«يوم تاريخي» لتركيا... «العمال الكردستاني» حلّ نفسه وألقى سلاحه

خريطة تحدد مناطق تسليم العتاد ووجهة القيادات وخطوات سياسية منها دستور جديد

كردي يرفع علم حزب «العمال الكردستاني» وعليه صورة زعيمه المؤسس عبد الله أوجلان ملوحاً بعلامة النصر (أ.ف.ب)
كردي يرفع علم حزب «العمال الكردستاني» وعليه صورة زعيمه المؤسس عبد الله أوجلان ملوحاً بعلامة النصر (أ.ف.ب)
TT

«يوم تاريخي» لتركيا... «العمال الكردستاني» حلّ نفسه وألقى سلاحه

كردي يرفع علم حزب «العمال الكردستاني» وعليه صورة زعيمه المؤسس عبد الله أوجلان ملوحاً بعلامة النصر (أ.ف.ب)
كردي يرفع علم حزب «العمال الكردستاني» وعليه صورة زعيمه المؤسس عبد الله أوجلان ملوحاً بعلامة النصر (أ.ف.ب)

بينما وصف بـ«اليوم التاريخي»... طوى حزب «العمال الكردستاني» صفحة الصراع المسلح مع تركيا معلناً حل نفسه وإلقاء أسلحته استجابةً لدعوة أطلقها زعيمه التاريخي، عبد الله أوجلان، من سجنه في 27 فبراير (شباط) الماضي.

وفتح الإعلان الباب أمام العديد من التساؤلات حول الخطوات اللاحقة على إعلان الحزب حل نفسه، وكيفية تسليم أسلحته، وإلى أين ستذهب عناصره المسلحة، وكيف سيكون مصير مؤسسه وزعيمه التاريخي، أوجلان، المحبوس في سجن منعزل في جزيرة إيمرالي، في بحر مرمرة غرب تركيا، وأي خطوات سياسية ستتخذها الحكومة التركية لضمان مزيد من الحقوق للأكراد.

«الكردستاني» يتحدث عن النصر

وأعلن حزب «العمال الكردستاني»، الاثنين، حل نفسه وإنهاء أكثر من 40 عاماً من المواجهات المسلحة ضد الدولة التركية، حسبما أفادت وكالة «فرات» للأنباء القريبة من الحزب.

صورة نشرتها وسائل إعلام تركية للمؤتمر الـ12 لحزب «العمال الكردستاني»

وعقد حزب «العمال الكردستاني» مؤتمره الـ12 من 5 إلى 7 مايو (أيار) الحالي، في منطقتين مختلفتين، تحقيقاً لدعوة أوجلان لـ«السلام ومجتمع ديمقراطي»، التي جاءت بناء على مبادرة «تركيا خالية من الإرهاب»، التي أطلقها رئيس حزب «الحركة القومية» الشريك الرئيسي لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في «تحالف الشعب»، دولت بهشلي، في 22 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حظيت بتأييد الرئيس رجب طيب إردوغان.

وأعلن الحزب، في بيان، الجمعة، أنه اتخذ خلال المؤتمر قرارات تاريخية، وأنه سيعلنها بعد جمع نتائج المنطقتين اللتين عُقد فيهما المؤتمر.

وجاء في بيان للحزب، الاثنين، نقلته وكالة «فرات»: «قرر المؤتمر الـ12 لحزب (العمال الكردستاني) حل البنية التنظيمية لحزب (العمال الكردستاني) وإنهاء كفاحه المسلح».

وأودى الصراع المسلح بحياة أكثر من 40 ألف شخص منذ 1984، حسبما تقول أنقرة، ويتوقع أن يكون لحل الحزب والتخلي عن العمل المسلح عواقب سياسية وأمنية على المنطقة، حيث تتمركز قياداته في شمال العراق، وكذلك في سوريا التي توجد بها وحدات حماية الشعب الكردية، التي تقود «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، والمتحالفة مع الولايات المتحدة في إطار الحرب على تنظيم «داعش» الإرهابي.

أكراد في القامشلي عبروا عن فرحتهم بدعوة أوجلان لحل «العمال الكردستاني» التي أطلقها في 27 فبراير الماضي (أ.ف.ب)

وسبق أن أعلنت «قسد» أن نداء أوجلان الخاص بحل «العمال الكردستاني» وإلقاء أسلحته لا يعنيها، إلا أنها وقّعت في 10 مارس (آذار) الماضي، اتفاقاً مع الإدارة السورية برئاسة أحمد الشرع، للاندماج في مؤسسات الدولة السورية.

وقال حزب «العمال الكردستاني»، في بيانه، إنه «قرّر بناء على نتائج مؤتمره الـ12 حل الهيكل التنظيمي وإنهاء الكفاح المسلح وجميع الأنشطة التي تتم باسم الحزب».

وأضاف: «هزم نضال حزب (العمال الكردستاني) سياسة إنكار حقوق شعبنا وإبادته وأوصل القضية الكردية إلى نقطة الحل عن طريق السياسة الديمقراطية».

ترحيب واسع

وقوبلت خطوة «العمال الكردستاني» بالترحيب من جانب تركيا. وأكدت الرئاسة التركية أنه سيتم اتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان المضي بشكل سلس نحو دولة «خالية من الإرهاب»، بعد إعلان حزب «العمال الكردستاني» حل نفسه.

وأكد وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، أن قرار حزب «العمال الكردستاني» تاريخي ومهم وأن تركيا ستتابع تنفيذه، وأن هناك العديد من الخطوات التي ستتخذ بناء عليه في الفترة المقبلة.

فيدان خلال مؤتمر صحافي في أنقرة الاثنين (الخارجية التركية)

وقال فيدان خلال مؤتمر صحافي مشترك، مع نظيريه الأردني أيمن الصفدي والسوري أسعد الشيباني، عقب اجتماع ثلاثي بينهم في أنقرة، الاثنين: «لن نخوض الآن في الخطوات التي سيتم اتخاذها، لكننا نرى أن هذا القرار سيكون في صالح تركيا والمنطقة».

وأضاف: «نحن نسعى إلى حل المشاكل الأمنية في العراق وسوريا، ونرى أن قرار حزب (العمال الكردستاني) هو خطوة مهمة».

وقال رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، فخر الدين ألطون، عبر حسابه في «إكس»، إن العملية لن تكون قصيرة الأمد أو سطحية، وسيتم اتخاذ جميع الخطوات بشفافية وبما يراعي حساسية الأمور.

بدوره، وصف نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكم المتحدث باسم الحزب، عمر تشيليك، قرار حزب «العمال الكردستاني» بأنه «خطوة مهمة نحو تركيا خالية من الإرهاب».

وقال وزير العدل، يلماظ تونتش، عبر حسابه في «إكس»: «نحن عند نقطة تحول مهمة، ستترك بلادنا ظلام الإرهاب خلفها وستحافظ دائماً على القيم الأساسية لجمهوريتنا بما يتماشى مع هدف (تركيا خالية من الإرهاب)، وستواصل مسيرتها بخطوات ثابتة على طريق الديمقراطية عالية المستوى مع التفاني في مبدأ دولة القانون، وستواصل المضي قدماً بعزم نحو نور الأخوة والاستقرار».

وعبر رئيس حكومة إقليم كردستان العراق، نيجيرفان بارزاني، عن «سعادته» برؤية حزب «العمال الكردستاني» يحل نفسه.

وقال بارزاني، عبر حسابه في «إكس»: «نرحب بقرار حزب (العمال الكردستاني) حل نفسه ونزع سلاحه وتلبية دعوة أوجلان كخطوة حاسمة ستفتح صفحة جديدة في المنطقة»، وأكد أن «القرار سيمهد الطريق لحوار حقيقي من شأنه أن يعزّز التعايش والاستقرار في تركيا والمنطقة».

وأضاف: «نتوقع أن يُقابَل قرار (العمال الكردستاني) بخطوات إيجابية من جميع الجهات، وإذ نُقدّر دور الرئيس إردوغان في دعم هذه العملية، فإننا نؤكد مجدداً أن إقليم كردستان، كعادته، يدعم جميع الجهود الرامية إلى حل النزاعات بالطرق السلمية، ونأمل أن تُشكّل هذه المبادرة نقطة تحول حاسمة. كما نُعرب عن استعدادنا لمواصلة تقديم جميع أنواع المساعدة والدعم لإنجاح هذه الفرصة التاريخية».

وكان بارزاني استقبل وفداً من الأحزاب الكردية في تركيا بقيادة حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الذي تولى الاتصالات مع أوجلان والدولة والأحزاب التركية، والأطراف الأخرى في العراق وسوريا، في أربيل، حيث اطلع على سير العملية الرامية إلى حل الحزب.

اجتماع اللجنة التنفيذية للقرار المركزي لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» (حساب الحزب في إكس)

وعقدت اللجنة التنفيذية للقرار المركزي في حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» اجتماعاً، الاثنين، عقب إعلان حزب «العمال الكردستاني» حل نفسه، لبحث الخطوات المقبلة في إطار هذه العملية، برئاسة الرئيسين المشاركين للحزب تولاي حاتم أوغلاري وتونجر باكيرهان.

وقال باكيرهان، في كلمة خلال الاجتماع: «نتمنى أن يكون القرار مفيداً لتركيا، لم يعد هناك أي سبب لعدم بناء تركيا الديمقراطية، آمل أن نتوج هذه العملية بالسلام».

وعقب الاجتماع، دعت المتحدثة باسم الحزب، عائشة غل دوغان، إلى المشاركة في العملية الديمقراطية، قائلةً: «يجب ألا نضيع هذه الفرصة العظيمة. هذه ليست مسألةً قابلةً للتأجيل، بل هي مسؤوليةٌ مقدسة».

وأشارت إلى أن حقبة جديدة بدأت في العملية السياسية، مضيفة: «نشهد جميعاً فتح صفحة جديدة في حل مشكلة كانت على أجندة تركيا منذ قرن من الزمان».

ابتهاج في الشارع وغضب قومي

وخرج مواطنون في مدينة ديار بكر، كبرى المدن ذات الغالبية الكردية في جنوب شرقي تركيا، إلى الشوارع، معبرين عن ابتهاجهم بقرار حل الحزب بالرقص وتوزيع الحلوى، آملين في أن تنتهي صفحة الصراع التي فقدوا فيها العديد من أبنائهم بين القتل والتجنيد القسري في صفوف «العمال الكردستاني».

مواطنون في ديار بكر جنوب شرقي تركيا يرقصون فرحاً بإعلان حزب «العمال الكردستاني» حل نفسه (إكس)

وتفاعلاً مع الأجواء الإيجابية لقرار حزب «العمال الكردستاني»، ارتفع مؤشر أسهم بورصة إسطنبول (بيست 100) بنسبة 2.4 في المائة.

في المقابل، وصف حزب «الجيد» القومي، العملية الجارية بين «العمال الكردستاني» والحكومة التركية وشركائها (حزب الحركة القومية وأحزاب تحالف الشعب) بـ«الخيانة»، مؤكداً أن المنظمة الإرهابية (حزب العمال الكردستاني) لم تتراجع عن أهدافها ومقاصدها، بل أعلنت النصر، وهذا لا يمكن السماح به.

وقال رئيس الحزب مساوات درويش أوغلو، في مؤتمر صحافي في أنقرة، إنه لا يمكن التنازل عن حدود الجمهورية التركية كما رسمتها معاهدة لوزان، ولا يمكن القبول بهذه الخيانة.

وأضاف: «علينا أن نكون يقظين، وأن ننتبه للتطورات في شمال سوريا، على وجه الخصوص، نحن نسأل الحكومة عن رأيها في مؤتمر الإدارة الذاتية الكردية في القامشلي، وتمسكه بالفيدرالية والحكم الذاتي».

خريطة ما بعد الحل

وفجر قرار حزب «العمال الكردستاني» العديد من التساؤلات حول كيفية تسليم الحزب أسلحته وما هي وجهة قيادات وعناصر الحزب بعد هذا القرار، وفي هذا الإطار كشفت مصادر تركية أنه سيتم تسليم الأسلحة تحت إشراف الأمم المتحدة، وبحضور مراقبين دوليين في 3 نقاط، هي: العمادية في محافظة دهوك، وبينار وكوي سنجق في أربيل، وقضاء سيد صادق في السليمانية.

وقالت المصادر القريبة من العملية الجارية إن أوجلان تمكن من حل الصراع داخل المنظمة من خلال التدخل المباشر، لافتاً إلى أن نحو 300 من كبار مسؤولي المنظمة سيتوجهون إلى دول ثالثة مثل جنوب أفريقيا والنرويج، ولن يبقى أي منهم في العراق وسوريا.

أوجلان خلال قرائته نداءه الموجه لحزب «العمال الكردستاني» لحل نفسه من سجن إيمرالي في 27 فبراير (إ.ب.أ)

وأضافت أن أعضاء المنظمة غير المتورطين في الجرائم سيعودون إلى بلدانهم الأصلية، وسيتم استقبال نحو 4 آلاف مواطن تركي تدريجياً على الحدود، وفي المرحلة الأولى سيتم ضمان عودة أبناء «أمهات ديار بكر»، وأنه لن تكون هناك دول ضامنة مثل الولايات المتحدة وفرنسا.

وبالنسبة لمصير زعيم حزب «العمال الكردستاني»، المحكوم بالسجن المؤبد المشدد في تركيا منذ 26 عاماً، والسجناء الآخرين من أعضاء الحزب، فقالت المصادر إن أوجلان سيبقى في سجن إيمرالي، وسيستفيد أعضاء حزب «العمال الكردستاني» من قانون الإعدام الجديد، وسيتم وضع لوائح لضمان إطلاق سراح كبار السن والمرضى.

وكانت تقارير تركية أكدت أن أوجلان لا يرغب في مغادرة إيمرالي، وإنما في تحسين ظروف إقامته هناك، ولفتت إلى أنه تم اتخاذ خطوات بالفعل من جانب وزارة العدل التركية، حيث تم نقل بعض السجناء إلى إيمرالي بهدف كسر عزلته، كما سُمح له بالتجول في الجزيرة.

خطوات سياسية

ويطالب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، المؤيد للأكراد بتعديلات قانونية تتضمن الإفراج عن السجناء السياسيين الأكراد، وفي مقدمتهم الرئيسان المشاركان السابقان لحزب «الشعوب الديمقراطية»، صلاح الدين دميرطاش وفيجن يوكسكداغ وعدد من نواب الحزب، المعتقلين بتهم الإرهاب، وتعديل قانون الإعدام والسجناء المرضى.

مسلحون تابعون لـ«العمال الكردستاني» في شمال العراق (إكس)

وقال المصدر إن هناك خطوات سياسية ستُتخذ اعتماداً على مسار العملية، وسيتم البحث عن أرضية للتعاون في البرلمان بين «تحالف الشعب» («العدالة والتنمية» و«الحركة القومية») والأحزاب الأخرى (وخصوصاً «الديمقراطية والمساواة للشعوب») بشأن الدستور الجديد، وسيتم إعادة تنظيم التشريع الجنائي، وقد يكون العفو الجزئي عن عناصر «العمال الكردستاني» على جدول الأعمال عندما يتم تشكيل توافق اجتماعي في مرحلة لاحقة.

ولفت المصدر إلى أنه سيتم إعادة رؤساء البلديات المنتخبين الذين تم عزلهم وتعيين أوصياء بدلاً منهم بسبب ارتباطاتهم مع حزب «العمال الكردستاني»، إلى مناصبهم.

وشدّد المصدر على أن تركيا لن تنسحب عسكرياً من المنطقة (شمالي العراق وسوريا) لفترة طويلة في ظل احتمال حدوث انشقاقات عن المنظمة وتشكيل هيكل جديد.

وأضاف أنه سيتم التخطيط لهيكلة وحدات حماية الشعب الكردية في سوريا بالتعاون مع إدارة دمشق، وسيتم إبعاد الأعضاء غير السوريين إلى الخارج، وسينضم دمج الباقين في الجيش السوري.


مقالات ذات صلة

رواية كردية لأحداث سوريا... وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

خاص الشرع خلال توقيع اتفاق وقف إطلاق النار مع «قسد» مساء الأحد (إ.ب.أ)

رواية كردية لأحداث سوريا... وملامح اليوم التالي لـ«قسد»

تزعم مصادر مقربة من قيادة «قسد» أن التباين لم يكن داخلياً بقدر ما كان في المقاربة الأميركية، بين رؤية قيادة التحالف الدولي، وما انتهى إليه المبعوث توم براك.

«الشرق الأوسط» (أربيل)
المشرق العربي سليمان عبد الباقي مدير الأمن الداخلي في السويداء يرفع العلم السوري أمام مبنى الكونغرس في واشنطن (إكس)

مدير أمن السويداء من واشنطن: الإدارة الأميركية مع «سوريا واحدة موحدة»

أكد مدير الأمن الداخلي في مدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، من واشنطن، أن الإدارة الأميركية «مع سوريا واحدة موحدة، وهي ضد أي مشروع انفصالي».

موفق محمد (دمشق)
المشرق العربي قامت عناصر من «وحدات حماية الشعب الكردية» بإنزال علم تركيا ورفع أعلام «قسد» وصورة قائدها مظلوم عبدي على بوابة نصيبين - القامشلي وسط توتر شديد على الحدود التركية - السورية (أ.ب)

إردوغان يدعو إلى تحالف «تركي - كردي - عربي» ويشدد على دعم وحدة سوريا

دعا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى تحالف «تركي - كردي - عربي» وحل مشكلات المنطقة على أساس الأخوّة التاريخية، مشدداً على دعم وحدة سوريا وسيادتها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي الرئيسان المشاركان لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» يتحدثان خلال مسيرة للحزب على الحدود التركية - السورية يوم الثلاثاء (حساب الحزب في «إكس»)

فيدان بحث مع برّاك التطورات في سوريا بعد دعوة «قسد» للنفير العام

بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، والسفير الأميركي في أنقرة المبعوث الخاص إلى سوريا توم برّاك، التطورات الأخيرة بشأن اتفاق وقف إطلاق النار بين دمشق و«قسد».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي مدنيون أكراد يتجمعون بأسلحتهم في مدينة القامشلي (أ.ف.ب) play-circle

الأحزاب الكردية في تركيا تعلن تضامنها مع أكراد سوريا

أعلنت الحركات والأحزاب الكردية في تركيا تضامنها مع «إخوتها» في سوريا، في مواجهة هجوم القوات السورية.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

«إصبع على الزناد»... إيران تحذر وترمب يترك باب التفاوض مفتوحاً

إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
TT

«إصبع على الزناد»... إيران تحذر وترمب يترك باب التفاوض مفتوحاً

إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)
إسكافي يصلح أحذية يجلس أمام مبانٍ حكومية احترقت خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران (أ.ف.ب)

حذّر قائد «الحرس الثوري» الإيراني، الخميس، واشنطن من أن قواته «إصبعها على الزناد» في أعقاب الاحتجاجات الجماهيرية، في وقت قال فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن طهران لا تزال تبدو مهتمة بإجراء محادثات.

وتبادلت إيران والولايات المتحدة في الأيام الأخيرة التهديدات بشنّ حرب واسعة النطاق إذا قُتل أي من زعيمي البلدين. ويأتي ذلك في ظل احتجاجات، اتهمت طهران واشنطن بتأجيجها، وبعد أن هدّد ترمب بعمل عسكري إذا قُتل مزيد من المتظاهرين في حملة القمع.

وكان ترمب قد أبقى مراراً خيار شنّ عمل عسكري جديد ضد إيران مفتوحاً، بعدما دعمت واشنطن وانضمت إلى حرب إسرائيل التي استمرت 12 يوماً في يونيو (حزيران) الماضي، وهدفت إلى إضعاف البرامج النووية والصاروخية الإيرانية.

وهزّت احتجاجات استمرت أسبوعين، وبدأت في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، المؤسسة الحاكمة بقيادة المرشد علي خامنئي، قبل أن تخمد الحركة في مواجهة حملة قمع، يقول ناشطون إنها أسفرت عن مقتل الآلاف، وترافقت مع قطع غير مسبوق للإنترنت على مستوى البلاد.

ويبدو أن احتمال تحرّك أميركي فوري ضد طهران قد تراجع خلال الأسبوع الماضي، مع إصرار الجانبين على إعطاء الدبلوماسية فرصة، حتى مع ما أوردته وسائل إعلام أميركية عن أن ترمب لا يزال يدرس خياراته.

وقال ترمب، في كلمة ألقاها أمام منتدى دافوس، إن الولايات المتحدة ضربت مواقع إيرانية لتخصيب اليورانيوم العام الماضي لمنع طهران من صنع سلاح نووي. وتنفي إيران أن برنامجها النووي يهدف إلى صنع قنبلة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يرتب سترته وهو يغادر مركز المؤتمرات خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس (أ.ف.ب)

وذكّر ترمب بالضربات الأميركية على منشآت تخصيب اليورانيوم في إيران العام الفائت، مؤكداً «عدم السماح» لطهران بأن تمتلك سلاحاً نووياً، وأضاف: «إيران تريد التفاوض، وسنتفاوض».

وقبل ذلك بساعات، شدّد ترمب في مقابلة ‌مع شبكة «‍سي إن بي سي» أنه على إيران وقف مساعيها لامتلاك سلاح نووي، مؤكداً أن واشنطن تراقب ما ستفعله طهران في هذا الشأن، ومجدداً تحذيره من احتمال اتخاذ إجراءات لاحقة إذا لم تتوقف هذه الجهود.

وقال ترمب إن قوات الأمن كانت تطلق النار عشوائياً في الشوارع، مضيفاً أن إيران أوقفت قتل المتظاهرين بعدما وجّه لها تحذيراً الأسبوع الماضي بإمكانية اتخاذ إجراءات عسكرية. وأشار إلى أن طهران «كانت تعتزم شنق 837 شخصاً»، قبل أن يتدخل، قائلاً إنه أبلغها بعدم جواز ذلك، معرباً عن أمله في ألا تُتخذ خطوات إضافية.

ومن دافوس، قال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إن بلاده تدعو إلى تهيئة الظروف اللازمة لاستئناف الحوار بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكداً أهمية خفض التصعيد وبناء الثقة لإتاحة فرصة حقيقية للحلول الدبلوماسية. وجاء ذلك بعد لقاء مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي واتصالات أجراها مع نظيريه الفرنسي جان - نويل بارو، والإيراني عباس عراقجي.

وقال السيناتور الأميركي، ليندسي غراهام، إن الرهان على إمكانية تغيير سلوك القيادة الإيرانية والتوصل إلى اتفاق معها «وهمٌ خطير»، معتبراً أن من يعتقد إمكانية ذلك «لا يفهم تاريخ النظام وطبيعته».

وشبّه غراهام فكرة التفاهم مع طهران بمحاولات عقد صفقة مع أدولف هتلر، مؤكداً أن «الشر لا يساوم بل يُواجه». ودعا إلى دعم الشعب الإيراني بوصفه الخيار الصحيح في التعامل مع الأزمة، منتقداً أي مقاربات تقوم على استرضاء النظام أو التعويل على تحول في نهجه.

وفي مواجهة اتسمت بتصريحات متقلبة، كان ترمب قد حذّر، الثلاثاء، قادة إيران من أن الولايات المتحدة «ستمحوهم من على وجه الأرض» إذا وقع أي هجوم على حياته، رداً على ضربة تستهدف خامنئي.

«أهداف مشروعة»

وحذّر قائد «الحرس الثوري»، الجنرال محمد باكبور، إسرائيل والولايات المتحدة من «أي سوء تقدير»، داعياً إلى «التعلم من التجارب التاريخية وما تعلّموه في الحرب المفروضة التي استمرت 12 يوماً، حتى لا يواجهوا مصيراً أكثر إيلاماً وندماً»، حسبما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

وقال باكبور: «إن (الحرس الثوري) وإيران العزيزة يضعان إصبعهما على الزناد، في أعلى درجات الجاهزية، ومستعدّين لتنفيذ أوامر وتدابير القائد الأعلى للقوات المسلحة، المرشد هو أعزّ عليهم من أرواحهم»، في إشارة إلى خامنئي.

وجاءت تصريحاته في بيان مكتوب، نقلته وسائل الإعلام الرسمية، بمناسبة اليوم الوطني للاحتفاء بـ«الحرس الثوري»، القوة المكلفة بحماية ثورة عام 1979 من التهديدات الداخلية والخارجية.

متظاهرون يتجمعون وسط احتجاجات مناهضة للحكومة في طهران في 9 يناير (رويترز)

وتولى باكبور قيادة «الحرس الثوري» العام الماضي بعد مقتل سلفه حسين سلامي، أحد أبرز القادة العسكريين، في أولى الضربات الإسرائيلية خلال حرب الـ12 يوماً، وهي خسائر كشفت عن اختراق استخباراتي إسرائيلي عميق داخل الجمهورية الإسلامية.

وفي تحذير موازٍ، قال قائد العمليات المشتركة في هيئة الأركان، غلام علي عبداللهي، إن إيران سترد «بشكل سريع ودقيق ومدمّر» على أي هجوم يستهدف أراضيها أو أمنها أو مصالحها، محذراً من أن أي «خطأ في الحسابات» سيحوّل فوراً المصالح والقواعد ومراكز النفوذ الأميركية إلى «أهداف مشروعة».

ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري»، قوله إن مرحلة «الضرب والإفلات انتهت»، وإن أي ردّ إيراني مقبل سيكون «أسرع وأدق وأكثر تدميراً» مما يتصوره الخصوم.

وفي إشارة إلى احتمال ضرب المنشآت الصاروخية الإيرانية، قال عبداللهي إن القدرات الدفاعية الإيرانية «حقيقية وفاعلة وغير قابلة للمساس»، وترتكز إلى «إرادة وطنية وقدرات محلية»، مشيراً إلى أنها عطّلت الحسابات الاستراتيجية للخصوم، وأُثبتت عملياً في ميادين المواجهة. وأضاف أن إيران «لن تكون البادئة بالحرب»، لكنها ستقدّم «رداً قاسياً ومُندماً» على أي عمل عدائي.

وحمّل عبداللهي الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية «سوء تقدير استراتيجي» عبر دعم ما وصفه بـ«الفتن والأعمال الإرهابية». كما قال إن التهديدات الأميركية قوبلت بانتقادات داخلية حتى في الكونغرس، في مؤشر على «تراجع وعزلة» السياسات الأميركية.

من جانبه، قال وزير الخارجية عباس عراقجي، في مقال رأي لافت نُشر الثلاثاء في صحيفة «وول ستريت جورنال»، إن إيران «لن تضبط ردّها» إذا تعرّضت لهجوم، لكنه أضاف أنها «كانت دائماً مستعدة لمفاوضات حقيقية وجدية».

مراجع تدعم خامنئي

انتقد المرجع الديني ناصر مكارم شيرازي بشدة تهديدات الولايات المتحدة ضد إيران والمرشد علي خامنئي، معتبراً أنها «غير قابلة للتحمّل» وستواجه «رداً حاسماً». وقال، في بيان، إن «قادة أميركا في نهاية الضعف، ومن باب الحماقة باشروا تهديد قائد الثورة»، عادّاً التهديد «مصداقاً للمحاربة».

امرأة تمر أمام مبنى حكومي احترق خلال الاحتجاجات العامة الأخيرة في طهران الأربعاء (أ.ف.ب)

وقال مكارم شيرازي، الذي تربطه صلات وثيقة بخامنئي: «كل شخص أو نظام يهدد القيادة والمرجعية أو يتعرض لهما (...)، فإن حكمه حكم المحارب».

ووجّه مكارم شيرازي انتقادات حادة لسياسات ترمب، قائلاً إن «رئيس الولايات المتحدة أسير الأوهام، ورأس مال ترمب الأساسي هو الكذب»، مضيفاً أن «التفاوض مع أميركا التي لا تلتزم بأي تعهد ليس منطقياً ولا عقلانياً». واعتبر العقوبات دليلاً على ضعف الولايات المتحدة، مؤكداً أنها «ستفقد فاعليتها أمام مقاومة الشعب والمسؤولين».

كما شدّد على أن الحفاظ على الوحدة الوطنية بات أكثر إلحاحاً، مع إقراره بأن الأوضاع المعيشية الصعبة وغلاء الأسعار وعدم استقرارها تمثل أسباباً رئيسية للسخط الاجتماعي. لكنه حذّر من أن الاحتجاجات «لا ينبغي أن تتحول إلى أرضية لاستغلال الأعداء».

ومن جانبه، قال المرجع حسين نوري همداني، وهو من أبرز مراجع قم الداعمة لخامنئي، إن رئيس الولايات المتحدة «يأتي علناً ليمنح مثيري الشغب الأمل» ويهدد قائد النظام، مضيفاً أنه «لا يستحق الردّ»، لكنه شدّد على أن أي تعرض للمرشد «يُعدّ محاربة».

ونقلت وسائل إعلام إيرانية عنه قوله، خلال لقائه أئمة جماعات في طهران، إن «مسؤولية رجال اليوم بالغة الأهمية في مرحلة، شنّ فيها العدو هجوماً كاملاً عبر الفضاء الافتراضي»، داعياً المؤسسة الدينية إلى «الحضور في الساحة» وعدم الاكتفاء بالدور التقليدي.

وانتقد نوري همداني صمت بعض «الخواص» أو تأخرهم في إعلان مواقفهم خلال «الفتن»، معتبراً أن ما جرى «لا يفسَّر بدوافع اقتصادية فقط»، ومشيراً إلى أن من «قتل الناس وأحرق الممتلكات لم يكن من عامة الشعب»، رغم إقراره بصعوبة الأوضاع المعيشية. ووصف دعم المرشد بـ«واجب شرعي»، وشدّد على ضرورة «الانسجام الداخلي».

إيرانيون يشاركون في جنازة عناصر أجهزة الأمن الذين قُتلوا في الاحتجاجات في 14 يناير (رويترز)

«زرّ القتل الوطني»

وفي إعلانهم أول حصيلة رسمية للاحتجاجات، قالت السلطات الإيرانية، الأربعاء، إن 3117 شخصاً قُتلوا.

وسعت مؤسسة «الشهداء والمحاربين القدامى» الإيرانية، في بيان، إلى التمييز بين «الشهداء» – وقالت إنهم من عناصر قوات الأمن أو مدنيين أبرياء – وبين ما وصفته بـ«المشاغبين» المدعومين من الولايات المتحدة.

ومن أصل 3117 قتيلاً، قالت المؤسسة إن 2427 شخصاً هم من «الشهداء». وصنّفت السلطات 690 شخصاً ضمن «الإرهابيين ومثيري الشغب وأولئك الذين هاجموا مواقع عسكرية».

لكن منظمات حقوقية تؤكد أن الحصيلة المرتفعة نتجت عن إطلاق قوات الأمن النار مباشرة على المتظاهرين، مشيرة إلى أن العدد الفعلي للقتلى قد يكون أكثر من المعلن، وربما يتجاوز 20 ألفاً.

وقالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، وهي منظمة حقوقية تتخذ من الولايات المتحدة مقراً، إنها تحققت حتى الآن من مقتل 4902 شخصاً في الاضطرابات. وتراجع «هرانا» 9049 حالة وفاة إضافية. وقالت الوكالة، تم اعتقال ما لا يقل عن 26541 شخصاً.

من جانبها، قالت منظمة «حقوق الإنسان في إيران»، ومقرها أوسلو، إنها تحققت من مقتل 3428 شخصاً على الأقل. وتحذّر المنظمة من أن حصيلتها الحالية لا تعكس العدد الحقيقي للضحايا.

وقال مدير المنظمة، محمود أميري مقدم، إن «جميع الأدلة التي تظهر تدريجيا من داخل إيران تُظهر أن العدد الحقيقي للأشخاص الذين قُتلوا في الاحتجاجات أعلى بكثير من الرقم الرسمي»، مضيفا أن حصيلة السلطات «لا تحظى بأي مصداقية على الإطلاق».

وقال مسؤول إيراني لـ«رويترز»، الأحد، إن عدد القتلى المؤكد حتى يوم الأحد بلغ أكثر من 5 آلاف قتيل، منهم 500 من قوات الأمن.

وأعاقت محاولات التحقق من حجم الخسائر عملية قطع الإنترنت على المستوى الوطني، إذ قالت منظمة «نت بلوكس»، المعنية بمراقبة الإنترنت، إن السلطات لجأت إلى ما وصفته بـ«زرّ القتل الوطني» منذ أسبوعين. ويدخل قطع الإنترنت أسبوعه الثالث مع حلول يوم الجمعة.

وكانت السلطات قد وعدت بإعادة خدمة الإنترنت، لكن أمين لجنة الأمن القومي التابعة لوزارة الداخلية، علي أكبر بورجمشيديان، قال للتلفزيون الرسمي، إن توقيت عودة الإنترنت والارتباط بالعالم الخارجي غير معروف بعد.

وتتهم منظمات حقوقية «الحرس الثوري» بالاضطلاع بدور متقدم في القمع الدموي للاحتجاجات. وقد صنّفت دول، من بينها أستراليا وكندا والولايات المتحدة، «الحرس الثوري» ككيان إرهابي، فيما طالبت حملات منذ سنوات الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة باتخاذ خطوات مماثلة.

وأكّدت رئيسة البرلمان الأوروبي، روبرتا ميتسولا، أن البرلمان صوّت بأغلبية ساحقة دعماً لتطلعات الشعب الإيراني، مشددة على أن «إيران يجب أن تكون حرة، وستكون كذلك».

ودعت ميتسولا السلطات الإيرانية إلى وقف العنف والقمع والقتل الجماعي للمتظاهرين السلميين، ووقف تنفيذ أحكام الإعدام فوراً، والإفراج عن جميع المعتقلين والمتظاهرين والسجناء السياسيين.

كما طالبت بمحاسبة المسؤولين عن القمع، وتصنيف «الحرس الثوري» منظمة إرهابية وملاحقة قياداته قضائياً، مؤكدة تضامن البرلمان الأوروبي مع الإيرانيين «حتى في ظل قطع الاتصالات والتعتيم».

وفي مداخلة له في دافوس، قال الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ إن «مستقبل الشعب الإيراني لا يمكن أن يكون إلا في تغيير النظام»، مضيفاً أن «نظام آيات الله في وضع هشّ للغاية».


ترمب يصدم إسرائيل: «القبة الحديدية» مشروع أميركي

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)
TT

ترمب يصدم إسرائيل: «القبة الحديدية» مشروع أميركي

ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)
ترمب خلال إعلانه عن درع الدفاع الصاروخية «القبة الذهبية» في واشنطن 20 مايو 2025 (رويترز)

أحدثت أقوال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، بأن منظومة الدفاع الصاروخي «القبة الحديدية» مشروع أميركي، وأنه طلب من رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن يكف عن أخذ الرصيد عليها، لأنها تكنولوجيا أميركية؛ صدمة في تل أبيب، إذ اعتبرها البعض «خلطاً ما بين القبة الحديدية الإسرائيلية والقبة الذهبية الأميركية»، فيما رأى فيها آخرون «تصريحاً تجارياً يقصد به أن من يمول المشروع يكون صاحبه».

وفي كل الأحوال، أصدر نتنياهو تعليمات تمنع وزراءه وغيرهم من المسؤولين، التفوه في الموضوع، حتى لا يدخلوا في جدال مع الرئيس الأميركي.

بيد أن وسائل الإعلام العبرية لم تتردد في خوض الجدال. وراحت تؤكد أن «القبة الحديدية» هي منظومة إسرائيلية في الفكرة وفي التكنولوجيا، ولو أن الإدارة الأميركية تقدم لها تمويلاً سخياً جداً.

أرشيفية لصاروخ ينطلق من إحدى بطاريات نظام «القبة الحديدية» الدفاعي الإسرائيلي (د.ب.أ)

ووفقاً للموقع الخاص بهذا السلاح، في شركة «رفائيل» لإنتاج الأسلحة الإسرائيلية، فإن «القبة الحديدية» هي فخر الصناعة العسكرية الإسرائيلية، باعتبارها سلاحاً أحدث انعطافاً في الأسلحة المضادة للصواريخ، وكانت سابقة للعصر؛ لأنها صالحة للتصدي للطائرات المسيرة أيضاً، قبل أن تعرف هذه المسيرات كونها سلاحاً. وتعتبرها الشركة «من عجائب القرن»؛ إذ تم اختراعها وتطويرها وإدخالها للمجال العملي في غضون سنتين ونصف السنة فقط.

و«القبة الحديدية» هي منظومة دفاع جوي بالصواريخ ذات قواعد متحركة، طوّرتها شركة «رفائيل» لأنظمة الدفاع المتقدمة والهدف منها اعتراض الصواريخ قصيرة المدى والقذائف المدفعية.

طُرِحت فكرة، لأول مرة سنة 2006، إبان الحرب على لبنان، إذ وجد الجيش الإسرائيلي صعوبة في صد الصواريخ قصيرة المدى التي أطلقها «حزب الله» باتجاه إسرائيل، فأدت إلى مقتل 44 إسرائيلياً، وفي كل مرة كانت هذه الصواريخ تجبر نحو مليون إسرائيلي للهروب بهلع إلى الملاجئ. وتم طرح عدة حلول بينها إسقاط الصواريخ بالليزر. ولكن، وفي شهر فبراير (شباط) 2007، اختار وزير الدفاع الإسرائيلي في حينه، عمير بيرتس، نظام القبة الحديدية رغم تكلفته الباهظة. ورصدت الحكومة مبلغ 900 مليون دولار لتطويره. وتوجهت إلى الولايات المتحدة طالبة تخصيص ميزانية بالمبلغ نفسه لتمويله.

نظام القبة الحديدية الإسرائيلي يعمل على اعتراض الصواريخ التي يتم إطلاقها من لبنان (أرشيفية - رويترز)

وافق الرئيس الأميركي باراك أوباما، في حينه، على منح الميزانية في البداية باعتبارها جزءاً من ميزانية الدعم الأميركي السنوية، التي بلغت يومها 3.3 مليار دولار في السنة، ثم أضافها إلى هذا الدعم في ميزانية خاصة لهذا الغرض. ومنذ ذلك الوقت تدفع الولايات المتحدة مبلغ 350 مليون دولار في السنة لهذا الغرض، إضافة إلى 3.8 مليار دولار دعماً عسكرياً تقليدياً.

وقد تسلم الجيش الإسرائيلي هذه المنظومة في 2009 وأدخلها إلى العمليات الحربية لأول مرة في 2011، في مواجهة الصواريخ البدائية التي كانت تطلقها «حماس» من قطاع غزة.

وقد تمكنت من إسقاط الصواريخ بنسبة نجاح 75 في المائة، بحسب شركة «رفائيل»، وخلال عشر سنوات ارتفعت النسبة إلى 86 في المائة. وشيئاً فشيئاً أنتجت قبة حديدية خاصة لسلاح البحرية. ومنذ 2012 تبيع إسرائيل القبة الحديدية للجيش الأميركي ثم لبريطانيا ثم لدول أخرى. وجنباً إلى جنب مع تطويرها، تم العمل على تطوير سلاح يعتمد على أشعة ليزر ذي التكلفة الأرخص. وفي مطلع السنة أعلن الجيش الإسرائيلي عن إدخال المنظومة الجديدة إلى العمليات الحربية، ولكن ليس بدل القبة الحديدية، بل إلى جانبها.

منظومة القبة الحديدية تتصدى لصاروخ أطلق من قطاع غزة (أرشيفية - رويترز)

القبة الذهبية

الولايات المتحدة من جهتها، وإزاء تعاظم حرب الصواريخ، وعدم جدوى القبة الحديدية في مواجهة الصواريخ الباليستية، قررت تطوير ما يسمى بـ«القبة الذهبية»، ولهذا الاسم توجد قصة. فالمهندس الإسرائيلي، الذي اخترع القبة الحديدية، كان قد أطلق عليها اسم «القبة الذهبية»، لكن رفاقه في إدارة الشركة نصحوه بالتواضع والاكتفاء باسم القبة الحديدية؛ لأنها لا تستطيع إسقاط صواريخ ثقيلة.

وهكذا؛ فإن الاسم جاء ملائماً للمنظومة الصاروخية الأميركية، لأنها تعمل بأربع طبقات دفاع، أولاها في الفضاء الخارجي. وهي المنظومة التي يعتبرها الرئيس ترمب مشروعاً شخصياً لعهده، كما قال في 20 مايو (أيار) 2025، عند الإعلان عنها، وطلب أن تنتهي عملية إنتاجها وإدخالها للعمليات الحربية حتى نهاية دورته الرئاسية.

وتوصف هذه المنظومة بأنها «نقلة نوعية» في مجال الدفاع الصاروخي، لمواجهة تهديدات الصواريخ المتطورة مثل الفرط صوتية، والصواريخ الروسية والصينية. وتدمج القبة الذهبية بين أنظمة متطورة أرضية وبحرية وفضائية، وتعتمد على أقمار صناعية مزودة بمستشعرات وتقنيات حديثة لاكتشاف التهديدات. وأثار البرنامج انتقادات دولية، خاصة من الصين وروسيا، بسبب تخوفهما من «عسكرة الفضاء وزعزعة الأمن العالمي».


إضراب عام للعرب في إسرائيل احتجاجاً على تفاقم الجرائم

مواطنون عرب يتظاهرون في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (رويترز)
مواطنون عرب يتظاهرون في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (رويترز)
TT

إضراب عام للعرب في إسرائيل احتجاجاً على تفاقم الجرائم

مواطنون عرب يتظاهرون في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (رويترز)
مواطنون عرب يتظاهرون في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس احتجاجاً على انتشار الجريمة بالبلدات العربية (رويترز)

بدأ مواطنون عرب في إسرائيل، الخميس، إضراباً عاماً عن العمل والتعليم، وذلك احتجاجا على الانتشار الهائل للجريمة المنظمة في البلدات العربية.

ويتهم العرب السلطات الإسرائيلية الحاكمة، بشقيها السياسي والأمني، بالامتناع عن تصفية هذه الظاهرة، بل وتشجيعها بشكل صريح، خصوصاً في ظل تولي الوزير المتطرف إيتمار بن غفير، مسؤوليته وزيراً للأمن الداخلي.

وأظهرت البيانات الإحصائية الرسمية أن عدد القتلى العرب بلغ السنة الماضية 255 حالة بزيادة 27 في المائة على السنة الأسبق.

ورغم مرور أقل من شهر على بدء عام 2026 فإن التوقعات تشير إلى مستويات أسوأ؛ إذ إنه في الأيام العشرين الأولى منها قتل 18 شخصاً.

ومنذ تولي نتنياهو لرئاسة الحكومة الحالية شهدت الجريمة ازدهاراً بشكل خاص، وارتفعت حوادث الابتزاز وقتل أفراد بسبب رفضهم الانصياع، وفي كثير من الحالات قتل أناس بالقرب من مراكز الشرطة.

وقبل نحو شهرين، كشف النقاب عن تورط أربعة من كبار ضباط الشرطة الإسرائيلية مع هذه العصابات مقابل رشىً لغض الطرف عن الجرائم.

مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس (رويترز)

وقد انطلقت شرارة الاحتجاج من مدينة سخنين في الجليل، حيث خرج رجل الأعمال علي زبيدات بحملة ضد عصابات الإجرام، بعدما أطلقوا على متجره 200 رصاصة، فأعلن أنه يريد مواجهة هذه العصابات بلا خوف.

ودعا زبيدات مواطنيه إلى التكتل معه، ولقيت دعوته تجاوباً ضخماً، وانضمت إليه البلدية ونحو 20 حركة شعبية ثم انضمت إليه القيادات العربية السياسية والشعبية.

وأعلنت كل من لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية، واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، عن الإضراب العام والشامل في المجتمع العربي، في ختام يوم حافل بالمظاهرات في عشرات البلدات.

وأثنت اللجنتان على الحراك الشعبي الواسع الذي يجتاح البلدات العربية، والزخم المتصاعد الذي يكتسبه الاحتجاج، داعيتين إلى أوسع مشاركة في المظاهرة الاحتجاجية التي ستُنظَّم غداً أمام مركز شرطة مسجاف.

وقالتا في بيان مشترك: «يا أبناء شعبنا، يا من تتوقون للعيش بأمان، هذه فرصتنا لتوحيد صفوفنا وإعلاء صرختنا، لتكون أعلى من أزيز الرصاص، وأقوى من المجرمين وإجرامهم المنظم، وتواطؤ المؤسسة الإسرائيلية معهم».

وقال الدكتور جمال زحالقة، رئيس لجنة المتابعة، إن إعلانه الإضراب من خيمة الاعتصام في سخنين، جاء مدعوماً بقرار من سكرتاريا لجنة المتابعة واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية العربية، التي أعن رئيسها مازن غنايم التزامها بالإضراب.

وأوضح زحالقة أن اللجنة القطرية لأولياء أمور الطلاب العرب، أعلنت بدورها الإضراب من الخيمة نفسها، على ألا يشمل إضراب المدارس طلاب التعليم الخاص والمتقدّمين للامتحانات. وجاء القرار أيضاً مدعوماً من قبل لجان شعبية من جميع المدن والقرى العربية التي أعلنت الإضراب أيضاً.

مواطنون عرب محتجون على انتشار الجريمة بالبلدات العربية خلال مظاهرة في سخنين شمال إسرائيل يوم الخميس (رويترز)

وكانت الشرطة قد اتفقت مع البلدية على مسار المظاهرة، من مركز سخنين إلى مركز الشرطة، لكنها عادت وتراجعت في المساء، فتوجه «مركز عدالة» الحقوقي، إلى المحكمة العليا.

وتراجعت الشرطة من جديد، وانطلقت المظاهرة اليوم بمشاركة جماهير غفيرة من مدينة سخنين ومختلف بلدات المجتمع العربي في إسرائيل، ورفع المتظاهرون الأعلام السوداء ولافتات كتبت عليها شعارات ضد العنف والجريمة وتواطؤ الشرطة، ورددوا هتافات داعية إلى مكافحة جرائم القتل وأعمال العنف في البلدات العربية.

وانتقد قاضي المحكمة العليا الشرطة على هذا السلوك غير الجاد، وعبّر عن امتعاضه من مجمل سياسة الشرطة في ملفات المظاهرات، مشيراً إلى أنه «من غير المفهوم أن تصل قضايا التظاهر في كل مرة إلى المحكمة العليا دون تقديم أسباب مقنعة تبرر المس بحق التظاهر».