نيويورك ستشهد اعتراف 10 بلدان على الأقل بـ«دولة فلسطين»

باريس تراه «إنجازاً تاريخيّاً» رغم العراقيل التي وضعت بوجه مبادرة «حل الدولتين»

شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة على القرار الخاص بتنفيذ حلّ الدولتين في جلسة بمدينة نيويورك 12 سبتمبر 2025 (رويترز)
شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة على القرار الخاص بتنفيذ حلّ الدولتين في جلسة بمدينة نيويورك 12 سبتمبر 2025 (رويترز)
TT

نيويورك ستشهد اعتراف 10 بلدان على الأقل بـ«دولة فلسطين»

شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة على القرار الخاص بتنفيذ حلّ الدولتين في جلسة بمدينة نيويورك 12 سبتمبر 2025 (رويترز)
شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة على القرار الخاص بتنفيذ حلّ الدولتين في جلسة بمدينة نيويورك 12 سبتمبر 2025 (رويترز)

يوم الاثنين المقبل، سيعلن الرئيس الفرنسي، من على منبر الأمم المتحدة، الاعتراف رسميّاً بـ«دولة فلسطين»، وبعده سيحذو ما لا يقل عن 10 دول حذو فرنسا، منها بريطانيا وكندا وأستراليا والبرتغال وبلجيكا ومالطا ونيوزيلندا. ووفق مصادر فرنسية، فإن دولاً أخرى كانت تقول سابقاً إنها لن تعترف بالدولة الفلسطينية إلا «في نهاية المسار» قد غيّرت مقاربتها، وهي تؤكد اليوم أنها سوف تقدم على الاعتراف «في منتصفه».

وإزاء هذا التطور، ترى باريس أن «الدينامية الدبلوماسية» التي كانت تسعى إليها من وراء إعلان الرئيس ماكرون قبل أشهر أنه عازم على الاعتراف بـ«دولة فلسطين» قد تحققت، بينما لم تتوفر هذه الدينامية بعد أن استبقت إسبانيا وآيرلندا وسلوفينيا الآخرين بالإقدام على هذه الخطوة العام الماضي. من هنا، فإن مصادر دبلوماسية في العاصمة الفرنسية اعتبرت هذا التطور أمراً إيجابياً، وأنه يعد «انتصاراً دبلوماسياً ولحظة تاريخية» هما «ثمرة جهود مثابرة» قامت بها باريس، مع شركائها، وعلى رأسهم المملكة السعودية، حيث إنهما كانا في أساس هذه المبادرة منذ نهاية عام 2094. وثمة محطتان اثنتان بارزتان على هذا المسار؛ أولاهما الاجتماع الذي حصل في الأمم المتحدة يوم 29 يوليو (تموز) الماضي، الذي شهد ولادة «إعلان نيويورك»، والثانية اجتماع 12 سبتمبر (أيلول) في الأمم المتحدة حيث صوّتت أغلبية كاسحة على قرار يتبنى «إعلان نيويورك»، وذلك بأكثرية كاسحة من 142 دولة.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يرى أن الخيار العسكري سيقود إسرائيل إلى طريق مسدود (أ.ف.ب)

تعتبر باريس أن مؤتمر «حل الدولتين» يعدّ أيضاً نجاحاً مهماً بالنظر للعراقيل التي وضعت في طريقها، وللضغوط التي مارستها إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية لإجهاضها. كذلك، لا يمكن التغاضي عن العزلة التي أخذت تعاني منها إسرائيل سياسياً ودولياً، سواء في مجلس الأمن أو في الجمعية العامة أو في علاقاتها الثنائية، خصوصاً مع دول كانت تؤيدها بشكل كامل. وهذه الناحية ركّز عليها ماكرون في حديثه الصحافي، إذ ترى بلاده أن الخيار العسكري سيقود إسرائيل إلى طريق مسدود، وأن المبادرة السياسية والدبلوماسية التي طرحت عليها كان يمكن، لو قبلتها، أن تخرجها من هذا المأزق. أما الفشل الذي كان يتحدث عنه معارضو المبادرة الفرنسية السعودية، فإن عنوانه الحقيقي العجز عن القيام بأي مبادرة، فيما الوضع يتفاقم ويزداد مأساوية في غزة. كذلك، ترى باريس أن تل أبيب التي تعتبر اليوم أن قيام الدولة الفلسطينية يعدّ «خطاً أحمر» إنما يعني التخلي علناً ورسميّاً عن الأفق الذي رسمته قرارات عام 1948، التي نصّت على قيام دولتين؛ إحداهما اليوم قائمة، والثانية «مشروع» تسعى الأولى لإجهاضه. ولذا، فإن العودة للحديث عن «حلّ الدولتين» ما كان ليحصل لولا الحراك الدبلوماسي الذي سيتوج في نيويورك، الاثنين المقبل.

وباريس، رغم الهوة التي تفصلها عن إسرائيل بسبب الدور الذي قامت وتقوم به في ملف الاعتراف، فإنها ما زالت تحاول إقناعها بفائدته وبأنه يخدم مصالحها. والرسالة نفسها حاول الرئيس ماكرون إيصالها إلى الإسرائيليين من خلال المقابلة الصحافية التي بثّتها قناة تلفزيونية إسرائيلية، مساء الخميس. واستغل ماكرون المناسبة ليركز على الفائدة التي يمكن أن تجنيها إسرائيل.

الرئيس الفلسطيني محمود عباس في الأمم المتحدة (أرشيفية - أ.ب)

ووفق الدبلوماسية الفرنسية، فإن أحد الأوجه المهمة في «إعلان نيويورك» أنه يتضمن نصاً «يدين (حماس) بشدة للجرائم التي ارتكبتها، ويدعو إلى نزع سلاحها واستسلامها». والنقطة الأخرى المهمة بالنسبة لباريس هي أن الاعتراف، بعكس ما تسعى بعض الجهات لتصويره، ليس «عملاً رمزياً» رغم أنه لا يعني «نهاية الجهود الدبلوماسية»، خصوصاً أنه يتناول ما يسمى «اليوم التالي».

أولوية «اليوم التالي» يجب أن تكون، وفق القراءة الفرنسية، وقف الحرب. والحال أن آخر محاولة لوقفها، جرت في مجلس الأمن الخميس، جوبهت بـ«الفيتو الأميركي» الذي استخدمته واشنطن للمرة الثامنة منذ اندلاع هذه الحرب. وتكرر فرنسا أن المطلوب دعم الوساطة القطرية المصرية الأميركية، وإطلاق سراح الرهائن الإسرائيليين «غير المشروط»، وانسحاب القوات الإسرائيلية من غزة، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق. وترفض باريس أي ترحيل للفلسطينيين، وهي تدعم اتخاذ عقوبات بحقّ إسرائيل في إطار الاتحاد الأوروبي.

وللانتقال من الاعتراف إلى الإقامة الفعلية للدولة الفلسطينية، التي دونها عقبات، ليس أقلها رفض الحكومة الإسرائيلية ذلك بشكل علني، إضافة إلى المعارضة الأميركية، أقله في الوقت الراهن، ترى باريس أنه يتعين تحقيق 3 شروط؛ خطة حوكمة فلسطينية قوامها لجنة إدارية مؤقتة تحت إشراف السلطة الفلسطينية المتجددة وفق الالتزامات، التي قدّمها رئيسها محمود عباس، ومن بنودها نزع سلاح «حماس» ومنعها من القيام بأي دور في حكم غزة لاحقاً. والتحدي الثاني عنوانه إعادة بناء غزة وفقاً للخطة التي أقرّتها قمة الجامعة العربية يوم 4 مارس (آذار) في القاهرة. وثالث الأمور الذهاب باتجاه إطلاق برنامج يتضمن ّهندسة أمنية إقليمية، عبر إطلاق بعثة دولية مؤقتة، تحت إشراف الأمم المتحدة. وبحسب باريس، فإن هذه الهندسة يجب أن تشمل، في نهاية المطاف، إسرائيل. وفيما تسعى إسرائيل إلى إضعاف السلطة الفلسطينية، فإن باريس ترى أن مسؤولية إدارة الضفة الغربية وغزة يجب أن تكون من صلاحيات السلطة المذكورة، وهو الأمر المتضمن في إعلان نيويورك.

شاشة تعرض عدد الأصوات أثناء تصويت أعضاء الجمعية العامة على القرار الخاص بتنفيذ حلّ الدولتين في جلسة بمدينة نيويورك 12 سبتمبر 2025 (رويترز)

يبقى أن الاعتراف شيء، وقيام الدولة الفعلية شيء آخر. وثمة كثير من المسائل التي ما زالت في الحيز النظري، أو أن المشاورات بشأنها لم تتوصل بعد إلى نتائج نهائية، فيما موضوع وضع حدّ للحرب يواجه بإصرار إسرائيلي على استكمالها حتى النهاية، وهو التوجه الذي يحظى بتفهم، إن لم يكن بدعم أميركي، وهو ما أظهرته زيارة وزير الخارجية، ماركو روبيو، الأخيرة لإسرائيل، والتصويت ضد القرار الذي طرح مؤخراً في مجلس الأمن. ومن بين المسائل التي تحتاج لتوضيحٍ طبيعة «مهمة الاستقرار» الدولية، التي يتحدث عنها إعلان نيويورك. وعلم في باريس أن عدة اجتماعات ستحصل بهذا الخصوص في نيويورك في الأيام المقبلة. وتأمل باريس أن يتيح مؤتمر الاثنين، وما يتلوه، الفرص لمناقشات واسعة، تسمح بتحقيق بعض التقدم على طريق تبدو شائكة أصلاً.


مقالات ذات صلة

مجلس الأمن يصوت السبت على قرار باستخدام القوة لحماية الملاحة في مضيق هرمز

شؤون إقليمية جلسة لمجلس الأمن في نيويورك (الأمم المتحدة)

مجلس الأمن يصوت السبت على قرار باستخدام القوة لحماية الملاحة في مضيق هرمز

يصوّت مجلس الأمن، السبت، على مشروع قرار هدفه تفويض استخدام القوة «الدفاعية» لحماية الملاحة في مضيق هرمز وتحريرها من الهجمات الإيرانية.

علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا لقاء سابق بين محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي والدبيبة في 11 فبراير الماضي (حكومة «الوحدة»)

تساؤلات ليبية حول توظيف تقرير أممي للضغط على أطراف الصراع

أثار تقرير أممي مسرّب حالة من الجدل في ليبيا دفعت عدداً من المهتمين إلى تساؤلات تتعلق بدلالة تسريبه قبل اعتماده رسمياً، وهل سيوظف أداةَ ضغطٍ لانتزاع تنازلات؟

جاكلين زاهر (القاهرة)
الخليج جاسم البديوي خلال تقديمه إحاطة رفيعة المستوى بمجلس الأمن الدولي في نيويورك الخميس (مجلس التعاون الخليجي)

رفض خليجي لرهن استقرار المنطقة للفوضى

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن دول المجلس لا تقبل التفريط في أمنها والمساس بسيادة أراضيها، أو أن يكون استقرار منطقتها رهينة للفوضى.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الخليج الأمير فيصل بن فرحان وأنطونيو غوتيريش (وزارة الخارجية السعودية)

فيصل بن فرحان وغوتيريش يستعرضان الجهود حول تطورات المنطقة

بحث وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان مع أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تطورات أوضاع المنطقة وتداعياتها، واستعرضا الجهود الدولية حيالها

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي مركبات تابعة لـ«يونيفيل» تسير على أحد الطرق الرئيسية بجنوب لبنان 27 مارس 2026 (رويترز)

باريس تندد بـ«ترهيب غير مقبول» لقوات حفظ السلام الفرنسية في لبنان

قالت وزيرة الدولة الفرنسية لشؤون الجيش أليس روفو، الأربعاء، إن قوات حفظ السلام الفرنسية العاملة في لبنان تعرّضت «لترهيب غير مقبول على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (باريس)

تكثيف استهداف إيران مع اقتراب نهاية المهلة


دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
TT

تكثيف استهداف إيران مع اقتراب نهاية المهلة


دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)

تكثّف استهداف منشآت إيران، أمس، مع اقتراب نهاية المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فيما اصطدمت خطةٌ باكستانيةٌ لوقف الحرب بتحفظ من واشنطن وطهران، بالتزامن مع إعلان إسرائيل مقتل رئيس جهاز استخبارات «الحرس الثوري» مجيد خادمي في غارة على طهران.

وشدد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض على أن المهلة التي تنتهي مساء اليوم هي «مهلة نهائية»، وقال إن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية كبيرة جداً»، وإن حرية مرور النفط عبره يجب أن تكون جزءاً من أي اتفاق مع إيران. كما رفض فرض إيران رسوماً على عبور السفن في المضيق، وطرح في المقابل فكرة أن تفرض الولايات المتحدة رسوماً على المرور. وأضاف أنه لو كان الأمر بيده «لأخذ النفط» الإيراني.‌ وقال ترمب إنه من الممكن القضاء على إيران في ليلة واحدة، «وقد تكون ليل غد»، محذراً طهران من أن عليها إبرام اتفاق بحلول مساء اليوم (الثلاثاء) وإلا ستواجه عواقب وخيمة.

ونقلت «رويترز» عن مصدر مطلع قوله إن الخطة الباكستانية تقترح وقفاً فورياً لإطلاق النار يعقبه تفاوض على اتفاق شامل خلال 15 إلى 20 يوماً، لكن البيت الأبيض قال إن ترمب لم يوافق عليها. وفي المقابل، أفادت وكالة «إيرنا» بأن إيران سلّمت باكستان رداً من عشرة بنود، رفضت فيه وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، وشددت على ضرورة إنهاء الحرب بشكل دائم.

وتركزت الضربات الإسرائيلية أمس على مطارات ومنشآت جوية وعسكرية في العاصمة، بينها مهرآباد غرب العاصمة وبهرام وآزمایش في الشرق، قبل أن تمتد إلى مواقع صناعية وبتروكيماوية في الوسط والجنوب، لا سيما في ميناء عسلوية، حيث قالت إسرائيل إنها استهدفت بنية تستخدم في إنتاج مواد مرتبطة بالصواريخ والأسلحة.


القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

رأت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، الثلاثاء، أن «الألفاظ الوقحة» التي يطلقها دونالد ترمب بشأن الحرب في الشرق الأوسط «لن يكون لها أي تأثير» على الجنود الإيرانيين، وذلك بعد تلويح الرئيس الأميركي بنسف البنى التحتية لإيران.

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

ونقل التلفزيون الرسمي عن إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم «مقر خاتم الأنبياء»، وهو غرفة العمليات المركزية للقوات المسلّحة الإيرانية، قوله إن «الألفاظ الوقحة» و«التهديدات الواهية» التي يطلقها «الرئيس الأميركي الواهم (...) لن يكون لها أي تأثير على استمرار العمليات الهجومية الساحقة» التي تشنّها القوات الإيرانية «ضد الأعداء الأميركيين والصهاينة».


حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
TT

حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات إقليمية مكثفة للتهدئة، وسط تهديدات أميركية وإيرانية متبادلة، مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الثلاثاء، وما تحمله من مسار تصعيد غير مسبوق.

تلك الجهود التي تسعى لاتفاق جزئي لوقف إطلاق النار في إيران لمدة 45 يوماً، حسب تسريبات أميركية، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تأتي في إطار «دبلوماسية الضغط التي تُمارَس تحت سقف تهديدات غير مسبوقة، على أمل أن تحرز تقدماً بتمديد مهلة ترمب أو وقف مؤقت، في ظل ما تتمتع به الوساطة الثلاثية من ثقل إقليمي ورغبة دولية لوقف هذه الحرب المستعرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي».

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

وتُجري الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، مصر وتركيا وباكستان، مناقشات حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، وفقاً لأربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات تحدثت لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، واصفة المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وأكدت «رويترز»، الاثنين، أن إيران والولايات المتحدة تلقتا مقترحاً لإنهاء الأعمال العدائية.

وفي تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، فإن الوساطة التي تقودها مصر وتركيا وباكستان «تكشف ملامح لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الردع مع ضغوط التهدئة، في محاولة لخلق مساحة زمنية لإعادة ترتيب موازين التفاوض، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز الإطار الإقليمي».

وهو يرى أن الوساطة الثلاثية لها أهمية خاصة نظراً لطبيعة الأطراف المنخرطة فيها؛ فـ«مصر تمثل ثقلاً تقليدياً في إدارة الأزمات الإقليمية، وتركيا تمتلك قنوات اتصال مركبة مع مختلف الفاعلين، في حين تضطلع باكستان بدور بالغ الحساسية في التواصل مع طهران، بما يعكس هندسة دبلوماسية متعددة المسارات... لكن عدم وجود الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي بين أطراف الصراع، يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى تسويتها».

ويرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير بالشأن الإيراني، محمد محسن أبو النور، أن المبادرة تعكس تحوّلاً مهماً في نمط إدارة الأزمة؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية إلى احتواء التصعيد عبر صيغة متعددة الأطراف وليس من خلال قنوات ثنائية تقليدية، لافتاً إلى أن المبادرة لا تستهدف فقط وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، بل تسعى إلى تأسيس ترتيبات أوسع لضبط التوتر في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية.

ووسط ترقب نتائج المسار التفاوضي، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه يوم الاثنين من رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، جهود مصر الرامية لوقف الحرب، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية تحقيقاً لهذا الهدف، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة، ورفض أي مساس بسيادتها واستقرارها ومقدرات شعوبها»، مجدداً تأكيد «موقف مصر الثابت في دعم تلك الدول العربية الشقيقة».

واعتبر عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، في منشور عبر منصة «إكس»، الاثنين، الجهود المصرية مع تركيا وباكستان «محاولات اللحظة الأخيرة لإنقاذ المنطقة من طوفان الحرب المدمرة»، لافتاً إلى أن «الساعات المقبلة حاسمة».

ويرى أبو النور أن دور مصر في مثل هذه المبادرات «يظل مرشحاً لأن يكون دوراً حاسماً، وخاصة أنها تمتلك خبرة تراكمية طويلة في إدارة قنوات الاتصال بين أطراف متنازعة، إلى جانب شبكة علاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج، مع احتفاظها بقنوات تواصل مباشرة مع إيران».

الدخان يتصاعد بعد هجمات استهدفت منطقة معشور للبتروكيماويات في محافظة الأهواز (رويترز)

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، الاثنين، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله: «ندعو إلى إنهاء الحرب ومنع تكرارها»، رافضاً وقف إطلاق النار المؤقت.

وأضاف أن أي محادثات دبلوماسية «تتعارض تماماً مع الإنذارات والتهديدات بارتكاب جرائم حرب»، في إشارة إلى تهديد ترمب بقصف البنية التحتية الإيرانية الرئيسية مساء الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الطاقة ويوم الجسور»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك ما يشبهه»، في إشارة إلى ضربات واسعة محتملة تستهدف البنية التحتية الإيرانية.

كما تحدث ترمب عن وجود مسار تفاوضي مفتوح، قائلاً في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن هناك «فرصة جيدة» للتوصل إلى اتفاق، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة.

ووسط تلك الاختلافات، يرى السفير حجازي أن الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جزئي مسألة مرتبطة ليس فقط بالإرادة السياسية، وإنما تدفع نحو منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، وخاصة أنه لا يمكن قراءة الوساطة الثلاثية إلا في إطار «دبلوماسية الضغط القسري»؛ إذ تُستخدم التهديدات العسكرية لدفع الأطراف نحو التفاوض، دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر شروط التسوية.

وتشير المعطيات حتى الآن، حسب حجازي، إلى أن المنطقة لا تزال أقرب إلى إدارة تصعيد مضبوط منها إلى الدخول في مسار تهدئة مستدامة، ما لم يحدث تحول نوعي في مواقف الأطراف خلال الساعات القليلة المقبلة.

ويرى أبو النور أن هناك «تردداً إيرانياً محسوباً»، ربما بهدف اختبار جدية الضمانات المقدمة، أو تحسين شروط التفاوض، مقابل حذر تكتيكي أميركي، خصوصاً في ظل عدم وضوح ما إذا كانت المبادرة ستُترجم إلى مكاسب استراتيجية، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تمنح إيران مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويمكن القول، بحسب أبو النور، إن نجاح المبادرة مرهون بقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات أمنية وسياسية مقنعة للطرفين، «وإلا فسيظل الطرفان مستمرين في إدارة الصراع ضمن حدود التصعيد الحالية، بدلاً من الانتقال إلى مسار تسوية حقيقية في هذه المرحلة».