رهان إيراني غير مضمون على دور أوروبي إيجابي في الملف النووي

طهران تحاول تجميع أوراق حمائية حتى لا تبقى وحيدة بمواجهة واشنطن

إيرانيان يمران أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانيان يمران أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (إ.ب.أ)
TT

رهان إيراني غير مضمون على دور أوروبي إيجابي في الملف النووي

إيرانيان يمران أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (إ.ب.أ)
إيرانيان يمران أمام جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (إ.ب.أ)

أن يأتي الإعلان عن اجتماع مرتقب بين إيران والثلاثي (فرنسا وبريطانيا وألمانيا)، المعنيّ بالدرجة الأولى، أوروبياً، بملف طهران النووي، لكونها موقعة على الاتفاق المبرم عام 2015 بين إيران ومجموعة «5+1» (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن وألمانيا)، على لسان وزير الخارجية عباس عراقجي، فهذا يعني الكثير، وبالدرجة الأولى حاجة طهران أن تعيد فتح خطوط للحوار، بحيث لا تبقى رهينة مفاوضات مغلقة بينها وبين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

انفتاح إيران على أوروبا

بيد أن إيران، بإقدامها على هذه الخطوة، رغم مآخذها على الأوروبيين، كما عبّر عن ذلك عراقجي بقوله، الأربعاء، إن الدول الأوروبية «فقدت تأثيرها (في الملف النووي) لأنها تبنت سياسات خاطئة، ورغم ذلك نحن مستعدون لإجراء محادثات معها»، فإنها (أي إيران) «تسدي خدمة مهمة للأوروبيين، إذ تعيدهم للعب دور في ملف رئيسي، استبعدتهم عنه الولايات المتحدة»، وفق تعبير دبلوماسي أوروبي في باريس معنيّ بالملف المذكور.

وبكلام آخر، يضيف الدبلوماسي المشار إليه، فإن «إيران بحاجة إلى أوروبا، كما أن أوروبا بحاجة إلى إيران».

بارو ومدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي يتحدثان للصحافيين بشأن ملف إيران على هامش جلسة مجلس الأمن في نيويورك الاثنين الماضي (رويترز)

حتى إعلان عراقجي، كانت أوروبا تعاني من حالة «إبعاد» عن ملف له انعكاساته الاستراتيجية، والأمنية، والسياسية، على القارة القديمة، ليس بسبب القرب الجغرافي فقط، بل بسبب تأثيراته أيضاً على المصالح الأوروبية في كامل منطقة الشرق الأوسط حتى شرق أفريقيا.

واشنطن أبعدت الأوروبيين، حتى أمد قريب، عن ملف الحرب الأوكرانية، وتفردت بملف الحرب في غزة، وتقوم بشنّ غارات متواصلة على الحوثيين في اليمن، دون التشاور والتنسيق مع شركائها الأوروبيين. من هنا، فإن إيران تراهن على «لفتة» أوروبية، مقابل ما يمكن أن تعدّه «هدية» للثلاثي الأوروبي.

مع «الانفتاح» على الثلاثي الأوروبي، تكون طهران قد نجحت في إعادة التواصل مع الأطراف كافة، الموقعة على اتفاق 2015 بعد الزيارتين اللتين قام بهما عراقجي إلى موسكو وبكين، في مسعى منه «لتجميع أوراق» يمكن استخدامها في المحادثات الصعبة مع واشنطن.

ويفيد مصدر آخر في باريس أن الدبلوماسية الإيرانية قد تكون ساعية «لإبراز وجود تمايز بين المقاربتين الأميركية والأوروبية»، لملفها النووي، كما أنها تراهن على دعم روسي وصيني لمواقفها، بحيث لا تبقى «يتيمة» بوجه ترمب وإدارته اللذين يضعانها، بشكل شبه يومي، أمام خيارين، أحلاهما مرّ: إما القبول باتفاق جديد يكون مختلفاً جوهرياً من حيث قساوته ومتطلباته عن اتفاق 2015 الذي نقضه ترمب خلال ولايته الأولى، وإما العمل العسكري الأميركي أو الإسرائيلي، أو الاثنين معاً.

رغم أن إيران تنفي، حتى اليوم، أن تكون المفاوضات مع واشنطن تتخطى الملف النووي لتتناول الملف الصاروخي أو سياسة طهران في الإقليم ودعمها لكيانات تعدّها واشنطن، ومعها الغربيون «معادية»، فإن مصادر أوروبية تراهن على أن الطرف الأميركي يسعى لـ«تطبيع الحالة الإيرانية» نووياً وصاروخياً، وإقليمياً، إما بالمفاوضات مستفيداً من «الوهن الإيراني» حيث تبدو طهران «مكشوفة» عسكرياً بعد أن فقدت، في سوريا وغزة ولبنان، وإلى حد ما في العراق، أذرعها المقاومة، وإما بالضغوط «القصوى» أي العقوبات كالتي فرضتها، الأربعاء، على 7 كيانات على صلة بمبيعات النفط الإيراني، أو بالقوة العسكرية، وهو الخيار الأخير.

ولعل ما يبرز ضعف موقف طهران هو التعليق، الذي صدر عن إسماعيل بقائي، المتحدث باسم خارجيتها، الخميس، والذي جاء فيه أن قرار واشنطن «يظهر غياب حسن النية والجدية» في التعامل مع إيران. وكان عراقجي قد عدّ، الأربعاء، أن واشنطن «تبعث برسالة سلبية»، فيما المفاوضات متواصلة.

عقدة «سناب باك»

ثمة عنصر آخر يفسر الانفتاح الإيراني على الثلاثي الأوروبي، عنوانه القلق من إعادة تفعيل آلية «سناب باك»، التي تعني ترحيل الملف النووي إلى مجلس الأمن، وإعادة فرض مجموعة من العقوبات الدولية على إيران، بموجب 6 قرارات صادرة عن مجلس الأمن، التي تم تجميدها بموجب قراره رقم 2231.

وإذا كانت الآلية معقدة للغاية، وتتطلب مهلة زمنية ليست قصيرة، فإن تفعيلها ممكن، وسيشكل مصدر خطر كبير لإيران التي هدّدت بالانسحاب من الاتفاق النووي، ومن معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية.

والحال أن مصدر الخطر لن يأتي إلا من الثلاثي الأوروبي، إذ إن موسكو وبكين لن تقدما على أمر كهذا، كما أن واشنطن التي انسحبت من اتفاقية 2015 لم يعد لها الحقّ بطلب تفعيل الآلية، وهي قد حاولت ذلك خلال ولاية ترمب الأولى، ولكن من غير فائدة.

الشرطة الإيطالية تقف عند أحد مداخل السفارة العُمانية أثناء الجولة الثانية من المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران في روما 19 أبريل 2025 (رويترز)

وفي هذا السياق، برز تحذير عراقجي، الذي نبّه أنه «إذا لم نتوصل إلى اتفاق جديد قبل أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، فإن إيران ستواجه وضعاً صعباً مع احتمال إعادة تفعيل (سناب باك)».

وسبق أن تم تداول معلومات تفيد أن الثلاثي الأوروبي قد أمهل إيران حتى يونيو (حزيران) لتسوية وضعها النووي. إلا أن المهلة مددت حتى أكتوبر، موعد انتهاء العمل باتفاقية 2015. وفي هذا السياق، جاء لافتاً تصريح وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، من نيويورك، وإلى جانبه رافاييل غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة النووية، بعد اجتماع ختامي لمجلس الأمن بمناسبة انتهاء رئاسة فرنسا له، إذ قال الثلاثاء: «بالتأكيد عند انتهاء الاتفاق النووي الإيراني في غضون أسابيع، وإذا لم يتم ضمان المصالح الأمنية الأوروبية، فلن نتردد ولو لثانية واحدة في إعادة تطبيق جميع العقوبات التي رُفعت قبل 10 سنوات».

وأضاف: «ستمنع هذه العقوبات إيران بشكل دائم من الحصول على التكنولوجيا والاستثمار والوصول للسوق الأوروبية، وهو ما ستكون له آثار مدمرة على اقتصاد البلاد. هذا ليس ما نريده، ولهذا السبب أدعو إيران رسمياً إلى اتخاذ القرارات اللازمة اليوم لتجنب الأسوأ».

أوروبا حاجة أميركية

إذا كانت إيران بحاجة لبعض أوروبا لتجنب «سناب باك»، فإن واشنطن بحاجة إليها حتى يكون تشغيل الآلية ورقة ضغط إضافية بيدها، في حال فشلت في دفع طهران لقبول شروطها ومتطلباتها في الاتفاق الذي تسعى إلى فرضه، بحيث تكون إيران ما بعد الاتفاق مختلفة عن إيران ما قبله.

بيد أن التصريحات الصادرة عن المسؤولين الأميركيين تذهب في كل اتجاه، وبالتالي في ظل غياب معلومات وثيقة عما جرى في جولات التفاوض الثلاث «غير المباشرة»، وفق إيران، المتنقلة بين مسقط وروما، وما يمكن توقعه من الجولة الرابعة، يبدو من الصعب التكهن بمستقبل المفاوضات.

لذا، فإن الثلاثي الأوروبي كان حريصاً على عقد لقاء، على المستوى ما دون الوزاري، مع الجانب الأميركي، للتعرف على ما حصل حتى اليوم، والأهم من أجل تنسيق المواقف، والأرجح الضغوط.

عامل إيراني يتفقد الصحف في كشك بطهران بعد الجولة الأخيرة من المحادثات في مسقط (إ.ب.أ)

يبقى سؤال أخير؛ ماذا سينتج عن الحوار الإيراني - الأوروبي غير إعادة فتح قناة تواصل بين الجانبين؟

تبدو التوقعات في باريس متواضعة، إذ تذكر بـ4 جولات تفاوضية حصلت سابقاً بين الطرفين، ولم تُفضِ إلى أي نتيجة. الأوروبيون فقدوا دور «الوسيط» الذي لعبوه طويلاً بين طهران وواشنطن، وليسوا اليوم في وضع يمكّنهم من الابتعاد عن الشريك الأميركي الذي يحتاجون إليه في العديد من الملفات، أبرزها أوكرانيا والتعريفات الجمركية، فضلاً عن أن لديهم مقاربة قريبة جداً من المقاربة الأميركية إزاء نووي وباليستي إيران ودورها الإقليمي. من هنا، فإن توقع نتائج ملموسة عن اجتماع روما المقبل يبقى رهاناً محفوفاً بالمخاطر.


مقالات ذات صلة

زامير: ينبغي ألا نسمح للإيرانيين بتحقيق مكاسب في الملف النووي أو مضيق هرمز

شؤون إقليمية رئيس أركان الجيش الإسرائيلي إيال زامير خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست (ذكرى محرقة اليهود) في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس - 14 أبريل 2026 (أ.ب)

زامير: ينبغي ألا نسمح للإيرانيين بتحقيق مكاسب في الملف النووي أو مضيق هرمز

صرّح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، خلال جولة على قواته في جنوب لبنان، إنه ينبغي عدم السماح للإيرانيين بتحقيق مكاسب في الملف النووي أو مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية تُظهِر هذه الصورة الملتقَطة بواسطة القمر الاصطناعي «بلياديس نيو» التابع لشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» شاحنة محمَّلة بـ18 حاوية زرقاء تنقل يورانيوم عالي التخصيب تدخل إلى نفق داخل مجمع «مركز التكنولوجيا النووية» في أصفهان 9 يونيو 2025 (أ.ب)

«النووي الإيراني» تضرر بشدة في الحرب... لكنه لم ينتهِ بعد

نجحت إسرائيل والولايات المتحدة في إبعاد خطر امتلاك إيران سلاحاً نووياً في المدى المنظور، دون أن تتمكنا من الاستيلاء على المخزون من اليورانيوم عالي التخصيب.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس خلال وجوده في إسلام آباد لقيادة وفد التفاوض الأميركي (أ.ف.ب) p-circle

تقارير: واشنطن طلبت من طهران وقف تخصيب اليورانيوم 20 عاماً

طلبت الولايات المتحدة من إيران، خلال محادثات مطلع الأسبوع، الموافقة على عدم تخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً، فيما قدمت إيران رداً بمدة أقصر، وفق تقارير إعلامية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
العالم صورة التقطها قمر اصطناعي تظهر مفاعل بوشهر للطاقة النووية في إيران... 1 يناير 2025 (رويترز) p-circle

«روس آتوم» الروسية تبدأ إجلاءً أخيراً للموظفين من محطة بوشهر الإيرانية

بدأت شركة «روس آتوم» النووية الحكومية الروسية المرحلة الأخيرة من عملية إجلاء العاملين من محطة بوشهر النووية الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقاء مع محرري وكالة «الأناضول» التركية للأنباء الاثنين (إ.ب.أ)

تركيا تدعو إلى «ميثاق أمني» يضمن حرية الملاحة في هرمز

شددت تركيا على ضرورة استمرار حرية الملاحة في مضيق هرمز، والحاجة إلى ميثاق أمني بالمنطقة، وأكدت جدية إيران والولايات المتحدة في التوصل إلى اتفاق لوقف النار.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

نتنياهو: قواتنا ستواصل استهداف «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس - 19 مارس 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس - 19 مارس 2026 (رويترز)
TT

نتنياهو: قواتنا ستواصل استهداف «حزب الله»

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس - 19 مارس 2026 (رويترز)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر صحافي في القدس - 19 مارس 2026 (رويترز)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين ​نتنياهو، الأربعاء، إن الجيش يواصل ضرب جماعة «حزب الله» اللبنانية، وإنه على ‌وشك «اجتياح» منطقة ‌بنت ​جبيل، في ‌ظل ⁠تزايد ​الضغوط من ⁠أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار بين إسرائيل ولبنان.

وذكر نتنياهو، في ⁠بيان مصوّر، أنه ‌أصدر ‌تعليمات ​للجيش ‌بمواصلة تعزيز المنطقة الأمنية ‌في جنوب لبنان.

وفيما يتعلق بإيران، قال نتنياهو إن ‌الولايات المتحدة تبقي إسرائيل على اطلاع بالمستجدات، ⁠وإن ⁠الجانبين على اتفاق. وأضاف: «نحن مستعدون لأي سيناريو» في حال فشل وقف إطلاق النار مع إيران.


بأسلاك شائكة... مستوطنون إسرائيليون يقطعون طريق أطفال فلسطينيين إلى مدارسهم

دورية للجيش الإسرائيلي في رام الله (رويترز)
دورية للجيش الإسرائيلي في رام الله (رويترز)
TT

بأسلاك شائكة... مستوطنون إسرائيليون يقطعون طريق أطفال فلسطينيين إلى مدارسهم

دورية للجيش الإسرائيلي في رام الله (رويترز)
دورية للجيش الإسرائيلي في رام الله (رويترز)

كانت هاجر ورشيد حثلين يذهبان دائماً إلى المدرسة من حيهما في ضواحي قرية أم الخير في مدينة رام الله بالضفة الغربية. ولكن عندما استؤنفت الدراسة هذا الأسبوع للمرة الأولى منذ بدء الحرب الإيرانية، تم قطع طريق الأخوين الفلسطينيين إلى وسط القرية بأسلاك شائكة ملفوفة.

وقام المستوطنون الإسرائيليون بتثبيت الأسلاك خلال الليل، وفقاً لفيديو قدمه سكان فلسطينيون إلى وكالة «أسوشييتد برس». ويقول الفلسطينيون إن السياج المرتجل هو آخر محاولة من المستوطنين لتوسيع نطاق السيطرة على جزء من الضفة الغربية المحتلة حيث تحدث عمليات هدم وحرائق وتخريب مدعومة من الدولة بشكل منتظم ونادراً ما يتم مقاضاة عنف المستوطنين، الذي يكون قاتلا في بعض الأحيان.

وقد تمت تغطية محنة سكان القرية في الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة الأوسكار عام 2024 بعنوان «لا أرض أخرى»، لكن الدعاية لم تفعل الكثير لوقف إراقة الدماء أو الحد من الاستيلاء على الأراضي. ويقولون إن إسرائيل استخدمت غطاء الحرب الإيرانية لتشديد قبضتها على المنطقة، مع تصاعد هجمات المستوطنين وفرض الجيش قيوداً إضافية على الحركة في زمن الحرب، بزعم أن هذا لأسباب أمنية.


قلق إسرائيلي متزايد من «عُزلة دولية»

متظاهرون ضد نتنياهو في نيويورك خلال إلقائه كلمة في الأمم المتحدة سبتمبر الماضي (رويترز)
متظاهرون ضد نتنياهو في نيويورك خلال إلقائه كلمة في الأمم المتحدة سبتمبر الماضي (رويترز)
TT

قلق إسرائيلي متزايد من «عُزلة دولية»

متظاهرون ضد نتنياهو في نيويورك خلال إلقائه كلمة في الأمم المتحدة سبتمبر الماضي (رويترز)
متظاهرون ضد نتنياهو في نيويورك خلال إلقائه كلمة في الأمم المتحدة سبتمبر الماضي (رويترز)

يوماً بعد آخر يتزايد القلق في قطاعات إسرائيلية مما تصفه وسائل الإعلام العبرية بـ«عزلة دولية» جرَّاء الحروب الضارية التي يشنها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على جبهات عدة، وما يكتنفها من انتهاكات عبَّر مسؤولون دوليون وحكومات صديقة لتل أبيب عن امتعاضهم منها.

ولعل أحدث «صديقين» انضما إلى قائمة الرافضين للمواقف الإسرائيلية، هما رئيسة وزراء إيطاليا، جورجيا ميلوني، التي أعلنت، الثلاثاء، تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية للتعاون الدفاعي مع إسرائيل.

والقرار الإيطالي جاء بعد أيام من تشبيه رئيس كوريا الجنوبية لي جيه ميونغ، يوم الجمعة، الحرب على الفلسطينيين بـ«الهولوكوست»، في إشارة إلى المحرقة التي تعرض لها يهود على يد النازيين في الحرب العالمية الثانية، وتقيم إسرائيل ذكراها هذا الأسبوع. وصعق رئيس كوريا الجنوبية الذي تعد بلاده «صديقة وحليفه» لإسرائيل حكومتها بتشبيه «الهولوكوست»، وكان ذلك في سياق إعادة نشر مقطع فيديو مع تعليق مفاده أن المحتوى يظهر تعذيب جنود إسرائيليين لفلسطيني وإلقائه ⁠من سطح مبنى.

وصحيح أن وزير ​خارجية كوريا الجنوبية، تشو هيون أعلن، الأربعاء، أن مسؤولاً ‌إسرائيلياً ‌رفيع ​المستوى ‌أبدى ⁠قبوله ​تفسير سيول لتصريحات الرئيس ⁠على مواقع ⁠التواصل الاجتماعي ‌بشأن المحرقة (الهولوكوست)، ‌وأن ​الموقف ‌وجد ‌طريقه للتسوية. لكن ذلك كان بعد أن شنَّت ‌الخارجية ‌الإسرائيلية في منشور على ​«إكس»، يوم السبت الماضي هجوماً على لي ونقل حسابها ما نصه: «لسبب غريب، اختار ‌النبش في قصة تعود إلى عام 2024». والواقعة حدثت خلال عملية للجيش الإسرائيلي ضد ‌من وصفتهم «إرهابيين» وتم التحقيق فيها بشكل شامل.

«قائمة طويلة وعزلة مطبقة»

وتطول قائمة الدول التي دخلت في إشكال علني مع إسرائيل على مستويات مختلفة، إذ تلاسن مسؤولوها مع سفراء كل من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا في تل أبيب، على موقف دولهم ضد الممارسات الإسرائيلية في الحرب على لبنان وكذلك في الضفة الغربية وغزة، وكانت كوريا الجنوبية أحدث المنضمين للائحة.

ونُشرت في تل أبيب، الأربعاء، تقارير عدة تفيد بأن «إسرائيل تعيش عزلة مطبقة في دول الغرب، في السنتين الأخيرتين بحجم لم تعرفه في تاريخها». وتوقع بعض المحللين أن «تشتد المعركة ضد إسرائيل في الاتحاد الأوروبي، بعدما سقط رئيس الحكومة المجري، فيكتور أوربان، (الصديق والحليف الأكبر) الذي استغل حق الفيتو ومنع الاتحاد الأوروبي من اتخاذ قرارات وإجراءات عقابية ضد إسرائيل خلال الحرب على غزة».

ومع أن السبب في هذه العزلة يعود إلى الممارسات الإسرائيلية العنيفة بشكل غير مسبوق وما يرافقها من تصريحات متكبرة لنتنياهو وغيره من المسؤولين، توجه الصحافة الإسرائيلية نقدها إلى قصور الحكومة وغياب سياسة إعلامية ملائمة.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت»، الأربعاء، إن إسرائيل على شفا انهيار سياسي. وفي تقرير على صفحتين كاملتين، أشارت إلى أن الحكومة تبدو عاجزة وتتورط من يوم ليوم أكثر، وضربت مثلاً كيف قام وزير المالية بتسلئيل سموترتش بمهاجمة الحكومة الألمانية بسبب قرارها استنكار مخطط الاستيطان الجديد، وتأكيدها أن هذه الأقوال تحظى بدعم نتنياهو.

وأضافت الصحيفة: «بعد أن خسرنا فرنسا وبلجيكا وهولندا وسلوفينيا وغيرها، يريدون أن نخسر دولاً معروفة بدعمها الشديد لإسرائيل مثل المجر وإيطاليا، والآن حتى ألمانيا» داعية الحكومة إلى «الاستيقاظ قبل فوات الأوان؛ إذ إن الإعلام الغربي طافح بالمقالات والتقارير التي تظهر الإسرائيليين كأبشع شعوب العالم وتشبههم بالنازيين».

«تعليق الفشل على الآخرين»

أما صحيفة «معاريف» فقد اختارت نهجاً تهكمياً ساخراً لمعالجة الأمر عبر مقال يوم الأربعاء، تقول فيه إن «الحكومة الإسرائيلية باتت مثل الحكومة الإيرانية تنظر إلى نتائج سياستها الفاشلة لكنها تعلق فشلها على الآخرين».

وتحدثت الصحيفة عن اجتماع الكابنيت، الأسبوع الماضي كنموذج؛ إذ تضمن هجوماً على الإعلام الذي لا يُطري على انتصارات إسرائيل في الحرب. وردت الصحيفة بالقول: «الإعلام؛ هذه هي مشكلتنا. نفعل كل شيء على أكمل وجه، باستثناء الإعلام. لأنه لو كان هناك وعي عام، لكان كل شيء سيبدو أفضل بكثير، ولأدرك الجمهور عظمة نتنياهو، والإنجازات الرائعة للحكومة، وأهمية اللحظة، والمعجزة».

ورفعت «معاريف» مستوى السخرية وقالت إن «الإعلام لا يقتصر على الداخل فحسب؛ بل سيمتد إلى الخارج أيضاً: سيدرك العالم أجمع صواب موقفنا وعظمتنا، وسيترك القادة الأجانب كل شيء وينضمون إلى (الليكود «حزب نتنياهو»)... إيمانويل ماكرون (رئيس فرنسا) كان سيترشح في الانتخابات التمهيدية نيابة عن الدائرة الشمالية (في إسرائيل)، و(الرئيس التركي رجب طيب) إردوغان كان سيترشح لدائرة دان. لو استطعنا فقط أن نشرح أنفسنا شرحاً وافياً، وأن نتيح للجميع فرصة الاطلاع على جميع المعجزات والعجائب التي صنعناها في إيران ولبنان وغيرها، وأن ننشر صواب الطريق بطريقة مبتكرة وفعّالة، لما كان هناك حدٌّ لطموحنا. هذه هي مشكلتنا، فنحن ببساطة غير مفهومين. إنه سوء فهم».

وتابعت: «إذن، ماذا نفعل أمام هذا الخراب، أمام العدم والفراغ والإهمال والتقصير؟ نبحث عن كبش فداء. نتأمل في كل زاوية من زوايا الغرفة، ونكتشف».