رهان إيراني غير مضمون على دور أوروبي إيجابي في الملف النووي

طهران تحاول تجميع أوراق حمائية حتى لا تبقى وحيدة بمواجهة واشنطن

إيرانيان يمران أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانيان يمران أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (إ.ب.أ)
TT

رهان إيراني غير مضمون على دور أوروبي إيجابي في الملف النووي

إيرانيان يمران أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانيان يمران أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (إ.ب.أ)

أن يأتي الإعلان عن اجتماع مرتقب بين إيران والثلاثي (فرنسا وبريطانيا وألمانيا)، المعنيّ بالدرجة الأولى، أوروبياً، بملف طهران النووي، لكونها موقعة على الاتفاق المبرم عام 2015 بين إيران ومجموعة «5+1» (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا)، على لسان وزير الخارجية عباس عراقجي، فهذا يعني الكثير، وبالدرجة الأولى حاجة طهران أن تعيد فتح خطوط للحوار، بحيث لا تبقى رهينة مفاوضات مغلقة بينها وبين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

انفتاح إيران على أوروبا

بيد أن إيران، بإقدامها على هذه الخطوة، رغم مآخذها على الأوروبيين، كما عبّر عن ذلك عراقجي بقوله، الأربعاء، إن الدول الأوروبية «فقدت تأثيرها (في الملف النووي) لأنها تبنت سياسات خاطئة، ورغم ذلك نحن مستعدون لإجراء محادثات معها»، فإنها (أي إيران) «تسدي خدمة مهمة للأوروبيين، إذ تعيدهم للعب دور في ملف رئيسي، استبعدتهم عنه الولايات المتحدة»، وفق تعبير دبلوماسي أوروبي في باريس معنيّ بالملف المذكور.

وبكلام آخر، يضيف الدبلوماسي المشار إليه، فإن «إيران بحاجة إلى أوروبا، كما أن أوروبا بحاجة إلى إيران».

بارو ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي يتحدثان للصحافيين بشأن ملف إيران على هامش جلسة مجلس الأمن في نيويورك الاثنين الماضي (رويترز)

حتى إعلان عراقجي، كانت أوروبا تعاني من حالة «إبعاد» عن ملف له انعكاساته الاستراتيجية، والأمنية، والسياسية، على القارة القديمة، ليس بسبب القرب الجغرافي فقط، بل بسبب تأثيراته أيضاً على المصالح الأوروبية في كامل منطقة الشرق الأوسط حتى شرق أفريقيا.

واشنطن أبعدت الأوروبيين، حتى أمد قريب، عن ملف الحرب الأوكرانية، وتفردت بملف الحرب في غزة، وتقوم بشنّ غارات متواصلة على الحوثيين في اليمن، دون التشاور والتنسيق مع شركائها الأوروبيين. من هنا، فإن إيران تراهن على «لفتة» أوروبية، مقابل ما يمكن أن تعدّه «هدية» للثلاثي الأوروبي.

مع «الانفتاح» على الثلاثي الأوروبي، تكون طهران قد نجحت في إعادة التواصل مع الأطراف كافة، الموقعة على اتفاق 2015 بعد الزيارتين اللتين قام بهما عراقجي إلى موسكو وبكين، في مسعى منه «لتجميع أوراق» يمكن استخدامها في المحادثات الصعبة مع واشنطن.

ويفيد مصدر آخر في باريس أن الدبلوماسية الإيرانية قد تكون ساعية «لإبراز وجود تمايز بين المقاربتين الأميركية والأوروبية»، لملفها النووي، كما أنها تراهن على دعم روسي وصيني لمواقفها، بحيث لا تبقى «يتيمة» بوجه ترمب وإدارته اللذين يضعانها، بشكل شبه يومي، أمام خيارين، أحلاهما مرّ: إما القبول باتفاق جديد يكون مختلفاً جوهرياً من حيث قساوته ومتطلباته عن اتفاق 2015 الذي نقضه ترمب خلال ولايته الأولى، وإما العمل العسكري الأميركي أو الإسرائيلي، أو الاثنين معاً.

رغم أن إيران تنفي، حتى اليوم، أن تكون المفاوضات مع واشنطن تتخطى الملف النووي لتتناول الملف الصاروخي أو سياسة طهران في الإقليم ودعمها لكيانات تعدّها واشنطن، ومعها الغربيون «معادية»، فإن مصادر أوروبية تراهن على أن الطرف الأميركي يسعى لـ«تطبيع الحالة الإيرانية» نووياً وصاروخياً، وإقليمياً، إما بالمفاوضات مستفيداً من «الوهن الإيراني» حيث تبدو طهران «مكشوفة» عسكرياً بعد أن فقدت، في سوريا وغزة ولبنان، وإلى حد ما في العراق، أذرعها المقاومة، وإما بالضغوط «القصوى» أي العقوبات كالتي فرضتها، الأربعاء، على 7 كيانات على صلة بمبيعات النفط الإيراني، أو بالقوة العسكرية، وهو الخيار الأخير.

ولعل ما يبرز ضعف موقف طهران هو التعليق، الذي صدر عن إسماعيل بقائي، المتحدث باسم خارجيتها، الخميس، والذي جاء فيه أن قرار واشنطن «يظهر غياب حسن النية والجدية» في التعامل مع إيران. وكان عراقجي قد عدّ، الأربعاء، أن واشنطن «تبعث برسالة سلبية»، فيما المفاوضات متواصلة.

عقدة «سناب باك»

ثمة عنصر آخر يفسر الانفتاح الإيراني على الثلاثي الأوروبي، عنوانه القلق من إعادة تفعيل آلية «سناب باك»، التي تعني ترحيل الملف النووي إلى مجلس الأمن، وإعادة فرض مجموعة من العقوبات الدولية على إيران، بموجب 6 قرارات صادرة عن مجلس الأمن، التي تم تجميدها بموجب قراره رقم 2231.

وإذا كانت الآلية معقدة للغاية، وتتطلب مهلة زمنية ليست قصيرة، فإن تفعيلها ممكن، وسيشكل مصدر خطر كبير لإيران التي هدّدت بالانسحاب من الاتفاق النووي، ومن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

والحال أن مصدر الخطر لن يأتي إلا من الثلاثي الأوروبي، إذ إن موسكو وبكين لن تقدما على أمر كهذا، كما أن واشنطن التي انسحبت من اتفاقية 2015 لم يعد لها الحقّ بطلب تفعيل الآلية، وهي قد حاولت ذلك خلال ولاية ترمب الأولى، ولكن من غير فائدة.

الشرطة الإيطالية تقف عند أحد مداخل السفارة العُمانية أثناء الجولة الثانية من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في روما 19 أبريل 2025 (رويترز)

وفي هذا السياق، برز تحذير عراقجي، الذي نبّه أنه «إذا لم نتوصل إلى اتفاق جديد قبل أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، فإن إيران ستواجه وضعاً صعباً مع احتمال إعادة تفعيل (سناب باك)».

وسبق أن تم تداول معلومات تفيد أن الثلاثي الأوروبي قد أمهل إيران حتى يونيو (حزيران) لتسوية وضعها النووي. إلا أن المهلة مددت حتى أكتوبر، موعد انتهاء العمل باتفاقية 2015. وفي هذا السياق، جاء لافتاً تصريح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، من نيويورك، وإلى جانبه رافاييل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة النووية، بعد اجتماع ختامي لمجلس الأمن بمناسبة انتهاء رئاسة فرنسا له، إذ قال الثلاثاء: «بالتأكيد عند انتهاء الاتفاق النووي الإيراني في غضون أسابيع، وإذا لم يتم ضمان المصالح الأمنية الأوروبية، فلن نتردد ولو لثانية واحدة في إعادة تطبيق جميع العقوبات التي رُفعت قبل 10 سنوات».

وأضاف: «ستمنع هذه العقوبات إيران بشكل دائم من الحصول على التكنولوجيا والاستثمار والوصول للسوق الأوروبية، وهو ما ستكون له آثار مدمرة على اقتصاد البلاد. هذا ليس ما نريده، ولهذا السبب أدعو إيران رسمياً إلى اتخاذ القرارات اللازمة اليوم لتجنب الأسوأ».

أوروبا حاجة أميركية

إذا كانت إيران بحاجة لبعض أوروبا لتجنب «سناب باك»، فإن واشنطن بحاجة إليها حتى يكون تشغيل الآلية ورقة ضغط إضافية بيدها، في حال فشلت في دفع طهران لقبول شروطها ومتطلباتها في الاتفاق الذي تسعى إلى فرضه، بحيث تكون إيران ما بعد الاتفاق مختلفة عن إيران ما قبله.

بيد أن التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأميركيين تذهب في كل اتجاه، وبالتالي في ظل غياب معلومات وثيقة عما جرى في جولات التفاوض الثلاث «غير المباشرة»، وفق إيران، المتنقلة بين مسقط وروما، وما يمكن توقعه من الجولة الرابعة، يبدو من الصعب التكهن بمستقبل المفاوضات.

لذا، فإن الثلاثي الأوروبي كان حريصاً على عقد لقاء، على المستوى ما دون الوزاري، مع الجانب الأميركي، للتعرف على ما حصل حتى اليوم، والأهم من أجل تنسيق المواقف، والأرجح الضغوط.

عامل إيراني يتفقد الصحف في كشك بطهران بعد الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط (إ.ب.أ)

يبقى سؤال أخير؛ ماذا سينتج عن الحوار الإيراني - الأوروبي غير إعادة فتح قناة تواصل بين الجانبين؟

تبدو التوقعات في باريس متواضعة، إذ تذكر بـ4 جولات تفاوضية حصلت سابقاً بين الطرفين، ولم تُفضِ إلى أي نتيجة. الأوروبيون فقدوا دور «الوسيط» الذي لعبوه طويلاً بين طهران وواشنطن، وليسوا اليوم في وضع يمكّنهم من الابتعاد عن الشريك الأميركي الذي يحتاجون إليه في العديد من الملفات، أبرزها أوكرانيا والتعريفات الجمركية، فضلاً عن أن لديهم مقاربة قريبة جداً من المقاربة الأميركية إزاء نووي وباليستي إيران ودورها الإقليمي. من هنا، فإن توقع نتائج ملموسة عن اجتماع روما المقبل يبقى رهاناً محفوفاً بالمخاطر.


مقالات ذات صلة

تباعد الأولويات يعمّق الخلاف بين واشنطن وطهران

شؤون إقليمية ناقلات نفط تبحر بالقرب من مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تباعد الأولويات يعمّق الخلاف بين واشنطن وطهران

أضحت الخلافات الجوهرية في مسار المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران تتركز على أولويات الأجندة؛ إذ تتمسك واشنطن باتفاق نووي بينما تركز طهران على مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية عسكريون إيرانيون خلال افتتاح معسكر «الفدائيين» التدريبي في ساحة هفت تير بطهران، 3 أكتوبر (تشرين الأول) 2026 (إ.ب.أ)

قاليباف: هرمز لن يُفتح قبل تحقيق الشروط السبعة

قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الأحد، إن مضيق هرمز لن يُفتح ما لم تتحقق شروط إيران السبعة «على أساس مذكرة تفاهم إسلام آباد».

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
شؤون إقليمية حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم) p-circle

واشنطن ترسم خياراتها العسكرية تجاه إيران

اجتمع كبار مسؤولي الأمن القومي الأميركي في كامب ديفيد لبحث الخطوات المقبلة، فيما صعّد ترمب لهجته تجاه طهران ملوّحاً باستمرار العمليات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن - لندن - طهران)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلوح بيده للصحافيين لدى وصوله إلى البيت الأبيض في واشنطن، الجمعة (أ.ب)

ترمب: حرب إيران قد تنتهي بعد الانتخابات مباشرة

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن الحرب مع إيران ستنتهي «قريباً جداً، وربما بعد الانتخابات مباشرة»، متوقعاً أن تهوي أسعار النفط فور انتهائها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة نشرتها قيادة «سنتكوم» لسفينة الهجوم البرمائي «يو إس إس بوكسر» خلال عملياتها في المنطقة (سنتكوم)

حاملة أميركية ثالثة ونحو 10 آلاف جندي إلى المنطقة

يرسل البنتاغون حاملة طائرات ثالثة وسفناً تقل مشاة البحرية إلى الشرق الأوسط، ما يضيف ما بين 9 و10 آلاف عسكري، فيما يدرس الرئيس دونالد ترمب استئناف ضرب إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)

تلميذة تطعن 8 فتيات في مدرسة بإسطنبول

عناصر من الشرطة التركية عند مدخل مدرسة إعدادية في منطقة باشاك شهير بإسطنبول (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة التركية عند مدخل مدرسة إعدادية في منطقة باشاك شهير بإسطنبول (أ.ف.ب)
TT

تلميذة تطعن 8 فتيات في مدرسة بإسطنبول

عناصر من الشرطة التركية عند مدخل مدرسة إعدادية في منطقة باشاك شهير بإسطنبول (أ.ف.ب)
عناصر من الشرطة التركية عند مدخل مدرسة إعدادية في منطقة باشاك شهير بإسطنبول (أ.ف.ب)

​طعنت فتاة مراهقة 8 تلميذات بسكين في مدرسة إعدادية بإسطنبول، وفق ما أفاد مسؤولون اليوم (الثلاثاء).

ووقع الحادث قرابة الساعة 8:40 صباحاً (5:40 بتوقيت غرينيتش) في مدرسة بمنطقة باشاك شهير في شمال غربي إسطنبول.

وألقت الشرطة القبض على المهاجمة، وهي طالبة في الصف العاشر تبلغ 15 عاماً، وتتلقى دراستها في مدرسة أخرى.

وقال وزير الصحة كمال مميشوغلو عبر «إكس»، إن «8 تلميذات أُصبن في الحادث، إحداهن في حال حرجة، واثنتان في حالة متوسطة إلى خطرة»، يتلقين العلاج في المستشفى.

وأوضح محافظ إسطنبول داود غول للصحافيين، أن المهاجمة التي كانت ترتدي زياً مدرسياً، طعنت الفتيات «عشوائياً».

وأضاف: «5 من التلميذات أُصبن بجروح طفيفة، ومن المتوقع خروجهن من المستشفى في وقت لاحق اليوم. اثنتان في حالة خطرة، وواحدة تخضع حالياً لعملية جراحية»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتابع: «التلميذة التي نفَّذت الهجوم تسكن في الحي نفسه، وتتلقى تعليمها في مدرسة مختلفة»، مضيفاً: «دخلت المبنى وهي ترتدي الزي المدرسي وطعنتهن عشوائياً».

من جهته، قال محافظ منطقة باشاك شهير، جميل أوزغور أونيغي: «أُصيبت 8 تلميذات بجروح نتيجة هجوم بسكين نفَّذته تلميذة في الصف العاشر» من مدرسة ثانوية في منطقة أخرى.

وفي الشهر الماضي، أطلق فتى النار خارج مدرسة في غرب تركيا، ما أدى إلى إصابة 11 تلميذاً، 3 منهم بجروح خطيرة، قبل أن يتم توقيفه.

وشهد أبريل (نيسان) هجومين متتاليين بإطلاق النار، نفذهما مراهقان في يومين متواليين بجنوب تركيا، ما أثار صدمة في البلاد ومخاوف عامة بشأن الأمن في المدارس التركية.


نائب إيراني يطلب رسمياً استجواب عراقجي في البرلمان

عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
TT

نائب إيراني يطلب رسمياً استجواب عراقجي في البرلمان

عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)
عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

أكد عضو هيئة رئاسة مجلس الشورى الإيراني، محمد رشيدي، الثلاثاء، أن طلب استجواب وزير الخارجية، عباس عراقجي، الذي تقدم به النائب أمير حسين ثابتي، سُجّل رسمياً في منظومة البرلمان، في تطور يعيد إلى الواجهة الخلافات داخل المؤسسة السياسية الإيرانية بشأن إدارة الملف الدبلوماسي، لا سيما طريقة تعامل طهران مع الاتصالات والمفاوضات مع الولايات المتحدة.

وقال رشيدي، في تصريح نقلته وكالة «تسنيم»، التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني، إن الطلب سُجّل بالفعل في منظومة البرلمان، لكنه أوضح أنه لم يُحَلْ بعدُ إلى هيئة رئاسة المجلس، وبالتالي لم يتحول حتى الآن إجراءً مدرجاً على جدول أعمال البرلمان.

ويأتي هذا التطور في وقت تشهد فيه الساحة السياسية الإيرانية نقاشاً حاداً بشأن أداء وزارة الخارجية وحدود الحركة الممنوحة لعراقجي في الاتصالات مع الجانب الأميركي. وقد برز هذا الخلاف خلال الأسابيع الماضية، خصوصاً بعد الانتقادات التي وجهها عدد من النواب المحافظين إلى لقاءات واتصالات عراقجي مع مسؤولين أو مبعوثين أميركيين.

وكان النائب علي خضريان، عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، اتهم عراقجي في تصريحات سابقة بإجراء اتصالات مباشرة مع الجانب الأميركي من دون تفويض، عادّاً أن تبرير وزارة الخارجية بأن الجانب الأميركي أصر على التواصل لم يكن مقنعاً. كما قال إن نواباً سجلوا بالفعل طلب استجواب وزير الخارجية.

حدود التفاوض

وتكشف تغطية الصحافة الإيرانية خلال الفترة الماضية أن الخلاف لا يتعلق بعراقجي شخصياً، بقدر ما يتمحور حول حدود التفويض الممنوح لوزارة الخارجية في إدارة الاتصالات مع واشنطن، ومن يملك قرار التفاوض المباشر، وكيف ينبغي التعامل مع الوسطاء والاتصالات غير المباشرة.

وفي أحد أبرز ملامح هذا الخلاف، انتقد نواب محافظون لقاء عراقجي المبعوثَ الأميركي، ستيف ويتكوف، عادّين أن اللقاء تجاوز الإطار الذي يُفترض أن تُدار من خلاله الاتصالات مع واشنطن. ووصلت الانتقادات إلى المطالبة باستخدام الأدوات الرقابية للبرلمان؛ بما فيها الاستجواب.

إضعاف الموقف

لكن في المقابل، ظهرت داخل المشهد السياسي الإيراني أصوات تحذر بأن تحويل الخلافات بشأن أداء وزارة الخارجية استجواباً في هذه المرحلة قد يُضعف الموقف التفاوضي الإيراني.

نواب في البرلمان الإيراني خلال إحدى جلساته (فارس)

وقال منصور حقيقت بور، وهو سياسي محافظ سابق، إن توقيت استجواب عراقجي غير مناسب، عادّاً أن الحكومة تحتاج في الظروف الراهنة وزيرَ خارجية قادراً على مواصلة الاتصالات والمفاوضات؛ لا إلى دخول معركة سياسية داخلية بشأن بقائه في منصبه.

كما سبق أن نقلت وسائل إعلام إيرانية عن نواب معارضين للاستجواب قولهم إن استجواب وزير الخارجية في ظل الحرب والتوتر الإقليمي قد يبعث برسائل سلبية، في حين وصف أحد النواب تغيير وزير الخارجية خلال هذه المرحلة بأنه خطوة غير مناسبة.

لماذا عراقجي؟

يمثل عراقجي أحد أبرز الوجوه الدبلوماسية الإيرانية في ملف العلاقات بالغرب. لذلك؛ فإن الانتقادات الموجهة إليه تعكس، في جانب منها، خلافاً أوسع داخل المؤسسة السياسية الإيرانية بشأن كيفية إدارة المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة.

ويتركز أحد محاور الانتقاد على الاتصالات التي جرت بين مسؤولين إيرانيين وأميركيين بصورة مباشرة أو عبر وسطاء، وعلى ما إذا كانت هذه الاتصالات بقيت ضمن الحدود التي تحددها القيادة والمؤسسات المعنية بالأمن القومي، أم إن وزارة الخارجية تحركت بهامش أوسع مما يريده بعض النواب.

وفي المقابل، يدافع مؤيدو استمرار عراقجي في منصبه عن ضرورة إبقاء قناة دبلوماسية فاعلة، خصوصاً في ظل استمرار الاتصالات والوساطات الإقليمية. ومن هذا المنظور، لا يُنظر إلى الاستجواب بوصفه فقط أداة رقابية على أداء وزير، وإنما بصفته اختباراً للتوازن بين الرقابة البرلمانية ومتطلبات إدارة ملف دبلوماسي وأمني شديد الحساسية.

ووفق عضو هيئة الرئاسة، محمد رشيدي، فلم يُحَلْ طلب استجواب عراقجي بعدُ إلى هيئة الرئاسة. كما أوضح عضو آخر في هيئة الرئاسة؛ هو علي رضا سليمي، أن مجرد تسجيل طلب الاستجواب لا يعني تلقائياً إحالته إلى هيئة الرئاسة أو إدراجه على جدول أعمال الجلسة العامة.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (الخارجية الإيرانية)

ويأتي ذلك بالتزامن مع تحركات برلمانية أخرى تجاه وزراء في حكومة مسعود بزشكيان؛ مما يضيف بُعداً سياسياً داخلياً إلى قضية عراقجي. ففي جلسة اليوم، أثار النائب ميثم ظهوريان أيضاً مسألة آلية التعامل مع طلبات استجواب الوزراء، منتقداً ما وصفه بـ«عدم وضوح الإجراءات» في إحالة هذه الطلبات إلى المسار البرلماني.

وعليه؛ فإن تسجيل طلب استجواب عراقجي يمثل إشارة سياسية جديدة إلى حجم الاعتراض داخل البرلمان على إدارة وزارة الخارجية الملف الأميركي، لكنه لا يزال في مرحلة مبكرة إجرائياً. وستكون الخطوة الأكبر دلالة هي ما إذا كان الطلب سيُحال رسمياً إلى المسار البرلماني ثم ينتقل إلى جلسة عامة، أم سيبقى في إطار الضغط السياسي والرقابة البرلمانية.


ترشيح «صانع صواريخ» وزيرا للدفاع في إيران

مهرداد أخلاقي كتابجي المرشح لوزارة الدفاع الإيرانية (مهر)
مهرداد أخلاقي كتابجي المرشح لوزارة الدفاع الإيرانية (مهر)
TT

ترشيح «صانع صواريخ» وزيرا للدفاع في إيران

مهرداد أخلاقي كتابجي المرشح لوزارة الدفاع الإيرانية (مهر)
مهرداد أخلاقي كتابجي المرشح لوزارة الدفاع الإيرانية (مهر)

قال مسؤول إيراني، الثلاثاء، إن الرئيس مسعود بزشكيان، رشح مهرداد أخلاقي كتابجي، المعروف بارتباطاته الوثيقة بصناعات الصواريخ في البلاد، لمنصب وزير الدفاع.

وأكد ساسان والي زاده، مستشار نائب الرئيس للشؤون البرلمانية، أن بزشكيان أرسل ترشيح أخلاقي كتابجي إلى رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، استناداً إلى «المادة133» من الدستور، التي تشترط حصول الوزراء على ثقة البرلمان، وفق وكالة «مهر» الإيرانية.

ومن المتوقع أن يراجع النواب برنامج أخلاقي كتابجي وسياساته قبل تحديد موعد التصويت على منحه الثقة. لكن جرت العادة في إيران أن تكون موافقة البرلمان على المرشحين للمناصب الأمنية الحساسة مجرد إجراء روتيني؛ إذ إن ترشيح الاسم وإعلانه يعنيان أنه حاز موافقة المرشد.

مع ذلك، فإن وسائل إعلام إيرانية تقول إن ترشيح أخلاقي كتابجي جاء وسط تساؤلات عن كيفية حصول التعيين على الموافقة في أعلى مستويات النظام السياسي الإيراني؛ بسبب استمرار غياب المرشد عن المجال العام.

وجاء ترشيح أخلاقي كتابجي لشغل المنصب بعد أن ظل شاغراً منذ مقتل الوزير السابق، عزيز نصير زاده؛ جراء الهجمات الأميركية - الإسرائيلية في بداية الحرب الأخيرة، خلال فبراير (شباط) الماضي.

وكان مجيد ابن الرضا يشغل إدارة وزارة الدفاع منذ 2 مارس (آذار) الماضي، عندما عيّنه بزشكيان قائماً بالأعمال عقب مقتل نصير زاده.

بزشكيان في أثناء لقائه قيادات عسكرية (الرئاسة الإيرانية)

مخضرم في «الدفاع»

يُعد أخلاقي كتابجي مسؤولاً مخضرماً في وزارة الدفاع، وله ارتباطات وثيقة بصناعات الصواريخ والفضاء الإيرانية. وقد حدده «مجلس الأمن» الدولي عام 2007 بوصفه رئيس «مجموعة الشهيد باقري الصناعية»، وهي جهة تابعة لوزارة الدفاع الإيرانية ومرتبطة ببرنامج الصواريخ الباليستية.

وكان وزير الدفاع الأسبق، حسين دهقان، قد عيّن أخلاقي كتابجي رئيساً لـ«منظمة الصناعات الجوية والفضائية» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014. كما فرضت الولايات المتحدة عقوبات عليه في عام 2020، وحددته بوصفه مديراً لـ«منظمة الصناعات الدفاعية»، مشيرة إلى أنشطته المرتبطة بالأسلحة التقليدية.

وأُعيد إدراج اسم أخلاقي كتابجي على قائمة العقوبات التابعة للأمم المتحدة عندما أُعيد فرض العقوبات السابقة على إيران في سبتمبر (أيلول) 2025.

كما ورد اسمه في وثائق العقوبات التابعة لـ«الاتحاد الأوروبي»، التي أشارت إليه بوصفه أحد المسؤولين في «منظمة الصناعات الدفاعية الإيرانية» و«منظمة الصناعات الجوية والفضائية».

وتأتي أهمية ترشيح أخلاقي كتابجي من الدور الحيوي الذي تلعبه «منظمة الصناعات الجوية والفضائية» في هيكل وزارة الدفاع؛ إذ ترتبط أنشطتها بمجالات مثل الصناعات الصاروخية، وصناعات الطيران والفضاء، وبعض المعدات والمنظومات ذات الصلة بهذه المجالات.

وفي 10 أغسطس (آب) الماضي، عين المرشد، مجتبى خامنئي، 6 قادة عسكريين كبار، لتعويض أشخاص كانوا قتلوا خلال الحرب الأخيرة، أبرزهم علي عبد اللهي رئيساً لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة، وكيومرث حيدري، القائد السابق للقوات البرية للجيش، نائباً له، وأحمد وحيدي قائداً عاماً لـ«الحرس الثوري»، بعد أن رقّاه إلى رتبة لواء.

ومع ذلك، فلا يزال عدد من أعلى المناصب الاستخباراتية حساسية دون رؤساء دائمين.