نتنياهو يدخل في صدام مع رئيس الأركان بسبب رئيس «الشاباك» الجديد

الجنرال زيني هو صاحب نظرية «الانتصار الكامل» على «حماس»

الجنرال زيني (الجيش الإسرائيلي)
الجنرال زيني (الجيش الإسرائيلي)
TT

نتنياهو يدخل في صدام مع رئيس الأركان بسبب رئيس «الشاباك» الجديد

الجنرال زيني (الجيش الإسرائيلي)
الجنرال زيني (الجيش الإسرائيلي)

شكّل إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مساء الخميس، تعيين اللواء في الجيش، دافيد زيني، رئيساً لجهاز الأمن الإسرائيلي العام (الشاباك)، تصعيداً كبيراً في الحرب التي يخوضها مع جهاز القضاء، وتحدياً جديداً للمحكمة العليا وللمستشارة القضائية للحكومة، غالي بهاراف ميارا، التي عدّت هذه الخطوة غير قانونية. ودخل نتنياهو بهذا التعيين في صدام أيضاً مع الجنرال إيال زامير الذي عيّنه فقط في مطلع السنة رئيساً لأركان الجيش ويُعدّ موالياً له.

وأثار التعيين نفسه عاصفة من الرفض في الشارع الإسرائيلي، السياسي والقضائي، لأنه جاء بمثابة رد استفزازي من نتنياهو ومؤيديه على قرار محكمة العدل العليا، الأربعاء، بأن «قرار الحكومة بإقالة رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك)، رونين بار، قد اتُّخذ بطريقة غير سليمة وخارج الأطر الإجرائية المطلوبة، وشابه تضارب مصالح من قِبل رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو».

وعدّ هذا القرار صفعة شديدة من المحكمة لنتنياهو، بل ضربة قوية، لأنه حصل في ظروف قضائية استثنائية.

فهو يتعلّق بقضية رفعها عدد من قادة المعارضة والحركات الناشطة في مجال الحكم الرشيد، لغرض إبطال إقالة رونين بار. لكن بار نفسه أعلن أنه سيستقيل ويترك منصبه نهائياً في 15 يونيو (حزيران) المقبل، في خطوة من المفترض أنها ستؤدي إلى غلق القضية.

وبالفعل، قالت المحكمة إنها تغلق القضية؛ لكنها أصرت على إعطاء رأيها في طريقة الإقالة، وعدتها عملياً غير قانونية.

من جهته، عدّ اليمين الحاكم في إسرائيل قرار المحكمة استفزازاً وإصراراً من رئيسها، القاضي يتسحاك عميت، على إبقاء القضاء قوياً ونشطاً في التدخل بشؤون الحكم. وزاد في الاستفزاز إعلان المستشارة ميارا، فور صدور قرار المحكمة العليا، بأنه يتوجب على نتنياهو الامتناع عن أي إجراء يتعلّق بتعيين رئيس جديد لـ«الشاباك»، وذلك حتى بلورة تعليمات قانونية تضمن نزاهة الإجراءات.

ويبدو أن نتنياهو قرّر تحدي المحكمة والمستشارة اللتين تعدّان ركناً أساسياً في «الدولة العميقة اليسارية التي تخطّط للإطاحة بحكومة اليمين»، حسبما يقول. وحسب مصادر سياسية مطلعة، أخبر نتنياهو الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، خلال مكالمتهما الهاتفية الليلة الماضية، بقراره هذا، قائلاً إنه مثله يرفض الرضوخ للدولة العميقة اليسارية، فامتدحه ترمب على ذلك.

رئيس جهاز الأمن الداخلي في إسرائيل رونين بار (رويترز)

تعيين زيني

في البيان الصادر عن مكتب نتنياهو، الخميس، جاء أنه قرر تعيين اللواء دافيد زيني، رئيساً جديداً لجهاز الأمن العام (الشاباك)، علماً بأنه شغل العديد من المناصب العملياتيّة وفي قيادة الجيش الإسرائيلي.

وتابع بيان نتنياهو: «في مارس (آذار) 2023، أعدّ زيني تقريراً لقائد فرقة غزة، لفحص استعدادات الفرقة، إزاء حدث مفاجئ ومعقّد، مع التركيز على اقتحام (وهجوم) مفاجئ، وتحديد نقاط الضعف الإسرائيلية في مواجهة ذلك الهجوم». ولفت إلى أنه «ضمن استنتاجات التقرير، كتب زيني أنه في أي (جبهة) تقريباً، يمكن تنفيذ هجوم مفاجئ على قواتنا».

وحسب ما أوردت إذاعة الجيش الإسرائيليّ، فقد تم إعلام رئيس الأركان، إيال زامير، بالقرار «قبل دقائق قليلة من صدور البيان الصحافي لمكتب رئيس الحكومة»، مشيرة إلى أنه «لم يكن جزءاً من عملية اتخاذ القرار بشأن هذه القضية، ولم يتم التشاور معه»، وفي هذا مساس بقوانين الجيش الداخلية، التي تحظر على قادة الجيش الاجتماع بالقيادة السياسية من دون علم وإذن صريح من رئيس الأركان. وبناء عليه، استدعى زامير الجنرال زيني واتفق معه على إنهاء خدمته في الجيش في غضون بضعة أيام.

من جهتها، عدّت المستشارة ميارا هذا التعيين أيضاً غير سليم وتشوبه مخالفات للقانون. وسارع رئيس المعارضة، يائير لابيد إلى مهاجمة نتنياهو متهماً إياه بأنه «يواجه تناقضاً خطيراً في المصالح فيما يتعلّق بتعيين رئيس لـ(الشاباك)»، مشيراً إلى تحقيق كان رئيس هذا الجهاز يجريه بحق مقربين من رئيس الوزراء بشبهة تلقي أموال من دولة عربية.

وتوجه لابيد إلى زيني يدعوه إلى إعلان أنه لا يستطيع قبول التعيين، حتى تُصدر المحكمة العليا قرارها في هذا الشأن. وبينما أعلنت حركات مهتمة بالحكم الرشيد نيتها رفع دعوى إلى المحكمة العليا لإلغاء تعيين زيني، تحمّس اليمين لخطوة نتنياهو، وقال وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، في بيان: «أحيي رئيس الحكومة على تعيين اللواء دافيد زيني، رئيساً لـ(الشاباك)»، مضيفاً أنه «ضابط هجوميّ وشرس». وأضاف في إشارة إلى تأييد خرق نتنياهو قرار المستشارة القضائية، أن «سلطة تعيين رئيس جهاز (الشاباك)، ممنوحة بموجب القانون لرئيس الحكومة فقط».

حقائق

من أصول جزائرية... لديه 11 ولداً لكنه لا يتحدث العربية

مَن زيني؟

ينتمي رئيس «الشاباك» المُعيّن، إلى عائلة كثيرة الأولاد (11 فرداً) تعود أصولها إلى الجزائر، حيث كان جده رجل دين مسؤولاً عن رعايا يهود قبل أن يهاجر إلى فرنسا. لكن دافيد زيني وُلد في القدس لأب نشيط في الحركة الصهيونية اليمينية، التي يقودها اليوم بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير. وهو لا يُعدّ سياسياً نشطاً؛ لكنه يعيش في مستوطنة متدينة «كيشيت» في مرتفعات الجولان المحتلة. زيني متزوج ولديه 11 ولداً. عمره 51 عاماً، أمضى معظمها (منذ سنة 1992) في الخدمة العسكرية النظامية. وقد حارب في لبنان، ويقال إنه كان أحد الضباط الذين قادوا عملية اغتيال هادي نصر الله، نجل زعيم «حزب الله» السابق حسن نصر الله، وخطف جثته إلى إسرائيل.

في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 كان واحداً من الضباط الكبار الذين هرعوا إلى بلدات غلاف غزة لمقاتلة عناصر «حماس» الذين هاجموها. وقد اجتمع أكثر من مرة مع نتنياهو وأثر عليه في الخطاب السياسي خلال الحرب. ويُقال إنه هو الذي طبع على خطاب نتنياهو التعبير «الانتصار التام» و«الانتصار الكامل» على «حماس».

لكن سبب تعيينه رئيساً لـ«الشاباك» يعود إلى أمر آخر يتعلّق بطريقة عمل نتنياهو في رئاسة الحكومة. وحسب صحيفة «معاريف»، فإن تعيين دافيد زيني جاء بقرار من سارة، زوجة نتنياهو. وقد كانت تريد تعيينه في منصب رئيس الأركان بعد هرتسي هليفي، لكن مستشاري نتنياهو حالوا دون ذلك؛ لأن زيني لم يشغل الكثير من المناصب في هيئة الأركان العامة. ويبدو أن نتنياهو أقنع زوجته بأن المنصب الملائم له هو رئيس «الشاباك»، فوافقت.

لكن ما علاقة سارة باللواء زيني؟

تقول «القناة 12» إن شقيق اللواء زيني هو شموئيل زيني، الذي يعمل يداً يمنى للملياردير ورجل الأعمال سيمون فاليك، الذي يعيش في ميامي ويحافظ على علاقات وثيقة مع عائلة نتنياهو. ومنزله في ميامي كان بمثابة بيت ضيافة لسارة نتنياهو نحو 70 يوماً، خلال الحرب على غزة، عندما تغيبت زوجة رئيس الوزراء عن البلاد وبقيت مع ابنها يائير الذي يعيش هناك.

لكن هذه ليست المشكلة الوحيدة في هذا التعيين، فاللواء زيني من خارج صفوف جهاز «الشاباك»، ما يجعله غير مقبول على قادته. وهو لا يعدّ خبيراً في الشؤون العربية (عربست) ولا يتكلم العربية، على عكس غالبية رؤساء «الشاباك». وهذا عيب كبير، في نظر الإسرائيليين، لأن «الشاباك» هو المسؤول عن الملف الفلسطيني في أجهزة الأمن. وأوضحت صحيفة «معاريف» أن «زيني يفتقر إلى الخبرة في مجالات المعلومات الاستخباراتية، والعمليات الخاصة لـ(الشاباك)، وتشغيل العملاء، وهو ما قد يُشكل تحدياً له في المنصب». وذكرت أن نتنياهو يسعى من خلال هذا التعيين، إلى إيصال رسالة إلى جهاز «الشاباك» مفادها أن «ما كان... لن يكون بعد ذلك»، وأن الطاقم المحيط برئيس الجهاز الحالي رونين بار قد يُستبدل مع دخول رئيس جديد من خارج الجهاز.


مقالات ذات صلة

هكذا اختطفت إسرائيل مسؤولاً أمنياً بارزاً في «حماس» من قلب غزة

خاص فلسطينيون قرب منزل المسؤول الأمني في «حماس» الذي تعرض لهجوم إسرائيلي أسفر عن اختطافه يوم الثلاثاء الماضي (إ.ب.أ)

هكذا اختطفت إسرائيل مسؤولاً أمنياً بارزاً في «حماس» من قلب غزة

مطلع سبتمبر الحالي، اختطفت قوة خاصة إسرائيلية المسؤول الأمني البارز في «حماس»، معين العرابيد، من قلب المنطقة التي تسيطر عليها الحركة في غرب مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون بموقع غارة إسرائيلية بمدينة غزة يوم الثلاثاء الماضي واكبت اختطاف مسؤول أمني في «حماس» (إ.ب.أ)

«الشرق الأوسط» تكشف تفاصيل عملية اختطاف مسؤول بارز في «حماس»

كشفت مصادر من «حماس» تفاصيل جديدة من عملية اختطاف المسؤول الأمني البارز في الحركة، معين العرابيد، يوم الثلاثاء الماضي، على يد قوة خاصة إسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي امرأة فلسطينية خلال جنازة سيدة قُتلت في غارة إسرائيلية قرب مستشفى ناصر في خان يونس (أرشيفية - أ.ف.ب)

إسرائيل تروّج مزاعم عن «مستشفى ناصر» توحي بنيّة مهاجمته من جديد

الجيش الإسرائيلي يروج لمزاعم عن استخدام «حماس» مجمع ناصر الطبي في خان يونس لتحقيقات ونشاط أمني، في توقيت تتصاعد فيه هجماته وخروقاته في غزة

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي مستوطنة إسرائيلية قرب قرية قصرة في الضفة الغربية المحتلة السبت (رويترز)

إسرائيل تستغل أزمة «البنوك الفلسطينية» لتمرير دعم المستوطنين بالضفة

الحكومة الإسرائيلية تنتهج سياسة الفوضى في الضفة عبر إضعاف السلطة وتقوية المستوطنين... رغم تحذيرات الأمن بانفجار محتمل.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي صورة لمقاتلي «القسام» خلال هجوم 7 أكتوبر 2023 (فيديو للقسام) p-circle

إسرائيل تكشف تفاصيل مطاردة المشاركين في هجوم 7 أكتوبر

كشف ضباط في الجيش الإسرائيلي و«الشاباك» للمرة الأولى التفاصيل المتعلقة بعمليات ملاحقة واغتيال الفلسطينيين الذين شاركوا في هجوم 7 أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (رام الله)

عراقجي: إيران قدّمت للولايات المتحدة خطة لإعادة فتح مضيق هرمز في 7 أيام

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)
TT

عراقجي: إيران قدّمت للولايات المتحدة خطة لإعادة فتح مضيق هرمز في 7 أيام

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، إن طهران قدّمت لواشنطن خطّة تقضي بإعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة خلال سبعة أيّام.

وصرّح عراقجي، من مقرّ الأمم المتحدة في نيويورك: «نقلت إيران إلى الولايات المتحدة عبر قطر خطّة ملموسة على سبعة أيّام. وفي حال استيفاء الشروط اللازمة، قد يعاد فتح المضيق، وتعود حركة العبور إلى طبيعتها خلال سبعة أيّام».

وأضاف: «يعود الخيار، الآن، إلى الولايات المتحدة. وإيران لا تقبل بالقمع أو التهديد أو التخويف، وهي لن تتخلّى عن حقوقها السيادية تحت الضغط»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


الولايات المتحدة تحذر الصين من دعم إيران

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يشاهدان العرض العسكري في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم الخميس 24 سبتمبر (د.ب.أ)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يشاهدان العرض العسكري في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم الخميس 24 سبتمبر (د.ب.أ)
TT

الولايات المتحدة تحذر الصين من دعم إيران

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يشاهدان العرض العسكري في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم الخميس 24 سبتمبر (د.ب.أ)
الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ يشاهدان العرض العسكري في حديقة الورود بالبيت الأبيض يوم الخميس 24 سبتمبر (د.ب.أ)

وسط تحركات دبلوماسية متسارعة على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، برز الملف الإيراني محوراً لاتصالات دولية شملت الولايات المتحدة والصين وروسيا وقطر، في وقت تتزايد فيه الضغوط على طهران بسبب الحرب وأزمة مضيق هرمز. وبينما وجّهت واشنطن تحذيراً مباشراً إلى بكين من تقديم أي دعم لإيران، ظهرت نقطة توافق بين البلدين بشأن ضرورة إبقاء المضيق مفتوحاً أمام الملاحة.

كشف السفير الأميركي لدى الصين ديفيد بيرديو جانباً من المحادثات التي دارت بين الرئيس دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، مؤكداً أن الملف الإيراني كان حاضراً في قمة الزعيمين.

وقال بيرديو، في تصريحات نقلتها شبكة «سي إن بي سي»، الجمعة، إن ترمب أوضح لشي أن أي مساعدة تقدمها الصين لإيران ستكون «غير مقبولة على الإطلاق».

وتأتي هذه الرسالة في وقت تلعب فيه الصين دوراً اقتصادياً مهماً بالنسبة إلى إيران، فيما تسعى بكين في الوقت نفسه إلى تقديم نفسها طرفاً قادراً على المساعدة في خفض التصعيد والدفع نحو المسار الدبلوماسي.

ولم يعلن الجانبان، عقب القمة، تحقيق اختراق في الملف الإيراني. إلا أن شي أكد دعمه لعودة الولايات المتحدة وإيران إلى التفاهمات السابقة واستئناف الحوار، في حين أظهرت تصريحات بيرديو أن واشنطن استغلت اللقاء أيضاً لرسم حدود واضحة أمام أي دعم صيني محتمل لطهران.

توافق حول هرمز

سفن تعبر مضيق «هرمز» وسط استمرار التوتر في الشرق الأوسط (أرشيفية - رويترز)

وفي نقطة أخرى مرتبطة بالأزمة، قال بيرديو إن واشنطن وبكين تتفقان على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام حركة الملاحة.

وأوضح السفير أن الصين تشارك الولايات المتحدة موقفها بشأن أهمية استمرار المرور عبر المضيق، الذي يعد ممراً رئيسياً لتجارة الطاقة العالمية.

ويمثل هذا التوافق نقطة تقاطع بين واشنطن وبكين، رغم اختلاف مواقفهما في كيفية التعامل مع إيران. ويأتي في وقت أصبح فيه المضيق أحد أبرز أوراق المساومة في الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب وخفض التصعيد في المنطقة.

وكان الملف الإيراني من أبرز القضايا المتوقع بحثها بين ترمب وشي، في ظل العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين بكين وطهران، ومساعي الصين للحفاظ على دور دبلوماسي في الأزمة.

لا بديل عن الدبلوماسية

وفي نيويورك أيضاً، أكدت موسكو وطهران تمسكهما بالحل الدبلوماسي للأزمة في هرمز.

وقالت وزارة الخارجية الروسية إن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، ونظيره الإيراني عباس عراقجي، بحثا خلال لقاء بينهما التطورات الإقليمية والدولية، مع التركيز على الوضع المتعلق بإيران. وأضافت الوزارة أن الجانبين أكدا «عدم وجود بديل عن التسوية الدبلوماسية» للأزمة، التي وصفاها بأنها ناجمة عن «الإجراءات غير القانونية للولايات المتحدة وإسرائيل».

وتناول اللقاء كذلك العلاقات الثنائية وجدول الاتصالات الروسية ـ الإيرانية المقبلة على مختلف المستويات، في مؤشر على استمرار التنسيق بين موسكو وطهران في ظل التصعيد الإقليمي.

تهيئة ظروف الحوار

‌أرشيفية لوزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ونظيره الإيراني عباس ‌عراقجي (رويترز)

وبالتوازي، كثّفت قطر اتصالاتها مع طهران في إطار جهودها للوساطة وخفض التصعيد.

وقالت وزارة الخارجية القطرية إن رئيس الوزراء وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني بحث مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في نيويورك، «تهيئة الظروف الملائمة للحوار».

وجاء اللقاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث بحث الجانبان، وفق البيان القطري، «آخر تطورات الأوضاع في المنطقة، والجهود المبذولة لخفض التصعيد وتهيئة الظروف الملائمة للحوار»، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.

وتأتي التحركات القطرية في إطار جهود الدوحة للمساعدة في فتح قنوات سياسية بين أطراف الأزمة، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تفاهم أوسع مرتبطة بموقف واشنطن وطهران من شروط التسوية.

كولومبيا تقطع علاقاتها بطهران

وفي تطور آخر يعكس اتساع نطاق الضغوط السياسية على إيران، أعلنت كولومبيا قطع علاقاتها الدبلوماسية مع طهران، لتصبح أحدث حليف لواشنطن في أميركا اللاتينية يتخذ هذه الخطوة.

ودخل القرار، الذي أعلنته الحكومة الكولومبية الخميس، حيز التنفيذ في 19 سبتمبر (أيلول)، وقالت بوغوتا إنه يستند إلى اعتبارات تتعلق بـ«الأمن القومي للنصف الغربي للكرة الأرضية».

واتهمت الحكومة الكولومبية إيران بإقامة علاقات مع «جماعات إرهابية متورطة في تجارة المخدرات وتهدد أمن البلاد»، من دون أن تقدم أدلة على هذه المزاعم.

كما انتقدت بوغوتا طهران بسبب عرقلة حركة الملاحة في مضيق هرمز ومهاجمة دول أخرى في الشرق الأوسط، في سياق النزاع المستمر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. وأشارت الحكومة الكولومبية إلى أنها ستبقي العلاقات القنصلية مع إيران.


واشنطن وطهران تبحثان مخرجاً تدريجياً للحرب

سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)
TT

واشنطن وطهران تبحثان مخرجاً تدريجياً للحرب

سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)
سفن راسية في مضيق هرمز قبالة مدينة خصب الساحلية في شبه جزيرة مسندم شمال عُمان في 17 مايو (أ.ف.ب)

تبحث الولايات المتحدة وإيران عن مسار تدريجي لإنهاء الحرب المستمرة بينهما منذ نحو سبعة أشهر، في وقت أصبح فيه مضيق هرمز محوراً رئيسياً للمساومة بين الطرفين. وتبحث المفاوضات، وفق مصادر مطلعة، إمكانية إعادة فتح الممر الملاحي الحيوي أمام حركة السفن في مقابل رفع واشنطن جانباً من الحصار الاقتصادي المفروض على طهران، مع احتمال الإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة.

لكن الطريق إلى اتفاق لا يزال شائكاً، إذ يتمسك كل طرف بأوراق الضغط التي يملكها، ويرفض تقديم تنازل مسبق من دون الحصول على مقابل واضح وضمانات بأن أي تسوية ستستمر.

هرمز مقابل رفع الحصار

وقال مسؤول إيراني كبير إن أحد أكثر السيناريوهات واقعية للخروج من الأزمة يتمثل في اتفاق مرحلي يبدأ بإنهاء الحصار الاقتصادي الأميركي وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، وفق ما ذكرت وكالة «رويترز».

وأضاف المسؤول، متحدثاً على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، أن «أحد السبل الممكنة للمضي قدماً هو حل الأزمة على مراحل، على أن تكون البداية بإنهاء الحصار ومعاودة فتح مضيق هرمز».

وحسب مصادر إيرانية وإقليمية وغربية، فإن طهران تبدو مستعدة لإعادة النظر في مطلب فرض رسوم على السفن العابرة للمضيق، بعدما أصبح رفع العقوبات والحصار أولوية أكثر إلحاحاً. وقد يُرحّل هذا المطلب إلى ملحق جانبي بدلاً من إدراجه في الاتفاق الأساسي.

وترفض دول الخليج فكرة فرض رسوم على حركة الملاحة، فيما تقول المصادر الإقليمية إن أي ترتيب محتمل بشأن المضيق سيكون مؤقتاً، ولن يعني بالضرورة تخلي إيران رسمياً عن موقفها المتعلق بإدارتها للممر المائي.

وتتركز إحدى نقاط الخلاف الأساسية على طبيعة السيطرة على المضيق. فبينما تريد واشنطن ضمان حرية الملاحة واستمرار تدفق السفن في واحد من أهم ممرات إمدادات الطاقة العالمية، تتمسك طهران بالحفاظ على دورها الإداري في الممر.

الحصار ورقة واشنطن الرئيسية

سفن تعبر مضيق «هرمز» وسط استمرار التوتر في الشرق الأوسط (أرشيفية - رويترز)

في المقابل، تواصل إدارة الرئيس دونالد ترمب تشديد الضغط الاقتصادي على إيران، مع فرض عقوبات جديدة تستهدف ما تبقى من شرايين اقتصادها، بما في ذلك شركات الطيران التجارية وشبكات الدعم المرتبطة بها.

وتستهدف الحملة الأميركية بصورة خاصة صادرات النفط الإيرانية التي تمثل مصدراً رئيسياً للعملة الصعبة، إضافة إلى القطاعات التي تعتبرها واشنطن مرتبطة بالحكومة و«الحرس الثوري».

وقال مسؤول في البيت الأبيض إن إيران «تسعى بشدة للتوصل إلى اتفاق»، لكنه أضاف أن ترمب «يمسك بزمام الأمور وسيتخذ القرار الأنسب للولايات المتحدة». وأكد أن الرئيس الأميركي لا يزال «منفتحاً على الحوار مع إيران في ظل الظروف المناسبة»، لكنه لا يشعر بأنه مضطر إلى التفاوض.

وحسب المسؤول نفسه، ترى الإدارة الأميركية أن العقوبات والحصار وضعا الاقتصاد الإيراني تحت ضغط شديد، وأن واشنطن تمتلك، في الوقت الراهن، أوراقاً قوية في مواجهة طهران.

ويرى المفاوض الأميركي السابق، دينيس روس، أن الحصار يمثل أحد أهم عناصر الضغط على إيران، لكنه يعتقد في الوقت نفسه أن الضغوط الاقتصادية قد تدفع طهران إلى التصعيد بدلاً من تقديم تنازلات، إذا خلصت إلى أن تخفيف موقفها سيعرضها للخطر.

انتخابات الكونغرس تضيق هامش المناورة

قبة مبنى «الكابيتول»... مقر «الكونغرس» الأميركي (رويترز)

وتكتسب الانتخابات الأميركية النصفية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) أهمية خاصة في حسابات المفاوضات. وكان ترمب قد أعرب عن اعتقاده بإمكان التوصل إلى اتفاق مع إيران بعد الانتخابات، فيما يرى مسؤولون وخبراء أن الموعد الانتخابي قد يؤثر في حسابات الطرفين، من دون أن يمثل بالضرورة نهاية المسار الدبلوماسي.

وقال روس إن احتمال التوصل إلى اتفاق قبل الانتخابات لا يتجاوز، وفق تقديره، 30 في المائة، لكنه أشار إلى أن لدى الطرفين أسباباً قد تدفعهما إلى إبرام تسوية قبل موعدها.

ومن شأن إعادة فتح مضيق هرمز أن تخفف التوتر في الخليج، وتساعد في الحد من الضغوط على أسعار النفط والبنزين في الولايات المتحدة، وهي قضية ذات حساسية سياسية بالنسبة إلى الإدارة الأميركية.

وفي المقابل، قد تستفيد إيران من أي تخفيف اقتصادي في وقت تواجه فيه ضغوطاً شديدة على اقتصادها.

ويحذر روس من أن هامش المناورة أمام ترمب قد يتسع بعد الانتخابات، بما قد يتيح له مواصلة الضغوط أو بحث خيارات أخرى إذا فشلت المفاوضات.

«أوراق الضغط» نفسها تعرقل التسوية

المفارقة في مفاوضات نيويورك أن الأدوات التي أعادت واشنطن وطهران إلى طاولة الحوار قد تكون نفسها العقبة أمام التوصل إلى اتفاق. فالولايات المتحدة تملك أدوات اقتصادية وعسكرية يمكنها من خلالها الضغط على إيران، فيما تملك طهران ورقة مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. ولا يبدو أي من الطرفين مستعداً للتخلي عن ورقته الرئيسية قبل الحصول على مقابل ملموس، الأمر الذي يجعل التفاوض يدور حول سؤال أساسي: من يبدأ بالتنازل؟

وقال مسؤول غربي مطلع على المحادثات إن «المسألة برمتها تتعلق بفتح مضيق هرمز»، مضيفاً أن الضغوط الداخلية الواقعة على مختلف الأطراف أصبحت جزءاً من حسابات المفاوضات.

ويرى محللون أن انتخابات التجديد النصفي قد تمثل، في هذا السياق، موعداً مهماً لإعادة تقييم المسار الدبلوماسي، أكثر من كونها مهلة نهائية للمفاوضات. وإذا لم تتمكن واشنطن وطهران من تحويل أوراق الضغط إلى اتفاق قبل الانتخابات، فقد تضيق مساحة المناورة أمام الحلول الدبلوماسية ويتزايد خطر العودة إلى التصعيد.

طهران: الاتفاق غير مضمون

عراقجي مجتمعاً بقائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران يوم 23 مايو (إ.ب.أ)

ورغم استمرار الاتصالات الدبلوماسية، لا تتصرف إيران على أساس أن الحرب انتهت أو أن التوصل إلى اتفاق مضمون. وقال مسؤول إيراني كبير إن بلاده تستعد لاحتمال تجدد القتال، متهماً الولايات المتحدة باستخدام الحصار الاقتصادي والتهديد بالقوة للضغط على طهران.

وأضاف: «أصابعنا على الزناد. يعرف الأميركيون ما يتعين عليهم فعله، لكن فرص حل الأزمة عبر الدبلوماسية ضئيلة للغاية بسبب مطالبهم المبالغ فيها».

ويعكس هذا الموقف حالة التناقض التي تحكم المفاوضات: طهران تحتاج إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية، لكنها تخشى أن يؤدي تقديم تنازلات واسعة إلى إضعاف موقفها، فيما تريد واشنطن استخدام الضغط للحصول على تنازلات قبل تقديم تخفيف اقتصادي كبير.

وقال آلان آير، وهو مفاوض أميركي سابق بشأن الملف الإيراني، إن العقوبات تلحق ضرراً بإيران، لكنها قد تدفعها أيضاً إلى التشدد، لأن القيادة الإيرانية قد ترى أن تقديم تنازلات كبيرة يهدد بقاءها.

بزشكيان: القرار في يد واشنطن

بزشكيان يلقي كلمة أمام الجمعية العامة في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك (رويترز)

وفي موازاة مفاوضات نيويورك، سعى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى تحميل واشنطن مسؤولية تحديد مستقبل الحرب، مؤكداً أن طهران لا تسعى إلى استمرار القتال لكنها لن تقبل الخضوع للولايات المتحدة.

وقال بزشكيان، في مقابلة مع شبكة «فوكس نيوز» الأميركية بُثت مساء الخميس، إن «أميركا هي التي يجب عليها أن تختار ما إذا كانت تريد إنهاء هذا الأمر أم لا».

وأضاف أن إيران مستعدة للتوصل إلى اتفاق مع ترمب، مشيراً إلى أن حل المشكلات عبر الحوار أفضل من «قتل بعضنا بعضاً». واتهم إسرائيل بالتحريض الذي أدى، وفق روايته، إلى اندلاع الحرب.

وتساءل بزشكيان عن أسباب انهيار وقف إطلاق النار السابق بعد أسبوعين من توقيعه، وقال إن طهران مستعدة لاتفاق «ضمن الأطر القانونية الدولية»، سواء تم التوصل إليه قبل انتخابات التجديد النصفي أو بعدها.

وجاءت تصريحات الرئيس الإيراني بعد اجتماع جمع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بالمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، صهر ترمب، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. ولم تسفر المحادثات عن اختراق معلن.

احتمال استئناف العمل العسكري

ولا تقتصر تداعيات المفاوضات على واشنطن وطهران. فقد سعى قادة دول المنطقة، خلال اجتماعات منفصلة مع ترمب في نيويورك، إلى الحصول على توضيحات بشأن الخطط الأميركية بعد انتخابات التجديد النصفي، بما في ذلك احتمال استئناف العمل العسكري إذا فشلت إيران في العودة إلى مسار التفاوض.

وأبدت دول المنطقة رفضها لأي سيطرة إيرانية على مضيق هرمز، وشددت على ضرورة ضمان حرية الملاحة وعدم تحويل الممر الاستراتيجي إلى أداة للضغط على دول المنطقة. لكن هذا الموقف ترافق مع دعوات قوية إلى خفض التصعيد وبدء مسار سياسي، في مؤشر على رغبة دول الخليج في تجنب الانجرار إلى مواجهة جديدة بين واشنطن وطهران.

لا اختراق حاسماً في نيويورك

بزشكيان يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (رويترز)

ويرى محللون أن الاتصالات الحالية لم تؤد حتى الآن إلى تغيير جوهري في مواقف الطرفين. وقال داني سيترينوفيتش، المحلل الإقليمي والضابط السابق في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، إن محادثات نيويورك لم تغير المواقف الأساسية لواشنطن وطهران، وإن إيران قد لا تكون مستعدة لتقديم تنازلات كبيرة ما دامت تعتقد أن ترمب يسعى إلى تجنب تصعيد أوسع قبل الانتخابات النصفية.

وفي الوقت نفسه، تواجه واشنطن معادلة دقيقة: فهي تريد الحفاظ على الضغط لدفع طهران إلى تقديم تنازلات، لكنها تحتاج أيضاً إلى تفادي استمرار إغلاق مضيق هرمز وما يمكن أن يترتب عليه من تداعيات على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

أما طهران، فتسعى إلى رفع الحصار والحصول على متنفس اقتصادي، لكنها تريد الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من أوراقها التفاوضية.

وفي ظل هذه المعادلة، يبدو أن مفتاح أي اتفاق محتمل يكمن في صيغة مرحلية تتيح لكل طرف الحصول على مكسب أولي من دون الاضطرار إلى إعلان تخليه عن أوراق الضغط الرئيسية. غير أن ضمان استمرار أي تفاهم، بعد انهيار اتفاقات سابقة، يبقى التحدي الأكبر أمام مفاوضي واشنطن وطهران.