مسؤولون إيرانيون يرجحون «تخريباً إسرائيلياً» وراء سلسلة الحرائق الغامضة

تصاعد اللهب والدخان من إحدى وحدات مصفاة عبادان النفطية بجنوب غربي إيران يوم 19 يوليو 2025 (أ.ب)
تصاعد اللهب والدخان من إحدى وحدات مصفاة عبادان النفطية بجنوب غربي إيران يوم 19 يوليو 2025 (أ.ب)
TT

مسؤولون إيرانيون يرجحون «تخريباً إسرائيلياً» وراء سلسلة الحرائق الغامضة

تصاعد اللهب والدخان من إحدى وحدات مصفاة عبادان النفطية بجنوب غربي إيران يوم 19 يوليو 2025 (أ.ب)
تصاعد اللهب والدخان من إحدى وحدات مصفاة عبادان النفطية بجنوب غربي إيران يوم 19 يوليو 2025 (أ.ب)

لأكثر من أسبوعين، شهدت إيران موجة من الانفجارات والحرائق الغامضة، طالت مجمعات سكنية، ومصافيَ نفط، وطريقاً قرب مطار دولي، وحتى مصنعاً للأحذية.

وفي العلن، حاول المسؤولون الإيرانيون التقليل من شأن هذه الحوادث، وعدّوها مجرد مصادفات أو نتيجة تهالك البنية التحتية، في مسعى لتهدئة الرأي العام الذي لا يزال تحت وطأة صدمة الحرب الأخيرة مع إسرائيل والولايات المتحدة في يونيو (حزيران) الماضي.

لكن في السر، قال 3 مسؤولين إيرانيين، من بينهم عضو في «الحرس الثوري»، إنهم يشتبهون في أن كثيراً من تلك الحوادث كانت أعمال تخريب متعمدة.

ورغم أن لطهران أعداء كثراً، فإن أصابع الاتهام الرسمية تتجه نحو إسرائيل، استناداً إلى سجلها الطويل في تنفيذ عمليات سرية داخل إيران، شملت تفجيرات واغتيالات. وبعد حملة القصف الإسرائيلي، التي استمرت 12 يوماً الشهر الماضي، كان أحد كبار مسؤولي الاستخبارات في تل أبيب قد تعهد بمواصلة العمليات داخل الأراضي الإيرانية.

من جهته، أيد مسؤول أوروبي معني بالشأن الإيراني هذا التقييم، قائلاً إن الهجمات تبدو «أعمال تخريب»، مرجحاً وقوف إسرائيل وراءها، سواء أكان بوصفها جزءاً من حرب نفسية، أم استهدافاً لمواقع حساسة. وتحدث المسؤولون الأربعة شريطة عدم الكشف عن هوياتهم؛ لعدم حصولهم على تفويض للتصريح علناً.

ورغم تلك الشكوك، فإن السلطات الإيرانية لم تقدم دليلاً ملموساً يدعم فرضية التخريب، وأرجعت في تصريحاتها العلنية الانفجارات إلى تسريبات غاز، وحرائق نفايات، وتقادم البنية التحتية (في وقت تتراوح فيه درجات الحرارة بالبلاد بين 40 و55 درجة مئوية في أقصى حد خلال فصل الصيف). إلا إنها لم تقدم أيضاً تفسيراً مقنعاً لتكرار هذه الحوادث بوتيرة تصل إلى انفجارٍ أو اثنين يومياً في مختلف أنحاء البلاد.

ووقع بعض الحوادث في مواقع استراتيجية، كالحريق الذي اندلع السبت في مصفاة نفط رئيسية بمدينة عبادان جنوب البلاد (حيث ترتفع الحرارة إلى 50 درجة مئوية في الصيف)، وأسفر عن مقتل شخص وإصابة آخرين، إلى جانب تعطيل خط إنتاج. فيما ساهمت انفجارات أخرى بمبانٍ سكنية ومصانع في تكريس حالة من القلق والفوضى.

وتتجنب إيران توجيه اتهام مباشر لإسرائيل؛ خشية أن تضطر إلى الرد العسكري؛ مما قد يفتح جبهة صراع جديدة في وقت حساس. فالدفاعات الجوية الإيرانية ومنصات الصواريخ، إضافة إلى قواعد عسكرية ومنشآت نووية، تعرضت لأضرار جسيمة خلال الحرب الأخيرة. وعلى الرغم من أن طهران احتفظت بقدرتها على إطلاق صواريخ باليستية حتى الساعات الأخيرة قبل وقف إطلاق النار، فإن استئناف الصراع قد يعرض قدراتها العسكرية لمزيد من الضعف.

لأكثر من عقد قبل اندلاع الحرب، خاضت إسرائيل وإيران معاركهما في الخفاء؛ براً وبحراً وجواً وعبر الفضاء السيبراني... فقد نفذت إسرائيل على مدى سنوات عمليات سرية داخل إيران، شملت تفجيرات وهجمات بطائرات مسيّرة استهدفت شخصيات ومواقع نووية وعسكرية. في المقابل، استهدفت إيران سفناً مملوكة لإسرائيليين في الخليج، وأطلقت صواريخ على منشآت في العراق مرتبطة بإسرائيل، كما موّلت وسلّحت جماعات مسلحة، من بينها «حماس» في قطاع غزة.

ورفض مسؤولون إسرائيليون طلبات التعليق، لكن «جهاز المخابرات الإسرائيلي (الموساد)» أوضح أنه سيواصل عملياته داخل إيران حتى بعد وقف إطلاق النار. ففي يونيو (حزيران) الماضي، ألقى مدير «الموساد» خطاباً علنياً نادراً احتفى فيه بعمل الجهاز داخل إيران، قائلاً: «سنكون هناك، كما كنا حتى الآن».

على الصعيد العلني، سعت السلطات الإيرانية إلى تبرير سلسلة الحرائق والانفجارات التي اندلعت. ففي بعض الحالات، مثل الحريق قرب مطار مشهد الدولي شمال شرقي البلاد، قالت السلطات إن الأمر يعود إلى «حرق مُتحكم فيه للأعشاب»، كما عزت حريقاً في طهران إلى اشتعال النفايات.

لكن في أغلب الحالات، حمّلت السلطات الإيرانية المسؤولية لتسرّب الغاز. وقال مدير إدارة الإطفاء والسلامة العامة في طهران، قدرت‌ الله محمدي، لوسائل الإعلام الرسمية، إن هذه التسربات تعود إلى «معدات متهالكة، واستخدام أجهزة غاز غير مطابقة للمواصفات، وعدم التزام إرشادات السلامة».

شقة سكنية تعرضت لضربة جوية إسرائيلية قبل أيام من وقف إطلاق النار في طهران يوم 25 يونيو 2025 (نيويورك تايمز)

بعض الانفجارات التي طالت مبانيَ سكنية كانت شديدة القوة لدرجة أنها أطلقت أعمدة دخان كثيفة في الهواء، وأدت إلى انهيار جدران وأسقف.

وفي مدينة قم، بدا أحد المباني السكنية كأن قنبلة قد مزّقته؛ فقد انهارت جدران شقة في الطابق الأرضي، وتحطمت نوافذها، وسُحقت سيارة أجرة صفراء كانت متوقفة في الشارع تحت الأنقاض، وفق مقاطع فيديو للانفجار نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي و«بي بي سي فارسي». وقد غطّى الحطام كامل الحي المحيط بفعل الانفجار، الذي أسفر عن إصابة 7 أشخاص.

وأفاد مسؤولان إيرانيان صحيفة «نيويورك تايمز» بأن الوحدة السكنية التي وقع فيها الانفجار يبدو أنها كانت مؤجَّرة من قبل عناصر نفّذوا العملية، ثم غادروا المبنى بعد تشغيل موقد الغاز والفرن، كما لو كانوا ينوون إشعال الحريق عمداً.

وفي حادثة أخرى يُحتمل أن تكون مشابهة، وقع انفجار بمجمّع سكني شاهق في طهران مخصّص لتوفير سكن منخفض التكلفة لموظفي السلطة القضائية. وقد أدى الانفجار إلى تدمير الجدران وتطاير النوافذ. وقال 3 مسؤولين إيرانيين إنهم يعتقدون أن الفاعلين ربما أرادوا إثارة الذعر في أوساط القضاة والمدّعين العامين، عبر إيصال رسالة مفادها بأنهم قد يكونون أهدافاً، على غرار الأسلوب الذي استخدمته إسرائيل سابقاً في استهداف علماء مشاركين بالبرنامج النووي الإيراني.

وقال عضو في «الحرس الثوري» الإيراني إن التأثير التراكمي لسلسلة الانفجارات شبه اليومية - حتى وإن كان بعضها مجرد حوادث - أدّى إلى تصاعد مشاعر القلق بين المسؤولين، وبين الإيرانيين على نطاق أوسع.

وأوضح أوميد ميماريان، الخبير في الشأن الإيراني لدى معهد «داون» للأبحاث السياسية في واشنطن: «السجل الطويل للحكومة الإيرانية في التعتيم وغياب الشفافية، إلى جانب ردودها المبهمة، زاد من مخاوف الناس وشكوكهم. الجميع يدرك أن النظام غالباً ما يقلل من شأن الهجمات الإسرائيلية أو ينكرها تماماً».

وفي ظل عدم وجود أي اعتراف رسمي بما يَعدّه كثير من الإيرانيين هجمات منسّقة، بدأ البعض يتساءل عمّا إذا كانت الحرب قد انتهت فعلاً.

وقال محمد، صاحب مقهى ومعرض فني بمدينة كاشان وسط البلاد: «كثيرون منا يعتقدون أن ما يحدث من فعل إسرائيل، وأن الحرب على وشك أن تندلع من جديد». وقد أشار إلى أنه يشعر بـ«الخوف والارتياب»، خصوصاً أن كاشان قريبة من منشآت نووية وقواعد صاروخية.

من جانبه، وصف مهدي محمدي، السياسي المحافظ والمستشار البارز لرئيس البرلمان الإيراني، الوضعَ مع إسرائيل بأنه غير قابل للتنبؤ.

وقال محمدي، في أحد خطاباته المسجّلة التي ينشرها بانتظام على تطبيق «تلغرام»: «إذا كان أحد يظن أننا نتعامل مع أحداث خطّية يمكن التنبؤ بها، فهو ساذج. نحن لسنا حتى في هدنة الآن، بل في حالة تعليق هشّة قد تنهار في أي لحظة، لتعود الحرب من جديد».

كما شكّك كثير من الإيرانيين في ظروف وفاة العميد غلام حسين غيب‌ پرور، نائب قائد «الحرس الثوري»، الذي كان يشرف على قاعدة عسكرية في طهران مسؤولة عن قمع الاحتجاجات النسائية في عام 2021، والذي تُوفي الأسبوع الماضي.

ووفق ما أوردته وسائل الإعلام الرسمية، فقد تُوفي نتيجة مضاعفات إصابات بأسلحة كيماوية تعرّض لها خلال الحرب الإيرانية - العراقية في ثمانينات القرن الماضي، التي تفاقمت جرّاء الضغوط النفسية الناتجة عن الحرب الأخيرة مع إسرائيل.

وحاول المسؤولون في إيران اتباع أساليب متنوعة لتهدئة مخاوف الجمهور. فقد أصدرت الشركة الوطنية للغاز إحصاءات ادّعت أنها تُظهر عدم تسجيل زيادة ملحوظة في انفجارات الغاز هذا العام مقارنة بالعام الماضي.

كما دعا مجلس بلدية طهران كلاً من شركة الغاز ووزارة الطاقة إلى تقديم تقارير بشأن «الإجراءات والتطورات الأخيرة»، واصفاً اجتماعاً أخيراً بأنه نقاش يجري في إطار «الظروف الطبيعية».

وفي مواجهة تصاعد التوتر، لجأ كثير من الإيرانيين إلى الكوميديا السوداء. فانتشرت على وسائل التواصل الاجتماعي صور مُعدلة بالفوتوشوب تُظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مرتدياً زيّ موظف في الشركة الوطنية الإيرانية للغاز.

وقد شارك بعض الحسابات المرتبطة بالحكومة الإسرائيلية في هذه السخرية الغامضة. فحساب «الموساد بالفارسية» - الذي أكّد مسؤول في «الوكالة»، بشكل غير رسمي، أنه تابع لها - بثّ منشوراً يدعو الإيرانيين إلى حرق «الحرمل»، وهو نوع من البخور التقليدي يُستخدم لطرد الأرواح الشريرة واللعنات.

وفي منشور آخر أورد الحساب: «انفجار تلو انفجار... على أحدهم أن يتحقّق مما يجري هناك».

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

شؤون إقليمية صورة ملتقطة في 15 يناير 2026 بموسكو تُظهر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال مراسم تسلُّم أوراق اعتماد السفراء المعينين حديثاً لدى روسيا (د.ب.أ)

موسكو تكثف وساطتها بين إيران وإسرائيل لاحتواء التصعيد

كثف الكرملين، الجمعة، تحركاته الدبلوماسية لخفض التوتر بين إيران وإسرائيل، عبر سلسلة اتصالات أجراها الرئيس الروسي مع نظيره الإيراني ورئيس الوزراء الإسرائيلي

«الشرق الأوسط» (لندن-موسكو)
شؤون إقليمية سيارات تسير في طهران تحت لافتة كتب عليها «هذا ليس احتجاجاً» الخميس (أ.ف.ب)

احتجاجات إيران تخفت… وواشنطن تراقب دون حسم

في لهجة بدت أقل حدة أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن أمله في استمرار تراجع إيران عن اللجوء إلى أحكام الإعدام بحق المحتجين

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية السفارة الأميركية في القدس (أرشيفية - رويترز)

أميركا تحذر رعاياها في إسرائيل وتحثهم على التأكد من صلاحية جوازات سفرهم

أصدرت السفارة الأميركية في إسرائيل، تحذيراَ أمنياَ لرعاياها في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جانب من الاحتجاجات في إيران (أ.ب)

تركيا تكثف مساعيها لتهدئة التوتر في إيران وإبعاد خطر التدخل الخارجي

عبّرت تركيا عن قلقها إزاء الوضع في إيران وأكدت ضرورة إجراء حوار من أجل تخفيف التوترات في المنطقة وسط مخاوف من تدخلات خارجية.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية متظاهرات يحملن صور الإيرانية مهدية أسفندياري في طهران أكتوبر الماضي للمطالبة بإطلاق سراحها من سجن فرنسي (أ.ف.ب)

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس الثلاثاء وسط تعقيدات

محاكمة الإيرانية أسفندياري تنطلق في باريس، الثلاثاء، وسط تعقيدات قانونية ودبلوماسية وطهران تسعى لـ«مقايضة» أسفندياري بالفرنسيين كوهلر وباريس المحتجزين في إيران.

ميشال أبونجم (باريس)

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
TT

خطة «لجنة التكنوقراط»... هل تُسرع من إعادة إعمار غزة؟

خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة نُصبت على طول شاطئ مدينة غزة في حين تجتاح رياح شتوية قوية القطاع الفلسطيني (أ.ف.ب)

أنعش تشكيل «لجنة التكنوقراط الفلسطينية» لإدارة قطاع غزة وعقد أول اجتماعاتها في القاهرة، الجمعة، آمال تحريك الجمود القائم بشأن ملف «إعادة الإعمار» بعد عراقيل إسرائيلية تسببت في عدم انعقاد «مؤتمر إعادة الإعمار» الذي كان مقرراً أن تستضيفه مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي حتى الآن، وسط رؤى مختلفة بشأن «الإعمار الجزئي» أو «الكلي» للقطاع.

وأكد رئيس اللجنة الفلسطينية علي شعث، في تصريحات إعلامية، الجمعة، أن أهم خطوة بالتزامن مع تشكيل اللجنة تمثلت في «إنشاء صندوق مالي خاص ضمن البنك الدولي، خُصص رسمياً لتمويل إعمار قطاع غزة وإغاثة سكانه».

وأوضح أن أولى الخطوات العملية الملموسة في خطة إعادة التأهيل والإعمار ستكون توريد وتركيب 200 ألف وحدة إيواء مسبقة الصنع (كرفانات) بشكل عاجل وغير آجل إلى القطاع، مشيراً إلى أن «الإسكان مهم جداً بعد دمار أكثر من 85 في المائة من المنازل» في غزة.

وما زال «إعمار قطاع غزة» يكتنفه الغموض مع مساعٍ إسرائيلية إلى «إعمار جزئي» في مناطق سيطرتها، وهو ما يتناغم مع موقف أميركي يتبنى هذا الخط، في حين قال المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية تميم خلاف، في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، الشهر الماضي، إن مصر تهدف إلى «إطلاق مسار متكامل بشأن إعمار غزة».

وتسعى مصر لتفعيل أدوار اللجنة مع تمكينها من أداء عملها من داخل قطاع غزة. وتوقع وزير الخارجية بدر عبد العاطي أن يتم الدفع بـ«لجنة إدارة غزة إلى داخل القطاع قريباً لإدارة الأمور الحياتية»، مشدداً، خلال مؤتمر صحافي أثناء استقباله نظيره البوسني إلمدين كوناكوفيتش، على «أهمية التزام إسرائيل بالانسحاب من قطاع غزة، ونشر القوة الدولية، والتعافي المبكر وإعادة الإعمار».

في حين أكد علي شعث خلال لقائه وأعضاء لجنته برئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد، السبت، أن «أولويات اللجنة ترتكز على تحسين الوضع الإنساني المعيشي لمواطني القطاع»، مشيراً إلى أن «اللقاء ناقش الخطوات اللازمة لتسلّم اللجنة كافة مهامها بالقطاع».

عضو المجلس الثوري لحركة «فتح»، أسامة القواسمي، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن تشكيل «لجنة إدارة غزة» خطوة إيجابية تمثل تطبيقاً عملياً للمرحلة الثانية، مشيراً إلى أن السلطة الفلسطينية كانت أولوياتها تتمثل في عدم استئناف الحرب مرة أخرى، وتثبيت المواطنين في القطاع، ثم الاتجاه لخطوات إعادة الإعمار.

وأوضح أن مهام اللجنة واضحة، وتتعلق بالترتيبات الداخلية، وتحقيق استتباب الأمن، وتجهيز البنية التحتية الملائمة لإعادة الإعمار، إلى جانب إغاثة الشعب الفلسطيني في غزة، مضيفاً: «هناك تفاؤل فلسطيني بأن تكون المرحلة الثانية أخف وطأة على أهالي القطاع من الفترات السابقة. والآمال منعقدة على ألا يكون هناك عوائق من جانب إسرائيل».

وأشار إلى أن سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي اتبعتها السلطة الفلسطينية، إلى جانب الدول العربية والأطراف الإقليمية، نحو الضغط على الولايات المتحدة الأميركية لدفع إسرائيل إلى «المرحلة الثانية»، ستكون حاضرة أيضاً بشأن تنفيذ باقي الاستحقاقات، ومنها إعادة الإعمار، مع الانفتاح على المجتمع الدولي للمساهمة في عملية التعافي المبكر، واستمرار تثبيت وقف إطلاق النار.

رئيس جهاز المخابرات العامة المصري اللواء حسن رشاد يستقبل رئيس «لجنة إدارة غزة» علي شعث في القاهرة السبت (مواقع إخبارية رسمية)

وكان رئيس «هيئة الاستعلامات المصرية» ضياء رشوان، أكد في تصريحات إعلامية الخميس، أن «لجنة إدارة غزة» ستتولى ملفَّي الخدمات والإعمار خلال المرحلة المقبلة.

وبدأت «لجنة التكنوقراط» الفلسطينية لإدارة غزة اجتماعها الأول في العاصمة المصرية يوم الجمعة، ومن المقرر أن تدير اللجنة مؤقتاً قطاع غزة تحت إشراف «مجلس السلام».

وأكد المحلل السياسي الفلسطيني المقيم في قطاع غزة، عماد عمر، أن الأيام المقبلة سوف تحدد مدى قدرة اللجنة على تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بتحسين الأوضاع على الأرض، في ظل استمرار إسرائيل في استهداف الفلسطينيين يومياً، مشيراً إلى أن بدء عمل اللجنة يعد «باكورة تفكيك أزمات الملف الإنساني مع تعنت إسرائيل في تطبيق البروتوكول الذي ينص عليه وقف إطلاق النار».

وينص «البروتوكول» الذي يعد ضمن متطلبات المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، على «دخول 600 شاحنة يومياً من المساعدات الإغاثية والإنسانية، منها 50 شاحنة مخصصة للوقود، مع تخصيص 300 شاحنة من الإجمالي لمنطقة شمال غزة لضمان وصول الإغاثة لكافة الأنحاء».

وأضاف عمر في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الانخراط في أي خطوات إجرائية تستهدف التمهيد لإعادة الإعمار، يبقى رهن الدور الأميركي لدفع إسرائيل نحو المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وبدء عمل باقي الهيئات المنوط بها إدارة القطاع، بما فيها «مجلس السلام» و«قوة الاستقرار»، مشيراً إلى أن مهمة «لجنة التكنوقراط» تتمثل في تقديم الخدمات، وتفكيك الأزمة الإنسانية، وإعادة تشغيل الصحة والتعليم، وإصلاح البنية التحتية، وضبط الأمن، وتأمين وصول المساعدات.

وأشار إلى أن الاختراق الآني بشأن إعادة الإعمار يمكن أن يتمثل في الضغط على إسرائيل لسماحها بدخول المعدات الثقيلة لإزالة الركام واستخراج جثامين الفلسطينيين، إلى جانب تهيئة البنية التحتية في الشوارع، وإيجاد حلول لأزمات الصرف الصحي.

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يتوقع عمل «لجنة إدارة غزة» من داخل القطاع قريباً (الخارجية المصرية)

وحذّر المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة لخدمات دعم المشاريع، خورخي موريرا دا سيلفا، الخميس، من أن إعادة إعمار غزة لا تحتمل التأجيل، وذلك عقب عودته من مهمته الثالثة إلى القطاع الفلسطيني الذي دمرته سنتان من الحرب، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي قدّرت الاحتياجات بأكثر من 52 مليار دولار.

وكان المبعوث الأميركي إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، أعلن الأربعاء الماضي إطلاق المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، المكوّنة من 20 نقطة لإنهاء الحرب في غزة، وقال إنها «تنتقل من وقف إطلاق النار إلى نزع السلاح، وتأسيس حكم تكنوقراط، والشروع في إعادة الإعمار».


إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
TT

إيرانيون غادروا بلادهم يروون «كابوس» قمع الاحتجاجات الشعبية

إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)
إيرانيون يسيرون بجانب لافتة مكتوب عليها باللغة الفارسية «هذا ليس احتجاجاً» في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

في العاشر من يناير (كانون الثاني) شاهد «كيارش» في طهران مسلحاً يرتدي رداء فضفاضاً، ثم رأى متظاهرين يسقطون بين الحشود، ويؤكد أنه لو التفت في الاتجاه الخاطئ لكان قد مات هو أيضاً. وقال الإيراني البالغ 44 عاماً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» عبر الهاتف من ألمانيا؛ حيث يعيش: «سمعت صوت طلقات... ورأيت بأم العين 3 أشخاص يسقطون أرضاً».

وأضاف الرجل بعدما شهد القمع العنيف لحركة الاحتجاج في بلده الأم، أن رجلاً بجانبه كان يصرخ ويده ملطخة بدماء رفيقته، غير مصدق أنها أصيبت. وأكد «كيارش» الذي لم يرغب في ذكر اسمه كاملاً، أن المشهد «صار كابوساً» يراوده كل ليلة، مؤكداً قناعته بأنه «لو كان مطلق النار أعسر لكنتُ ميتاً».

وشارك «كيارش» في الاحتجاجات بعد ساعات من مشاهدته عن قرب ألم العائلات في مقبرة «بهشت زهرا» (جنة الزهراء) الشاسعة في جنوب طهران؛ حيث تكدست أكياس الجثث مع توافد الآلاف لتسلم جثامين أحبائهم، ومنهم سيدة صرخت طالبة المساعدة في نقل جثمان ابنها.

وروى الموظف السابق في شركة لوجستية أن: «أكثر من 1500 جثة؛ بل ما قد يصل إلى ألفين، كانت في مستودع واحد». وتذكر أيضاً الهتافات التي تؤبِّن الموتى، وتُندِّد بالمرشد الإيراني علي خامنئي، صاحب الكلمة الفصل في السياسات العليا للبلاد.

لم تتدخل قوات الأمن في الدفن، ولكنها منعت توثيق المشاهد، وفق «كيارش». ولفت إلى نداءات التبرع بالدم لكثير من الجرحى الذين أصيب معظمهم في أقدامهم، في مدينة آمل شمال إيران؛ حيث تعيش عائلته.

«لم يتفرَّق الناس»

إيرانيون يسيرون في أحد شوارع طهران (إ.ب.أ)

ومنذ الثامن من يناير، حجبت السلطات بشكل كامل الاتصال بالإنترنت، فباتت بعض مقاطع الفيديو التي تتسرب عبر منصات التواصل، أو شهادات من فرُّوا من إيران، الوسيلة الوحيدة لتبيان بعض مما يجري. وتحدثت منظمة «نتبلوكس»، يوم السبت، عن عودة «محدودة جداً» للإنترنت في إيران. أما الاتصالات الدولية فباتت ممكنة من يوم الثلاثاء، ولكن فقط للمكالمات الصادرة.

ومن خلال تعطيل انتشار صور الاحتجاجات، ومنع المتظاهرين من التنظيم، سمح التعتيم للسلطات بإخفاء مدى القمع الذي أودى بحياة آلاف، وفق ما أكدت منظمات غير حكومية وخبراء.

وقالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» التي تتخذ مقراً لها في النرويج، إنها تلقت: «روايات مروعة مباشرة عن قتل متظاهرين في أثناء محاولتهم الفرار، واستخدام أسلحة حربية، وإعدام متظاهرين جرحى في الشارع».

وروى «كاوه» (اسم مستعار) أن الأجواء في طهران كانت غير معتادة يوم الخميس الماضي. فمع حلول الظلام، خلت الشوارع المزدحمة عادة، وأُغلقت المحال، وسرعان ما قُطع الاتصال بالإنترنت. في ذلك المساء، وعلى غرار مدن إيرانية أخرى، نصب متظاهرون عوائق، وأضرموا النار في حاويات قمامة، حسبما قال الشاب البالغ 33 عاماً من بريطانيا، بعد مغادرته بلاده مؤخراً.

وتذكَّر أنه بعث رسالة نصية إلى زوجته يقول فيها: «لا يوجد إنترنت، أنا بخير، أحبك». ولكن الرسالة لم تصل. ولم يمنع الحجب تسريب مقاطع فيديو على وسائل التواصل، غالباً باستخدام إنترنت متصل بالأقمار الاصطناعية. وتظهر في بعضها سيارات شرطة ومساجد محترقة، ويُسمع في أخرى دوي انفجارات.

وأكد «كاوه» الذي شارك في مظاهرات طهران يوم التاسع من يناير، وقوع «إطلاق نار من بنادق هجومية ورشقات نارية»، وقال: «كنا نسمع سلسلة من الطلقات النارية كل 10 دقائق»، رغم أنه لم يشهد مباشرة إطلاق نار، ولكنه أضاف أن «الناس لم يتفرقوا. وعادة بعد إطلاق النار يتفرق الناس، ولكن هذه المرة بقوا في أماكنهم».

التعرف عليه من خلال وشومه»

إيرانيون يتظاهرون أمام السفارة الإيرانية في أثينا باليونان تضامناً مع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في بلادهم (أ.ب)

من جانبه، وصف فنان يبلغ 39 عاماً طلب عدم كشف هويته، طهران، في رسالة إلى صديق، بأنها «تبدو كمنطقة حرب». وبالمثل، روى مصور صحافي يُدعى محمد «خوفه من اندلاع حرب أهلية، نظراً للتحول العنيف للغاية الذي شهدته هذه المظاهرات السلمية في البداية».

وأكد صالح علوي زاده -وهو ممثل ومخرج إيراني يقيم في فرنسا- لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن شخصين من معارفه قُتلا خلال الاحتجاجات، قائلاً: «أُصيب ممثل مسرحي شاب برصاصة في رأسه. ولأن ملامح وجهه لم تعد قابلة للتمييز، اضطروا إلى التعرف عليه من خلال وشومه». وأضاف: «في البلاد، يعرف الجميع على الأقل شخصاً واحداً قُتل في هذه الاحتجاجات».

وتراجع زخم الاحتجاج في الأيام الماضية، ولم تقدم السلطات الإيرانية حصيلة رسمية للقتلى حتى الآن، وتُندد بـ«مخربين ومثيري شغب»، وتتهم إسرائيل والولايات المتحدة بدعمهم.

وتبثُّ وسائل الإعلام الرسمية باستمرار مشاهد مسيرات دعم للحكومة، ومراسم تشييع تكريماً لعناصر من قوات الأمن قُتلوا في الاحتجاجات. وتعرض لافتات في العاصمة صوراً لمركبات تعرضت للتخريب مع رسالة تقول: «هذه ليست احتجاجات»، و«يتضاءل أملنا».

ومنذ عودة الاتصالات الهاتفية، تمكَّن المغتربون الإيرانيون الذين عرفوا القلق لأيام من الحصول على أخبار من أقربائهم، عبر مكالمات قصيرة مكلفة مادياً، وقد تنطوي على مخاطر أمنية. ويكتفي الإيرانيون عموماً باستخدام كلمات بسيطة لطمأنة أحبائهم، خشية اعتراض السلطات الرسائل عبر خدمة «ستارلينك» أو الخطوط الأرضية، واستخدامها لاتهامهم بالتعامل مع دول أجنبية.

أعطى «كاوه» أصدقاءه المشتركين في خدمة «ستارلينك» قائمة بأرقام هواتف للاتصال بأصحابها، وقال لهم: «أخبروني إن كانت أمورهم على ما يرام أم لا فقط، من دون الخوض معهم في التفاصيل».

ورغم حملة القمع الشديدة، يرى إيرانيون أن اندلاع مزيد من الاحتجاجات مسألة وقت لا أكثر. ويؤكد «كاوه» أن الحراك الأخير «منح الأمل لكثيرين، ولكن مع كل فشل للاحتجاج يتضاءل أملنا أكثر فأكثر». ولكن «كيارش» يرى أمراً أكيداً ردده لنفسه في طريقه نحو المطار لمغادرة إيران، وهو: «لن يبقى شيء على ما كان عليه».


ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

ترمب: خامنئي مسؤول عن تدمير إيران... وحان وقت البحث عن قيادة جديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (السبت)، إن الوقت قد حان للبحث عن قيادة جديدة في إيران.

واتهم ترمب الزعيمَ الإيراني علي خامنئي بالمسؤولية عمّا وصفه بـ«التدمير الكامل لبلاده... وقتل شعبه واستخدام العنف بمستويات غير مسبوقة» في التعامل مع الاحتجاجات المستمرة في مناطق مختلفة من إيران منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

وهاجم ترمب النظام الإيراني، وقال لموقع «بوليتيكو» الإخباري إن طهران «تعتمد على القمع والعنف» في الحكم، وإن إيران باتت أسوأ مكان للعيش في العالم؛ بسبب «سوء القيادة».

كان خامنئي وصف ترمب، في وقت سابق اليوم، بأنه «مجرم»؛ بسبب الخسائر والأضرار التي ألحقها بإيران، مؤكداً أن الولايات المتحدة دعمت ما وصفها بـ«الفتنة» في إيران بوصفها مقدمةً لعمل أكبر كانت تريد تنفيذه.

واندلعت الاحتجاجات في 28 ديسمبر على خلفية مصاعب اقتصادية، وتطورت إلى مظاهرات واسعة النطاق تطالب بإسقاط نظام الحُكم في إيران.

وهدَّد ترمب مراراً بالتدخل، وتوعَّد باتخاذ «إجراء قوي للغاية» إذا أعدمت إيران محتجين.

لكنه شكر قادة طهران، أمس (الجمعة)، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي قائلاً إنهم تخلوا عن فكرة الإعدام الجماعي. وقالت إيران إنه لم تكن هناك «خطة لإعدام الناس شنقاً».

وقالت جماعات حقوقية إن حملة ​القمع العنيفة التي شنَّتها قوات الأمن الإيرانية ضد المحتجين أودت بحياة أكثر من 3 آلاف شخص.