«الكردستاني» يرهن نزع أسلحته بخطوات من تركيا أولاها الإفراج عن أوجلان

مع انطلاق المشاورات بالبرلمان حول لجنة لوضع الأساس القانوني للعملية

جانب من اجتماع رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونوابه (البرلمان التركي - «إكس»)
جانب من اجتماع رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونوابه (البرلمان التركي - «إكس»)
TT

«الكردستاني» يرهن نزع أسلحته بخطوات من تركيا أولاها الإفراج عن أوجلان

جانب من اجتماع رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونوابه (البرلمان التركي - «إكس»)
جانب من اجتماع رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش ونوابه (البرلمان التركي - «إكس»)

بدأ البرلمان التركي مشاوراته بشأن تشكيل لجنة لوضع الأساس القانوني لـ«عملية السلام والحل الديمقراطي»، التي تُسميها الحكومة مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، والتي أسفرت عن قرار لحزب «العمال الكردستاني» حلّ نفسه وإلقاء أسلحته.

ووسط حالة من الجدل حول اللجنة ومخاوف من أن يؤدي التباطؤ في تشكيلها إلى ردّة في العملية التي بدأت مع «العمال الكردستاني»، عقد رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش،الجمعة، اجتماعاً مع نوابه، بكير بوزداغ (حزب العدالة والتنمية)، وتكين بينغول (حزب الشعب الجمهوري)، وبرين بولدان (حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب)، وجلال آدان (حزب الحركة القومية). وأعقب ذلك اجتماع ثانٍ عقده كورتولموش مع نواب رؤساء المجموعات البرلمانية للأحزاب الممثلة بالبرلمان: «العدالة والتنمية»، و«الشعب الجمهوري»، و«الديمقراطية والمساواة للشعوب»، و«الحركة القومية»، و«الجيد»، وتحالف «الطريق الجيد» (أحزاب الديمقراطية والتقدم والمستقبل والسعادة).

مشاورات بالبرلمان

وذكر البرلمان، في بيان عبر حسابه في «إكس»، أن كورتولموش تبادل الآراء ووجهات النظر مع نواب رؤساء المجموعات البرلمانية حول منهج عمل اللجنة التي ستُشكل في الأيام المقبلة لتحقيق هدف «تركيا خالية من الإرهاب».

وأضاف أن كورتولموش قيَّم الآراء التي تلقاها سابقاً من الأحزاب بشأن اللجنة، مشدداً على المسؤوليات الرئيسية التي سيتحملها البرلمان لبناء «تركيا خالية من الإرهاب»، والتي من الضروري أن تُظهر جميع الأحزاب خلالها نهجاً موحداً، وأن نواب رؤساء المجموعات البرلمانية عبَّروا عن آراء أحزابهم.

وتابع البيان أن نائب رئيس المجموعة البرلمانية لحزب «الجيد»، بوغرا كاونجو، أكد خلال الاجتماع أن حزبه لن يُرشح أعضاء للانضمام إلى اللجنة، ولن يُشارك في أعمالها. وبرفض حزب «الجيد»، وهو حزب قومي، التفاوض مع حزب «العمال الكردستاني»، المصنف لدى تركيا وحلفائها الغربيين «منظمة إرهابية»، واصفاً العملية الجارية بأنها «مشروع خيانة».

وحسب مصادر البرلمان التركي، من المنتظر أن يواصل رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، اجتماعاته خلال الأسبوع المقبل للعمل على تشكيل اللجنة، وتلقي الأسماء التي سترشحها الأحزاب لعضويتها.

وانطلقت العملية الجارية حالياً بمبادرة طرحها رئيس حزب «الحركة القومية»، الشريك الأساسي لحزب «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب»، تحت مسمى مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2024، بدفع من الرئيس رجب طيب إردوغان، دعا من خلالها زعيم حزب «العمال الكردستاني»، السجين في تركيا منذ عام 1999، عبد الله أوجلان، لتوجيه نداء لحل حزب «العمال الكردستاني» وإلقاء أسلحته، مقابل النظر في الإفراج عنه عبر إصلاحات قانونية.

أوجلان كما ظهر في تسجيل مصور في 9 يوليو دعا فيه «العمال الكردستاني» إلى إنهاء الكفاح المسلح بعد 47 عاماً (أ.ف.ب)

واستجاب أوجلان بإطلاق نداء سمّاه «دعوة إلى السلام والمجتمع الديمقراطي» في 27 فبراير (شباط) الماضي، قادت إلى إعلان «العمال الكردستاني» قرار حلّ نفسه، وإلقاء أسلحته في 12 مايو (أيار).

وألقت مجموعة من عناصر حزب «العمال الكردستاني»، أطلقت على نفسها «مجموعة السلام والمجتمع الديمقراطي»، مؤلفة من 30 مقاتلاً أسلحتها، وقامت بإحراقها في مراسم رمزية في السليمانية شمال العراق في 11 يوليو (تموز) الحالي، بوصفها بادرة حسن نية، وتأكيداً للالتزام بدعوة أوجلان، التي ألحقها بدعوة ثانية بثت عبر رسالة فيديو في 9 يوليو الحالي أعلن خلالها انتهاء مرحلة الكفاح المسلح ودعا حزب «العمال الكردستاني» إلى التوجه للعمل السياسي القانوني الديمقراطي.

«الكردستاني» يُحدد شروطه

وينتظر حزب «العمال الكردستاني» خطوات من الدولة التركية من أجل البدء في عملية نزع أسلحته التي ينتظر أن تستغرق، وفق تقديرات السلطات التركية، من 3 إلى 5 أشهر، في مقدمتها الإفراج عن أوجلان، الذي يقبع في سجن بجزيرة إيمرالي جنوب بحر مرمرة غرب تركيا منذ 26 عاماً.

وقال المتحدثون باسم مجموعة «السلام والمجتمع الديمقراطي»، تكين موش، وتيكوشين أوزان، ونديم سيفين، لوسائل إعلام قريبة من «العمال الكردستاني»، إنه «إذا لم تتخذ الدولة خطوات ملموسة، فإن مجموعة الـ30 شخصاً الذين ألقوا السلاح ستكون أول وآخر مَن يفعل ذلك، بهذا الإجراء، أظهرنا الجدية وحسن النية اللازمين، ستحدد الخطوات التي تتخذها الدولة مسار العملية المقبلة».

مجموعة من عناصر حزب «العمال الكردستاني» أثناء مراسم رمزية في السليمانية لإحراق أسلحتها (رويترز)

وقال سيفين إن «مسألة إلقاء السلاح ليست مستبعدة تماماً، لكن إذا وقع هجوم جديد على الشعب الكردي، وإذا لم تضمن حرية «القائد آبو» (أوجلان)، وإذا لم يُمهد الطريق نحو الديمقراطية السياسية، ولم تُطبق اللوائح القانونية، ولم يُطلق سراح المعتقلين السياسيين، فلن يُهيئ ذلك بيئةً إيجابيةً، بل سيخلق بؤر أزمات جديدة، وإذا لم يتغير هذا المناخ في منطقتنا؛ حيثُ الأسلحة واحتمالات الصراع عالية، فستظلّ الأسلحة بطبيعة الحال أداةً فعّالة».

اعتقالات جديدة بإسطنبول

على صعيد آخر، نفّذت السلطات التركية، فجر الجمعة، موجة اعتقالات جديدة في إطار التحقيقات حول فساد مزعوم في بلدية إسطنبول، التي بدأت منذ اعتقال رئيس البلدية المرشح الرئاسي لحزب «الشعب الجمهوري»، أكرم إمام أوغلو، في 19 مارس (آذار) الماضي.

اعتقالات جديدة في إسطنبول وسط استمرار احتجاجات المعارضة على اعتقال إمام أوغلو (حزب الشعب الجمهوري - «إكس»)

وتم القبض على 14 من بين 18 شخصاً بموجب مذكرة أصدرها مكتب التحقيق في الجرائم المالية التابع لمكتب المدعي العام لمدينة إسطنبول، ولا يزال البحث جارياً عن 4 آخرين.

وتصف المعارضة التركية، ودول حليفة لتركيا، الحملة القضائية التي تستهدف حزب «الشعب الجمهوري»، بأنها انقلاب على الديمقراطية وعملية موجهة سياسياً لإضعاف الحزب بعد الفوز الكبير الذي حققه في الانتخابات المحلية عام 2024، وإبعاد أكرم إمام أوغلو، أكبر منافسي الرئيس رجب طيب إردوغان على رئاسة البلاد.


مقالات ذات صلة

تركيا: هجمات المدارس تخيم على احتفالات «عيد السيادة الوطنية والطفولة»

شؤون إقليمية أطفال يحتفلون بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الـ106 أمام ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك في أنقرة الخميس (إعلام تركي)

تركيا: هجمات المدارس تخيم على احتفالات «عيد السيادة الوطنية والطفولة»

خيَّم الهجومان الداميان اللذان وقعا في مدرستين بجنوب تركيا، مؤخراً، على احتفالها بـ«عيد السيادة الوطنية والطفولة» الذي وافق الذكرى 106 لتأسيس البرلمان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي زحمة حضور كردي في مركز حكومي في المالكية القديمة بمنطقة القامشلي (أ.ف.ب)

سوريون أكراد يتدفقون إلى مراكز حكومية طلباً لجنسية حرموا منها لعقود

مرسوم أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في يناير (كانون الثاني)، نصّ على منح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين في سوريا، وبمن فيهم مكتومو القيد...

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية كردي يرفع صورة لأوجلان خلال احتفالات عيد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (أ.ب)

تركيا: أوجلان يطلب التشاور مع قيادات «الكردستاني» بشأن «قانون السلام»

طلب زعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان تمكينه من التشاور مع قيادات الحزب في شمال العراق بشأن مشروع قانون في إطار «عملية السلام» في تركيا

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي اجتماع وزير الخارجية أسعد الشيباني بعددٍ من أعضاء الكونغرس الأميركي على هامش أعمال «مؤتمر ميونيخ للأمن» بحضور القيادييْن مظلوم عبدي وإلهام أحمد («الخارجية» السورية)

عبدي وأحمد في دمشق لمتابعة مسار الدمج

وصل قائد «قسد» مظلوم عبدي ومسؤولة العلاقات في الإدارة الذاتية إلهام أحمد إلى دمشق، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية آلاف الأكراد يرفعون صوراً لزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان مطالبين بإطلاق سراحه خلال احتفالات عبد النوروز في إسطنبول في 22 مارس الماضي (رويترز)

محامو أوجلان يطالبون مجلس أوروبا بإلزام تركيا إطلاق سراحه

قدم محامو زعيم حزب «العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان، إخطاراً إلى لجنة وزراء مجلس أوروبا بشأن منحه «الحق في الأمل» وإطلاق سراحه

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».