اتفاق «أميركي - إيراني» محتمل «أشد صرامة من 2015»

يمتد إلى 25 سنة ويقيّد برامج الصواريخ... وإسرائيل تريد «صفر تخصيب»

صورة مركبة للمرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
صورة مركبة للمرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

اتفاق «أميركي - إيراني» محتمل «أشد صرامة من 2015»

صورة مركبة للمرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
صورة مركبة للمرشد الإيراني علي خامنئي والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

تسعى الولايات المتحدة إلى اتفاق جديد مع إيران يُشبه الاتفاق الموقع بينهما عام 2015، لكن بشروط أكثر صرامةً، رغم ضغوط إسرائيلية على واشنطن لضمان «صفر تخصيب» لليورانيوم.

ونقلت «رويترز»، عن مسؤولين ودبلوماسيين مطلعين على مسار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، أن هذه المفاوضات تقترب من التوصل إلى اتفاق يُقيِّد البرنامج النووي الإيراني، ولا يختلف كثيراً عن الاتفاق النووي الذي تم التوقيع عليه عام 2015.

وخلص المسؤولون إلى أن الاتفاق الجديد يتضمّن «شروطاً أكثر صرامة، تشمل فترة أطول (25 سنة)، ورقابة أشد، وتقييد برامج الصواريخ. ويطالب بضمانات تمنع انسحاباً أميركياً مستقبلياً»، كما حدث في عهد ترمب عام 2018.

اتفاق أشد صرامة

يتضمّن الاتفاق المحتمل «الحد من التخصيب بنسبة 3.67 في المائة؛ تصدير أو تخفيف اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وتخفيض عدد أجهزة الطرد المركزي، وقبول رقابة غير مسبوقة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتقليص مخزون إيران من اليورانيوم إلى ما دون مستويات 2015، وإبقاء بعض التخصيب مقابل تصدير ما تبقى إلى روسيا أو دول أخرى».

ويُشير تقرير «رويترز» إلى وجود نقاط خلاف، أبرزها: «البرنامج الصاروخي الإيراني الذي ترفض طهران مناقشته، وعدم رغبة إيران في التفكيك الكامل لبنيتها التحتية النووية، بالإضافة إلى ضرورة تقديم ترمب الاتفاق الجديد بوصفه إنجازاً سياسياً، رغم تشابهه مع الاتفاق السابق الذي انسحب منه».

ولفت المسؤولون إلى احتمالات عسكرية بسبب أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يرى «فرصة نادرة لتوجيه ضربة عسكرية بسبب تراجع دفاعات إيران الجوية»، إلا أن واشنطن «تعارض الهجوم لأسباب تتعلق باستقرار المنطقة، لكنها قد تقدم دعماً غير مباشر».

وتطالب إسرائيل إلى جانب «صفر تخصيب» لليورانيوم، بتفكيك كامل للبنية التحتية النووية الإيرانية على غرار النموذج الليبي.

وقال المسؤولون إن الولايات المتحدة تضغط من أجل إدراج برنامج الصواريخ الباليستية في المحادثات، لكن طهران «تواصل رفض أي مناقشة». إلا أن مسؤولاً إيرانياً سابقاً أبلغ وكالة «رويترز» أن بلاده «تعرض فقط تجنّب تصنيع صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية بصفتها (بادرة حسن نية)».

دونالد ترمب خلال اجتماع مع حكومته في البيت الأبيض بحضور وزير دفاعه بيت هيغسيث ونائبه فانس (أ.ب)

عودة ضغوط ترمب

ومع زيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغوط على النفط الإيراني، تتوقع الولايات المتحدة محادثات جديدة مع إيران بشأن برنامجها النووي «في المستقبل القريب»، رغم تأجيل جولة المفاوضات.

وتهدف المحادثات بين البلدين المتخاصمين منذ 4 عقود، إلى إبرام اتفاق جديد يُقيّد البرنامج النووي الإيراني، ويمنع طهران من امتلاك سلاح نووي، الأمر الذي لطالما نفته إيران، وذلك مقابل رفع العقوبات التي تشلّ اقتصادها.

وكان من المفترض أن تُجري واشنطن وطهران جولة رابعة من المفاوضات غير المباشرة في روما السبت، بعدما أفاد الطرفان بإحراز تقدِّم في الجولات الثلاث السابقة. غير أنّ إيران أكدت تأجيل هذه الجولة، بعدما لفت الوسيط العُماني إلى «أسباب لوجيستية» وراء هذا القرار.

من جانبها، أشارت واشنطن إلى أنّها «تتوقع إجراء محادثات جديدة في المستقبل القريب»، موضحة أنّ موعد الجولة ومكانها التي كان من المفترض إجراؤها في نهاية هذا الأسبوع، لم يتم تأكيدهما مطلقاً.

على الجانب الفرنسي، أفاد وزير الخارجية جان نويل بارو بأنّ محادثات كانت مقرّرة الجمعة بين إيران من جهة والمملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا من جهة أخرى، ولن تُعقد أيضاً. وجاء تصريح بارو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في أثناء وجوده في واشنطن حيث التقى نظيره ماركو وربيو.

وقال روبيو لقناة «فوكس نيوز» إنه يتعين على إيران ألا تخشى عمليات التفتيش النووية بما في ذلك من جانب الأميركيين، وذلك وسط جهود دبلوماسية بين البلدَيْن بشأن البرنامج النووي، مشيراً إلى أن «الفرصة الراهنة هي الأفضل لإيران».

المرشد الإيراني علي خامنئي خلال مجلس عزاء في طهران (موقع المرشد)

مشتريات النفط

مع عودته إلى البيت الأبيض، اعتمد ترمب سياسة «الضغوط القصوى» حيال إيران، فحثها على التفاوض، مهدّداً في الوقت نفسه بالخيار العسكري في حال فشل الدبلوماسية.

وتعهَّد ترمب بأن يكون حازماً في التنفيذ الفعّال لعقوبات يعود تاريخها إلى ولايته الأولى، مما سينعكس في إجراءات جذرية ضد النفط الإيراني.

وكتب الرئيس الأميركي، في منشور على شبكته «تروث سوشيال»: «جميع مشتريات النفط والبتروكيميائيات يجب أن تتوقف الآن». وأضاف أنّ «أي دولة أو شخص يشتري أي كمية من النفط الإيراني أو المنتجات الكيميائية سيتعرّض فوراً لعقوبات غير مباشرة».

ويأتي تحذير ترمب غداة إعلان واشنطن فرض عقوبات جديدة على 7 شركات ضالعة في بيع النفط الإيراني، مقر 4 منها في الإمارات والخامس في تركيا.

«إرهاب اقتصادي»

ورداً على ذلك، ندّدت طهران بـ«دليل واضح على تناقض نهج صانعي القرار الأميركيين، وافتقارهم إلى حسن النية وإلى الجدية في دفع مسار الدبلوماسية».

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، إنّ العقوبات تأتي في إطار جهود الولايات المتحدة، «لزعزعة العلاقات الودية والقانونية بين الدول النامية، من خلال الإرهاب الاقتصادي».

في طهران، قال ممثل المرشد الإيراني في محافظة فارس وإمام جمعة شيراز، لطف ‌الله دجكام، في تصريحات نقلتها وسائل إعلام إيرانية، إن «الأميركيين يتظاهرون بالتفاوض، لكنهم ليسوا أهلاً له. قالوا نريد التفاوض، فقلنا بسم الله، لكنهم الآن يؤجلون اللقاء ويختلقون الأعذار».

دور أوروبي

وتنضم أوروبا إلى ترمب في زيادة الضغوط على طهران، وأجاب بارو عن سؤال بشأن ما إذا كان الأوروبيون قد استُبعدوا فعلياً من المفاوضات، قائلاً إنهم «نسّقوا بشكل وثيق جداً بشأن الجدول الزمني للمفاوضات، لأنه في غضون بضعة أسابيع إذا لم نتوصل إلى اتفاق مع إيران بشأن تراجع ملحوظ وقابل للتحقق وقوي في برنامجها النووي، فإننا بصفتنا أوروبيين سنعيد تطبيق العقوبات التي رفعناها قبل 10 سنوات عندما تمّ التوصل إلى الاتفاق». وأضاف بارو: «بالطبع لن أتردّد لثانية واحدة إذا لم يتمّ التوصّل إلى اتفاق».


مقالات ذات صلة

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

شؤون إقليمية عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» التي شاركت في حصار إيران البحري (رويترز) p-circle

هل وصل الحصار العسكري والاقتصادي إلى نقطة كسر إيران؟

حاولت إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الجمع بين إبقاء الخيار العسكري جاهزاً، وتشديد الحصار الاقتصادي والبحري؛ لإجبار إيران على تقديم تنازلات...

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصعيد في «هرمز» وسط تمسك طهران بشروطها

تتصاعد التوترات في مضيق هرمز مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط، ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في شهرين.

«الشرق الأوسط» (لندن-واشنطن-طهران)
شؤون إقليمية أرشيفية لقارب حربي إيراني لـ«الحرس الثوري» خلال مناورة عسكرية في مضيق هرمز (إ.ب.أ)

إيران تعزز انتشار قواتها الحدودية تحسباً لأي توغل

أعلنت إيران إبقاء عشرات الوحدات القتالية والإسنادية في مواقع متقدمة على حدودها، بالتزامن مع مراجعة خططها الدفاعية وتعزيز تحصيناتها العسكرية.

«الشرق الأوسط» (طهران- لندن)
شؤون إقليمية مروحية «إس سي هوك» تُقلع من سطح المدمّرة «جون بول جونز» التي تشارك في الحصار الأميركي على إيران (سنتكوم)
p-circle

جهود روسية لتحريك مفاوضات إنهاء الحرب الإيرانية

أعلن الكرملين، السبت، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نقل إلى نظيره الأميركي دونالد ترمب موقف إيران من اتفاق محتمل لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - موسكو)

إيران تعدم رجلاً أدانته بالمساعدة في هجوم على مركز للشرطة

إيرانيون يتظاهرون ضد تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
إيرانيون يتظاهرون ضد تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
TT

إيران تعدم رجلاً أدانته بالمساعدة في هجوم على مركز للشرطة

إيرانيون يتظاهرون ضد تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)
إيرانيون يتظاهرون ضد تنفيذ عقوبة الإعدام (أرشيفية - رويترز)

أعلنت السلطة القضائية الإيرانية، اليوم (الاثنين)، إعدام رجل أدانته بتقديم المساعدة في هجوم على مركز للشرطة وهجمات أخرى.

وقالت إن عمر دروستاران أُعدم شنقاً أمس (الأحد)، بعدما أُدين بتقديم الدعم لهجوم استهدف مركزاً للشرطة في مدينة راسك بجنوب شرقي إيران عام 2024، وأسفر عن مقتل 11 عنصراً من قوات الأمن.

وأفاد موقع «ميزان أونلاين»، التابع للسلطة القضائية، بأن عمر دروستاران، العضو في جماعة جيش الظلم (العدل) الإرهابية، أُعدم شنقاً بعد توقيفه واستكمال الإجراءات القانونية وتصديق المحكمة العليا على الحكم الصادر بحقه». ومنظمة «جيش العدل» هي جماعة معارضة لسلطات طهران.

وأضاف أن دروستاران قدم «دعماً لوجستياً» شمل مساعدة مسلحين على دخول إيران وتأمين أماكن لإقامتهم ونقلهم لتنفيذ هجمات.

واتُّهم أيضاً بتقديم الدعم إلى هجمات استهدفت «الحرس الثوري» الإيراني في محافظة سيستان بلوشستان بجنوب شرقي البلاد.

وحسب «ميزان»، حُكم على دروستاران بالإعدام بتهم شملت التمرد المسلح والانتماء إلى المنظمة والاشتراك في عمل مسلح.

وأعلن «الحرس الثوري» الإيراني، الأحد، توقيف ثلاثة من أعضاء المنظمة والمتعاونين معها خلال مداهمة منزل في محافظة سيستان بلوشستان.

وتشهد محافظة سيستان بلوشستان، إحدى أفقر المحافظات الإيرانية، منذ فترة طويلة، اشتباكات بين قوات الأمن ومجموعات مسلحة، بينهم مسلحون سُنّة وأفراد من أقلية البلوش العرقية.

وتجددت الاشتباكات بين المجموعات المسلحة وقوات الأمن الإيرانية في المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة. وتتهم إيران منذ فترة طويلة الولايات المتحدة وإسرائيل بدعم هذه الجماعات.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، اليوم (الاثنين)، إن طهران «لا يساورها أي شك في أن زعزعة الاستقرار على حدود بلادنا جزء من المخطط الخبيث للنظام الصهيوني والولايات المتحدة».

وتنفّذ إيران سنوياً أحكام إعدام أكثر من أي دولة أخرى باستثناء الصين، حسب منظمات حقوقية بينها منظمة العفو الدولية. وتفرض إيران عقوبة الإعدام على جرائم عدة، بينها القتل والجرائم المرتبطة بالأمن.


تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

تصعيد في «هرمز»... وطهران تتمسك بشروطها


حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ ما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وفي موازاة التصعيد الميداني، تمسكت طهران بتنفيذ شروطها السبعة في أي مسار تفاوضي مع واشنطن، في حين أكد رئيسها مسعود بزشكيان، أهمية مواصلة المشاورات الدبلوماسية.

وأعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» عن تعطيل سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدفة مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ ما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، أمس، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها. وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق.


الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
TT

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية. فبعدما كان الزبائن يشترون المكسرات بالكيلوغرامات، دفعت الزيادات الحادة في الأسعار كثيرين إلى تقليص مشترياتهم، ما وضع المتاجر والشركات أمام صعوبات متزايدة في الحفاظ على أعمالها.

وكان البازار الواقع في شمال طهران يعجّ عادة بالمتسوقين، لكن متاجره باتت شبه خالية، ولم يعد يرتاده سوى عدد محدود من الزبائن الذين يتنقلون في ممراته الضيقة والعتيقة. ويعكس هذا المشهد تحولاً لافتاً في سوق اعتاد التجار فيها الترويج لبضائعهم بأصوات مرتفعة وسط حركة شراء نشطة.

وقال ناصر: «كان لدينا زبائن يشترون ما بين كيلوغرامين و5 كيلوغرامات. أما الآن، فباتوا يكتفون بشراء كيلوغرام واحد حتى نصف كيلوغرام فقط».

وأضاف، في إشارة إلى الارتفاعات السعرية، أن «الأسعار مرتفعة بالفعل. جميعنا يعلم ذلك، وسيكون من الكذب القول بغير ذلك».

ودعا التاجر السلطات إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة، بما يتيح لأصحاب الأعمال والشركات التخطيط للمستقبل، قائلاً: «نحن تائهون، جميعنا كذلك».

سنوات العقوبات

متسوقون يتجولون بين المحال في البازار الكبير بطهران (أ.ف.ب)

وأثقلت سنوات العقوبات كاهل الاقتصاد الإيراني، لكن الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، زادت الضغوط على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية للسكان.

وتفاقمت الأوضاع مع ارتفاع التضخم إلى نحو 90 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، وفق الأرقام الرسمية، فيما تسببت التقلبات الحادة في سعر الصرف في زيادة تكلفة السلع الأساسية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من ضعف مستوياتها قبل عام.

وفي البازار التاريخي بساحة تجريش في طهران، يحاول السكان التكيف مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وهم يتجولون بين الأعلام الإيرانية واللافتات المكتوبة بالفارسية، ويتفحصون الحلوى والمجوهرات والملابس التقليدية وقطع اللحوم قبيل عطلة نهاية الأسبوع.

وفي أحد الأزقة، كان فنان يعزف على الغيتار، فيما يقرع آخر بيديه على صندوق خشبي، محاولين استقطاب بعض الإكراميات من المارة.

«نحتاج إلى الاستقرار»

إيراني يتسوق في محيط البازار الكبير وسط طهران (أ.ب)

لكن خلف هذه المشاهد، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأنشطة التجارية، في ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال علي نوروزي (36 عاماً)، الذي يدير متجراً للملابس الرياضية في البازار، إن التجار يخوضون «معركة يائسة وأخيرة من أجل البقاء»، مضيفاً أن المصنّعين يعلنون إفلاسهم، ويستغنون عن موظفين، ويغلقون متاجرهم، ما ينعكس بدوره على بقية حلقات النشاط التجاري.

وأوضح نوروزي أنه بات يطلب كميات محدودة من البضائع لعرضها في متجره، تفادياً لظهور الرفوف فارغة، على غرار مستودعه الذي قال إنه أصبح شبه خالٍ بسبب ضعف الطلب.

وأضاف: «ليست لدينا أي خطة للمستقبل على الإطلاق. فعندما يتوقف الناس عن الشراء، يعني ذلك عملياً إفلاس النشاط التجاري»، مشيراً خصوصاً إلى ارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات. وختم بالقول: «كل ما نحتاج إليه هو بعض الاستقرار».

أما آزاده، وهي امرأة تبلغ 45 عاماً وعاطلة عن العمل حالياً، فقالت إنها باتت تقصد السوق لمجرد «مشاهدة المتاجر»، في مؤشر إلى تراجع قدرة بعض السكان على الشراء.

تراجع القدرة الشرائية

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني انكمش بنسبة 10.1 في المائة على أساس سنوي بين أواخر مارس (آذار) وأواخر يونيو (حزيران)، في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب.

وفي سوق الصرف غير الرسمية، جرى تداول العملة الإيرانية خلال الأسبوع الماضي عند نحو 2.7 مليون ريال للدولار الواحد، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبل اندلاع الحرب.

وانخفضت القيمة الدولارية للحد الأدنى الشهري للأجور من نحو 120 دولاراً قبل عام إلى نحو 65 دولاراً حالياً، ما يعكس تآكل القدرة الشرائية مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

في المقابل، رفض وزير الاقتصاد الإيراني التوقعات التي تتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك، متهماً خصوم بلاده بالسعي إلى إثارة المخاوف بين المواطنين ودفع أسعار الصرف إلى مزيد من الارتفاع.

الأسعار «حلّقت»... ومشتريات تتقلص

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتقدم آزاده مثالاً على حجم الارتفاع في الأسعار، مشيرة إلى أن قطعة قماش للمطبخ اشترتها قبل عدة أشهر مقابل 22 سنتاً، يبلغ سعرها الآن 1.10 دولار، أي ما يعادل 5 أضعاف سعرها السابق. وقالت: «هذا يبيّن أن الأسعار لم ترتفع فحسب، بل حلّقت إلى مستويات هائلة بالفعل».

وأضافت أنها اضطرت إلى التوقف عن شراء بعض أنواع الفاكهة، كما لم تعد قادرة على تحمل تكاليف قضاء العطلات.

وتساءلت: «وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطاً فقط بأننا على قيد الحياة، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلاً، أليس كذلك؟».

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المتاجر وأسواق المواد الغذائية، بل تمتد إلى الخدمات والحرف التي تعتمد على إنفاق الأسر.

وقال مجتبى رضائي (57 عاماً)، وهو ميكانيكي سيارات، إن عدد زبائنه تراجع إلى عُشر مستواه السابق، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع إلى ضعفين أو 3 أضعاف.

وأضاف، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية داخل البازار: «أشعر في الواقع بالحرج عندما أبلغ الزبائن بالأسعار. فالناس يأتون فقط للاستفسار عن السعر ثم يغادرون».

وتابع أن أنشطة كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية للإيرانيين، مثل شراء الملابس والخروج للترفيه وتناول الطعام في المطاعم، باتت بعيدة عن متناول كثيرين.

وبين متاجر تتراجع مبيعاتها، وأجور تتآكل قيمتها، وأسر تقلص مشترياتها إلى الحد الأدنى، يجد التجار والمستهلكون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة، فيما يظل الاستقرار الاقتصادي مطلباً ملحاً في سوق أنهكتها العقوبات والحرب والتضخم.