الدور الأوروبي في عملية ليّ الذراع الأميركية - الإيرانية

الثلاثي الأوروبي تتوافر له الفرصة للعودة إلى المفاوضات النووية بالتلويح بورقة تفعيل آلية «سناب باك»

مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي متحدثاً للصحافة الاثنين بعد أول جلسة لمجلس محافظي الوكالة في فيينا (رويترز)
مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي متحدثاً للصحافة الاثنين بعد أول جلسة لمجلس محافظي الوكالة في فيينا (رويترز)
TT

الدور الأوروبي في عملية ليّ الذراع الأميركية - الإيرانية

مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي متحدثاً للصحافة الاثنين بعد أول جلسة لمجلس محافظي الوكالة في فيينا (رويترز)
مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي متحدثاً للصحافة الاثنين بعد أول جلسة لمجلس محافظي الوكالة في فيينا (رويترز)

ثمة عملية لي ذراع رباعية الأطراف يشهدها مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي انطلق، الاثنين، في فيينا ومحوره الملف النووي الإيراني. ثلاثة منهم يشاركون في الاجتماعات حضورياً «الولايات المتحدة، إيران والدول الأوروبية الثلاث المعنية مباشرة بالملف أي فرنسا وألمانيا وبريطانيا» والطرف الرابع «إسرائيل» يشارك عن بعد، ورغم ذلك فله دور أساسي فيما سيصدر عن المجلس.

وترى مصادر أوروبية في باريس أن لهذا الاجتماع «أهمية استثنائية» نظراً لحلوله وسط ضبابية تلف مصير المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران بوساطة عمانية، حيث إنها وصلت إلى مرحلة حاسمة قد تقود سريعاً جداً؛ إما إلى حلحلة تفتح الطريق للتوصل إلى اتفاق أميركي – إيراني، وإما أن تفضي إلى طريق مسدود.

والحالة الثانية يمكن أن تترجم إلى عمل عسكري إسرائيلي، أو إسرائيلي – أميركي، علماً بأن المتعارف عليه أن الرئيس دونالد ترمب طلب من إسرائيل الامتناع عن الإقدام على مبادرة عسكرية ما دامت المفاوضات ما زالت جارية.

مضبطة اتهام

وبانتظار أن تكشف طهران عن المقترح البديل للمقترح الأميركي الذي تعدّه «غير مقبول»، وهي تعدد الأسباب لذلك بعيداً عن أجواء جولات المفاوضات، ولا يتناول رفع العقوبات، ويرفض احتفاظ طهران بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، وإن بنسب متدنية وتحت رقابة دولية...»، فإن اجتماع فيينا منعقد في أجواء متشنجة.

صورة نشرها موقع الوكالة الدولية للطاقة الذرية من انطلاق اجتماعها الفصلي في فيينا برئاسة غروسي يوم الاثنين

وتتجه الأنظار إلى الوفود الأوروبية الثلاثة التي يفترض أن تكشف، الأربعاء، عن مشروع القرار الذي أعدته بتعاون ودعم أميركيين. ووفق المعلومات الواردة من فيينا عبر قنوات متعددة، فإن ما يعده الأوروبيون يشكل «مضبطة اتهام كاملة» ضد إيران، وهو يستعيد ما جاء في تقرير الوكالة الدولية الأخير من «انتهاكات» إيرانية لمضمون اتفاق عام 2015، ومنها الارتقاء بتخصيب اليورانيوم إلى درجة 60 في المائة، وربما أعلى من ذلك، ومراكمته بحيث تمتلك إيران نحو 400 كلغ منه، ولتقاعس الطرف الإيراني عن الاستجابة لمطالب الوكالة لحل لغز آثار تخصيب وتجارب نووية قديمة في ثلاثة مواقع.

الحاجة لدور أوروبي

ليس سراً أن الأوروبيين يريدون أن يكون لهم دور في المفاوضات الأميركية - الإيرانية. ويذكر مصدر فرنسي رسمي أن الدول الأوروبية الثلاث ضالعون في الملف النووي منذ 23 عاماً، وأنهم لعبوا لسنوات دور الوسيط بين الطرفين، وحتى مفاوضات فيينا التي جرت في عهد الرئيس بايدن، كما أجروا في الشهر الأخير ثلاث جولات من المحادثات في روما مع الإيرانيين لم تفض إلى شيء.

لكن الطرفين الأميركي والإيراني يستشعران الحاجة لهم في المرحلة الراهنة: فالجانب الأميركي يعول عليهم في فيينا من أجل إصدار قرار قوي يمكّنهم من نقل الملف النووي إلى مجلس الأمن الدولي، حيث إمكانية تفعيل آلية «سناب باك» المعقدة الذي يعني إعادة فرض ست مجموعات عقابية دولية على طهران تم تجميدها بموجب القرار 2231.

وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو يستقبل نظيره الأميركي ماركو روبيو في باريس 17 أبريل 2025 (أ.ب)

بالمقابل، فإن طهران المتخوفة من تطور كهذا تلجأ إلى كافة الوسائل المتاحة لمنعهم، بما فيها التهديد باتخاذ تدابير صارمة بحق الوكالة ومفتشيها، ومنها طردهم، بل إن بعض الأصوات الإيرانية تدعو إلى الانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي وإنتاج السلاح النووي من غير أن تنظر في التداعيات المتعلقة بسلوك كهذا الذي من شأنه أن يحول إيران إلى «كوريا شمالية أخرى»، والأهم توفير الذرائع لتعريضها لهجمات إسرائيلية وأميركية.

بين الإقدام والإحجام

تقول المصادر الأوروبية المشار إليها إن هناك ثلاثة أمور يجمع عليها خبراء الشأن الإيراني: الأول، أن إيران لا تريد الوصول إلى حرب تكون فيها الطرف الأضعف. لذا، أبدت استعدادها لمواصلة التفاوض رغم العقبات. بالمقابل، ليس الكشف، في هذا التوقيت بالذات عن نجاح المخابرات الإيرانية في إخراج وثائق سرية تتناول البرنامج النووي الإسرائيلي، وهو الأمر الذي أكده مدير الوكالة الدولية رافاييل غروسي، الاثنين، سوى إحدى أوراق «الردع» التي تتسلح بها طهران اليوم بعد «تحييد» أوراقها الأولى؛ أكانت «حماس» في غزة أو «حزب الله» في لبنان أو الحوثيين «نسبياً» في اليمن، فضلاً عن انهيار نظام الرئيس بشار الأسد في سوريا. والمعروف أيضاً أن ترمب لا يريد الحرب ما دامت المفاوضات قائمة.

والثاني أن الجانب الأوروبي أصبح أكثر التصاقاً بالمقاربة الأميركية. ورصد التصريحات الصادرة عن باريس وبرلين ولندن تؤكد ذلك قطعاً. والأوروبيون لا يريدون، من جانبهم أيضاً، الحرب مع إيران؛ لأنها «ستكون مختلفة تماماً» عما حصل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023. والثالث أنهم يعون أهمية موقفهم وتبعاته وهم يعدّون أن صدور قرار متشدد عن مجلس المحافظين وإمكانية نقل الملف إلى مجلس الأمن يمكنهما أن يشكلا «عامل ضغط» جدياً على المفاوض الإيراني؛ لدفعه لتليين مواقفه، ولقبول ما تطرحه الورقة الأميركية ربما مع بعض التعديلات.

تساؤلات كثيرة حول ما إذا كانت مسقط ستشهد مفاوضات مباشرة بين ويتكوف وعراقجي (أ.ب)

لكن مشكلتهم اليوم تكمن في التوقيت، خصوصاً إذا تم اعتماد، الأحد المقبل، موعداً للجولة السادسة للمفاوضات الأميركية - الإيرانية بينما اجتماعات مجلس المحافظين تنتهي، الجمعة، حيث يتم التصويت على القرارات. والتخوف الأوروبي أن يكون لمشروع قرارهم - وإن لم يطلب نقل الملف إلى مجلس الأمن - إذا تم تبنيه، انعكاسات سلبية على مجريات الجولة السادسة، بحيث تدفع الطرف الإيراني إلى مزيد من التشدد، وبالتالي يمكن أن يجهض الأمل الضعيف المعلق على الجولة المذكورة.

يبقى أن الطرف الإيراني ربما يحاول أن يدير الأمور بشكل يترك كافة الاحتمالات متاحة، خصوصاً أن فاعلية القرار 2231 ومعه اتفاق عام 2015 تنتهي في شهر أكتوبر المقبل، بحيث تنعدم بعدها أي إمكانية للجوء إلى «سناب باك».

من هنا، فإن الأوروبيين متأرجحون ما بين الإقدام حالياً أو الانتظار حتى نهاية شهر أغسطس (آب) لاستخدام «سلاح الردع الوحيد» الذي من شأنه إعادتهم إلى لعبة المفاوضات للدفاع عن مصالحهم التي لا يبدو أن الطرف الأميركي يأخذها كفاية بعين الاعتبار.


مقالات ذات صلة

ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب) p-circle

ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

أعاد نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده لتخفيف العقوبات عن إيران مقابل تنازلات نووية الغموض إلى وساطات تبحث عن أرضية مشتركة بين واشنطن وطهران 

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية أشخاص يتجولون في سوق محلية بطهران 26 سبتمبر 2026 (رويترز)

الإيرانيون تحت وطأة تكاليف متصاعدة بعد 7 أشهر من الحرب

قد يُظهر قادة إيران ثقة بمسار حربهم مع الولايات المتحدة، لكن الحياة تزداد صعوبة بالنسبة إلى المواطنين العاديين الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف الضروريات الأساسية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي نظيره الروسي سيرغي لافروف على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الأسبوع الماضي (الخارجية الإيرانية) p-circle

موسكو لطهران: ابقوا في معاهدة حظر الانتشار

قال الكرملين، الثلاثاء، إن روسيا لا تريد انسحاب إيران من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، وإنها تعوّل على بقاء طهران طرفاً فيها.

«الشرق الأوسط» (لندن - موسكو)
شؤون إقليمية صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب) p-circle

ترمب ينفي عرض تخفيف العقوبات… وطهران تنتظر الرد الأميركي

نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يكون عرض على إيران تخفيف العقوبات أو الإفراج عن أموالها المجمدة لإنهاء الحرب، فيما أبدت طهران استعدادها لمواصلة المحادثات.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية صواريخ إيرانية معروضة بجوار لوحة تحمل صورة المرشد مجتبى خامنئي في أحد شوارع طهران الأحد (رويترز)

خامنئي: هناك من يعدّنا «رابع قوة عظمى»

نفى مصدر إيراني أن تكون جولة جديدة من المفاوضات مع الولايات المتحدة مدرجة على جدول أعمال الوفد الإيراني في نيويورك، بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

إيران تعدم رجلين بتهمة قتل عناصر أمن خلال احتجاجات

إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
TT

إيران تعدم رجلين بتهمة قتل عناصر أمن خلال احتجاجات

إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
إيرانيون يتظاهرون لوقف تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)

ذكرت «شبكة أخبار الطلبة» أن إيران أعدمت اليوم الأربعاء رجلين أدينا بالاضطلاع بدور في قتل أربعة من أفراد قوات الأمن خلال احتجاجات يناير (كانون الثاني) 2026 في مدينة مشهد شمال شرق البلاد.

وأفادت الشبكة بأن المحكمة العليا الإيرانية أيدت حكمي الإعدام الصادرين بحق الرجلين، ونفذ الحكمان بعد استكمال الإجراءات القانونية.


طهران تنتظر رد واشنطن... وتهدد جيرانها

صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
TT

طهران تنتظر رد واشنطن... وتهدد جيرانها

صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)
صواريخ إيرانية وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية خلال معرض عسكري في طهران الاثنين (أ.ب)

تترقب إيران رداً أميركياً على مقترحها لإعادة فتح مضيق هرمز، بعد محادثات أجراها الوسطاء مع الطرفين في نيويورك الاثنين. ويأتي ذلك في وقت حذّرت طهران من أن البنى التحتية في المنطقة لن تكون في مأمن.

وأفاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعد لقائه وسيطاً قطرياً قبل مغادرة نيويورك أمس، بأن الاتصالات عبر الوسطاء باتت «أكثر جدية»، معرباً عن أمله في تلقي الرد الأميركي خلال وقت قصير (بحلول أمس الثلاثاء). وشدد على أن مواقف طهران لم تتغير. وقال المتحدث باسم الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، إن الجهود تتركز على «بناء أرضية مشتركة» و«جسر الفجوة».

ونفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن يكون عرض تخفيف العقوبات أو الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة لإنهاء الحرب مقابل خطوات نووية، قائلاً: «لم أعرض عليهم شيئاً».

وفيما بدا تهديداً للدول المجاورة، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: «في المنطقة التي لا نبيع فيها نفطنا، لن يبيع أحد نفطاً، وإذا لم يتحقق أمننا فلن تكون أي بنية تحتية في مأمن»، متوعداً بردّ «قاسٍ ودقيق وسريع» على أي «اعتداء أو مغامرة».

بدوره، قال برايان كاتوليس، من «معهد الشرق الأوسط» في الولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن البلدين في «اختبار إرادات». ورأى فرزين نديمي، من «معهد واشنطن»، أن ورقة هرمز تراجعت ولم تختفِ، فيما رجّح باراك بارفي، من مؤسسة «نيو أميركا»، أن استئناف القتال بات أقرب من إنهائه. (تفاصيل ص3-4) روسيا تعارض خروج إيران من «معاهدة حظر الانتشار»


ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
TT

ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)

أعاد نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده لتخفيف العقوبات عن إيران مقابل تنازلات نووية الغموض إلى وساطات تبحث عن أرضية مشتركة بين واشنطن وطهران. وبين إشارات أميركية عن مرونة تفاوضية، وتمسك إيراني برفع الحصار واستعادة العائدات النفطية، يتجاوز الخلاف مضمون التسوية إلى ترتيب تنفيذها: من يقدم التنازل أولاً؟ وبأي ضمانات؟

ويتزامن هذا التعثر مع تحسن تدفقات النفط من المنطقة واستعادة مسارات تتجاوز مضيق هرمز، بما يمنح واشنطن هامشاً لمواصلة الضغط.

لكن التهديد الإيراني باستهداف البنية التحتية يضع حدوداً لهذا الرهان، ويثير سؤالاً موازياً: هل يؤدي إضعاف ورقة الملاحة إلى تسهيل الاتفاق، أم يدفع المواجهة نحو منشآت الإنتاج والتصدير؟

إيرانيون على دراجات نارية يمرون أمام صواريخ وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين وعلماء نوويين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية بطهران الاثنين (أ.ب)

نفي يضاعف الغموض

بعدما نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين استعداد ترمب لتخفيف العقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل خطوات ملموسة في الملف النووي، نفى الرئيس هذه التقارير وعدّها غير صحيحة.

وجاء التناقض بينما كان وسطاء قطريون وباكستانيون يحاولون تقريب المواقف عبر اتصالات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومسؤولي الإدارة الأميركية.

وعدّ مسؤول أميركي المحادثات غير المباشرة بأنها إيجابية وبناءة، مشيراً إلى مرونة إيرانية حيال القضايا النووية، لكنه شدد على استحالة الاتفاق دون معالجتها.

وفي السياق نفسه، نقلت مجلة «بوليتيكو» عن مسؤول إيراني أن عدم استقرار موقف ترمب يصعب تحديد ما يمكن لواشنطن قبوله وتحويل النقاشات إلى ترتيب عملي.

عناصر من «الباسيج» يحملون نماذج لصواريخ خلال مسيرة عسكرية في طهران 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

ولا يثبت النفي وحده انهيار الاتصالات أو إغلاق باب تخفيف العقوبات مستقبلاً، لكنه يترك الوسطاء أمام فجوة بين ما ينقله المسؤولون وما يعلنه ترمب، ويصعب تثبيت المقابل الاقتصادي الذي تطلبه طهران.

ويصف برايان كاتوليس الباحث في معهد الشرق الأوسط، تصريحات ترمب، بأنها «من دون معنى تقريباً»، عادّاً أن محاولة تحليل كل موقف آني لا تفيد كثيراً، لأن قليلاً مما قاله منذ اندلاع الحرب يرتبط بالواقع، وفق تقديره.

ويرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن البلدين ما زالا في مواجهة واختبار إرادات، يظهر ذلك في التصريحات، بينما يجسدهما التحرك الميداني ومساعي التوصل إلى اتفاق.

التفاهم وعقدة التنفيذ

تتقاطع المقترحات عند الحاجة إلى خفض التصعيد وإعادة انتظام الملاحة وإبقاء المسار التفاوضي مفتوحاً، لكنها تختلف في نقطة الانطلاق. فطهران تريد أولوية لرفع الحصار وتخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول، بينما تتمسك واشنطن بخطوات نووية ملموسة، وترفض تقديم مكاسب اقتصادية كبيرة مقابل وعد باستئناف التفاوض.

وتتحدث مصادر دبلوماسية عن أن الوسطاء يعملون على إحياء إطار «تفاهم إسلام آباد»، الذي تناول وقف العمليات العسكرية، والملاحة، والملف النووي، والعقوبات. وأعقبته محادثات في سويسرا أفضت إلى لجنة سياسية ومجموعات عمل وآليات للمراقبة وتسوية النزاعات وخط اتصال لتجنب سوء التفاهم.

وتستند أهمية العودة إلى هذا الإطار إلى وجود بنية تفاوضية سابقة، لكن تجدد المواجهة كشف أن إنشاء اللجان لا يضمن احترام الالتزامات. ويتهم مسؤول أميركي نقل عنه «أكسيوس» إيران بخرق التفاهم السابق عبر إطلاق النار على سفن تجارية في يوليو (تموز)، وهو اتهام يزيد تشدد واشنطن بشأن الضمانات.

أما المقترح الإيراني الأخير فيربط إعادة فتح مضيق هرمز بوقف القتال لمدة 7 أيام وتلبية مطالب اقتصادية وأمنية، بينها إنهاء الحصار. وتخشى الإدارة الأميركية أن تقدم تنازلات مسبقة بينما تحتفظ طهران عملياً بقدرة على التحكم بالممر.

لذلك، تبدو المعضلة متعلقة بالتزامن والتحقق بقدر تعلقها بالأهداف: كيف تربط كل خطوة اقتصادية بإجراء أمني أو نووي قابل للفحص؟ وهذه حاجة تحليلية تفرضها الخلافات، وليست آلية متفقاً عليها.

ويخلص الباحث كاتوليس في هذه النقطة للقول إن غياب الثقة يجعل تصور اتفاق قريب أمراً صعباً.

النفط يغير الحسابات

في موازاة التفاوض، قد يبدل تحسن الصادرات النفطية عبر المسارات البديلة حسابات الاستعجال. وأوردت بيانات أولية لشركة «كبلر» أن صادرات كبار منتجي الشرق الأوسط في سبتمبر (أيلول) قدرت بنحو 16.328 مليون برميل يومياً، بينها 9.719 مليون عبر هرمز. والفصل بين الرقمين ضروري: تعافي إجمالي الصادرات لا يعني عودة المضيق إلى وضعه الطبيعي، ولا زوال أخطار الإمدادات.

أشخاص يقودون مركباتهم قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

ويرى فرزين نديمي كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن، أن هذه المسارات تقلّص ورقة هرمز بدرجة كبيرة، لكنها لا تحسمها. ويشير في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى أن خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية تنقل بالفعل حصة كبيرة من نفط البلدين بعيداً عن المضيق، وأن توسعات مقررة خلال 2027 - 2029 قد تتيح تجاوز هرمز لكميات تعادل نحو 60 في المائة من تدفقاته النفطية المعتادة، وفق تقديره.

ويضيف أن الأسواق تكيفت، فلم يعد الإغلاق يحدث الصدمة العالمية التي تسعى إليها طهران. لكن صادرات الكويت والغاز الطبيعي المسال القطري ومعظم الصادرات العراقية تبقى معرضة للخطر، فضلاً عن قابلية استهداف البنية التحتية البديلة؛ ولذلك تراجعت الورقة الإيرانية ولم تختفِ.

ويؤكد نديمي أن العقوبات والحصار البحري لم يكفيا بعد لفرض تنازلات نووية حقيقية ودائمة. فالضغط المالي فعلي، لكن النظام تحمّله حتى الآن، وإن كان اشتداده قد يغيّر ذلك. وتحدّ القدرة المتبقية على التعطيل والتصعيد وتحمل الألم الاقتصادي من فاعلية الاستراتيجية، بما يضيّق خيارات طهران على المديين القصير والمتوسط دون إجبارها وحده على التنازل.

ضغط من دون حسم

جاء تحذير رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الثلاثاء، ليكشف هذا الجانب من المواجهة. فقد ربط أمن البنية التحتية الإقليمية بضمان أمن إيران، مهدداً بأن منعها من بيع النفط سيمنع الآخرين أيضاً. ويشير التهديد إلى أن تراجع فاعلية تعطيل الملاحة قد يقابله توسيع نطاق الأهداف المحتملة.

وفي هذا السياق، يرى باراك بارفي الباحث في مؤسسة «نيو أميركا» في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن ترمب يبدو مسلّماً بتعذر التوصل إلى اتفاق في الظروف الراهنة، ويتجه نحو استئناف القصف بعد الانتخابات النصفية، حين تتراجع الضغوط الداخلية عليه.

ويعد أن الإيرانيين توصلوا إلى الخلاصة نفسها من موقع معاكس: فتعطيل هرمز فقد فاعليته، في تقديره، بينما يزيد الحصار الأميركي الضغط على طهران. ولذلك، يرجّح أن الطرفين باتا يدركان أن استئناف الأعمال القتالية هو الاحتمال الأقرب حالياً، لا إنهاء القتال.

لكن في المقابل، لا يعني التلويح الإيراني برفع التكلفة على دول الجوار أنه لن يعرضها لرد أوسع نطاقاً، وقد يوسع دائرة الدول المعارضة والمستعدة للتصدي لهذا التصعيد. وبدلاً من تخويف دول المنطقة قد يدفها ذلك إلى الرد وتصعيد المواجهة. ومع ذلك، لا تعني زيادة الضغوط الاقتصادية تلقائياً استعداد النظام الإيراني لتنازلات نووية أو اقترابه من الانهيار.

ويرى ماثيو غولد الدبلوماسي البريطاني السابق في مقالة رأي في «واشنطن بوست»، أن تغيير النظام يتطلب، إلى جانب الاحتجاجات المستمرة، تصدع الأجهزة الأمنية والنخبة الحاكمة، وأن القصف والتشجيع الأميركي وحدهما لا يكفيان.

وتبقى مهمة الوسطاء تحويل الضغط إلى التزامات متبادلة قابلة للتنفيذ، قبل أن يصبح تحسن تدفق النفط سبباً لإطالة المواجهة، وتتحول التهديدات إلى جولة تصعيد جديدة.