الفلسطينيون يتكبدون «التغييب» ثمناً للحرب الإسرائيلية - الإيرانية

صورة مركبة للمرشد الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
صورة مركبة للمرشد الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
TT

الفلسطينيون يتكبدون «التغييب» ثمناً للحرب الإسرائيلية - الإيرانية

صورة مركبة للمرشد الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)
صورة مركبة للمرشد الإيراني علي خامنئي ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

كانت حرب إسرائيل على غزة الغائب الأكبر عن مناقشات قادة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، خلال قمتهم، التي اختتمت الثلاثاء، واستضافت دورتها مقاطعة ألبرتا الكندية.

وفي حين دعا القادة السبعة إلى «التهدئة» في الحرب الدائرة، منذ ليل الخميس - الجمعة الماضي، بين إسرائيل وإيران، فإنهم أكدوا، بالتوازي، على «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، وشددوا على أنه يجب ألا تمتلك طهران «أبداً» سلاحاً نووياً.

والملاحظ أن «السبع» لم يدعوا إلى وقف إطلاق النار، ولا العودة إلى المفاوضات التي كانت قائمة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أجهضها الهجوم الإسرائيلي على المواقع النووية والعسكرية الإيرانية.

الصورة التذكارية لقادة مجموعة السبع الصناعية في ولاية ألبرتا الكندية يوم 16 يونيو (أ.ب)

وإذا كان مفهوماً اهتمام «مجموعة السبع» بالحرب المستجدة بين تل أبيب وطهران لما لها من تداعيات جيواستراتيجية وتبعات اقتصادية ومخاطر من تمددها، فإنه من غير المفهوم أن يكون قادة «السبع» قد جانبوا تناول حرب غزة المتواصلة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023؛ حيث لم يصدر أي بيان بهذا الشأن، بل إن الملف لم يكن مطروحاً على طاولة المحادثات.

غزة... ومؤتمر الدولتين

ما حصل في أتلانتا يعكس أمراً أساسياً قوامه أن غزة كانت «الضحية الأولى للحرب التي أطلقتها إسرائيل في هجومها على إيران».

يمكن القول إن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أصاب أهدافاً عدة برمية واحدة، وكان من تبعات عمليته العسكرية التشويش على انعقاد «مؤتمر حل الدولتين» الذي كان مُنتَظراً انعقاده ما بين 17 و20 يونيو الحالي، في نيويورك، بدعوة من الأمم المتحدة، وبرئاسة مشتركة سعودية - فرنسية، لحشد مزيد من الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

لكن إزاء هذا الوضع، كان من الطبيعي أن تقرع الرئاسة المشتركة للمؤتمر المؤجل ورؤساء مجموعات العمل الثمانية ناقوس الخطر، في بيان صدر الثلاثاء، للإعراب عن القلق «من التصعيد المستمر والتطورات الأخيرة التي استدعت تعليق المؤتمر».

وبالنظر للمخاوف المحيقة بمصير المؤتمر؛ فإن الدول المعنية «حرصت على إعادة التأكيد على التزامها الكامل بأهداف المؤتمر وضمان استمرار أعماله وتحقيق أهدافه»، وعلى «استمرارية دعمها اللامتزعزع لكافة الجهود الرامية لإنهاء الحرب في غزة، وتحقيق تسوية عادلة ومستدامة للقضية الفلسطينية من خلال تطبيق حل الدولتين، وضمان الاستقرار والأمن لجميع الدول في المنطقة».

ولأن أضواء نيويورك التي كانت مرتَقَبة، بفضل القمة الموعودة، قد حُجِبت عن غزة، فإن جرائم القتل العمد تواصلت يومياً. وآخر محصلة لها سقوط 47 قتيلاً، وفق وزارة الصحة، في الساعات الـ24 الأخيرة، بسبب النيران التي تُطلَق يومياً على الغزيين الذين يسعون للحصول على مقومات العيش عبر «مؤسسة غزة الإنسانية»، التي ابتدعتها إسرائيل بدعم أميركي لتهميش الوكالات الدولية العاملة في غزة.

فلسطينيون مصدومون بمقتل شاب بنيران إسرائيلية أثناء توجهه للحصول على مساعدة غذائية في غزة (أ.ف.ب)

ووفق الوزارة نفسها، فإن 397 فلسطينياً قُتلوا على أيدي الجيش الإسرائيلي منذ أن انطلق عمل هذه المؤسسة، فيما أُصيب ما لا يقل عن 3 آلاف شخص. وبأي حال، تراجع الاهتمام الدولي بحرب غزة إلى درجة أن تناول ما يجري فيها يُختصر بالإشارة السريعة لأعداد القتلى والجرحى الذين يتساقطون يومياً، بمعدل خمسين شخصاً.

دفعة إلى الخلف

تقول مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس إن الحرب التي أطلقها نتنياهو «حرفت الأنظار عما يجري في غزة، ودفعت ملفها إلى الخلف، بحيث تركز اهتمام الداخل الإسرائيلي والعالم الخارجي على الحرب مع إيران».

وتضيف هذه المصادر أن نتنياهو «كان يعاني من وضع سياسي هش: ففي الداخل، تزايدت الضغوط عليه. وتواصل الحرب في غزة إحداث انقسام عميق في المجتمع الإسرائيلي».

أما في الخارج، فإن «إسرائيل أُصيبت بانتكاسة سياسية ودبلوماسية من دول كان دعمها لإسرائيل لا يخضع للتساؤل، مثل: كندا وبريطانيا وأستراليا ونيوزيلندا وهولندا». وجاء الإعلان عن «مؤتمر نيويورك» ليضاعف الضغوط لأنه أعاد حل الدولتين إلى الواجهة، وهو ما لا يريده نتنياهو إطلاقاً.

يُضاف إلى ما سبق أن الأخير كان يتخوف من اعتراف فرنسا بالدولة الفلسطينية، وأهمية الخطوة الفرنسية «لو حدثت» أنها كان مقدراً لها أن تجر وراءها دولاً أخرى مثل بلجيكا ولوكسمبورغ وهولندا وكندا، وربما أيضاً بريطانيا؛ ما كان سيشكل «هزيمة دبلوماسية وسياسية إضافية» لإسرائيل.

نتنياهو يعزز موقعه

مع إطلاق الهجمات ضد إيران، نجح نتنياهو في استعادة المبادرة: ثمة أكثرية إسرائيلية تدعم الحرب على إيران التي يصفها الأول بأنها «العدو الوجودي»، لا، بل إن المعارضة الإسرائيلية تناست انتقاداتها، وعبَّرت عن دعمها له.

وفي الخارج، أعربت دول العالم الغربي عن دعمها لإسرائيل، بما في ذلك الدول الأوروبية؛ إذ سارع قادة فرنسا وبريطانيا وألمانيا ورئيسة المفوضية الأوروبية للتواصل مع نتنياهو للتأكيد على «حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها»، رغم أنها الجهة التي هاجمت إيران، وليس العكس.

ولعلَّ السبب الأول أوروبياً أن القارة القديمة تعتبر أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديداً وجودياً لأمن القارة، وأن الأسلحة النووية الإيرانية، في حال أصبحت واقعاً، ليست تهديداً لإسرائيل فقط، وإنما لأوروبا أيضاً.

ولذا، فإعلان تأييدها لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها يعني، عملياً، تأييد الحرب الإسرائيلية على إيران.

ومع هذا الدعم، تراجع الاهتمام الغربي بملف غزة، وأصبح من الصعب على قادته أن يواصلوا انتقاد الأداء الإسرائيلي، بينما يقفون إلى جانب إسرائيل في حربها على إيران.

وكان المستشار الألماني فريدريتش ميرتس الأكثر صراحة، عندما أعلن أن إسرائيل «تقوم بالعمل القذر مكان الأوروبيين»، في العمل على القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وعلى أنشطة طهران الصاروخية والباليستية.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس (أ.ف.ب)

ولا شك أن القرار الذي صدر عن مجلس محافظي «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» في فيينا، الأسبوع الماضي، الذي جاء فيه أن طهران «لم تحترم التزاماتها المنصوص عليها في معاهدة منع انتشار السلاح النووي»، قد وفَّر لإسرائيل الحجة التي كانت تبحث عنها لمهاجمة إيران، باعتبار أن قرار «الوكالة» يعني ضمناً أن إيران تسعى للحصول على السلاح النووي.

ربط بالعربة الإسرائيلية

فضلاً عن ذلك، فإن نتنياهو نجح في جر الرئيس الأميركي إلى الانخراط في الحرب بشكل أو بآخر. وباختصار، فإن نتنياهو «ربط» الأوروبيين «ومعهم الولايات المتحدة» بالعربة الإسرائيلية، وحصن نفسه من الانتقادات، بما في ذلك في الملف الفلسطيني.

تقول كسينيا سفيتلوفا، الباحثة في «برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»، بالمعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية، وفق ما نقلت عنها «الوكالة الألمانية»، إن «تغييب الحرب في غزة والتركيز على إيران يمثلان نجاحاً لإسرائيل؛ إذ تمكنت من فصل الملف النووي عن الرفض الأوروبي للحرب الإسرائيلية في القطاع».

والنتيجة كانت تحصين إسرائيل ونتنياهو من الانتقادات في القارة الأوروبية، بحيث يدفع قطاع غزة وسكانه ثمن الحرب الجديدة.

ناشطون مؤيدون للفلسطينيين خلال مظاهرة في باريس ضد الحرب في غزة - 28 مايو الماضي (أ.ف.ب)

فهل يعني هذا الكلام أن غزة والملف الفلسطيني قد طُوِيا مجدداً؟ الجواب جاء على لسان الرئيس الفرنسي، مساء يوم الجمعة الماضي، إذ قال ما نصُّه: «إن تأجيل (المؤتمر) لا يمكن أن يغيّر من عزمنا على المضي قدماً نحو تنفيذ حل الدولتين، مهما كانت الظروف».

كلام ماكرون يراد منه أن يعكس التزاماً فرنسياً قوياً. لكن ما بين الإعلان عنه من جهة والذهاب إلى التنفيذ من جهة أخرى، ثمة هوة شاسعة ومتغيرات لا يتحكم الرئيس الفرنسي بمسارها. ولقد عانى الفلسطينيون من خيبات كثيرة، ولا شيء يكفل حمايتهم من خيبات مقبلة.


مقالات ذات صلة

تصعيد إيراني في «هرمز» يختبر تمديد الهدنة

شؤون إقليمية طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

تصعيد إيراني في «هرمز» يختبر تمديد الهدنة

أطلقت إيران، الأربعاء، مرحلة جديدة من التصعيد في مضيق هرمز بمهاجمة ثلاث سفن، بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار.

«الشرق الأوسط» (لندن – واشنطن - طهران)
شؤون إقليمية إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)

الحرب قد تدفع الإيرانيين في تركيا للعودة إلى بلادهم

الحرب تهدد استقرار الإيرانيين في تركيا؛ إقامات مؤقتة وفرص محدودة تدفع بعضهم للعودة رغم المخاطر، وصعوبة الأوضاع في بلدهم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية رجلا دين إيرانيان يتحدثان في بازار طهران الثلاثاء (رويترز)

إيران: إعدام رجل دين أحرق جامعاً «لصالح الموساد»

أعلنت السلطة القضائية الإيرانية، الثلاثاء، إعدام رجل دين بعد إدانته بالعمل مع جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد»، والمشاركة في إحراق مسجد كبير في طهران.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية إيرانيان يمران أمام لوحة جدارية مناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (أ.ف.ب)

إسرائيل «تفضل» استئناف القتال على اتفاق إيراني - أميركي

رأى مستشار سابق مقرب من رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أن «استئناف القتال مع إيران أفضل من أي اتفاق».

شؤون إقليمية رئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع (أرشيفية - رويترز)

مقتل العميل «م» يكشف دوراً استخبارياً في حربي إسرائيل ضد إيران

أعلن رئيس جهاز «الموساد» دافيد برنياع، الثلاثاء، مقتل عميل يُشار إليه بالحرف «م» خارج إسرائيل خلال عمليات ضد إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

إيران تُصعّد في «هرمز» بعد تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

صعّدت إيران، أمس (الأربعاء)، في مضيق هرمز بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار؛ إذ تعرضت 3 سفن لهجمات متلاحقة، واحتجز «الحرس الثوري» اثنتين.

وجاء التصعيد تزامناً مع الإبقاء على باب التفاوض موارباً وفي ظل انتظار المفاوض الباكستاني تقليص الفجوة بين الجانبين.

وأكد الرئيس الأميركي أنه سيمدد الهدنة بانتظار «مقترح موحد» من طهران، مع إبقاء الجيش على أهبة الاستعداد، ومواصلة الحصار على الموانئ الإيرانية.

كما قال ترمب إن استئناف المحادثات «ممكن» خلال الأيام المقبلة، مشدداً على أن الحصار البحري يظل أداة الضغط الأساسية. وأكّد أن إيران لن تنتزع اتفاقاً من دون تقديم عرض واضح.

في المقابل، قال رئيس البرلمان الإيراني كبير المفاوضين محمد باقر قاليباف إن وقف إطلاق النار لا معنى له إذا استمر الحصار البحري.

ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين أن واشنطن ترى «انقساماً حاداً» بين المفاوضين والعسكريين داخل طهران، وأن غياب مركز قرار واضح يعرقل بلورة موقف موحد.

كما نقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب سيمنح إيران بضعة أيام لتقديم خطة سلام.

وفي هرمز، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني بأن سفينة حاويات تعرضت لإطلاق نار من زورق تابع لـ«الحرس الثوري»، ما ألحق أضراراً جسيمة بجسر القيادة، فيما تعرضت سفينة ثانية لإطلاق نار من دون تسجيل أضرار، قبل أن تعلن وسائل إعلام إيرانية استهداف سفينة ثالثة واحتجاز السفينتين «إم إس سي فرانشيسكا» و«إيبامينونداس».


إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
TT

إيران توثق استهداف منشآتها العلمية تمهيدا لمقاضاة أميركا وإسرائيل

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)
رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

بدأت إيران بتوثيق الهجمات الأميركية الإسرائيلية التي استهدفت مراكزها العلمية، وتعمل على إعداد ملف قانوني لملاحقتهما في المحافل الدولية، وفقاً لما ذكرته وكالة مهر الإيرانية للأنباء.

وفي تصريحات أدلى بها خلال زيارة لجامعة «الشهيد بهشتي» في طهران، قال نائب الرئيس الإيراني لشؤون العلوم والتكنولوجيا والاقتصاد القائم على المعرفة حسين أفشين إن هذا الجهد يتم تنفيذه «من خلال الدائرة القانونية في رئاسة الجمهورية»، بحسب تقرير الوكالة.

ووفقا للحكومة الإيرانية، تضررت أكثر من 20 جامعة في إيران جراء الضربات منذ بدء الحرب، كما تم استهداف أكاديميين فيما تزعم طهران أنها محاولة لإضعاف الأسس العلمية والثقافية للبلاد.

وصرح أفشين بأن «الهجمات على البنى التحتية العلمية والجامعية ليست مجرد اعتداء على الممتلكات والمعدات، بل هي هجوم على أسس إنتاج المعرفة، وتدريب الموارد البشرية الماهرة، ومستقبل التنمية في البلاد».

وأضاف أن السلطات الإيرانية تجمع «كافة الوثائق الفنية، وتقارير الخبراء، والأدلة الميدانية" تمهيدا لتقديمها "عبر القنوات القانونية المتاحة إلى الهيئات الدولية ذات الصلة»، وفقا لما ذكرته وكالة مهر.


انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
TT

انتشار أميركي متصاعد: حاملات الطائرات تعزز الحصار البحري على إيران

«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)
«يو إس إس بوكسر» التي تحمل قوة من مشاة البحرية (مارينز) تبحر في الشرق الأوسط (أ.ف.ب)

صعّدت الولايات المتحدة انتشارها العسكري في الشرق الأوسط مع اقتراب حاملة الطائرات «يو إس إس جورج إتش دبليو بوش» من مسرح العمليات، في وقت عادت فيه «يو إس إس جيرالد فورد» إلى المنطقة، لتنضم إلى «يو إس إس أبراهام لينكولن».

ويضع هذا التحرك ثلاث حاملات طائرات أميركية في نطاق عملياتي واحد أو على مقربة منه، مع مجموعة ضاربة ثالثة تضيف نحو 5000 عنصر وثلاث مدمرات مرافقة، في أكبر حشد بحري من هذا النوع منذ عام 2003، في سياق توسيع الحصار البحري المفروض على إيران.

وتشير المعطيات إلى أن البحرية الأميركية تعمل على تشكيل طوق بحري متدرج يمتد من البحر الأحمر إلى بحر العرب والمحيط الهندي، بما يتيح التحكم بخطوط الملاحة المؤدية إلى الموانئ الإيرانية، مع إبقاء وحدات قتالية في حالة جاهزية للتحرك السريع نحو الخليج العربي ومضيق هرمز.

عودة «فورد» إلى المنطقة

عادت حاملة الطائرات «جيرالد فورد» إلى الشرق الأوسط بعد عبورها قناة السويس إلى البحر الأحمر برفقة مدمرتين، لتدخل مجدداً نطاق العمليات بعد توقف سابق بسبب حريق اندلع في مارس (آذار) في أحد مرافقها الداخلية. واستأنفت الحاملة انتشارها بعد إصلاح الأضرار، لتلتحق بالمسرح العملياتي ضمن نطاق القيادة المركزية الأميركية.

وانضمت «فورد» إلى «أبراهام لينكولن» العاملة في شمال بحر العرب، ما يعني وجود حاملتي طائرات قادرتين على تنفيذ عمليات جوية وبحرية متزامنة، تشمل الطلعات القتالية والاستطلاع والدعم اللوجيستي، إضافة إلى تغطية عمليات الحصار البحري.

«لينكولن» وغطاء بحر العرب

تواصل «أبراهام لينكولن» العمل في شمال بحر العرب، حيث تؤدي دوراً محورياً في العمليات الجوية والرقابة البحرية. وتعمل الحاملة ضمن مجموعة ضاربة تضم سفناً مرافقة وأنظمة دفاع جوي وصاروخي، ما يوفر لها قدرة على تنفيذ مهام متعددة تشمل الحماية البحرية، ومرافقة السفن، وتقديم الإسناد لعمليات الاعتراض والتفتيش.

ويتيح وجود «لينكولن» في هذا القطاع تغطية مساحات واسعة من المجال البحري الممتد بين بحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي، مع قدرة على دعم عمليات الحصار البحري المستمرة على الموانئ الإيرانية.

اقتراب «بوش» من مسرح العمليات

تتحرك حاملة الطائرات «جورج إتش دبليو بوش» نحو الشرق الأوسط عبر المسار الجنوبي حول رأس الرجاء الصالح، بدلاً من المرور عبر مضيق باب المندب. ويُتوقع أن تصل إلى بحر العرب خلال أيام، ما يرفع عدد حاملات الطائرات الأميركية إلى ثلاث مجموعات ضاربة في المنطقة أو على مقربة منها، بحسب ما أوردته صحيفة «فايننشال تايمز».

وترافق «بوش» ثلاث مدمرات، ما يعزز قدرات الحماية والهجوم والدفاع الجوي للمجموعة. ويتيح هذا الانتشار تغطية متداخلة للبحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي، مع قدرة على إعادة التموضع السريع نحو الخليج العربي في حال تطلبت العمليات ذلك.

وسيضيف وصولها نحو خمسة آلاف عنصر إلى المنطقة ضمن مجموعة ضاربة ثالثة، ما يرفع مستوى الحشد البحري الأميركي إلى أكبر مستوى له منذ حرب العراق عام 2003.

أظهرت بيانات التتبع عبر موقع «فلايت رادار24» تحليق طائرة لوجستية من طراز «في - 22 أوسبري» قرب جزر القمر، في مؤشر على وجود أو اقتراب الحاملة «بوش» من مسرح العمليات. وتُستخدم هذه الطائرات لنقل الأفراد والبريد والحمولات وقطع الغيار بين القواعد البرية وحاملات الطائرات في البحر.

ويُعد ظهور هذه الطائرات على أنظمة التتبع المدني مؤشراً غير مباشر على مواقع المجموعات البحرية، في ظل التزام السفن العسكرية عادةً بإجراءات تقليل البصمة الإلكترونية وعدم بث مواقعها بشكل مباشر.

قوات برمائية وانتشار بحري موسع

بالتوازي مع حاملات الطائرات، دفعت الولايات المتحدة بقوات إنزال بحرية كبيرة إلى المنطقة؛ فقد وصل نحو 3500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم 2200 من عناصر الوحدة الاستكشافية 31، على متن سفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس تريبولي» والسفينة «يو إس إس نيو أورليانز»، ثم انضمت إليهما لاحقاً سفينة الإنزال «يو إس إس راشمور».

كما تتحرك مجموعة برمائية ثانية تضم نحو 4500 من البحارة ومشاة البحرية، بينهم عناصر الوحدة الاستكشافية 11، على متن مجموعة «بوكسر» التي تضم «يو إس إس بوكسر» وسفينتين مرافقتين. وكانت هذه المجموعة قد غادرت بيرل هاربر في الأول من أبريل (نيسان)، ويُتوقع وصولها إلى المنطقة في نهاية الشهر.

طائرة من طراز «في - 22 أوسبري» (أ.ب)

نفذت قوات من مشاة البحرية عمليات إنزال انطلاقاً من «تريبولي»، حيث استخدمت مروحيات لنقل عناصر سيطرت على سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب. وتعد هذه العملية أول عملية مصادرة لسفينة منذ بدء الحصار البحري على الموانئ الإيرانية.

وتوفر هذه القوات قدرة على تنفيذ عمليات صعود على متن السفن أو إنزال مباشر من البحر باستخدام مروحيات وزوارق إنزال ومركبات برمائية، بما يعزز من فاعلية الحصار البحري وقدرته على فرض السيطرة على خطوط الملاحة.

قوات برية وجاهزية تدخل

أمر البنتاغون بنشر ما يصل إلى 3000 جندي من الفرقة 82 المحمولة جواً، وهي قوة مظلية قادرة على الانتشار السريع باستخدام طائرات نقل عسكرية من طراز سي-17 وسي-130. كما تم نشر نحو 10 آلاف جندي مدربين على عمليات الاستيلاء على الأرض والاحتفاظ بها.

وتتمتع هذه القوات بقدرة على تنفيذ عمليات إنزال جوي خلال ساعات، مع إسقاط الأفراد والمركبات والمدفعية في مناطق العمليات. وتعمل هذه الوحدات بالتوازي مع القوات البرمائية، ما يوفر خيارات متعددة للانتشار الميداني.

حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب 25 فبراير الماضي (رويترز)

شبكة حصار بحري متكاملة

يشمل الانتشار الأميركي مدمرات وسفن إنزال ومنصات استطلاع وطائرات دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون»، إضافة إلى طائرات تزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135». وتؤدي هذه الشبكة دوراً محورياً في مراقبة السفن واعتراضها، وتأمين خطوط الملاحة، وتنفيذ عمليات الإنفاذ البحري.

ويغطي هذا الانتشار الممرات البحرية الرئيسية، بما في ذلك مضيق هرمز وخليج عمان وبحر العرب، مع قدرة على متابعة السفن الداخلة والخارجة من نطاق الملاحة المرتبط بإيران.

ويمنح وجود ثلاث حاملات أو ما يقارب ذلك الولايات المتحدة قدرة كبيرة على توزيع الطلعات الجوية ومهام الحماية البحرية والاستطلاع بعيد المدى. وتوفر الحاملات غطاءً دائماً لعمليات التفتيش والاعتراض، وتدعم القدرات اللوجستية والقتالية للقوات المنتشرة في البحر.

ومع استمرار الحصار، تتحول هذه الحاملات إلى منصات لفرض ضغط متواصل على إيران، من دون الحاجة إلى إعلان حملة هجومية جديدة. كما يسمح هذا الانتشار بالحفاظ على الجاهزية إذا فشلت المساعي السياسية واضطرت واشنطن إلى توسيع العمليات مجدداً.

زورق على متن سفينة الهجوم البرمائية «يو إس إس بوكسر» «واسب» خلال عمليات الإنزال من السفينة إلى الشاطئ في المحيط الهادئ، في 18 مارس 2026 (البحرية الأميركية)

جاهزية عملياتية مستمرة

توفر الوحدات الاستكشافية البحرية قدرة على تنفيذ إنزال سريع من السفن إلى الساحل باستخدام زوارق ومروحيات و«في - 22 أوسبري»، مع نقل الوقود والإمدادات مباشرة من البحر. وتتيح هذه القدرات استمرار العمليات لفترات ممتدة مع دعم لوجستي من السفن القريبة.

في المقابل، تعتمد قوات الفرقة 82 المحمولة جواً على إسقاط سريع مع إمدادات تكفي من يوم إلى يومين، قبل الحاجة إلى إعادة الإمداد عبر الجو أو من خلال خطوط دعم إضافية.

تؤمّن هذه التشكيلات العسكرية قدرة على تنفيذ عمليات بحرية وجوية وبرية متزامنة، تشمل الحصار البحري، وعمليات الاعتراض، والإنزال، والتدخل السريع. ومع وجود ثلاث حاملات طائرات ومجموعتين برمائيتين وقوات محمولة جواً، يكتمل انتشار عسكري متعدد الأبعاد يغطي كامل مسرح العمليات البحري المحيط بإيران، مع جاهزية مستمرة لتنفيذ المهام العملياتية المختلفة.

يأتي هذا الحشد ضمن عملية «ملحمة الغضب»، حيث بلغ عدد المصابين في صفوف القوات الأميركية 400 عنصر، بينهم 271 من الجيش و64 من البحرية و19 من مشاة البحرية و46 من سلاح الجو. كما بلغ عدد القتلى 13 عسكرياً، سقطوا في المراحل الأولى من الحرب.

وتعكس هذه الأرقام اتساع نطاق العمليات العسكرية وتعدد أذرعها البرية والبحرية والجوية، في ظل استمرار الانتشار العسكري واسع النطاق.

قدرات إيرانية ما زالت قائمة

في المقابل، تشير تسريبات من مسؤولين أميركيين نقلتها شبكة ـ«سي بي إس نيوز» إلى أن القدرات العسكرية الإيرانية لا تزال أكبر مما أعلنته الإدارة الأميركية؛ فبحسب هذه التقديرات، بقي نحو نصف مخزون الصواريخ الباليستية ومنصات إطلاقها سليماً عند بداية وقف إطلاق النار، فيما لا يزال نحو 60 في المائة من الذراع البحرية لـ«الحرس الثوري» قائماً، بما في ذلك الزوارق السريعة الهجومية.

كما يعتقد أن نحو ثلثي القوة الجوية الإيرانية لا تزال قابلة للعمل، رغم الحملة الجوية المكثفة التي استهدفت آلاف المواقع. ويعني ذلك أن الانتشار الأميركي لا يواجه فراغاً عسكرياً، بل خصماً ما زال يحتفظ بقدرات كافية لإرباك الملاحة ورفع كلفة الحصار.