ما الذي يريده نتنياهو تحديداً؟

بعد موافقة «حماس» على مقترح الوسطاء... لماذا يصر على احتلال غزة؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

ما الذي يريده نتنياهو تحديداً؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

ليس في العالم فقط، بل أيضاً في إسرائيل يتساءلون بدهشة واستهجان، ما الذي يريده رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالضبط؟

هل يريد بشكل حقيقي حلاً في قطاع غزة، يعيد المحتجزين الإسرائيليين ويحقن دماء الجنود الإسرائيليين؟ أم أنه يريد حرباً لمجرد الحرب؟

فهو كان قد اتهم «حماس» بأنها لا تريد صفقة. والآن، بعدما وافقت «حماس» على المقترح المصري - القطري، لماذا يصر على احتلال قطاع غزة ويدفع قيادة الجيش إلى تغيير خطتها وتسريع هذا الاحتلال؟

لأول وهلة، يبدو كأن إسرائيل كانت غائبةً عن الجهود التي بذلتها القاهرة والدوحة، بتنسيق كامل مع واشنطن، لإقناع قيادة «حماس» بقبول المقترح كما هو من دون شروط أو طلب تعديلات.

لكن المصريين والقطريين، وحتى الأميركيون، بل وحتى مسؤولون إسرائيليون، أكدوا أن نتنياهو كان على صلة وثيقة بهذه الجهود. وضع شروطاً ومطالب عديدة، قبِل بها الوسطاء أو اتفقوا مع مكتبه على حلول وسط بشأنها، مثل عدد الأسرى الفلسطينيين الذين سيطلق سراحهم.

فسبق ووافقت إسرائيل على الإفراج عن 120 فلسطينياً محكوماً عليه بالمؤبد لقاء كل محتجز إسرائيلي، بينما طلبت «حماس» 200، فاتفقوا على 150.

وإسرائيل طلبت، بعد الانسحاب من قطاع غزة، أن تبقى قواتها في حزام أمنى بعرض 2 - 3 كيلومترات، و«حماس» وافقت على 500 متر فقط، ثم اتُفق على أن تكون المسافة 1200، وفي بعض المواقع 1500 متر.

كل هذا جرى في المفاوضات مع إسرائيل و«حماس». فما الذي يجري إذن، حتى تنطلق القوات الإسرائيلية إلى احتلال القطاع كله؟

صورة النصر الختامية

الواضح أن نتنياهو قائد متردد، وما زال يتهرب من الحسم، أو كما كتبت صحيفة «هآرتس» في مقالها الافتتاحي، الأربعاء، هو «ضعيف. غير قادر على أن يقرر شيئاً. من جهة يضعضع مكانة إسرائيل في العالم، ولكنه يترك مواطنيه لمصيرهم».

عمل نتنياهو على تعبئة الجمهور الإسرائيلي بأنه لا مفر من احتلال غزة للضغط على «حماس»، فأشبع رغبات حلفائه في اليمين المتطرف من جهة، وفتح شهيتهم على المزيد من جهة أخرى. والآن يستصعب التراجع. يحاول تسويق سياسته على أنها صارمة في مواجهة «حماس».

فلسطينيون يتفقدون أنقاض منزل هدمه الجيش الإسرائيلي في قرية بيت سيرا بالضفة الغربية يوم الثلاثاء (أ.ب)

وليس صدفة أن البيان الذي نشره نتنياهو حول موافقة «حماس» على المقترح أورد الجملة التالية: «السياسة الإسرائيلية ثابتة ولم تتغير». فهو يرد على الوزير اليميني المتطرف بتسلئيل سموتريتش الذي قال إنه لا يثق بأن نتنياهو سيلتزم بتعهداته لليمين. وهو يحاول أن يثبت له بأنه لم ينه الحرب قبل الحسم العسكري.

لكن هذا الموقف ينطوي على أخطار أخرى يتهرب من إجراء حساب بشأنها.

فالتصميم على التظاهر أمام حلفائه في اليمين المتطرف بأنه يواصل عملية احتلال غزة لأجل إنهاء الحرب بالحسم العسكري، يوجد له ثمن. فقيادة «حماس» أيضاً تسعى لإنهاء الحرب بحسم عسكري، أو ما يسمى باللغة العسكرية «صورة النصر الختامية».

وهي فكرة مثيرة للجدل وكثيرون من الخبراء الاستراتيجيين يعتبرونها أغبى مبدأ عسكري، لأنها يمكن أن ترتد إلى نحره وتورطه في «وحل غزة».

فيوم الأربعاء مثلاً، نفذ رجال «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لـ«حماس»، عملية كادوا أن ينجحوا فيها بخطف جندي إسرائيلي، وأصابوا عدداً منهم في كمين.

وبمثل هذه العمليات، لا تعود هناك صفقات قريبة.

ماذا يجني؟

إذن ما الذي يجنيه نتنياهو بهذه العملية، رغم أن بين يديه صفقة لا ينقصها شيء سوى التوقيع؟

يجني الكثير.

فوفقاً لحساباته، يثبت أنه هو الحاكم بأمره في إسرائيل. فالعهد الذي كانت فيه جيشاً توجد له دولة ولَّى لتصبح إسرائيل دولة لها جيش ينصاع إلى قراراتها وينفذ عملية حربية لا يوافق عليها، بل ويعدّها «كميناً استراتيجياً».

جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي)

فمكانة الجنرالات تهبط في المجتمع الإسرائيلي، ومعها تهبط الدولة العميقة التي تختبئ وراءه. وهذه عملية يعمل عليها نتنياهو منذ عقدين من الزمن تقريباً.

وبهذه الطريقة يعزز ائتلافه الحاكم، ويُبقي على الحكومة حتى نهاية دورتها على الأقل، وبذلك تكون مكانته أقوى في المحكمة التي تحاكمه بتهم الفساد وتريد إدانته وإيداعه السجن.

وقد يرتب عمليات حربية أخرى «تضطره» إلى تأجيل الانتخابات.

وكتبت «هآرتس» في مقالها الافتتاحي، الأربعاء: «نتنياهو لا يكتفي بسبع ساحات للحرب في السنتين الأخيرتين. يُخيل أنه مصمم على أن يعلن حرباً على العالم كله، وهو بذلك يجر يهود العالم مع دولة إسرائيل إلى الهوة».

وفي حالة كهذه، وإذا زاد معيار الفشل، فإنه ينتظر أن يتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإنقاذه. ويكفيه أن ترمب يرى فيه بطلاً قومياً، ويتساءل: «كيف يريدون إدخاله السجن؟».


مقالات ذات صلة

«الشرق الأوسط» تكشف وقائع نجاة قائد «حماس» في غزة من الاغتيال الإسرائيلي

خاص القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)

«الشرق الأوسط» تكشف وقائع نجاة قائد «حماس» في غزة من الاغتيال الإسرائيلي

نجا قائد «حماس» في غزة علي العامودي، من عملية اغتيال في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وأدت حينها لمقتل 5 فلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الطفلة الفلسطينية سيلا رفعت (6 سنوات) الناجية الوحيدة من عائلتها تخضع لفحص في مركز للأطراف الصناعية بمدينة غزة يوم الاثنين (إ.ب.أ) p-circle

إسرائيل تمنع خروج مرضى غزة لليوم السابع

واصلت إسرائيل لليوم السابع على التوالي، إغلاق معبر رفح البري المخصص لسفر المرضى والجرحى والعالقين من وإلى قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
أوروبا آلاف يتظاهرون في لندن دعمًا للفلسطينيين (أ.ب)

آلاف يتظاهرون في لندن دعماً للفلسطينيين

شارك آلاف المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين في مسيرة، السبت، جابت وسط لندن؛ للمطالبة بوقف الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)

غارات إسرائيلية متواصلة توقع قتلى وجرحى في غزة

قُتل 7 فلسطينيين بهجمات إسرائيلية استهدفت مناطق عدة في قطاع غزة، تزامناً مع عمليات قصف مدفعي ونسف طالت مناطق على جانبي الخط الأصفر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مقاتلو «القسام» تسللوا إلى الداخل الإسرائيلي في هجوم غير مسبوق ضد إسرائيل تحت اسم «طوفان الأقصى» (أرشيفية - موقع كتائب القسام)

خاص كواليس «7 أكتوبر»... الحدَّاد توقَّع حرباً إسرائيلية لـ80 يوماً وسعد طالب بوقفها

تتكشف كل فترة معلومات فلسطينية جديدة حول خفايا وكواليس هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتوقعات الرد الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)

نتنياهو أنكّر مطلقاً لقاء عباس كامل... فكذَّبته الصحف بصورة رسمية

بنيامين نتنياهو يستقبل عباس كامل بالقدس في مايو عام 2021 (الحكومة الإسرائيلية)
بنيامين نتنياهو يستقبل عباس كامل بالقدس في مايو عام 2021 (الحكومة الإسرائيلية)
TT

نتنياهو أنكّر مطلقاً لقاء عباس كامل... فكذَّبته الصحف بصورة رسمية

بنيامين نتنياهو يستقبل عباس كامل بالقدس في مايو عام 2021 (الحكومة الإسرائيلية)
بنيامين نتنياهو يستقبل عباس كامل بالقدس في مايو عام 2021 (الحكومة الإسرائيلية)

تضج الصحافة الإسرائيلية بحملة تكذيب لتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، التي نفى فيها مطلقاً أنه التقى رئيس المخابرات المصرية السابق، اللواء عباس كامل. وبعد دقائق من إعلانه، نشرت وسائل الإعلام صورة تجمعه مع كامل من تصوير وتعميم مكتب نتنياهو نفسه، وذلك تحت عنوان: «كذب في بث مباشر».

ويرتبط الغموض بشأن لقاء نتنياهو مع الرئيس السابق للمخابرات المصرية، بجدل إسرائيلي واسع بشأن ما إذا كان رئيس الوزراء قد تلقى تحذيرات حاسمة بشأن هجوم «7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023»، ويتهمه خصومه بأنه لم يتعامل بجدية مع التحذيرات.

ولم ينفِ نتنياهو أن يكون كامل قد زار إسرائيل قبل أيام من هجوم «7 أكتوبر» وهي الزيارة التي تحدثت عنها مجلة «ذا أتلانتيك» الأميركية، الشهر الماضي، زاعمةً أنه قدم تحذيراً لمسؤولين إسرائيليين.

لكن نتنياهو قال إنه لم يكن من التقاه في تلك الزيارة، وإنه لم يلتقِ كامل «ولا مرة واحدة»، مضيفاً أن رئيس الوزراء في إسرائيل لا يلتقي رؤساء المخابرات الأجنبية في زياراتهم لبلاده؛ غير أن وسائل الإعلام أشهرت في وجهه صورة رسمية تعود إلى عام 2021 للقاء الرجلين.

وتضغط وسائل الإعلام والمعارضة الإسرائيلية للدفع نحو تحقيق رسمي بشأن «الإخفاق في 7 أكتوبر»، ونشرت وسائل إعلام عبرية ودولية تقارير عدة تشير إلى أن نتنياهو تلقى تحذيرات كثيرة من جهات عدة محلية وإقليمية حول خطر تدهور المنطقة إلى حرب بسبب إفشال صفقة تبادل أسرى بين إسرائيل و«حماس» قبل اندلاع الحرب عام 2023.

وأفاد الصحافيان الإسرائيليان، شلومي ألدار، وروت يوفال، في تحقيق نشراه في صحيفة «هآرتس» في الثامن من سبتمبر (أيلول) الماضي، وكذلك في كتاب لهما صدر مؤخراً بعنوان «مخطوفون - 843 يوماً من الإهدار»، بأنه كانت هناك وساطة لإبرام صفقة يتم بموجبها إطلاق سراح أربعة إسرائيليين محتجزين لدى «حماس»، وهم جنديان قتيلان ومواطنان دخلا غزة بمحض إرادتهما (أحدهما عربي والثاني إثيوبي)، مقابل هدنة طويلة وإطلاق سراح نحو 30 أسيراً فلسطينيا كبيراً. لكن نتنياهو تراجع، فأرسل قائد «حماس» في قطاع غزة، يحيى السنوار، تهديداً لإسرائيل بأن إفشال الصفقة «سيُحدث زلزالاً».

وكذلك ذكرت مجلة «ذا أتلانتيك» الأميركية الشهر الماضي، أن الرئيس السابق للمخابرات المصرية وصل إلى إسرائيل قبل هجوم السابع من أكتوبر بأحد عشر يوماً، وتحديداً في يوم 26 سبتمبر (أيلول) 2023 وحذّر من خطورة الوضع. وقال التقرير إنه، استناداً إلى مصادر إسرائيلية ومصرية وعربية وأميركية وأوروبية أُطلعت على تفاصيل الزيارة بعد الهجوم، حذّر من أن «غزة ستنفجر في وجوهكم إذا لم تغيّروا سياستكم».

وحسب التقرير، لم تتضح هوية المسؤولين الإسرائيليين الذين التقاهم كامل، كما لم يقدم المسؤول المصري موعداً محدداً للهجوم أو معلومات تفصيلية بشأنه، لكنه حذّر من تضاؤل الوقت المتاح لمنع وقوع كارثة، ودعا إسرائيل إلى تقديم تسهيلات اقتصادية لـ«حماس» لتجنب مواجهة عسكرية. ونقلت المجلة عن مسؤول إسرائيلي سابق قوله إنه «لا يمكن بأي حال» أن يجتمع مسؤولون إسرائيليون مع رئيس المخابرات المصرية دون علم نتنياهو.

أين كان نتنياهو؟

كانت صحيفة «يسرائيل هيوم» قد أوردت في حينه نبأ هبوط طائرة مصرية، دون تحديد هوية المسؤول الذي كان على متنها. وأكدت وسائل الإعلام العبرية أن طائرة تابعة للمخابرات المصرية حطَّت في مطار اللد في ذلك اليوم، وأن رئيسها التقى شخصية إسرائيلية ذات شأن رفيع، ونقل إليها التحذير وعاد على أعقابه من دون أن ينزل من الطائرة بعد 67 دقيقة.

وفي مطلع الشهر الجاري نُشر في تل أبيب أن نتنياهو هو الذي التقى كامل. وقد ادعى ناطق بلسانه أنه في ذلك اليوم شارك في حدث أقامه الجيش الإسرائيلي لمناسبة ذكرى حرب أكتوبر 1973، لكن الصحافة الإسرائيلية أكدت أن الحدث الذي شارك فيه نتنياهو أقيم بعد ساعتين من مغادرة طائرة عباس كامل المطار.

نتنياهو وهرتسوغ يحضران مراسم تأبين شرطي إسرائيلي قُتل في معارك مع «حماس» (رويترز)

وقد اختار نتنياهو هذه الواقعة لكي يقول إنه يتعرض لحملة تشويه وأكاذيب شنيعة في صحافة اليسار، تقف وراءها الدولة العميقة في إسرائيل.

وفي مقابلة أجرتها معه «القناة 14» اليمينية والمحببة إلى قلبه، ليلة الثلاثاء - الأربعاء، نفى ان يكون هو الذي التقى كامل. وانفجر غضباً لأن زيارة كهذه تتم من دون علمه. وقال: «أنا رئيس حكومة إسرائيل وأريد أن أعرف مَن الذي التقى كامل. وإن كان هو نفسه ينتمي إلى الدولة العميقة التي تبث الإشاعات الكاذبة عني أنني تلقيت تحذيرات عن هجوم (حماس)».

واستطرد قائلاً: «أنا أتوجه إلى الجهات الأمنية وجهات الإنفاذ وإلى كل الجهات المعنية، هناك كاميرات مراقبة، هناك توثيقات، مع مَن التقى (في إشارة إلى كامل)؟ أريد معرفة الحقيقة، لأنني لم ألتقِه، ومَن التقاه يحاول إلصاق ذلك بي».

وأبحر نتنياهو عميقاً في هذا النفي وراح يقول بحماس إنه لم يلتقِ كامل في حياته «ولا مرة واحدة»، وأضاف لذلك تسويغاً فقال: «منذ متى يتكلم رئيس مخابرات أجنبية مع رئيس دولة؟ هل يُعقل؟ هذا لم يحصل معي أبداً في التاريخ ولا مرة».

وعندها نشر الإعلام الإسرائيلي عدة صور لنتنياهو مع عباس كامل التُقطت في مكتبه سنة 2021، وقام مكتبه بتصويرها وبتعميمها. فتحول النفي إلى فضيحة كبيرة في الإعلام الإسرائيلي. وبدا أن نتنياهو تصرف كمن يطلق الرصاص من مسدسه على قدمه.


واشنطن منقسمة بين استئناف الحرب ومواصلة «خنق إيران»

وزير الحرب وقادة «سينتكوم» يؤيدون استئناف الحرب ضد إيران وفق موقع «أكسيوس» (سينتكوم)
وزير الحرب وقادة «سينتكوم» يؤيدون استئناف الحرب ضد إيران وفق موقع «أكسيوس» (سينتكوم)
TT

واشنطن منقسمة بين استئناف الحرب ومواصلة «خنق إيران»

وزير الحرب وقادة «سينتكوم» يؤيدون استئناف الحرب ضد إيران وفق موقع «أكسيوس» (سينتكوم)
وزير الحرب وقادة «سينتكوم» يؤيدون استئناف الحرب ضد إيران وفق موقع «أكسيوس» (سينتكوم)

تتباين المواقف داخل الإدارة الأميركية بشأن استئناف العمليات العسكرية الكبرى ضد إيران، إذ يدفع وزير الدفاع بيت هيغسيث وقيادة القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) باتجاه شنّ ضربات جديدة، في حين يفضّل معظم مستشاري الرئيس دونالد ترمب مواصلة الضغط الاقتصادي والعقوبات، وفق ما أورده موقع «أكسيوس».

ويأتي هذا التباين في وقت بحث فيه ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال اتصالات جرت الأسبوع الماضي، احتمال تنفيذ عملية عسكرية أميركية إسرائيلية مشتركة تستهدف مواقع عسكرية ومنشآت نووية إيرانية، بحسب مسؤولين أميركيين ومسؤول إسرائيلي ومصدر آخر مطلع.

واليوم الأربعاء، جدد نتنياهو، التحذير من مخاطر إيران على إسرائيل. وقال في مقابلة عبر إذاعة الجيش الإسرائيلي، إن «أذرع إيران تسعى إلى إطلاق الصواريخ وتنفيذ عمليات هجومية، هذه الأيام».

وزعم نتنياهو أنه يعارض شن هجوم استباقي على طهران في التوقيت الحالي، قبيل الانتخابات. وقال: «برأيي، هذا التوقيت غير مناسب لنا»، لكنه أكد أنه «خلال العامين القادمين سيقضي على (حماس) و(حزب الله) وسيسقط إيران».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في طريقه إلى الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز الجوية قرب واشنطن أمس الثلاثاء (أ.ب)

العودة إلى المواجهة

تشير هذه المناقشات إلى أن خيار التصعيد العسكري لا يزال مطروحاً، رغم تأكيد ترمب أنه لن يشنّ هجوماً على إيران قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية، المقررة بعد الانتخابات الإسرائيلية بأسبوع.

وقال مسؤول أميركي، في إشارة إلى موقف نتنياهو، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يبدو راغباً في العودة إلى المواجهة، مضيفاً أن ترمب قال له إنه يستطيع الاستعداد، لكن من دون تقديم التزام فعلي بشنّ هجوم.

ونقل المسؤول عن ترمب قوله لنتنياهو: «تفضّل واستعد»، موضحاً أن العبارة قد تعني التحرك فوراً أو لاحقاً، وقد تعني أيضاً أن العملية لن تحدث مطلقاً.

في المقابل، قال مسؤول في البيت الأبيض إن التقارير التي تفيد بأن ترمب ونتنياهو ناقشا استئناف الحرب غير صحيحة، مؤكداً أن الرئيس الأميركي قال إنه لن يهاجم إيران قبل انتخابات التجديد النصفي. وقال مكتب نتنياهو إن رئيس الوزراء يجري اتصالات منتظمة مع ترمب وكبار مسؤولي إدارته، لكنه لا يعلّق على مضمون محادثاتهم.

امرأة إيرانية تسير بجوار لافتة تحمل العلم الإيراني في أحد شوارع طهران يوم 14 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

خلاف على توقيت التصعيد

بحسب المصادر، بدا ترمب في البداية أكثر ميلاً إلى استئناف الهجمات، قبل أن يصبح أكثر تردداً. وقال مسؤول أميركي إنه يتأرجح بين تأييد الخيار العسكري والتراجع عنه، في ظل اختلاف وجهات النظر داخل إدارته بشأن الخطوة التالية.

ويبرز وزير الدفاع بيت هيغسيث وقيادة «سنتكوم» بوصفهما أبرز المؤيدين لاستئناف الضربات، وفقاً لمصدر مطلع على المناقشات. لكن معظم مستشاري ترمب يفضّلون الإبقاء على العقوبات الاقتصادية وأدوات الضغط الأخرى، معتبرين أن هذه السياسة تحقق نتائج متزايدة.

وقال مسؤول أميركي، في وصف هذا التوجه: «يقولون إن هذا الخنق الاقتصادي يحقق نتائج أفضل بصورة متزايدة. فلنواصل ذلك».

ويعكس هذا الخلاف مفاضلة بين خيارين مختلفين في إدارة المواجهة مع طهران: تصعيد عسكري قد يستهدف تعطيل قدراتها العسكرية والنووية، أو مواصلة الضغط الاقتصادي أملاً في دفعها إلى تقديم تنازلات من دون الدخول في جولة جديدة من الحرب.

ولا تعني الاستعدادات العسكرية، في حد ذاتها، أن قراراً نهائياً اتُّخذ باستئناف القتال. فبحسب المصادر، لا يزال الجيشان الأميركي والإسرائيلي في حالة تأهب ويواصلان الاستعداد لاحتمال تغيير ترمب موقفه.

إيرانيون يمرون بسياراتهم أمام لوحة إعلانية مناهضة للولايات المتحدة في ساحة «فاناك» بطهران يوم 14 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

مخاوف من إعادة بناء «النووي»

تقول إسرائيل إنها رصدت مؤشرات استخباراتية تثير القلق بشأن خطوات إيرانية لإعادة بناء مكونات مختلفة من برنامجها النووي، وهو ما عرضه نتنياهو على ترمب خلال اتصالاتهما الأخيرة.

وتشعر إسرائيل بقلق خاص من احتمال استخدام منشأة جبل الفأس لتخصيب اليورانيوم، بحسب المعلومات الواردة عن المناقشات.

وكان كبار أعضاء إدارة ترمب قد اجتمعوا لساعات في منتجع كامب ديفيد يوم 2 أكتوبر (تشرين الأول) لمناقشة الخطوات التالية في الحرب واحتمال استئناف الضربات، في مؤشر على أن الخيارات العسكرية لا تزال تحظى بنقاش على أعلى المستويات الأميركية.

ولا تقتصر المسألة على المنشآت النووية وحدها، إذ تناولت المناقشات، وفقاً للمصادر، احتمال تنفيذ عملية مشتركة تستهدف أيضاً مواقع عسكرية إيرانية.

ولم يتضح ما إذا كانت هذه المخاوف الاستخباراتية ستقود إلى قرار عسكري قريب، أم ستُستخدم لتعزيز الضغط على طهران في المفاوضات الجارية.

وتكتسب المناقشات حساسية إضافية بسبب توقيتها السياسي. فمن المقرر إجراء الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر، قبل انتخابات التجديد النصفي الأميركية بأسبوع، ما يجعل أي استئناف واسع للقتال عاملاً محتملاً في التأثير على حسابات الناخبين في البلدين.

وقد يؤدي شنّ هجوم جديد إلى إطلاق إيران مئات الصواريخ الباليستية باتجاه إسرائيل، وفقاً للتقديرات الواردة في المعلومات التي قدمتها المصادر، الأمر الذي قد يوسّع المواجهة ويؤثر في موعد الانتخابات الإسرائيلية.

تنديد أميركي بالاتفاق الذي أعلنه الرئيس دونالد ترمب لشراء الديزل الروسي (رويترز)

المفاوضات لم تصل إلى طريق مسدود

في موازاة الاستعدادات العسكرية، لا تزال الجهود الدبلوماسية قائمة، وإن كانت فرص التوصل إلى اتفاق تبدو غير واضحة.

وينتظر الوسطاء القطريون رد إيران على أحدث مقترح مضاد قدمته الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، ويتضمن مطالب تتعلق بتقديم تنازلات في الملف النووي.

وقال مسؤول أميركي إن المفاوضات لم تنتهِ تماماً، لكنها لا تشهد تقدماً فعلياً، مضيفاً أن واشنطن تواصل تكثيف الضغط مع رهانها على أن تسود الأصوات الأكثر استعداداً للتوصل إلى تسوية داخل إيران.

وأضاف المسؤول أن طهران اعتقدت أن ترمب سيتراجع تحت ضغط الحرب واقتراب انتخابات التجديد النصفي، لكنه قال إن الرئيس الأميركي أظهر للإيرانيين أن حساباتهم كانت خاطئة.

وكان ترمب قد كرر، الثلاثاء، انتقاداته لإيران، واصفاً إياها بأنها «دولة فاشلة»، ومضيفاً أن واشنطن ستتخذ قراراً بشأنها «قريباً جداً».


غرق سفينة حاويات بعد إصابتها بمقذوف في مضيق هرمز

سفينة حاويات تعبر خليج عُمان قبالة مدينة خورفكان الإماراتية (أرشيفية-أ.ف.ب)
سفينة حاويات تعبر خليج عُمان قبالة مدينة خورفكان الإماراتية (أرشيفية-أ.ف.ب)
TT

غرق سفينة حاويات بعد إصابتها بمقذوف في مضيق هرمز

سفينة حاويات تعبر خليج عُمان قبالة مدينة خورفكان الإماراتية (أرشيفية-أ.ف.ب)
سفينة حاويات تعبر خليج عُمان قبالة مدينة خورفكان الإماراتية (أرشيفية-أ.ف.ب)

ذكرت مصادر في قطاع الأمن ​البحري اليوم الأربعاء أن سفينة حاويات غرقت بالقرب من مضيق هرمز بعد إصابتها بمقذوف، كما توشك ‌سفينة أخرى ‌لنقل البضائع السائبة ​على ⁠الغرق ​في حادث ⁠منفصل.

وأوضحت المصادر أن السفينة «جي إف إس برايد» التي ترفع علم سنغافورة قد غرقت.

ولم يتسن بعد ⁠التواصل مع الشركة ‌المشغلة ‌للسفينة، «جي إف إس شيب مانجمنت ​إف زد إي» ‌ومقرها الإمارات، للحصول ‌على تعليق.

وأضافت المصادر أن بلاغات وردت عن أن سفينة أخرى، ‌وهي (كيب داو) وترفع علم أنتيجوا وبربودا، تغرق بالقرب ⁠من ⁠المضيق، وذلك بعد تعرضها لإصابة بمقذوف في 23 سبتمبر (أيلول).
كما لم يتسنّ بعد التواصل مع الشركة المشغلة لهذه السفينة، ومقرها الإمارات أيضاً، للحصول ​على ​تعليق.

وكانت القوة البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، قد أفادت، في بيان نقلته وسائل إعلام رسمية، الأربعاء، أن سفينة حاويات غرقت في المياه، جنوب مضيق هرمز، وذلك على أثر اصطدامها بلغم بحري واندلاع حريق على متنها.

وذكر البيان أن السفينة، التي كانت تحمل أكثر من 2500 حاوية، حاولت عبور مسار وصفه «الحرس الثوري» بأنه «غير مصرَّح به وخطير». وحثّ البيان، في الوقت نفسه، السفن الإيرانية والصيادين على توخي الحذر، وفق ما نقلته «رويترز».

وقال مسؤولان إيرانيان كبيران لوكالة «رويترز» في وقت سابق، إن إيران تستخدم أساليب جديدة لاستهداف السفن المارة عبر مضيق هرمز، في مسعى للإبقاء على أسعار النفط مرتفعة والتأثير في انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

وتسعى إيران إلى فرض سيطرتها على مضيق هرمز منذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات عليها في 28 فبراير (شباط). وقيدت طهران المرور عبر الممر المائي، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، في محاولة لاكتساب ورقة ضغط على واشنطن.

وأدت التهديدات والهجمات الإيرانية إلى تقليص حركة الملاحة عبر المضيق بشدة، مما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع، رغم استمرار عبور بعض شحنات النفط.