«أسوأ ليالي الكابينت»... هكذا أحبط نتنياهو حلفاءه وتلاعب بـ«حماس»

عندما تباهى رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه يعمل على أرض الواقع منذ ربع قرن على منع قيام الدولة الفلسطينية لم يصدقه المستوطنون

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس 13 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس 13 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
TT

«أسوأ ليالي الكابينت»... هكذا أحبط نتنياهو حلفاءه وتلاعب بـ«حماس»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس 13 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في القدس 13 أغسطس الحالي (أ.ف.ب)

حتى الوزراء الموالون في حكومته لم يحتملوا المشهد وشعروا بالإهانة، وأدلوا بتصريحات تكشف عن إحباط وتذمر شديدين؛ لكنَّ هذا لم يمنع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من الظهور والتباهي بأنه القائد الأول الذي تفوَّه وعمل بشكل حقيقي على منع إقامة دولة فلسطينية بين رؤساء حكومات إسرائيل.

«رئيس الحكومة الوحيد، أجل الوحيد»، قالها مرتين، وراح قادة المستوطنين الحاضرين يتغامزون من وراء ظهره، إلى درجة جعلت أحد وزراء الكابينت يقول إن «هذه أسوأ ليلة مرت عليه في تاريخ حياته، وهي من المرات النادرة التي يتفوه بها وزير بهذا الشكل على (معبود اليمين)».

هكذا يدير نتنياهو الأمور

وقصة اجتماع الكابينت (المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية في الحكومة الإسرائيلية)، هي نموذج مصغر، يبين كيف تدار الأمور اليوم في الدولة العبرية، وكيف يدير نتنياهو دفة الأمور فيها. وهذه هي القصة:

في البداية تلقى أعضاء الكابينت دعوة لحضور جلسة تُعقد في السادسة من مساء الثلاثاء، وكالعادة، من دون تحديد زمني لطول الاجتماع.

نتنياهو يرأس اجتماع المجلس الوزاري الإسرائيلي المصغر (الكابينت)... (أرشيفية - د.ب.أ)

راح هؤلاء يستمعون إلى تسريبات النبأ من مكتب رئيس الوزراء، التي تقول إنه «سيقرر رفض مقترح اتفاق الصفقة الذي وافقت عليه (حماس) وإقرار خطة احتلال مدينة غزة.

ثم قيل في تسريب آخر، إنه سيقترح على الوزراء إصدار موقف موحد يؤيد الصفقة الشاملة ويهدد بالحرب إذا لم تستسلم «حماس»، وفي إفادة أخرى تم الإيحاء بأن الجلسة ستتحول إلى حلبة ملاكمة بينه وبين رئيس أركان الجيش، إيال زامير.

لكن بعض المتفائلين توقعوا أن يفاجئ نتنياهو ويجلب اقتراحاً لدمج خطة الصفقة الشاملة مع الصفقة المؤقتة، ولكن من دون التخلي عن مخطط احتلال غزة. وهكذا، زادت وطفحت التوقعات إزاء الاجتماع وانشغل فيه العالم برمته.

تغيير مفاجئ

وفجأة، في صبيحة الثلاثاء، تلقوا دعوة أخرى لاجتماع الكابينت نفسه، تم فيها تبكير الموعد من السادسة مساءً إلى الرابعة بعد الظهر، مع تحديد مدته رسمياً بساعتين ونصف الساعة. وتم محو بنود البحث.

وقد حضر 6 وزراء فقط (من مجموع 12)، وتبين أن ثلاثة من المتغيبين مسافرون إلى الخارج (إيتمار بن غفير في جورجيا، وجدعون ساعر وميري ريجف في الولايات المتحدة) والباقون لا يعرف سبب تغيبهم.

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر (د.ب.أ)

فوجئ الحضور بأن ديوان رئيس الوزراء فرش مائدة من مختلف تشكيلات الأطعمة، وحرص على تعديلها طيلة مدة الاجتماع، مما جعل الوزراء يُكثرون من مغادرة الغرفة ثم عادوا وهم يملأون أيديهم بالأطعمة ويمضغون بعضها بتلذذ.

وقد ألقى نتنياهو فيهم خطاباً نارياً عن رفضه التوجه إلى صفقة مؤقتة أو مرحلية وإصراره على صفقة شاملة.

انتقاد رمزي لترمب

وحسب القناتين 11 و12، فإن نتنياهو وجَّه «انتقادات رمزية» للرئيس الأميركي، «الصديق الشخصي والحليف الأكبر في التاريخ»، دونالد ترمب خلال كلمته، على خلفية تكراره التصريح بأن هناك أقل من 20 أسيراً إسرائيلياً على قيد الحياة في قطاع غزة، وقال نتنياهو: «هذا ليس ما نعرفه نحن؛ لا أعرف لماذا يقول ترمب ذلك».

متظاهر يرفع لافتة عليها صورة الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مظاهرة في تل أبيب الثلاثاء (رويترز)

ثم انتقل للحديث عن خطة احتلال غزة «التي قمت بإعدادها»، مما أثار امتعاض رؤساء الأجهزة الأمنية، فهم الذين وضعوا هذه الخطة وما فعله نتنياهو هو المصادقة عليها. ثم فتح المجال للنقاش، وبدا أنه المتكلمين من الوزراء والعسكريين والموظفين الكبار لم يكونوا مسموعين، من كثرة الضجيج والملل. خرجوا عدة مرات وتناولوا الطعام والحلويات وشربوا القهوة.

استخدام في حرب نفسية

اختُتمت الجلسة بعد ساعتين ونصف الساعة، فخرج الوزراء بشعور أن هذا الاجتماع كان زائداً، استخدمهم فيه نتنياهو ضمن الحرب النفسية على «حماس»، لكنه تسبب في تمزيق أعصاب عائلات المحتجزين، الذين توقعوا البت في موضوع المفاوضات.

فقال أحد الوزراء، حسب القناة 11: «اجتماع تافه وسخيف»، وقال آخر: «اجتماع جاف»، وقال ثالث: «بتنا مسرحاً ساخراً».

متظاهرون يتجمعون رافعين لافتات خلال مظاهرة نظّمتها عائلات الرهائن الإسرائيليين المحتجزين في قطاع غزة (أ.ف.ب)

وتبين أن تقصير الجلسة وتبكير موعدها، جاء بإيعاز من نتنياهو، ليتسنى له ولوزرائه المشاركة في حفل عشاء أقامه قادة المستوطنين في الضفة الغربية بمناسبة مرور 50 عاماً على إقامة مستوطنات بنيامين، التي أُقيمت في عدة مناطق شرقي رام الله بغرض عرقلة إمكانية إقامة دولة فلسطينية، واحتفاءً بمصادقة الحكومة في الشهور الأخيرة على منح الشرعية القانونية لـ17 بؤرة استيطانية عشوائية.

أُقيم الاحتفال في مطعم قريب من ديوان رئاسة الوزراء في القدس الغربية، كان عبارة عن بيت عربي قديم صادرته إسرائيل، وقامت بترميمه وتحديثه وتحويله إلى مطعم ومركز ثقافي. وهو يدعى «مشكنوت شأننيم»، التي تعني «المسكن الهادئ المريح الخالي من القلق».

عودة إلى التفاخر

وخلال العشاء الاحتفالي، عاد نتنياهو إلى التفاخر: «قلت إننا سنبني ونتمسك بأجزاء أرضنا، وطننا، ونحن نفعل ذلك. هذا ليس النهاية، بل مجرد البداية». وأضاف: «قبل 25 عاماً وعدت بأننا سنمنع إقامة دولة فلسطينية، ونحن نفي بذلك الوعد معاً»، مشدداً على أن «تعزيز الاستيطان يقوّي أمن إسرائيل».

وراح هو ووزير دفاعه، يسرائيل كاتس، يسخران من الوزير السابق بيني غانتس، الذي عبَّر عن رغبته في الانضمام إلى الحكومة.

وتزامن الاجتماع مع احتجاجات واسعة في إسرائيل انطلقت صباح الثلاثاء، في مناطق متفرقة لمطالبة الحكومة بإبرام صفقة تبادل أسرى ووقف الحرب، وامتدت الاحتجاجات على مختلف أنحاء البلاد وبدأت بمظاهرة في الساعة 6:29 صباحاً أمام السفارة الأميركية في تل أبيب، وارتفعت فيها شعارات باللغة الإنجليزية تعبر عن خيبة الأمل من دعم ترمب لنتنياهو وامتناعه عن ممارسة ضغط عليه ليوقف الحرب ويعيد المخطوفين.

وعندما نما إلى علم المتظاهرين أن نتنياهو يتناول طعام العشاء الاحتفالي هرعوا إلى المطعم وتظاهروا أمامه. وردد المتظاهرون خلال احتجاجهم: «المخطوفون يتضورون جوعاً وأنتم تحتفلون وتبتلعون الطعام الفاخر».

تغامُز على نفاق المستوطنين

ورأى المعلقون هذا الحدث نموذجاً يعبّر عن واقع الحكومة، المنسلخة عن الجمهور وعن هموم المواطنين، والتي تخلت عن المخطوفين ولا همَّ عندها سوى نفاق المستوطنين. وأكدت «هآرتس» أن قادة المستوطنين كانوا يبتسمون ويتغامزون على كلمة نتنياهو، خصوصاً وهو يقول إنه يعمل على منع الدولة الفلسطينية منذ 25 عاماً، مع أنه كان قد صوَّت سنة 2005 على الانسحاب من غزة وإزالة مستوطناتها، وأعلن في سنة 2009 تأييده حل الدولتين. وراحوا يُحذرون من هذا النفاق للمستوطنين المتطرفين.

متظاهر إسرائيلي يشارك في احتجاج ضد حكومة نتنياهو بتل أبيب مساء السبت الماضي (أ.ب)

يُذكر أن رئيس المعارضة، يائير لبيد، شن هجوماً حاداً على الحكومة في أعقاب الجلسة، قائلاً: «هذا الكابينت اجتمع اليوم ولم يناقش الوزراء حتى صفقة الأسرى. إنها وصمة عار أخلاقية إضافية على حكومة السابع من أكتوبر (تشرين الأول). أقول بشكل قاطع للجمهور الإسرائيلي إن هناك صفقة مطروحة على الطاولة، يمكن أن تعيد الأسرى إلى بيوتهم وتنهي الحرب».

وقال أمنون أبرموفتش، المعلق في القناة 12: «كان اجتماع الكابينت والعشاء الاحتفالي الذي تلاه حفل خداع وأكاذيب ودواوين (قالها بالعربية)، ولولا أنها ستكلفنا ثمناً باهظاً بأرواح الجنود المحاربين والمخطوفين البائسين، لكنّا ضحكنا ساخرين. وعلينا الآن أن نبكي حظنا، فنحن الشعب صرنا خرقة غير محترمة، في نظر نتنياهو ووزرائه».


مقالات ذات صلة

ترمب: نفط فنزويلا يُنقل الآن إلى الولايات المتحدة

الولايات المتحدة​ نفط فنزويلا ينقل الآن إلى الولايات المتحدة (أ.ب)

ترمب: نفط فنزويلا يُنقل الآن إلى الولايات المتحدة

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن «نفط فنزويلا يُنقل الآن إلى الولايات المتحدة»، كاشفاً أنه لم يكن «بحاجة لاستشارة أحد للاستحواذ على نفط فنزويلا».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو بعيد تسليمها ميدالية جائزة نوبل للسلام له خلال اجتماعهما في واشنطن يوم 15 يناير (البيت الأبيض) play-circle

لجنة «نوبل» تشدد على أن حيازة الميدالية لا تعني الفوز بالجائزة

قالت لجنة «نوبل» إن جائزة نوبل للسلام لا يمكن فصلها عن الفائز بها، وذلك غداة إهداء الفائزة بها لهذا العام ميداليتها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
شؤون إقليمية إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

هدوء حذر في إيران وسط أجواء أمنية «فائقة»

تواجه إيران تشديداً أمنياً واسعاً بعد حملة اعتقالات وانتشار مكثف للقوات بطهران ومدن أخرى، في حين تراجعت الاحتجاجات إلى حد كبير بفعل القبضة الأمنية.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
تحليل إخباري عناصر «أيس» استخدموا الغاز المسيل للدموع في موقع إطلاق نار شمالي مينيابولس يوم 14 يناير (د.ب.أ)

تحليل إخباري ترمب يُهدّد مينيسوتا بإعلان «قانون التمرد»

تشهد ولاية مينيسوتا مواجهات عنيفة ومتواصلة بين عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية ومحتجّين، ما دفع الرئيس الأميركي إلى التهديد باللجوء إلى «قانون التمرد».

رنا أبتر (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب وبجواره ملصق يُظهر بطاقة ترمب الذهبية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 19 سبتمبر 2025 (أ.ب)

عام على ولاية ترمب: أنا وأميركا أولاً

تشهد الولايات المتحدة منذ عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض قبل نحو عام فورة من القرارات والخطوات تخالف تقاليد الحياة السياسيّة وتتحدّى الهيئات الدستورية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

تحرك روسي لكبح التوتر الإيراني ــ الإسرائيلي

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

كثفت موسكو تحركاتها الدبلوماسية لخفض التوتر الإيراني – الإسرائيلي، بالتوازي مع تراجع المخاوف من تصعيد أميركي وشيك، وفي وقت صعَّدت السلطات الإيرانية الإجراءات الأمنية المشددة لمنع تجدد الاحتجاجات.

وأعلن الكرملين، أمس، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أجرى اتصالين هاتفيين منفصلين مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، عارضاً مواصلة دور الوساطة وتكثيف الجهود السياسية والدبلوماسية لمنع انزلاق الأوضاع إلى مواجهة مباشرة.

جاء ذلك في وقت وصل مدير جهاز الموساد الإسرائيلي ديفيد برنياع إلى واشنطن لإجراء محادثات مع المبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف.

وشكر ترمب، الجمعة، الحكومة الإيرانية لإلغائها «كل عمليات الإعدام الـ800 المقررة الأربعاء» بحق متظاهرين.

وقال البيت الأبيض إن التحذيرات لطهران لا تزال قائمة، في حين يواصل الجيش الأميركي تعزيز جاهزيته في المنطقة تحسباً لأي تطور. وأفاد موقع «أكسيوس» عن مسؤولين إسرائيليين بأنهم يتوقعون ضربة عسكرية أميركية لإيران خلال أيام رغم إعلان تأجيلها.

ويأتي هذا في حين خفّت حدّة القلق من ضربة أميركية بعد تصريحات للرئيس ترمب أفادت بتراجع عمليات القتل المرتبطة بقمع الاحتجاجات، مع تأكيد البيت الأبيض في الوقت نفسه إبقاء «كل الخيارات على الطاولة»؛ ما أبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متباينة بين خفض التصعيد واستمرار الضغوط.


ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
TT

ما هو الوضع الراهن للمنشآت النووية الرئيسية بإيران؟

مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)
مفتش من «الطاقة الذرية» يركّب كاميرات للمراقبة بمنشأة «نطنز» في أغسطس 2005 (أ.ب)

انحسرت المخاوف الإقليمية من هجوم أميركي على إيران، بعد أن قال الرئيس دونالد ترمب إن طهران أكدت له أن المحتجين لن يتم إعدامهم، وبالرغم من ذلك قال البيت الأبيض إنه يبقي «جميع خياراته على الطاولة».

ونفّذت إسرائيل والولايات المتحدة آخر الهجمات الكبيرة على إيران في يونيو (حزيران) الماضي، واستهدفت بشكل أساسي المنشآت النووية الرئيسية.

ما هي المواقع النووية التي ​قصفت؟

تعرضت 3 محطات إيرانية لتخصيب اليورانيوم للقصف، محطتان في نطنز، وثالثة داخل جبل في فوردو، إضافة إلى مجمع واسع في أصفهان يضم منشآت مرتبطة بدورة الوقود النووي، ومنطقة تحت الأرض يقول دبلوماسيون إن جزءاً كبيراً من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب كان مخزناً فيها.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهر حُفَراً في منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم عقب الضربات الأميركية (أرشيفية - رويترز)

ما حجم الضرر الذي وقع؟

لم يسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي كانت تجري عمليات تفتيش منتظمة على المنشآت النووية قبل الهجوم، بما في ذلك نطنز وفوردو، بالوصول إلى تلك المواقع منذ قصفها.

مدخل منشأة فوردو في ضواحي مدينة قم (أرشيفية - أرنا)

وأجرت الوكالة عمليات تفتيش في منشآت أخرى لم تتضرر، لكن الحالة الدقيقة للمواقع التي تعرضت للقصف تبقى غير معروفة.

وفي تقريرها الفصلي عن إيران، الصادر في نوفمبر (تشرين الثاني)، قالت الوكالة إن 7 منشآت نووية معروفة «تأثرت بالهجمات العسكرية»، بينما لم تتأثر 13 منشأة أخرى. ولم توضح هذه التقارير حجم الأضرار التي لحقت بالمواقع المتضررة.

وبعد ‌القصف، قالت الوكالة ‌الدولية للطاقة الذرية إن أصغر محطات التخصيب الثلاث، وهي محطة التخصيب التجريبية للوقود في ‌نطنز الواقعة فوق ​الأرض، دمرت.

ورجحت ‌الوكالة أن تكون المنشآت الأكبر تحت الأرض في نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار بالغة على الأقل.

أما حجم الانتكاسة التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني فهو محل جدل. وبينما أكد ترمب مراراً أن المنشآت النووية الإيرانية دمرت، قال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، في يونيو، إن إيران قد تستأنف تخصيب اليورانيوم على نطاق محدود خلال أشهر.

أجهزة طرد مركزي في صالة لتخصيب اليورانيوم بمنشأة «نطنز» قبل تعرضها لهجوم أميركي يونيو 2025 (المنظمة الذرية الإيرانية)

ماذا حدث لليورانيوم الإيراني المخصب؟

مصير اليورانيوم المخصب ليس واضحاً تماماً. فبعضه دمر في الغارات الجوية، لكن إيران لم تقدم بعد تقريراً إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ما حدث لمنشآتها التي تعرضت للقصف، ومخزون اليورانيوم المخصب، وذلك بالرغم من تأكيد الوكالة على أن ذلك أمر عاجل وتأخر. ولا يمكن للوكالة الدولية للطاقة الذرية التحقق من ذلك إلا عندما تقدم إيران التقرير.

وقال غروسي، لوكالة «رويترز»، في سبتمبر (أيلول): «أعتقد أن هناك فهماً عاماً بأن المواد لا تزال موجودة بشكل عام. ولكن، بالطبع، يجب التحقق منها. وقد يكون ‌البعض منها قد فقد». ويقول دبلوماسيون إن الوضع لم يتغير كثيراً على ما يبدو منذ ذلك الحين.

وأضاف غروسي: «ليست لدينا مؤشرات تقودنا إلى الاعتقاد بحدوث نقل كبير للمواد».

صورة أرشيفية لمركز «نطنز» للأبحاث النووية الإيرانية على بُعد 270 كيلومتراً جنوب طهران (أ.ف.ب)

وكانت إيران تخصب اليورانيوم بدرجة نقاء تصل إلى 60 في المائة قبل وقوع الضربات. ويمكن بسهولة رفع نقاء هذا اليورانيوم إلى نحو 90 في المائة تقريباً، وهي الدرجة المطلوبة لصنع الأسلحة النووية.

وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كان لديها 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصب إلى هذا المستوى عندما بدأ القصف. ويكفي هذا نظرياً، وفقاً لمقياس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لصنع 10 أسلحة نووية، في حالة رفع درجة النقاء بشكل أكبر. ولدى إيران أيضاً يورانيوم مخصب بمستويات أقل.

ولا تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن مكان تخزين إيران لتلك المواد. ​ويقول دبلوماسيون إن إحدى منشآت التخزين الرئيسية تحت الأرض في أصفهان يبدو أنها لم تتضرر، باستثناء قصف مدخل النفق المؤدي إليها.

مفتش من «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» يجري فحصاً داخل محطة «نطنز» النووية يوم 20 يناير 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

ما هي المخاوف المتبقية؟

كان أحد الأسباب التي قدّمتها الولايات المتحدة وإسرائيل لتبرير القصف هو أن إيران كانت تقترب كثيراً من القدرة على إنتاج سلاح نووي. وإذا جرى تخصيب اليورانيوم إلى درجة تسمح بصنع أسلحة، يمكن استخدام اليورانيوم لصنع نواة قنبلة نووية. كما يمكن استخدامه لتغذية محطات الطاقة النووية بمستويات تخصيب مختلفة.

وتقول القوى الغربية إنه لا يوجد مبرر مدني معقول لتخصيب إيران لليورانيوم إلى هذا المستوى الانشطاري العالي. وقالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إن ذلك يثير قلقاً بالغاً. ولم تقدم أي دولة أخرى على ذلك دون أن تتجه لإنتاج أسلحة نووية في نهاية المطاف.

وفي الوقت نفسه، وقبل الهجمات، قالت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إنها ليس لديها أي مؤشر موثوق على وجود برنامج منسق لامتلاك أسلحة نووية في إيران، وكان هناك كثير من الجدل حول المدة التي ستستغرقها إيران لتطوير قنبلة نووية إذا قررت الاتجاه لذلك.

وتنفي طهران سعيها لامتلاك أسلحة نووية. وبصفتها طرفاً في معاهدة حظر الانتشار النووي، يحقّ لها تخصيب اليورانيوم لأغراض إنتاج الطاقة والأبحاث، ما دامت لا توجه هذه العملية نحو تطوير سلاح نووي.

منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم كما تبدو من الداخل في وسط محافظة أصفهان (رويترز)

وتمتلك إيران عدداً غير معروف من أجهزة الطرد المركزي، وهي الآلات التي يمكنها تخصيب اليورانيوم، مخزنة في مواقع غير معروفة. ولأن حجم مخزونها من اليورانيوم المخصب غير معروف الآن، فهناك خطر من أن ‌تتمكن إيران من دمج الاثنين معاً سرّاً وإنتاج يورانيوم من الدرجة التي يمكن استخدامها في صنع الأسلحة، في انتهاك لالتزاماتها بموجب معاهدة منع الانتشار النووي.

وفي الوقت الحالي، يبدو من المرجح أن عملية البحث عن مخزون إيران من اليورانيوم المخصب ستستمر لبعض الوقت.


مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
TT

مؤتمر ميونيخ للأمن يسحب دعوته لوزير الخارجية الإيراني

عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)
عراقجي على متن طائرة تقلّه إلى بيروت في 8 يناير الحالي (الخارجية الإيرانية)

سحب مؤتمر ميونيخ للأمن الدعوة الموجهة لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، على خلفية الحملة الأمنية التي شنّتها حكومة طهران على ‌الاحتجاجات الشعبية، التي اندلعت في 28 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وجاء في ​بيان، ‌أُرسل بالبريد الإلكتروني، اليوم (الجمعة): «منذ عدة أسابيع، جرى توجيه الدعوات لممثلين حكوميين من إيران». وأضاف: «في ضوء الأحداث الراهنة، لن يُبقي مؤتمر ميونيخ للأمن ⁠على هذه الدعوات».

ويعدّ مؤتمر ميونيخ من بين أهم ​المنتديات الأمنية في العالم. ويُعقد اجتماع هذا ‌العام لخبراء الأمن ‍وصانعي ‍السياسات في الفترة من 13 ‍إلى 15 فبراير (شباط).

وقال المنظمون إنهم يهدفون إلى دعوة المشاركين الذين يمكنهم تقديم ​رؤى سياسية مهمة، لكنهم دائماً ما يأخذون في الاعتبار ⁠المستجدات السياسية قبل وضع اللمسات الأخيرة على قائمة المدعوين.

وقالت وزارة الخارجية الألمانية إن برلين تعارض دعوة مسؤولين إيرانيين نظراً للأحداث في إيران، حيث أشارت تقارير إلى مقتل آلاف الأشخاص في حملة قمع الاحتجاجات ‌المناهضة لنظام الحكم.