هل تُستأنف المحادثات الإيرانية - الأميركية قبل تفعيل آلية «سناب باك»؟

باحثون لـ«لشرق الأوسط»: العروض الإيرانية فارغة والمجتمع الدولي محق بالتشكيك

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية 6 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية 6 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
TT

هل تُستأنف المحادثات الإيرانية - الأميركية قبل تفعيل آلية «سناب باك»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية 6 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في المكتب البيضاوي بينما وضع أمامه مجسماً من قاذفات «بي 2» التي قصفت منشآت إيران النووية 6 أغسطس الماضي (أ.ف.ب)

حتى الآن لا تبدو أن مواقف طهران وواشنطن والدول المعنية بملف إيران النووي، توحي بإمكانية استئناف المفاوضات سريعاً، في ظلّ التصعيد الأخير، بعدما فعّلت «الترويكا الأوروبية» (فرنسا، بريطانيا، ألمانيا) آلية «سناب باك» بضغط أميركي. وهو ما طرح سؤالاً عمّا إذا كانت واشنطن ستعود إلى طاولة المفاوضات مع إيران قبل بدء تنفيذ هذه الآلية الشهر المقبل، أم أن الأمور تتجه نحو مواجهة أكبر؟

حتى الآن لا تزال إيران ترد على التهديد بإعادة العقوبات الأممية، بعرض محدود: العودة إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 3.67 في المائة، وسط امتناعها من دخول المفتشين الدوليين إلى المنشآت النووية التي تعرَّضت لقصف أميركي - إسرائيلي. وتصرّ طهران على اتهام واشنطن بعدم الجدية في المفاوضات، عادَّة أن الضغوط الحالية مجرد محاولة «غير قانونية» لإخضاعها.

عرض إيراني «فارغ» أم مناورة تفاوضية؟

يرى بعض المحللين أن العرض الإيراني لا يُمثل تحولاً جوهرياً. ويقول فرزين نديمي، كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى: «في الأساس لا يعني هذا أي شيء ويُظهر مدى ابتعاد قادة السياسة الخارجية الإيرانية من الواقع». ويضيف في حديث مع «الشرق الأوسط»، قد يعني هذا أن إيران تريد العودة إلى الاتفاق النووي، أي ما يسمى رسمياً «خطة العمل الشاملة المشتركة»، مقابل الاعتراف بحقها في التخصيب على أراضيها. غير أن العالم قد تجاوز تلك المرحلة، وإيران نفسها قالت مراراً وتكراراً إنه لا عودة إلى الاتفاق النووي.

أفراد من «الحرس الثوري» الإيراني يقفون أمام صاروخ «شهاب - 3» المعروض خلال تجمع في طهران 29 أبريل 2022 (أ.ب)

من ناحيته، يقول باراك بارفي، الباحث في مؤسسة «نيو أميركا» في واشنطن، هذا عرضٌ لافتٌ للنظر، في ضوء موقف طهران المُتمادي طوال الحرب، والذي يرى أن التخصيب حقٌّ طبيعيٌّ لا يُمكن للآخرين حرمان إيران منه. وأضاف بارفي في حديث مع «الشرق الأوسط» قائلاً، ومع ذلك، وبالنظر إلى ازدواجية النظام ومماطلته، فإنّ المجتمع الدولي مُحق في التشكيك بقدرة النظام الآن على إجراء عمليات تفتيش شفافة، بعد أن رفض ذلك لفترة طويلة. وقال إن إيران ولعقود، شيّدت مواقع سرية خارج نطاق الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بينما أخفت كاميراتٍ تُوثّق منشآت حساسة بشكل غامض.

كما أن عرضها الأخير لا يتحدث عن الـ400 كيلوغرام من اليورانيوم المُخصّب، والتي يُمكن استخدامها على عجل لصنع قنبلة نووية في فترة زمنية قصيرة، عاداً إياه عرضاً يُوحي بنوع من التعتيم من قِبل نظام لم يكن يوماً مستعداً للالتزام بالقواعد.

واشنطن و«الترويكا الأوروبية»

خطوة «الترويكا الأوروبية» بتفعيل آلية «سناب باك» تُعد تحولاً مهماً، لكنها ليست بلا جدل. فإيران تعدّ أن هذه الدول لم تكمل آلية تسوية النزاعات المنصوص عليها في الاتفاق النووي، وبالتالي فإن تفعيل الآلية «غير قانوني ومسيس»، وجاء استجابة «لإملاءات أميركية وإسرائيلية»، على حد قول الخارجية الإيرانية.

غير أن إيران تلقّت دعماً واضحاً من روسيا والصين، اللتين وصفتا الخطوة الأوروبية بأنها «معيبة قانونياً وإجرائياً»؛ ما يعكس انقساماً دولياً بشأن مشروعية هذا المسار، ويحدّ من فاعليته المحتملة.

إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورغم إبقائها خيار التفاوض مفتوحاً، لكنها في الوقت نفسه تواصل سياسة أقصى درجات الضغط عبر فرض عقوبات جديدة، وتدفع حلفاءها إلى ممارسة السياسة نفسها. وهو ما يقود إلى الاستنتاج بأن واشنطن ليست في عجلة للعودة السريعة إلى طاولة المفاوضات النووية، ما لم تستأنف طهران التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وقبولها بالشروط الأميركية، بما فيها برنامجها الصاروخي ودورها الإقليمي؛ وهو ما دفع إيران إلى اتهامها بـ«التحدث فقط عن المفاوضات دون الحضور إليها»، كما قال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني. مضيفاً أن «طرح قضايا مثل القيود الصاروخية هو محاولة لإغلاق باب التفاوض قبل أن يُفتح».

خطر انفجار إقليمي

التوترات لا تقف عند حدود الدبلوماسية. فمع هجوم إسرائيل على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو (حزيران) الماضي، وتراكم أكثر من 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، يصبح الحديث عن احتمالية تجدد المواجهة العسكرية أكثر واقعية، في حال فشل التفاوض.

وفي ظل تعثر الوكالة الذرية التابعة للأمم المتحدة في استئناف عمليات التفتيش، وسحب مفتشيها بسبب الأوضاع الأمنية، تزداد احتمالات تحرك إسرائيلي جديد ضد إيران، قد يمتد إلى لبنان واليمن والعراق.

من جانبها، أعربت الوكالة الذرية عن قلق بالغ من تعليق إيران للتعاون، وغياب عمليات التفتيش منذ أكثر من شهرين ونصف شهر. وشدد المدير العام رافائيل غروسي على أن الوقت ينفد، وأن استئناف عمليات الرقابة يجب أن يتم «دون تأخير».

المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي يتحدث خلال مؤتمر صحافي لدى وصوله من زيارة إلى طهران 7 مايو 2024 (أ.ب)

وقد أظهر التقرير الأخير للوكالة أن مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب يكفي نظرياً لإنتاج ما لا يقل عن 10 قنابل نووية، إذا تم رفع نسبة التخصيب إلى 90 في المائة. وهذا ما يزيد من حدة المخاوف الدولية، ويدفع بعض الدول إلى تفضيل خيار الضغوط القصوى أو العمل العسكري المحدود.

حتى الآن تبدو العودة إلى طاولة المفاوضات مرهونة بتنازلات متبادلة لم تتضح معالمها بعد. إيران تُناور دون أن تقدم ضمانات حقيقية، وأميركا تلوّح بالعقوبات دون رغبة واضحة في تصعيد نهائي، بينما تقف أوروبا في المنتصف، تمارس الضغط، لكنها تدرك محدودية خياراتها، وتبقى الحرب خياراً مطروحاً.

في هذه المرحلة، الخيار ليس بين «الحل» أو «المواجهة»، بل بين إدارة الأزمة أو انفجارها. وكلما تأخرت العودة إلى الحوار، اقتربنا أكثر من السيناريو الأسوأ.

ويقول نديمي، عليهم أن يشرحوا ما سيحدث لمخزونات اليورانيوم عالي التخصيب الحالية، وأي سلاسل متبقية من أجهزة الطرد المركزي المتقدمة، وكيف ستتم استعادة الرقابة الكاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية ووقت الاختراق الطويل.

وأوضح: «إنهم يريدون فقط العودة إلى «الأيام الخوالي» عندما كان بإمكانهم التخصيب وتوسيع نفوذهم الإقليمي وقوتهم الصاروخية في الوقت نفسه». وأضاف: «نحن نعيش في وقت مختلف وكلما أدرك القادة الإيرانيون ذلك كان ذلك أفضل لإيران وللعالم».


مقالات ذات صلة

إيران تسجن نائباً متشدداً على خلفية مقال انتقد فيه رئيس البرلمان

شؤون إقليمية رجال إيرانيون يمرون بجوار صواريخ معروضة بجانب صورة كبيرة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي في ساحة بهارستان في طهران يوم 28 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

إيران تسجن نائباً متشدداً على خلفية مقال انتقد فيه رئيس البرلمان

ذكرت وكالة «إرنا» الإيرانية أن رجل الدين المحافظ النافذ النائب بالبرلمان حميد رسائي الذي ينتمي إلى التيار المتشدد في البرلمان الإيراني قد صدر بحقه حكم بالسجن.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية مسافرة إيرانية تحمل أمتعتها تغادر مطار النجف الدولي في النجف بالعراق يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

أميركا تدرس إعفاءً من العقوبات للرحلات الجوية بين إيران والنجف

تدرس إدارة ترمب منح إعفاء محدود من برنامج العقوبات المفروضة على إيران، وذلك للسماح بتسيير رحلات جوية للمسلمين الشيعة من أجل الزيارات الدينية بين إيران والعراق.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية متظاهرون يرفعون صورة نسرين ستوده خلال وقفة احتجاجية في باريس (أ.ف.ب)

المحامية الإيرانية نسرين ستوده تفوز بجائزة حقوق الإنسان من مجلس أوروبا

أعلن مجلس أوروبا، اليوم الاثنين، منح جائزة فاتسلاف هافيل المرموقة لحقوق الإنسان للمحامية الحقوقية الإيرانية البارزة نسرين ستوده.

«الشرق الأوسط» (ستراسبورغ)
شؤون إقليمية صواريخ إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران الأحد (رويترز)

خامنئي: هناك من يعدّنا «رابع قوة عظمى»

نفى مصدر إيراني أن تكون جولة جديدة من المفاوضات مع الولايات المتحدة مدرجة على جدول أعمال الوفد الإيراني في نيويورك، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد إلى الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند الأحد (أ.ب) p-circle

ترمب يتوقع جولة محادثات جديدة مع إيران هذا الأسبوع

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يتوقع إجراء جولة جديدة من المحادثات مع إيران هذا الأسبوع غداة رفضه المقترح الإيراني الذي يربط إعادة فتح مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)

إيران تسجن نائباً متشدداً على خلفية مقال انتقد فيه رئيس البرلمان

رجال إيرانيون يمرون بجوار صواريخ معروضة بجانب صورة كبيرة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي في ساحة بهارستان في طهران يوم 28 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
رجال إيرانيون يمرون بجوار صواريخ معروضة بجانب صورة كبيرة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي في ساحة بهارستان في طهران يوم 28 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

إيران تسجن نائباً متشدداً على خلفية مقال انتقد فيه رئيس البرلمان

رجال إيرانيون يمرون بجوار صواريخ معروضة بجانب صورة كبيرة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي في ساحة بهارستان في طهران يوم 28 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
رجال إيرانيون يمرون بجوار صواريخ معروضة بجانب صورة كبيرة للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي في ساحة بهارستان في طهران يوم 28 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

ذكرت وكالة «إرنا» الإيرانية، أن رجل الدين المحافظ النافذ النائب بالبرلمان حميد رسائي، الذي ينتمي إلى التيار المتشدد في البرلمان الإيراني، قد صدر بحقه حكم بالسجن.

ووفقاً لوكالة «إرنا»، جرى نقل رسائي أمس الأحد إلى قسم خاص برجال الدين في سجن إيفين، سيء السمعة بالعاصمة طهران، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وأفاد موقع «ميزان» الإخباري التابع للسلطة القضائية الإيرانية، اليوم (الاثنين)، بأن رسائي حُكم عليه بالسجن لمدة 10 أشهر.

وتعود قضية رسائي إلى مقال نشر في أوائل عام 2024 في صحيفة أسبوعية محافظة يرأس تحريرها.

ووفقاً للإعلام الإيراني، تمحور المقال، الذي حمل عنوان «تلاعب قاليباف بالوثائق البرلمانية!»، حول اتهامات تفيد بأن رئيس البرلمان النافذ محمد باقر قاليباف قام بالتلاعب بالقرارات.


أميركا تدرس إعفاءً من العقوبات للرحلات الجوية بين إيران والنجف

مسافرة إيرانية تحمل أمتعتها تغادر مطار النجف الدولي في النجف بالعراق يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
مسافرة إيرانية تحمل أمتعتها تغادر مطار النجف الدولي في النجف بالعراق يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

أميركا تدرس إعفاءً من العقوبات للرحلات الجوية بين إيران والنجف

مسافرة إيرانية تحمل أمتعتها تغادر مطار النجف الدولي في النجف بالعراق يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)
مسافرة إيرانية تحمل أمتعتها تغادر مطار النجف الدولي في النجف بالعراق يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

قال مصدر مطلع إن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدرس منح إعفاء محدود من برنامج العقوبات المفروضة على إيران، وذلك للسماح بتسيير رحلات جوية للمسلمين الشيعة من أجل الزيارات الدينية بين إيران والعراق، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف المصدر، الذي يشارك في المداولات، أن الإعفاء من جانب وزارة الخزانة الأميركية سيسمح للخطوط الجوية العراقية بتسيير رحلات من مدينة النجف العراقية وإليها لمدة شهر واحد، مع احتمال إقرار إعفاء أطول في وقت لاحق.


المحامية الإيرانية نسرين ستوده تفوز بجائزة حقوق الإنسان من مجلس أوروبا

متظاهرون يرفعون صورة نسرين ستوده خلال وقفة احتجاجية في باريس (أ.ف.ب)
متظاهرون يرفعون صورة نسرين ستوده خلال وقفة احتجاجية في باريس (أ.ف.ب)
TT

المحامية الإيرانية نسرين ستوده تفوز بجائزة حقوق الإنسان من مجلس أوروبا

متظاهرون يرفعون صورة نسرين ستوده خلال وقفة احتجاجية في باريس (أ.ف.ب)
متظاهرون يرفعون صورة نسرين ستوده خلال وقفة احتجاجية في باريس (أ.ف.ب)

أعلن مجلس أوروبا اليوم الاثنين منح جائزة فاتسلاف هافيل المرموقة لحقوق الإنسان للمحامية الحقوقية الإيرانية البارزة نسرين ستوده.

وقالت ستوده، في كلمة بالفيديو، كونها لم تتمكن من حضور حفل توزيع الجوائز في ستراسبورغ شخصياً: «يوماً ما، ستشرق شمس الحرية على بلادنا أيضاً».

وأوقفت ستوده في أبريل (نيسان) الماضي، ثم أُطلق سراحها بكفالة في مايو (أيار) وتسلمت ابنتها الجائزة نيابة عنها.

وتعد ستوده (63 عاماً) من أكثر المحامين تأثيراً في إيران. ووفقاً لمجلس أوروبا، فقد مثّلت نشطاء وعاملين في مجال الإعلام وأقليات وأطفال كانوا يواجهون الإعدام، وقامت بحملات ضد قوانين الحجاب الإلزامية وعقوبة الإعدام.

وقد تعرضت ستوده للسجن عدة مرات في السنوات الأخيرة وأمضت سنوات خلف القضبان. وفي عام 2020، حصلت أيضاً على جائزة نوبل البديلة.