إسرائيل تدفع قانون إعدام الأسرى... فهل يستهدف «قوات النخبة»؟

تزامناً مع بدء إجراءات إنشاء محكمة خاصة لمقاضاة مقاتلي «القسام»

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث رهائن بمساعدة «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في مدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث رهائن بمساعدة «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في مدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدفع قانون إعدام الأسرى... فهل يستهدف «قوات النخبة»؟

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث رهائن بمساعدة «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في مدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث رهائن بمساعدة «اللجنة الدولية للصليب الأحمر» في مدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وافقت لجنة الأمن القومي في «الكنيست»، الاثنين، على المضي قدماً في مشروع قانون يفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين المتهمين بقتل إسرائيليين، وهو قانون أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تأييده له، بعد استعادة جميع الرهائن الأحياء ومعظم الجثامين من قطاع غزة.

ويُلزم القانون القضاة الإسرائيليين بإنزال عقوبة الإعدام بحق كل فلسطيني تثبت مشاركته -بأي شكل- في قتل إسرائيليين، بدلاً من إصدار حكم المؤبد الذي عادة ما يواجه أي فلسطيني يدان بقتل إسرائيلي؛ سواء بنفسه أو بتحريض آخرين على التنفيذ، أو يدان بالتخطيط أو توجيه عملية القتل أو تقديم المساعدة فيها.

جنود إسرائيليون يجلون زميلاً مصاباً في قطاع غزة (أرشيفية)

وإذا كان الفلسطيني محكوماً عليه بالمؤبد، فهذا يعني أنه مدان بقتل إسرائيلي واحد، وإذا كان محكوماً عليه بخمس مؤبدات -مثلاً- فهذا يعني أنه قتل 5 إسرائيليين؛ لكن النتيجة واحدة، وهي السجن مدى الحياة.

ويقف وراء مشروع قانون الإعدام وزير الأمن القومي اليميني المتطرف، إيتمار بن غفير، الذي حاول دفع القانون مرات عدة قبل ذلك، ولكنه اصطدم في البداية -وكان ذلك قبل الحرب- بتحفظات من قِبل الحكومة وأجهزة الأمن الإسرائيلية؛ خشية دفع المنطقة إلى تصعيد. واصطدم بعد الحرب بطلبات تأجيل متكررة؛ خشية تعريض حياة المحتجَزين في غزة للخطر.

«واقع مختلف»

وقال غال هيرش، منسق الحكومة الإسرائيلية لشؤون الرهائن والمفقودين في «الكنيست»، إنه عارض مشروع القانون سابقاً؛ لكنه الآن يدعمه، مضيفاً: «بما أن الرهائن الأحياء موجودون هنا، فنحن في واقع مختلف».

وأكد هيرش دعم نتنياهو للقانون كذلك. ولكنه يتوقع أن يتضمن ذلك السماح للجهات المعنية -بما فيها جهاز الأمن الداخلي (الشاباك) وأجهزة استخبارات أخرى- بتقديم توصيات قبل صدور أي حكم بالإعدام، وهو مقترح رفضه بن غفير فوراً، قائلاً: «هذا لن يحدث»؛ مؤكداً أنه لن يسمح بأي سلطة تقديرية في هذا القانون؛ لأنه «بمجرد منح هذه السلطة التقديرية، يضعف تأثيره الرادع».

وتنص المذكرة التوضيحية لمشروع القانون، على أن أي «إرهابي» يُدان بارتكاب جريمة قتل «بسبب الكراهية العنصرية أو القومية، أو نية إيذاء دولة إسرائيل والشعب اليهودي، سيواجه حُكماً إلزامياً بالإعدام، ليس كخيار أو تقدير؛ بل كحكم إلزامي».

صور قتلى ورهائن إسرائيليين خلال وقفة احتجاجية في برلين بألمانيا بمناسبة الذكرى الثانية لهجوم 7 أكتوبر 2023 الذي شنَّته «حماس» على إسرائيل (إ.ب.أ)

ويُفترض الآن أن يصل التشريع إلى قراءته الأولى في الجلسة العامة، يوم الأربعاء المقبل، ويحتاج إلى موافقة «الكنيست» بالقراءات الثلاث قبل أن يصبح نافذاً.

ووصف رئيس لجنة الأمن القومي في «الكنيست»، النائب تسفيكا فوغل، إقرار القانون، بأنه «لحظة تاريخية». وأضاف: «لن تكون هناك فنادق للإرهابيين، ولن تكون هناك صفقات إطلاق سراح».

ووصف بن غفير القانون بأنه «حلم»، وشكر نتنياهو على دعمه، ولكنه أبدى بعض التحفظات في تغريدة نشرها، كتب فيها: «لا ينبغي للمحكمة أن تتمتع بأي سلطة تقديرية، فكل إرهابي يُقدِم على القتل لا بد من أن يعلم أنه لن يُحكَم عليه إلا بالإعدام. حان وقت تحقيق العدالة».

وقالت النائبة ليمور سون هار ميلخ التي بادرت إلى اقتراح القانون: «هذا القانون اختبار أخلاقي لدولة إسرائيل».

ودعم كل أعضاء اللجنة مشروع القانون، ولكن العضو الوحيد الذي عارضه كان جلعاد كاريف -وهو عضو في حزب «العمل» اليساري- وقد وصف القانون بأنه «شعبوي ومتطرف، لن يؤدي إلى القضاء على الإرهاب القاتل؛ بل إلى تكثيفه».

واتهم كاريف رئيس الوزراء بدعم مشروع القانون «لإرضاء» بن غفير الذي عبَّر عن استيائه من صفقة إطلاق سراح الرهائن، ووقف إطلاق النار في غزة. وقال كاريف إن ذلك دليل على أن «الاعتبارات السياسية تفوق الاعتبارات الأمنية».

إدانة فلسطينية

أما الفلسطينيون فاعتبروا القانون وحشياً، ويمثل جريمة حرب مكتملة الأركان.

وأدان رئيس المجلس الوطني الفلسطيني روحي فتوح القانون، وقال إنه تشريع «عنصري بامتياز، وجريمة حرب مكتملة الأركان، وجزء لا يتجزأ من مشروع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي الذي تتبناه حكومة الاحتلال».

فلسطينيون يسيرون وسط الخيام بمدينة غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وأضاف فتوح أن إدارة السجون الإسرائيلية تسعى إلى «إضفاء غطاء تشريعي على جرائم الإعدام خارج نطاق القانون، التي تتم بحق الأسرى داخل السجون». وأردف: «هذا التشريع يمثل سابقة خطيرة، ويدشن مرحلة جديدة من القتل المقنن».

وقالت حركة «حماس»، إن قانون إعدام الأسرى «تجسيد للوجه الفاشي القبيح للاحتلال المارق، وإمعان في انتهاك الاحتلال للقوانين الدولية، ولا سيما أحكام القانون الدولي الإنساني، واتفاقية جنيف الثالثة».

وحسب نادي الأسير الفلسطيني: «قتلت إسرائيل داخل السجون الإسرائيلية، منذ بداية الحرب وحتى بداية الشهر الحالي، 81 أسيراً. وهم -فقط- المعلن عنهم، إلى جانب عشرات من معتقلي غزة الذين تم إعدامهم وما زالوا رهن الإخفاء القسري».

وإذا مضى مشروع القانون حتى نهايته، فإنه سيستهدف بدايةً نحو 300 أسير فلسطيني من بين أكثر من 9 آلاف أسير، وهم عناصر «النخبة» في «كتائب القسام»، الجناح العسكري لـ«حماس»، والذين اعتقلتهم إسرائيل خلال الهجوم على بلدات غلاف غزة، أو خلال الحرب على القطاع.

طفل نازح يحمل فروع أشجار لاستخدامها في الطهي شرقي مخيم البريج بوسط قطاع غزة يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وإضافة إليهم، يوجد نحو مائة من أصحاب أحكام المؤبد الذين لم تشملهم صفقات التبادل حتى الآن، وظلوا في السجون.

وليس معروفاً إذا كان القانون سيسمح بإعادة محاكمة معتقلين حوكموا فعلاً.

«قوات النخبة»

ثمة مؤشرات بأن تبدأ إسرائيل في تنفيذ الأحكام بـ«قوات النخبة».

وقالت هيئة البث الإسرائيلية، إن إسرائيل تحتجز ما بين 250 و300 من عناصر «النخبة» الذين شاركوا في هجمات السابع من أكتوبر 2023.

وأكدت تقارير إسرائيلية، هذا الأسبوع، أن إسرائيل تعتزم تسريع محاكمة «قوات النخبة» بعدما وصلت التحقيقات معهم إلى مراحلها النهائية.

وتجري الهيئات المختصة في إسرائيل مشاورات من أجل إنشاء محكمة خاصة لمحاكمة عناصر «النخبة». ويُفترض أيضاً تشكيل طاقم قضائي خاص، ولجنة توجيهية تُعنى بسياسة محاكمة هذه العناصر.

وتُطلق إسرائيل على مقاتلي «حماس» صفة «مقاتلين غير شرعيين»، وهو ما يتيح احتجازهم لفترة طويلة، ويجردهم بمقتضى القانون من حقوق المراجعة القضائية، والإجراءات القانونية، والمثول أمام محاكمة عادلة.

وطالب بن غفير صراحة بإعدام أسرى «النخبة»، وأكد مقربون من وزير العدل ياريف ليفين أنه يؤيد فرض عقوبة الإعدام على هؤلاء العناصر.


مقالات ذات صلة

الممثل السامي لقطاع غزة يزور مصر وتركيا ويؤكد: «لا مجال لإضاعة الوقت»

العالم العربي وزير الخارجية المصري يلتقي المبعوث السامي لغزة نيكولاي ملادينوف (الخارجية المصرية)

الممثل السامي لقطاع غزة يزور مصر وتركيا ويؤكد: «لا مجال لإضاعة الوقت»

تحرك جديد للممثل الأعلى لقطاع غزة، نيكولاي ملادينوف، مع الوسطاء بعد نحو أسبوع من طرح مبادرته لنزع سلاح «حماس» وبدء الإعمار، في ظل اتفاق لوقف إطلاق يراوح مكانه.

محمد محمود (القاهرة)
المشرق العربي تصاعد الدخان في خان يونس بعد غارة إسرائيلية قرب مخيم يؤوي نازحين في دير البلح بوسط قطاع غزة (د.ب.أ)

مقتل 6 أشخاص في غارتين إسرائيليتين على نقطتي تفتيش في غزة

قال مسؤولون محليون في قطاع الصحة إن غارتين إسرائيليتين استهدفتا نقطتي تفتيش تابعتين ​لقوة الشرطة التي تقودها «حماس» وأسفرتا عن مقتل ما لا يقل عن ستة أشخاص.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مسلحون من «كتائب عز الدين القسام» التابعة لحركة «حماس» في مخيم النصيرات للاجئين وسط غزة فبراير 2025 (إ.ب.أ) p-circle

خاص «كأنها رسالة تهديد»... ماذا تضمن أحدث مقترح لنزع سلاح غزة؟

أكدت مصادر من حركة «حماس» لـ«الشرق الأوسط» تلقي وفدها مقترحاً بشأن نزع السلاح من قطاع غزة، من قبل الهيئة التنفيذية لـ«مجلس السلام»... وكشفت عن بعض بنوده.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينيون يلوحون بأعلام «حماس» خلال استقبال أسرى فلسطينيين في رام الله بالضفة الغربية نوفمبر 2023 (أ.ف.ب) p-circle

خاص «الحرب تُغير المنطقة»... «حماس» إلى تجميد مسار انتخاب رئيسها

بعدما كانت «حماس» بصدد انتخاب رئيس لمكتبها السياسي، تحدثت مصادر كبيرة في داخل وخارج غزة إلى «الشرق الأوسط» عن اتجاه «شبه نهائي» لتجميد المسار.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص فلسطينية تصرخ خلال جنازة ضحايا غارة إسرائيلية في مستشفى ناصر بخان يونس جنوب غزة يوم الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle

خاص لليوم الرابع... اغتيالات إسرائيلية مكثفة في صفوف «القسام»

لليوم الرابع، صعدت إسرائيل الاغتيالات ضد نشطاء الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية في غزة، خاصةً القيادات الميدانية لـ«كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».