إيران أمام 4 خيارات نووية أحلاها مُر

طهران... استحقاقات أساسية وتبعاتها تشمل الإقليم بمجمله

صورة وزَّعتها الخارجية الإيرانية الخميس لعراقجي وفريقه خلال الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في روما 19 أبريل الماضي (رويترز)
صورة وزَّعتها الخارجية الإيرانية الخميس لعراقجي وفريقه خلال الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في روما 19 أبريل الماضي (رويترز)
TT

إيران أمام 4 خيارات نووية أحلاها مُر

صورة وزَّعتها الخارجية الإيرانية الخميس لعراقجي وفريقه خلال الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في روما 19 أبريل الماضي (رويترز)
صورة وزَّعتها الخارجية الإيرانية الخميس لعراقجي وفريقه خلال الجولة الثانية من المحادثات التي عُقدت في روما 19 أبريل الماضي (رويترز)

بانتظار أن ترد إيران رسمياً على الاقتراح الأميركي بشأن اتفاق جديد حول برنامجها النووي، الذي نُقل إليها السبت الماضي عبر وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي.

وتشير التسريبات التي ظهرت في الساعات الأخيرة إلى أن طهران ترجّح رفض عرض واشنطن، الذي جاء بعد 5 جولات من المفاوضات غير المباشرة التي تنقّلت بين مسقط وروما بوساطة عمانية.

ويبدو اليوم، وفق قراءة دبلوماسية أوروبية، أن «عامل الوقت بات يعمل ضد إيران»، على الرغم من أنها عُرفت سابقاً بقدرتها على توظيفه لصالحها، كما ظهر ذلك بوضوح خلال السنوات الماضية.

والحال أن أوضاع إيران اليوم قد تبدّلت، إذ خسرت مجموعة من أوراقها الضاغطة على خلفية التطورات الأخيرة في لبنان وسوريا وغزة، خصوصاً بعد عودة الرئيس دونالد ترمب إلى البيت الأبيض مع بداية العام الحالي.

وبكلام صريح، فإن إيران -وفقاً للقراءة الدبلوماسية المشار إليها- أصبحت اليوم «أضعف» مقارنةً بما كانت عليه قبل خريف 2023. وكذلك، فإن التهديد الإسرائيلي لم يعد يُصنف ضمن خانة «التهويل» كما في السابق، والدليل الأبرز على ذلك هو تأكيد ترمب، الأسبوع الماضي، أنه منع رئيس الوزراء الإسرائيلي من إصدار أوامر بشنّ هجوم على المواقع النووية الإيرانية، مخافة إجهاض المحادثات الدائرة مع طهران.

عناصر شرطة وصحافيون أمام مدخل سفارة سلطنة عمان في روما حيث جرت جولة التفاوض الثانية بين الولايات المتحدة وإيران 19 أبريل الماضي(أ.ب)

وبما أن المفاوضات قد تكون وصلت إلى طريق مسدود، ومع فقدان الإدارة الأميركية الأمل في تجاوب إيران مع ما عُرض عليها، فإن الذريعة التي كان ترمب يستند إليها في كبح اندفاعة إسرائيل تكون قد سقطت، ما يفتح الباب أمام احتمالات مجهولة في المنطقة.

لذلك جاءت تصريحات المسؤولين العرب، خصوصاً من دول الخليج، لتؤكد ضرورة تفادي الحرب والمواجهة، لما لهما من تداعيات سلبية على إقليم يعاني أصلاً عدم الاستقرار.

ورغم هذا السياق المتفجر، لم يتردد وزير الخارجية الإيرانية، عباس عراقجي، في التصريح من القاهرة الاثنين، قائلاً: «لا أعتقد أن إسرائيل سترتكب خطأ مهاجمة إيران».

ضعف الموقف الإيراني

وتجد طهران نفسها اليوم أمام مجموعة من الاستحقاقات الداهمة، ما يدفعها إلى تنشيط دبلوماسيتها على أكثر من صعيد. فقد زار عراقجي، في وقت سابق موسكو وبكين بهدف تأمين دعمهما، وتحديداً داخل الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومجلس الأمن الدولي، كما أنه يقوم بجولة في الإقليم لشرح موقف بلاده، ومحاولة توفير التفاف حوله لمواجهة الضغوط الغربية.

ويمكن لطهران أن تراهن على تأييد سياسي من دول ما يُعرف بـ«الجنوب العالمي»، لكن هذا الدعم يبقى محدود الفاعلية، لكونه لا يملك تأثيراً يُذكر على الآليات القانونية التي تحكم ملفها النووي، سواء بموجب «اتفاق 2015»، أو القرار الدولي «2231».

ويرى دبلوماسي أوروبي في باريس أن نقطة الضعف الإيرانية اليوم، في السياق الراهن، تكمن في القطيعة القائمة بينها وبين العواصم الأوروبية الثلاث (باريس، وبرلين، ولندن) المعنية مباشرة بالملف النووي.

ففرنسا، التي شهدت تدهوراً كبيراً في علاقاتها مع طهران، تقدّمت بشكوى ضدها أمام محكمة العدل الدولية على خلفية الاحتجاز «التعسفي» لمواطنين فرنسيَّين منذ مايو (أيار) 2022، بتهمة التجسس، وحتى الآن، لم يُعرف ما إذا كانت محاكمتهما قد أُجريت أو لا.

أما ألمانيا، فقد شهدت مؤخراً وصول حكومة يمينية يقودها المستشار فريدريش ميرتس، وهي أكثر تصلباً إزاء إيران مقارنة بالحكومة السابقة.

وفيما يخص لندن، فهي حريصة على الحفاظ على تقاربها مع واشنطن، ما يجعل من غير الواقعي التعويل على خروجها عن الخط الأميركي المتشدد تجاه طهران.

وباختصار، فإن المواقف الأوروبية اليوم باتت أقرب إلى الرؤية الأميركية، رغم تهميش الأوروبيين في مسار المفاوضات واستبعادهم من أداء دور الوسيط مع إيران.

إلى جانب ذلك، يُعد التقرير الشامل الأخير الصادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بناءً على طلب مجلس المحافظين خلال اجتماعه في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إخفاقاً جديداً لإيران، سواء من حيث مضمونه أو تداعياته المرتقبة. ويُنظر إلى هذا التقرير باعتباره «الاستحقاق الأول» الذي أتى على حساب طهران.

نسخة من صحيفة «وطن امروز» الإيرانية بعنوان «الاختلال الأوروبي» وصورة لقادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا في طهران 1 يونيو 2025 (إ.ب.أ)

أما «الاستحقاق الثاني»، فيتمثل في دورة اجتماعات مجلس المحافظين المقررة بين 9 و13 من الشهر الجاري، التي تُعد الأكثر أهمية لإيران في ضوء السياق الذي تنعقد فيه، والتشدد المتوقع أن يصاحبها، إضافة إلى احتمال أن تُفضي لإحالة ملف إيران النووي مجدداً إلى مجلس الأمن الدولي.

ويبدو التخوف الإيراني جلياً؛ نظراً لردود الفعل الإيرانية العنيفة التي صدرت عن أكثر من مسؤول إيراني، والتي اتهمت المدير العام للوكالة الدولية بـ«التحيّز». وكانت طهران قد لوّحت في السابق بأن إحالة ملفها إلى مجلس الأمن سيقابل بردّ حازم.

أما «الاستحقاق الثالث»، فمن المرتقب أن يحلّ في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، حين تنتهي صلاحية القرار الدولي «2231»، الذي صادق على اتفاق «خطة العمل الشاملة المشتركة» (الاتفاق النووي)، ومن غير المستبعد أن تتخذ الدول الغربية قرارات مفصلية قبل انتهاء نفاذ هذا القرار.

خيارات طهران الأربعة

في ضوء ما سبق، يتضح أن أمام إيران 4 خيارات رئيسية، مع ما يتفرّع عنها من سيناريوهات فرعية. وبانتظار أن يصدر ردها الرسمي على المقترح الأميركي، يبدو أن الخيار الأول يتمحور حول الرفض، ويتراوح بين «رفض جذري» يعني إنهاء مسار المفاوضات بالكامل، و«رفض مرن» لا يبلغ حد القطيعة التامة، بل يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف المساعي التفاوضية.

وبكلام آخر، فإن المجال يمكن أن يبقى مفتوحاً أمام إيران لتعبر عن «تحفظاتها» إزاء النقاط الرئيسية التي تراها «غير مناسبة» لمصالحها ولرؤيتها للاتفاق، بحيث تدخل عليها بعض التعديلات، لترى ما سيكون عليه الرد الأميركي إذا بقيت قنوات التواصل مفتوحة.

وتُعدُّ مسألة تمسّك إيران بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، واستمرار برنامجها النووي، أبرز النقاط العصية، في ظل إصرار واشنطن على حرمانها منهما. وفي أي حال، فإن التفاوض بطبيعته لا يعني فرض طرفٍ مواقفه بالكامل على الطرف الآخر.

كما يمكن لطهران أن تُظهر تشدداً في بعض الملفات، كالقضية النووية مثلاً، مقابل إبداء مرونة في ملفات أخرى، مثل سياساتها الإقليمية، أو من خلال المساومة بشأن أطراف -كالحوثيين- تعتقد أنها قادرة على تسخيرهم في عملية لي الذراع مع واشنطن.

لكن الأمور ستأخذ منحىً حاسماً إذا اختارت السلطات الإيرانية الرفض المطلق، وقررت قطع المفاوضات، وهو سيناريو يُنذر بتصعيد خطير. ففي هذه الحالة، سيكون أول رد فعل متوقّع هو تشديد العقوبات الأميركية، وربما تفعيل آلية «سناب باك» المنصوص عليها في «اتفاق 2015» والقرار «2231»، ما يعني إعادة فرض 6 مجموعات من العقوبات الأممية التي جُمّدت بعد الاتفاق النووي.

هنا، ستقع المهمة على عاتق الدول الأوروبية الثلاث (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا)، لأن الولايات المتحدة فقدت رسمياً حقّها في تفعيل «سناب باك» بعد انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق في مايو (أيار) 2018.

وفي الأيام الأخيرة، تصاعدت التحذيرات الإيرانية للأوروبيين. فقد قال عباس عراقجي، الأحد، خلال اتصال مع مدير عام الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، إن إيران «سترد على أي إجراء غير مناسب من قِبل الأطراف الأوروبية»، داعياً إياه إلى منع استغلال التقرير «لخدمة أهداف سياسية» معادية لإيران.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف مع الرئيس الفرنسي ماكرون ووزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو 17 أبريل الماضي (أ.ب)

لكن، في المقابل، تتجه الأدبيات السياسية الأوروبية نحو مزيد من التشدد تجاه طهران، التي تُتهم أيضاً بدعمها العسكري لروسيا واستهدافها لإسرائيل.

وفي هذا السياق، سبق لوزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، أن أكّد أن بلاده «لن تتردّد دقيقة واحدة» في طلب تفعيل «سناب باك»، ردّاً على ما وصفه بـ«الخطر النووي الإيراني»، في ضوء التقرير الأخير للوكالة، الذي أشار إلى أن إيران باتت تمتلك كمية من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، تكفي لصنع 10 قنابل نووية، في حال قررت ذلك.

ويبقى أسوأ السيناريوهات، بلا شك، هو اللجوء إلى عمليات عسكرية إسرائيلية و/أو أميركية لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية، ما سيعني اندلاع حرب شاملة في الشرق الأوسط لا ترغب فيها دول الإقليم؛ نظراً لتداعياتها الكارثية على أمن المنطقة واستقرارها.

وحتى الآن، حرص الرئيس ترمب على تجنُّب الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران، وهو ما قد يكون الرهان الأبرز لطهران. في المقابل، يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي أن الفرصة متاحة للتخلّص من البرنامج النووي الإيراني نهائياً أو على الأقل تأخيره لبعض سنوات.

وفي حال التصعيد العسكري، فإن الرد الإيراني المرجّح سيكون الخروج من معاهدة حظر الانتشار النووي (إن بي تي)، وهو ما قد يحفّز دولاً أخرى في المنطقة على الدخول في سباق نووي.


مقالات ذات صلة

سردار آزمون يعود لمنتخب إيران بعد استبعاده «المثير للجدل»

رياضة عالمية المهاجم الإيراني سردار آزمون (رويترز)

سردار آزمون يعود لمنتخب إيران بعد استبعاده «المثير للجدل»

عاد المهاجم الإيراني سردار آزمون مجددا لمنتخب بلاده، الأثنين، وذلك بعد أربعة أشهر من استبعاده المثير للجدل من قائمة الفريق المشارك في كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

واشنطن تصعّد الضغط على إيران... وتلوّح بخنق طيرانها

تكثف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطها الاقتصادية على إيران، بالتزامن مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز وتعثر المسار السياسي بين واشنطن وطهران.

«الشرق الأوسط» (لندن- واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

ترقب لقاءات الأمم المتحدة لخفض التصعيد في المنطقة

تتجه الأنظار إلى نيويورك مع بدء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث يترقب المجتمع الدولي سلسلة لقاءات يجريها الرئيس دونالد ترمب على هامش الاجتماعات.

«الشرق الأوسط» (عواصم )
شؤون إقليمية القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

تباطؤ الملاحة في هرمز مع استمرار التهديدات بالتصعيد العسكري

تشهد حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أحد أهم الممرات المائية الاستراتيجية في العالم تباطؤاً ملحوظاً مع استمرار حالة التوتر في الشرق الأوسط والجمود بين واشنطن وطهران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يلقي خطاباً في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أرشيفية - الأمم المتحدة)

واشنطن ترفض منح تأشيرات لأعضاء في وفد الرئيس الإيراني بالأمم المتحدة

سيسافر الرئيس مسعود بزشكيان جواً إلى نيويورك غداً (الثلاثاء) للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)

أروقة نيويورك ترسم مسار الحرب

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان (رويترز)
TT

أروقة نيويورك ترسم مسار الحرب

سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تبدو من مسندم في سلطنة عُمان (رويترز)

تتجه الأنظار إلى أروقة نيويورك مع بدء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، اليوم، حيث يترقب العالم كلمة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وسلسلة اللقاءات التي يُتوقع أن يجريها على هامش الاجتماعات، وذلك بالتزامن مع تكثيف الجهود الدبلوماسية لاحتواء التوتر مع إيران ومنع انزلاق المنطقة مجدداً إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وتكتسب التحركات واللقاءات في أروقة الأمم المتحدة أهمية خاصة العام الحالي في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران خلال اليومين الماضيين، بالتزامن مع تحركات تقودها باكستان ودول أخرى لإحياء المسار الدبلوماسي المتعثر.

وأعلن المتحدث باسم «الحرس الثوري» حسين محبي أن طهران ستغيّر «جغرافيا الحرب وتسليحها»، في حال وقوع عدوان جديد عليها، مؤكداً استعداد طهران لخوض صراع طويل الأمد، وذلك غداة تصريحات ترمب بأنه قريب جداً من اتخاذ «قرار حاسم بشأن إيران».

في غضون ذلك، شهد مضيق هرمز حادثتين؛ إذ أعلن «الحرس الثوري» تدمير طائرة مسيّرة أميركية من طراز «إم كيو - 1» في أجواء المضيق، فيما قالت شركة الأمن البحري البريطانية «فانغارد» إن الناقلة «لا ستيفاني»، التي ترفع العلم البريطاني، تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة أثناء عبورها المضيق، مؤكدة إصابة اثنين من أفراد الطاقم بجروح طفيفة.


واشنطن تصعّد الضغط على إيران... وتلوّح بخنق طيرانها

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)
نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

واشنطن تصعّد الضغط على إيران... وتلوّح بخنق طيرانها

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)
نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

تكثف إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضغوطها الاقتصادية على إيران، بالتزامن مع استمرار التوتر حول مضيق هرمز وتعثر المسار السياسي بين واشنطن وطهران. وفي أحدث خطوات التصعيد، أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن شركات الطيران الإيرانية ستواجه عزلة دولية اعتباراً من 23 سبتمبر (أيلول)، محذراً الشركات والمطارات التي تقدم لها خدمات من التعرض لعقوبات ثانوية.

وقال بيسنت، الاثنين، إن الولايات المتحدة ترى أن مسؤولين ماليين صينيين «منخرطون بشكل كبير» في حملة الضغوط الاقتصادية الأميركية على إيران، في مؤشر إلى اتساع نطاق المساعي الأميركية لتقييد قنوات تعامل طهران مع النظام المالي العالمي.

واشنطن تستهدف الطيران الإيراني

وأوضح بيسنت، في مقابلة مع شبكة «سي إن بي سي»، أن شركات الطيران الإيرانية ستواجه صعوبة في مواصلة عملياتها الدولية اعتباراً من الأربعاء، بسبب التهديد بمعاقبة مقدمي الخدمات الجوية لها.

وقال إن الطائرات الإيرانية، إذا هبطت في مطارات أجنبية، لن يكون من الممكن تزويدها بالوقود أو تقديم خدمات الهبوط أو بيع تذاكرها، من دون أن يواجه مقدمو هذه الخدمات خطر الاستبعاد من النظام المالي القائم على الدولار.

وجاءت تصريحات بيسنت بعد محادثات أجراها الأحد مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه لي فنغ. وقال الوزير الأميركي إن واشنطن تجري «مناقشات إيجابية» مع السلطات المالية الصينية، بما في ذلك محافظ بنك الشعب الصيني بان قونغ شنغ، بشأن الالتزام بالعقوبات الأميركية المفروضة على إيران. ويأتي الضغط على قطاع الطيران ضمن حملة أوسع تستهدف تقليص قدرة إيران على الوصول إلى الخدمات والموارد المرتبطة بالنظام المالي الدولي.

الصين في مرمى الضغوط الأميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب وخلفه إلى يسار الصورة نائبه جي دي فانس (رويترز)

وتكتسب الإشارة الأميركية إلى الدور الصيني أهمية خاصة في ظل مساعي واشنطن إلى تضييق القنوات التي تستخدمها طهران للالتفاف على العقوبات.

وقال بيسنت إن المسؤولين الصينيين «منخرطون بشكل كبير» في حملة الضغوط الاقتصادية على إيران، في وقت تسعى فيه الإدارة الأميركية إلى دفع مزيد من الجهات الدولية إلى الالتزام بالعقوبات الأميركية.

وتزامنت هذه التصريحات مع استمرار الاتصالات المالية الأميركية - الصينية، في إطار محادثات أوسع بين البلدين، بينما يبقى ملف علاقة الصين بإيران أحد الملفات المطروحة في النقاش بين واشنطن وبكين. وكانت وزارة الخزانة الأميركية قد أعلنت في وقت سابق أن بيسنت سيبحث مع نظيره الصيني العلاقات المالية بين بكين وطهران.

فانس: النفط لا يزال يعبر هرمز

وفي ملف الملاحة والطاقة، قال نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس إن كميات كبيرة من النفط والغاز لا تزال تمر عبر مضيق هرمز، رغم استمرار التوترات التي تصفها واشنطن بأنها تهديد للملاحة الدولية.

وقال فانس، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز»، إن إدارة ترمب ستواصل مواجهة ما وصفه بالتحركات الإيرانية التي تستهدف حركة السفن التجارية.

وتأتي تصريحاته في وقت تشهد فيه حركة الملاحة عبر المضيق اضطراباً واضحاً. وأظهرت بيانات نقلتها «رويترز» الاثنين عبور 17 سفينة للسلع الأساسية المضيق خلال عطلة نهاية الأسبوع، مقارنة بـ37 سفينة في الأسبوع السابق، وأقل بكثير من المتوسط اليومي قبل الحرب البالغ نحو 125 سفينة.

وفي المقابل، أشار تقرير منفصل إلى أن صادرات النفط من بعض دول المنطقة لا تزال مستمرة، مع استخدام ناقلات ومسارات بديلة وعمليات نقل من سفينة إلى أخرى لتجاوز القيود الناجمة عن الأزمة. وكان قائد القيادة المركزية الأميركية الأدميرال براد كوبر قد أشار إلى ارتفاع حركة النفط عبر هرمز إلى أعلى مستوياتها في ستة أشهر، في وقت تراجعت فيه أسعار الخام.

الملف النووي في صلب المواجهة

محطة «بوشهر» النووية الإيرانية (رويترز)

وربط فانس بين التوتر في مضيق هرمز والملف النووي الإيراني، قائلاً إن موقف ترمب واضح في أن إيران «لا يمكن أن تمتلك سلاحاً نووياً»، وإن الإدارة الأميركية اتخذت إجراءات لمنع ذلك.

وبحسب الرواية الأميركية، جاء استهداف الملاحة الدولية رداً إيرانياً على الضغوط العسكرية والسياسية. وكانت واشنطن قد اتهمت طهران مراراً باستهداف سفن تجارية في منطقة الخليج، بينما قال فانس سابقاً إن الولايات المتحدة لن تضع جدولاً زمنياً لإنهاء المواجهة طالما استمرت الهجمات على السفن.

وربط نائب الرئيس الأميركي كذلك بين اضطراب حركة الملاحة وارتفاع تكاليف الطاقة داخل الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن استمرار المخاطر في هرمز ينعكس على أسعار الوقود.

وتواجه سوق نقل الطاقة بدورها ارتفاعاً في تكاليف الشحن ونقصاً في ناقلات النفط، مع بلوغ تكلفة استئجار بعض الناقلات العملاقة أكثر من مليون دولار يومياً، وفق تقارير اقتصادية.

ويأتي التصعيد الاقتصادي والعسكري بينما تبرز إشارات إلى تحرك دبلوماسي محتمل في نيويورك، مع مشاركة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وقال حبيب الله عباسي، المدير العام للعلاقات العامة في مكتب الرئيس الإيراني، إن بزشكيان سيتوجه جواً إلى نيويورك الثلاثاء للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، وفق وكالة «إرنا».

وكان ترمب قد أعلن أنه منفتح على لقاء بزشكيان في نيويورك، ما يفتح الباب أمام احتمال إجراء اتصالات مباشرة أو غير مباشرة بين الجانبين على هامش الاجتماعات الدولية، رغم استمرار الخلافات بشأن الملف النووي والعقوبات والملاحة في مضيق هرمز.


ترقب لقاءات الأمم المتحدة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
TT

ترقب لقاءات الأمم المتحدة لخفض التصعيد في المنطقة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً تحت قبة الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال العام الماضي (الأمم المتحدة)

تتجه الأنظار إلى نيويورك مع بدء اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث يترقب المجتمع الدولي سلسلة لقاءات يجريها الرئيس الأميركي دونالد ترمب على هامش الاجتماعات، في وقت تتكثف فيه الجهود الدبلوماسية لاحتواء التوتر مع إيران ومنع انزلاق المنطقة مجدداً إلى مواجهة عسكرية واسعة.

وتكتسب لقاءات ترمب المرتقبة أهمية خاصة مع تصاعد التهديدات المتبادلة بين واشنطن وطهران، بالتزامن مع تحركات تقودها باكستان ودول أخرى لإحياء المسار الدبلوماسي المتعثر. وكان ترمب قد قال إنه منفتح على فكرة لقاء الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في نيويورك.

تهديدات إيرانية برد «مختلف»

وفي مقابل التحركات الدبلوماسية، تصاعدت اللهجة الإيرانية حيال احتمال استئناف العمليات العسكرية. وقال المتحدث باسم «الحرس الثوري» الإيراني حسين محبي، الاثنين، إن بلاده ستستخدم أسلحة جديدة، وستستهدف مواقع لم تتعرض لهجمات من قبل إذا شنت الولايات المتحدة هجوماً جديداً.

ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن محبي قوله إن طهران ستغيّر، في حال وقوع «عدوان جديد»، طبيعة تسليحها للحرب وجغرافيتها، مؤكداً استعداد إيران لخوض صراع طويل الأمد.

وجاء ذلك بعد إعلان القيادة القتالية الموحدة للقوات المسلحة الإيرانية، الأحد، أنها تلقت معلومات تفيد بأن الولايات المتحدة تستعد لاستئناف العمليات القتالية.

وتعكس هذه التصريحات ارتفاع منسوب التوتر، في وقت لم تنجح فيه الاتصالات الدبلوماسية حتى الآن في إزالة الخلافات التي حالت دون استئناف المفاوضات.

باكستان تكثف جهود الوساطة

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان يستقبل وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي (الرئاسة الإيرانية - أرشيفية)

وفي موازاة التصعيد، أكدت باكستان تمسكها بمواصلة وساطتها بين واشنطن وطهران، داعية إلى معالجة القضايا العالقة عبر الحوار والدبلوماسية.

وقالت وزارة الخارجية الباكستانية، الاثنين، إن إسلام آباد ملتزمة بدورها في الوساطة والعمل من أجل التوصل إلى حل سلمي للصراع بين إيران والولايات المتحدة، مشيرة إلى أن علاقاتها الجيدة مع الأطراف المعنية تتيح لها مواصلة هذا الدور.

وتزامن الموقف الباكستاني مع زيارة وزير الداخلية محسن نقوي إلى طهران، حيث التقى نظيره الإيراني إسكندر مؤمني. وأفادت مصادر حكومية باكستانية بأن المحادثات تناولت التطورات الإقليمية والعلاقات الثنائية، إلى جانب الجهود الرامية إلى إحياء المفاوضات المتعثرة بين طهران وواشنطن.

وفي المقابل، قالت مصادر إيرانية إن زيارة نقوي تركز على العلاقات الثنائية والتعاون بين البلدين، وإن الوزير الباكستاني لا يحمل رسالة أميركية إلى طهران، ولن ينقل رسالة إيرانية إلى واشنطن، وفق وكالة «تسنيم».

وبرزت باكستان خلال الأشهر الماضية بوصفها أحد الوسطاء الرئيسيين بين الطرفين. وأجرى نقوي عدة زيارات إلى طهران منذ مايو (أيار) الماضي، كان آخرها في أغسطس (آب)، لبحث سبل احتواء التوتر ودفع الحلول الدبلوماسية.

وتأتي هذه التحركات في ظل تعثر اتفاق أولي بين واشنطن وطهران تم التوصل إليه في يونيو (حزيران)، قبل أن ينهار بسبب خلافات حول عدد من الملفات، من بينها مسألة مضيق هرمز وإدارته.

ومنذ ذلك الحين، استؤنفت الضربات الأميركية على مواقع وسفن إيرانية، بالتزامن مع استمرار الحصار البحري للموانئ الإيرانية وتشديد العقوبات الأميركية.

وبعد فترة من الهدوء النسبي الذي أعقب الحرب التي اندلعت في 28 فبراير (شباط)، عاد التصعيد العسكري مع تبادل الضربات، بينما بقي المسار الدبلوماسي عالقاً.

مسيّرة أميركية ومخاطر الملاحة

سفن في مضيق هرمز (رويترز)

ميدانياً، أعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الاثنين، اعتراض وتدمير طائرة مسيّرة أميركية من طراز «إم كيو-1» في أجواء مضيق هرمز، وقال إن إسقاطها تم بواسطة منظومة دفاع جوي حديثة ضمن شبكة الدفاع الجوي الموحدة.

وقال «الحرس الثوري» إن الطائرة، التي وصفها بأنها من الطائرات القديمة نسبياً في الترسانة الأميركية، عادت إلى الاستخدام بعد إخراجها سابقاً من التنظيم القتالي للقوات البحرية والجوية الأميركية وإحلال طائرات «إم كيو-9» محلها.

ويأتي الإعلان الإيراني في وقت تظل فيه حركة الملاحة في مضيق هرمز عرضة لمخاطر كبيرة، في ظل التوتر العسكري بين الطرفين.

وفي أحدث مؤشر على ذلك، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية إصابة ناقلة بمقذوف مجهول المصدر أثناء عبورها المضيق، ما أدى إلى إصابة اثنين من أفراد طاقمها بجروح طفيفة. وأفادت الهيئة بأن السفينة واصلت إبحارها إلى ميناء التوقف التالي.

وقالت شركة الأمن البحري البريطانية «فانغارد» إن الناقلة «لا ستيفاني»، التي ترفع العلم البريطاني، تعرضت لهجوم بطائرة مسيّرة أثناء عبورها المضيق، مؤكدة إصابة اثنين من أفراد الطاقم بجروح طفيفة.

وفي حادث منفصل، أفادت الهيئة البريطانية بتعرض ناقلة غاز نفطي مسال لشظايا مقذوفات مجهولة المصدر أثناء مغادرتها مضيق هرمز، من دون إصابات بين أفراد الطاقم أو تسجيل آثار بيئية.

هرمز في قلب المواجهة

وتشكل التطورات في مضيق هرمز أحد أبرز مصادر القلق في ظل أهميته لحركة إمدادات الطاقة العالمية. وكانت إيران قد أعلنت في وقت سابق من هذا الشهر توسيع «المنطقة المحظورة» التي فرضتها إلى خارج الممر المائي الاستراتيجي، لتشمل أجزاء من خليج عمان وبحر العرب.

وبينما تتواصل التحركات الباكستانية وغيرها لإعادة فتح قنوات الحوار، يضع التصعيد الميداني والتهديدات المتبادلة المساعي الدبلوماسية أمام اختبار صعب.

وفي هذا السياق، تكتسب لقاءات ترمب في نيويورك أهمية إضافية، إذ يمكن أن توفر اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة مساحة لاتصالات مباشرة وغير مباشرة بشأن الأزمة، في وقت يسعى فيه الوسطاء إلى كسر الجمود ومنع عودة المواجهة العسكرية على نطاق واسع.