيم رانيا مع زوجها وخمسة من أبنائها، أصغرهم عمره 13 عاماً، في فصل بمدرسة تحولت إلى مركز لإيواء النازحين، بعدما دمر القصف منزلهم.

ومع نقص أسطوانات الغاز، باتت تباع في السوق السوداء، ووصل سعر الأسطوانة سعة الكيلوغرام الواحد 200 شيقل (نحو 62 دولاراً)، بينما كان يصل سعر الأنبوبة سعة 12 كيلوغراماً يبلغ 60 شيقلاً (ما يعادل 18 دولاراً) قبيل الحرب.

وأشارت في حديثها لـ«الشرق الأوسط» إلى عنائها وابنتها البكر البالغة من العمر 19 عاماً لإيقاد النار في الحطب، نظراً لرداءة النوعية المتوفرة في الأسواق، التي وصل سعر الكيلوغرام منها إلى خمسة شواقل، إلى جانب تسببه بكثير من المشاكل الصحية خصوصاً في الجهاز التنفسي، وما صاحب ذلك من أزمات مختلفة.

ومنعت إسرائيل طوال الحرب دخول أي كميات من الغاز والمحروقات المختلفة بشكل عام، فيما سمحت بإدخال كميات محدودة جداً في الهدنة الأولى بين يناير (كانون الثاني)، وحتى منتصف مارس (آذار) من العام الحالي، وسمحت بكميات أقل منذ وقف إطلاق النار الحالي.

أطفال فلسطينيون يجمعون الحطب لاستخدامه في الطهي وسط نقص الوقود بقرية جحر الديك شرق مخيم البريج وسط غزة (أ.ف.ب)

ويشتكي سكان القطاع من عدم انتظام عملية توزيع الغاز، حيث تشرف هيئة البترول على عملية تجهيز كشوفات السكان للحصول على ثمانية كيلوغرامات من الغاز مقابل دفع مبلغ 60 شيقلاً (ما يعادل 18 دولاراً)، فيما تنفي الجهات المسؤولة أنها تقف خلف أي عوائق، مؤكدةً أن إسرائيل تمنع إدخال الكميات يومياً أو بانتظام، وتتعمد إدخالها يوماً واحداً أو يومين في الأسبوع.

وتسببت هذه الأزمة في ارتفاع أسعار السولار من جديد بعدما انخفضت من 100 شيقل (30 دولاراً)، للتر الواحد إلى (نحو 8 دولارات)، قبل أن ترتفع مجدداً في الأيام الأخيرة بفعل التضييقات الإسرائيلية، ليصل سعر اللتر نحو 50 شيقلاً (15 دولاراً)، الأمر الذي أسهم في ارتفاع أسعار المواصلات من جديد، كما يقول الشاب وسيم حمدان (26 عاماً) من سكان مدينة غزة.

«رهائن للتجار»

قال حمدان في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «تعبنا من كثرة الأزمات المتلاحقة. كنا بنعتقد إنه لحظة ما بتوقف الحرب سيعود كل شيء على ما كان عليه، لكن للأسف أمور حياتية مفصلية ما زال يشوبها كثير من الأزمات التي لا تنتهي».

وقارن بين فترة الهدنة الأولى والهدنة الأخيرة، فقال إن الأولى كانت أفضل، وكان هناك انضباط أكبر في ضبط الأسعار ومحاسبة التجار وغيرهم، «لكن هذه الفترة، أشعر مثلي مثل الكثيرين من السكان، بأننا رهائن للتجار ولحساباتهم المالية، وهم من يتحكمون بحياتنا».

نازحون يهرولون صوب شاحنات تحمل مساعدات بوسط قطاع غزة قرب دير البلح يوم الأحد (أ.ف.ب)

وتقول الشابة سمر الميناوي، من سكان مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، إنها تتوجه يومياً إلى السوق، وتُفاجأ في كل مرة بأسعار مختلفة، وأحياناً باهظة، متهمةً بعض التجار بالتحكم في قوت المواطنين.

وتضيف: «في الحقيقة لم يتغير شيء على حياتنا سواء بوقف إطلاق النار أو دونه، وما يمكن أن نقول إنه تغير فعلاً هو دخول البضائع، لكن أسعار بعضها لا يزال كما كان في الحرب».

ويؤكد المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة باستمرار أن وزارة الاقتصاد الوطني وغيرها من الجهات المسؤولة تسعى إلى محاولة ضبط الأسواق والأسعار فيها، محملاً الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية عما يجري.

وأوضح أن إجمالي ما دخل إلى قطاع غزة من مساعدات منذ بدء سريان قرار وقف إطلاق النار بلغ 4453 شاحنة فقط من أصل 15600 شاحنة كان يفترض دخولها حتى مساء السادس من نوفمبر (تشرين الثاني)، وفق ما نصت عليه ترتيبات وقف إطلاق النار والتفاهمات الإنسانية المصاحبة له.

وذكر أن هذه الشاحنات تضمنت 31 شاحنة محملة بغاز الطهي، و84 شاحنة من مادة السولار المخصصة لتشغيل المخابز والمستشفيات والمولدات والقطاعات الحيوية.

وأشار إلى أن متوسط عدد الشاحنات التي تدخل يومياً منذ بدء تنفيذ وقف إطلاق النار بلغ 171 شاحنة فقط، من أصل 600 شاحنة يفترض دخولها يومياً وفق البروتوكول الإنساني، «ما يؤكد أن الاحتلال لا يزال يمارس سياسة الخنق والتجويع والضغط الإنساني والابتزاز السياسي بحق أكثر من 2.4 مليون فلسطيني في قطاع غزة».


مقالات ذات صلة

متظاهرون صرب يطالبون بمقاطعة مسابقة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

العالم أشخاص يتظاهرون أمام مقر التلفزيون الحكومي في بلغراد بصربيا في 28 أبريل 2026 احتجاجاً على مشاركة إسرائيل في مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» (أ.ب)

متظاهرون صرب يطالبون بمقاطعة مسابقة «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل

تجمّع متظاهرون أمام هيئة الإذاعة والتلفزيون الصربية الحكومية، الثلاثاء، للمطالبة بانسحاب صربيا من مسابقة الأغنية الأوروبية «يوروفيجن» بسبب مشاركة إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بلغراد)
المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينية تدلي بصوتها داخل مركز اقتراع في دير البلح وسط قطاع غزة السبت (إ.ب.أ)

دير البلح حاضرة في أول انتخابات محلية في قطاع غزة منذ 22 عاماً

شهدت مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية تجري في القطاع منذ 22 عاماً، على خلفية الانقسام الفلسطيني الداخلي والعدوان الإسرائيلي المتواصل.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أحد عناصر هندسة المتفجرات التابعة لشرطة غزة يتعامل مع قذيفة غير منفجرة (الشرطة الفلسطينية)

الأمم المتحدة تحذّر من تهديد الذخائر غير المنفجرة في غزة لجهود إعادة الإعمار

حذّرت الأمم المتحدة، من أنّ قطاع غزة الذي دمّرته الحرب، ملوّث بشدّة بذخائر غير منفجرة تقتل المدنيين وتشوههم بانتظام، وتهدّد جهود إعادة الإعمار على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

المنظمون: إسرائيل احتجزت 211 ناشطاً من «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة

تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)
تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)
TT

المنظمون: إسرائيل احتجزت 211 ناشطاً من «أسطول الصمود» المتجه إلى غزة

تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)
تُظهر لقطات كاميرات المراقبة أفراد طاقم الأسطول الثاني الذي أبحر من ميناء برشلونة الإسباني حاملاً مساعدات إنسانية للفلسطينيين في غزة وهم يرفعون أذرعهم بينما الجيش الإسرائيلي اعترض السفينة (رويترز)

أعلن منظّمو «أسطول الصمود» العالمي، الذي كان متجهاً إلى قطاع غزة لكسر الحصار المفروض عليه، أن الجيش الإسرائيلي «اختطف» 211 ناشطاً، من بينهم مستشارة في بلدية باريس، خلال عملية نفّذها في المياه الدولية قبالة اليونان، وفق ما نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقالت المتحدثة باسم منظمة «غلوبال صمود – فرنسا»، هيلين كورون، الخميس في مؤتمر صحافي عبر الإنترنت، إن العملية جرت قرب جزيرة كريت، بعيداً من السواحل الإسرائيلية.

وكانت وزارة الخارجية الإسرائيلية ومنظمو الأسطول قد أعلنوا في وقت سابق من الخميس، أن البحرية الإسرائيلية اعترضت نحو 175 ناشطاً من «أسطول الصمود» قبالة اليونان وباتوا في طريقهم إلى الدولة العبرية.

وكتبَت الوزارة على منصة «إكس»: «نحو 175 ناشطاً كانوا على متن أكثر من 20 سفينة (...) يسلكون حالياً طريقهم إلى إسرائيل بشكل سلمي».

وكان منظمو هذا الأسطول الذي يضم ناشطين مؤيدين للفلسطينيين يسعون إلى كسر الحصار الذي تفرضه إسرائيل على قطاع غزة وتوصيل المساعدات إليه، قد أفادوا في وقت سابق بأن سفناً عسكرية إسرائيلية حاصرت قواربهم لدى وجودها قبالة سواحل جزيرة كريت اليونانية.

وكان الأسطول قد أبحر في الأسابيع الأخيرة من مرسيليا في فرنسا وبرشلونة في إسبانيا وسيراكيوز في إيطاليا.

وخلال ليل الأربعاء إلى الخميس، قال المنظّمون إن القوارب «حوصرت بشكل غير قانوني» من قبل سفن إسرائيلية.


«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
TT

«الكسب غير المشروع»: أموال «التسويات» مع رجال أعمال حقبة الأسد كبيرة

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)
رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان (الشرق الأوسط)

أكد رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» في سوريا، باسل السويدان، أن «الأصول المستردة» من «التسويات الاقتصادية» التي تجريها اللجنة لرجال أعمال ارتبطوا بنظام الأسد وعملوا تحت مظلته «كبيرة»، عادت بوصفها حقوقاً للشعب السوري ضمن «برنامج الإفصاح الطوعي».

حمشو يوقع على تسوية مع الحكومة تحت برنامج الإفصاح الطوعي للفاسديناللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع (حساب فيسبوك)

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن اللجنة تلقت مئات طلبات الإفصاح الطوعي، أُنجزت منها تسويات متعددة، فيما رُفضت طلبات أخرى لعدم استيفائها المعايير.

كيف تحدد اللجنة حدود الكسب غير المشروع؟ سؤال توجهت به «الشرق الأوسط» لرئيس اللجنة باسل السويدان، الذي شرح أن الكسب غير المشروع «مفهوم قانوني يرتبط حُكماً بالأشخاص، ويُعرّف بأنه كل زيادة غير مبررة في الذمة المالية لا تتناسب مع الموارد المشروعة المعروفة لصاحبها، ويعجز عن تقديم تفسير قانوني ومقنع لمصدرها»، وهذا يشمل الشركات والعقارات والأسهم والتدفقات المالية. كما يتم ضمن منهج تحقيقي محوكم يعتمد على جمع البيانات وتحليلها وربطها ضمن صورة مالية متكاملة.

اجتماع للجنة مكافحة الكسب غير المشروع في سوريا (سانا)

وأشار السويدان إلى أن اللجنة رغم ارتباط عملها بالأشخاص، تعتمد معايير موضوعية في اختيار الحالات، من بينها كون الشخص يمثل ظاهرة مالية كبيرة أو جزءاً من شبكة اقتصادية معقدة، أو وجود تضخم واضح في الثروة لا يمكن تفسيره ضمن الإطار المشروع. وأكد أن المساءلة تقوم على الأدلة والقرائن المالية، وليس على الموقع أو الصفة.

الإفصاح الطوعي

وأصدر الرئيس السوري، أحمد الشرع، في الرابع من مايو (أيار) 2025، القرار الرئاسي رقم 13، الخاص بـ«تشكيل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع»، لحماية المال العام ومكافحة الكسب غير المشروع بجميع أشكاله، واسترداد الأموال غير المشروعة.

وفي 28 ديسمبر (كانون الأول) 2025 أطلقت اللجنة «برنامج الإفصاح الطوعي» لمدة ستة أشهر، والموقع الإلكتروني الرسمي لها، والذي يتضمن خدمات الإبلاغ والإفصاح الطوعي والاستفسار والتواصل مع اللجنة.

السويدان أوضح أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمثل أحد الأدوات الأساسية التي اعتمدتها اللجنة ضمن نظام عملها الداخلي، وهو جزء من صلب العمل القانوني وليس إجراءً استثنائياً. ويعرّف البرنامج بأنه «آلية تتيح للأشخاص الذين ترتبط أموالهم بشبهات كسب غير مشروع الإفصاح عنها طوعاً، وإخضاعها لتدقيق مالي وقانوني شامل، وصولاً إلى تسوية منظمة تُحدد من خلالها الأموال أو الأصول التي يجب استردادها لصالح الدولة».

رجل الأعمال وسيم قطان

وأشار إلى أن اعتماد هذه الآلية جاء استناداً إلى توصيات أممية وتجارب دولية مماثلة، حيث تُظهر تجارب الأمم المتحدة والتجارب العالمية في هذا المجال أن الإفصاح الطوعي والتسويات الاقتصادية تُعد من أكثر الأدوات فاعلية في معالجة إرث الكسب غير المشروع، خاصة في الدول الخارجة من النزاعات.

وأثبتت هذه التجارب أن الاعتماد الحصري على المسارات القضائية التقليدية قد يستغرق زمناً طويلاً، ويؤدي إلى تجميد الأصول أو فقدانها، في حين يتيح الإفصاح الطوعي استرداداً أسرع وأكثر كفاءة، مع الحفاظ على استمرارية الأصول ضمن الاقتصاد، مشيراً إلى أنه في هذا السياق، تم اعتماد البرنامج ضمن الإطار الذي نظمه القرار الرئاسي رقم 13 لعام 2025، مع تكييفه بما يتناسب مع خصوصية الواقع السوري.

رجال أعمال أجروا تسويات

وكانت «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» قد أعلنت، منتصف أبريل الحالي، انتهاء إجراءات استلام الأصول العائدة لكل من رجل الأعمال وسيم قطان وإخوته، والأصول المرتبطة بنعيم الجراح، وذلك في إطار طلبات الإفصاح الطوعي المقدمة إلى اللجنة والتسويات الاقتصادية.

ويملك قطان عدة شركات منها «لاروسا للمفروشات» و«مجموعة مروج الشام للاستثمار والسياحة»، ويشغل منصب مدير «شركة آدم للتجارة والاستثمار» و«شركة نقطة تقاطع». وهو أيضاً مدير وشريك مؤسس في عدة شركات أخرى. وأكد القطان أن تسليم «مول المالكي» و«مول قاسيون» بدمشق إلى اللجنة تم بالاتفاق والتفاهم، نافياً عبر «فيسبوك» صحة الأنباء التي تحدثت عن مصادرة مفاجئة لأصوله.

أما نعيم الجراح، فهو رجل أعمال فلسطيني سوري، كانت له شبكة علاقات واسعة داخل الأوساط الأمنية والاقتصادية في حقبة نظام الأسد، وفق تقارير أشارت إلى تلقيه دعماً من شخصيات نافذة ساعدته في تأسيس مجمع «أبتاون» الشهير في مشروع «دمر» بدمشق، و«القرية الشامية» التي صورت فيها حلقات مسلسل «باب الحارة».

رجل الأعمال الفلسطيني السوري نعيم الجراح

وشغل الجراح منصب رئيس مجلس إدارة «شركة خطوط كنده الجوية»، ومدير «شركة قتيبة» و«شركة جراح وشامي وأشقر للتطوير والاستثمار العقاري» وشركة «الجراح للاستثمارات» وشريك مؤسس في شركة «الرضا».

رجل الأعمال سامر الفوز أجرى تسوية اقتصادية مؤخرا (حساب فيسبوك)

كما أنجزت تسوية لرجل الأعمال سامر الفوز، الذي بدأ ظهوره خلال سنوات الحرب. وكشف السويدان في مقابلة صحافية نشرت مؤخراً عن أن هذه التسوية تضمنت نقل ملكية 32 شركة وأصول متنوعة، شملت شركات صلب وأسمنت وحديد وطيران، وشركات غذائية وهندسية وخرسانة، وفنادق ومطاعم ومنشآت سياحية، وحصص وأسهم في شركات تعدين وفوسفات، وأسهم في بنكين خاصين.

التسوية شملت أيضاً رجل الأعمال طريف الأخرس، وفق الإجراءات الرسمية المعتمدة، أما الأصول المرتبطة بعائلة فواز الأخرس (والد أسماء الأخرس زوجة الرئيس السابق بشار الأسد) فقد اتُّخذت بحقها إجراءات تحفظية كاملة شملت الحجز على الأصول محل الاشتباه، وفق السويدان.

غير أن أول تسوية أعلن عنها في إطار برنامج الإفصاح الطوعي كانت بداية يناير (كانون الثاني) الماضي مع رجل الأعمال، محمد حمشو، الذي كان يوصف بأنه أحد «حيتان» الاقتصاد السوري في حقبة حكم الأسد. وتضمنت وفق مصادر مطلعة، تسليم حمشو 80 في المائة من الأموال والأصول التجارية والصناعية والعقارية التي لديه للدولة، فيما نقلت تقارير أنه تمت استعادة ما قيمته نحو 800 مليون دولار من أموال وأصول.

وأثار الإعلان عن تلك «التسوية»، في حينها، استياء في الشارع السوري، باعتبار أن حمشو كان جزءاً من الحرب التي شنها النظام البائد على المعارضة، إذ كان، حسب كثيرين، ذراعاً مالية عبر شركاته، وعسكرية عبر تشكيله ميليشيات رديفة للجيش، ودعائية عبر قنوات تلفزيونية كان يملكها.

وشدد السويدان، عبر تصريحات للإعلام الرسمي، على أن «التسويات الاقتصادية» التي أُجريت مع بعض رجال الأعمال لا تمنح أي حصانة جزائية، ولا تمس بحقوق الغير، ولا تؤثر في مسارات العدالة الانتقالية، موضحاً أنها تقتصر على معالجة الشق المالي الناتج عن جرم الكسب غير المشروع، فيما تبقى بقية المسارات القضائية قائمة.

عدم تعطيل القضاء

شدد السويدان على أن «الإفصاح الطوعي» لا يلغي المسار القضائي بل يعمل بالتوازي معه، موضحاً أن الهدف الأساسي هو تقليل الزمن الذي تستغرقه إجراءات التقاضي، وتخفيف العبء عن القضاء السوري، مع الحفاظ على استمرارية العمل القانوني.

وأكد أن اللجنة استمرت في تنظيم الضبوط وإحالة الملفات التي لم تستوفِ شروط الإفصاح، وهو ما سيشكّل الأساس للمرحلة التالية.

وكشف السويدان عن أن عدد الحالات التي تخضع للتدقيق يُقدّر بالآلاف، نتيجة تشعب الشبكات الاقتصادية المرتبطة بالكسب غير المشروع، التي لم تكن ظاهرة فردية بل منظومة ممتدة.

رئيس «لجنة مكافحة الكسب غير المشروع» باسل السويدان يتوسط محمد الطويل نقيب المحامين يسار ورامي النومان من مكتب العلاقات العامة في النقابة (موقع الهيئة)

وأوضح السويدان لـ«الشرق الأوسط» أن الأصول التي جرى ضبطها أو استردادها ضمن برنامج الإفصاح الطوعي لا تزال في مرحلة استكمال الإجراءات، حيث يتم تثبيت الملكيات واستكمال التحقيقات وتحليل الارتباطات المالية، قبل تحديد المسار النهائي.

وأكد أن هذه الأصول ستتجه إلى أحد مسارين: التسوية ضمن برنامج الإفصاح الطوعي، أو الإحالة إلى القضاء المختص، وفق نتائج التحقيق.

انتهاء المهلة

وأكد أن «برنامج الإفصاح الطوعي» يمنح فرصة زمنية محددة لتسوية الأوضاع ضمن إطار قانوني محوكم، لكنه ليس متاحاً لجميع الحالات، بل يخضع لمعايير قبول دقيقة، ويشكّل فرصة حقيقية للبعض لإعادة الاندماج في الاقتصاد النظامي. وأن المرحلة التي تلي انتهاء المهلة تمثل انتقالاً منظماً إلى مرحلة تعتمد على تفعيل كامل للمسار القضائي.

ولفت إلى أن بعض الملفات تتضمن شبهات تتعلق بجرائم مالية أخرى، مثل غسل الأموال أو تمويل الإرهاب أو الاتجار بالمخدرات، وفي هذه الحالات يتم إحالة الملفات إلى النيابة العامة المختصة، لضمان تكامل الإجراءات القانونية.

وأضاف أن اللجنة ستواصل التنسيق مع الجهات الرقابية، وفي مقدمتها الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، لمعالجة الجوانب المؤسسية المرتبطة ببعض الملفات.


سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
TT

سوريا: القبض على عدنان حلوة أحد أبرز المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة

صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة
صورة نشرها وزير الداخلية السوري أنس خطاب على «إكس» لعدنان عبود حلوة أحد أبرز الضباط المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» بالغوطة

أعلن وزير الداخلية السوري، أنس خطاب، الأربعاء، عن اعتقال اللواء عدنان حلوة، أحد ضباط النظام المخلوع المسؤولين عن «مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس (آب) عام 2013.

وقال خطاب، في تدوينة عبر حسابه على منصة «إكس»، إن «اللواء عدنان عبود حلوة، أحد أبرز الضباط المسؤولين عن (مجزرة الكيماوي) في الغوطة الشرقية عام 2013 بات اليوم في قبضة إدارة مكافحة الإرهاب».

ما نعرفه عن عدنان حلوة

وفق وسائل إعلام محلية، فإن عدنان حلوة كان المسؤول عن منطقة خربة الشيّاب في جنوب دمشق، ونائب مدير إدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق.

اتُّهم حلوة بضلوعه خلال الثورة في إطلاق صواريخ «سكود» تجاه مدن الشمال السوري خلال عمله نائباً لإدارة المدفعية والصواريخ في ريف دمشق.

وكان مسؤولاً في الوحدتين «155» و«157»، اللتين ارتكبتا انتهاكات ضد المدنيين واستخدمت الصواريخ والأسلحة الكيماوية ضدهم.

وأصبح بعد ذلك المسؤول العسكري في منطقة خربة الشيّاب في جنوب دمشق، وكان مسؤولاً عن إدارة الحواجز العسكرية في المنطقة، المتهمة باحتجاز وإخفاء مئات المدنيين.

وشارك الحلوة ضمن وفد النظام السوري في مفاوضات آستانة عام 2017، وهو ضمن 13 شخصية سمتهم الولايات المتحدة الأميركية مسؤولين عن جرائم قتل ضد المدنيين.

وُضع على قائمة العقوبات الأوروبية في 28 أكتوبر (تشرين الأول) 2016.

«مجزرة الكيماوي» في الغوطة الشرقية

وقعت المجزرة بمنطقة الغوطة الشرقية بريف دمشق يوم 21 أغسطس 2013، في هجوم أسفر عن مقتل أكثر من 1400 مدني بينهم مئات الأطفال والنساء.

وفي ذلك اليوم، استيقظ السوريون من أهالي عدد من بلدات الغوطة الشرقية على مشهد لمئات الجثث في الشوارع والمنازل لأشخاص قتلوا بغاز «السارين» السام، في واحدة من أعنف المجازر التي ارتكبتها قوات نظام الأسد بحق المدنيين على مدار سنوات الحرب.

ووفق «الشبكة السورية لحقوق الإنسان»، فإن نظام الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد نفذ 217 هجوماً بأسلحة كيمياوية ضد مناطق سكنية كانت تحت سيطرة المعارضة في سوريا منذ بدأت الثورة عام 2011.

القبض على «سفاح التضامن» قبل أيام

يأتي هذا الإعلان بعد أيام من إعلان وزارة الداخلية القبض على أمجد يوسف، الملقب «سفاح التضامن»، وذلك بعملية أمنية في منطقة سهل الغاب بريف حماة.

والثلاثاء، نشرت وزارة الداخلية السورية على منصاتها، مقطع فيديو يظهر جانباً من تحقيقات مع 3 طيارين بالنظام السوري السابق، بينهم ميزر صوان الملقب «عدو الغوطتين»، الذي قال إن أمر القصف كان يأتي من الرئيس المخلوع بشار الأسد.