إسرائيل تستأنف العمليات البرية... و«حماس» تحملها تداعيات التوغل في محور نتساريم

دبابة إسرائيلية تناور داخل قطاع غزة (رويترز)
دبابة إسرائيلية تناور داخل قطاع غزة (رويترز)
TT

إسرائيل تستأنف العمليات البرية... و«حماس» تحملها تداعيات التوغل في محور نتساريم

دبابة إسرائيلية تناور داخل قطاع غزة (رويترز)
دبابة إسرائيلية تناور داخل قطاع غزة (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأربعاء)، أن قواته استأنفت العمليات البرية في وسط وجنوب قطاع غزة في وقت قال فيه مسؤولون محليون في قطاع الصحة إن الضربات الجوية المستمرة لليوم الثاني أسقطت 20 قتيلاً على الأقل، وفقاً لوكالة «رويترز».

وجاء استئناف العمليات البرية بعد يوم من إعلان السلطات الصحية الفلسطينية أن الغارات الجوية التي شنّتها إسرائيل، أمس (الثلاثاء)، قتلت أكثر من 400 في أحد أعلى معدلات سقوط القتلى في يوم واحد منذ بداية الحرب، مما أنهى هدوءاً نسبياً دام لأسابيع منذ سريان وقف إطلاق النار في يناير (كانون الثاني).

وفي وقت لاحق، أفادت وسائل إعلام فلسطينية اليوم بمقتل 24 في غارة إسرائيلية استهدفت منطقة السلاطين في بيت لاهيا بشمال قطاع غزة.

وقال الجيش الإسرائيلي اليوم إنه استأنف عملياته البرية في وسط وجنوب قطاع غزة. وذكر متحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن الهجوم الواسع على قطاع غزة سيستمر «طالما اقتضت الضرورة ذلك».

وأكد الجيش إن عملياته بسطت سيطرة على محور نتساريم وهو المحور الأوسط في القطاع، وإنها مناورة «مركزة» الهدف لإيجاد منطقة عازلة جزئية بين شمال القطاع وجنوبه.

من جانبها، حمَّلت حركة «حماس» إسرائيل وقياداتها المسؤولية عن تداعيات التوغل البري في محور نتساريم بوسط قطاع غزة، ودعت الوسطاء إلى تحمُّل مسؤولياتهم في «لجم هذه الخروق والانتهاكات غير المسؤولة».

وقالت «حماس» في بيان إن تكرار التهديدات الإسرائيلية بتهجير الشعب الفلسطيني «لن تُضعف عزيمة شعبنا، ولن تنال من تمسكه بأرضه وحقوقه الوطنية».

وأكدت الحركة تمسكها باتفاق وقف إطلاق النار، ودعت «الوسطاء الضامنين إلى تحمُّل مسؤولياتهم في لجم هذه الخروق والانتهاكات غير المسؤولة، وإلزام رئيس الوزراء الإسرائيلي بالتراجع عنها، وتحميله المسؤولية الكاملة عن أي تداعيات قد تنجم عنها».

مقتل موظف أممي

وأوضحت الأمم المتحدة أن موظفاً أجنبياً قُتل وأُصيب خمسة في ضربة جوية إسرائيلية على موقع يضم مقراً للأمم المتحدة في وسط مدينة غزة.

لكن إسرائيل نفت ذلك وقالت إنها ضربت موقعاً لـ«حماس» رصدت فيه استعداداً لإطلاق النار صوبها.

وقال وكيل الأمين العام للأمم المتحدة المدير التنفيذي لخدمات المشاريع جورجي موريرا دا سيلفا: «إسرائيل كانت تعلم أن هذه البناية للأمم المتحدة وأن أشخاصاً يعيشون ويقيمون ويعملون فيها... إنه مجمع. إنه مكان معروف جداً».

وأضاف، في مؤتمر صحافي في بروكسل، أن عبوة ناسفة أسقطت أو أطلقت على المجمع. وتابع قائلاً: «لم تكن تلك حادثة... ما يحدث في غزة زائد على الحد».

ووصفت إسرائيل، التي توعدت بالقضاء تماماً على «حماس»، الهجوم الأحدث بأنه «مجرد بداية».

وقال المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس الأربعاء إن استئناف القتال في قطاع غزة يعرض حياة الملايين للخطر مرة أخرى. ودعا إلى استئناف وقف إطلاق النار «فورا»، والإفراج عن جميع المحتجزين وتوفير الحماية للعاملين في المجال الإنساني والمدنيين.

تبادل اتهامات

تتبادل إسرائيل و«حماس» الاتهامات بانتهاك وقف إطلاق النار الذي أتاح متنفساً لسكان القطاع المدمر البالغ عددهم نحو 2.3 مليون نسمة بعد حرب استمرت 17 شهراً حولت القطاع إلى أنقاض وأجبرت معظم سكانه على النزوح مرات عدة.

وهاجم مسلحون بقيادة «حماس» إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتشير إحصاءات إسرائيلية إلى أن ذلك الهجوم أسفر عن مقتل نحو 1200 واحتجاز نحو 250 رهينة.

وتقول السلطات الصحية الفلسطينية إن الحملة الإسرائيلية اللاحقة على قطاع غزة أسفرت عن مقتل ما يزيد على 49 ألفاً وتسببت في أزمة إنسانية مع نقص الغذاء والوقود والمياه.

وتتهم إسرائيل حركة «حماس» باستخدام المدنيين دروعاً بشرية بينما تنفي الحركة ذلك وتتهم بدورها إسرائيل بتنفيذ قصف عشوائي بلا تمييز.

والحرب هي الحلقة الأكثر تدميراً ودموية منذ عقود في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

وأثار قرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استئناف القصف احتجاجات في إسرائيل، إذ لا يزال 59 رهينة متبقين لدى «حماس»، يعتقد أن منهم 24 لا يزالون على قيد الحياة.

واتهم ائتلاف معارض، يضم أسر رهائن ومحتجين يرفضون إجراءات نتنياهو بحق القضاء والأجهزة الأمنية، رئيس الوزراء باستغلال الحرب لتحقيق أغراض سياسية.

وفي وقت سابق من اليوم (الأربعاء)، ألقى الجيش الإسرائيلي منشورات على مناطق في بيت حانون وخان يونس بشمال وجنوب قطاع غزة تأمر السكان بإخلاء منازلهم، محذرة إياهم من أنهم في «مناطق قتال خطيرة».

وجاء في أحد المنشورات التي تم إسقاطها على بيت حانون: «استمرار بقائكم في المآوي، المنازل أو الخيام الحالية يعرض حياتكم وحياة أفراد عائلاتكم للخطر. أخلوا فوراً».

ونشر يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي، بياناً في مقطع فيديو يحذر فيه سكان قطاع غزة من مغبة عدم الاستجابة لأوامر الإخلاء من مناطق قتال على وشك أن يبدأ.

 

«قوة لم تروها من قبل»

أفاد كاتس بأن الضربات الجوية هي «خطوة أولى فحسب» وأن عدم الإفراج عن الرهائن سيعني أن «إسرائيل ستتصرف بقوة لم تروها من قبل».

وندّدت دول غربية منها فرنسا وألمانيا، وأيضاً الوسيطتان في مفاوضات وقف إطلاق النار قطر ومصر، بتجدد أعمال العنف.

وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس، اليوم الأربعاء، إنها أبلغت وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن الوضع في غزة «غير مقبول».

وأضافت في تصريحات للصحافيين في بروكسل: «تحدثت أمس أيضاً مع وزير الخارجية ساعر... ما الذي يحدث، ولماذا تفعلون هذا؟ وأعني أيضاً أننا نقلنا رسالة مفادها أن هذا غير مقبول».

ودعا العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى استئناف وقف إطلاق النار وتدفق المساعدات إلى القطاع.

وأوضح، في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في باريس: «استئناف إسرائيل هجماتها على غزة خطوة بالغة الخطورة تفاقم من الوضع الإنساني المتردي بالفعل».

لكن القائمة بأعمال الممثل الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة دوروثي شيا قالت، أمس (الثلاثاء)، إن مسؤولية استئناف الأعمال القتالية في غزة «تقع على عاتق (حماس) وحدها».

واليوم (الأربعاء)، أكد مسؤولون بقطاع الصحة في قطاع غزة إن ثلاثة قتلوا في غارة جوية إسرائيلية على منزل في حي الصبرة بمدينة غزة كما أسفرت غارة جوية أخرى عن مقتل رجلين وإصابة 6 في بلدة بيت حانون بشمال القطاع.

وقال مسعفون فلسطينيون إن قصفاً بالدبابات الإسرائيلية على طريق صلاح الدين أدى إلى مقتل فلسطيني وإصابة آخرين، كما أسفرت غارة إسرائيلية عن مقتل 3 داخل منزل في بلدة بيت لاهيا بشمال القطاع.

 


مقالات ذات صلة

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

المشرق العربي جنود إسرائيليون خلال العمليات العسكرية في جنوب لبنان (الجيش الإسرائيلي)

الجيش الإسرائيلي يعلن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان

أعلن الجيش الإسرائيلي مقتل أحد جنوده وإصابة آخرين في جنوب لبنان، في ظل وقف لإطلاق النار تتبادل الدولة العبرية و«حزب الله» الاتهامات بانتهاكه.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي جندي إسرائيلي يوجه دبابة على الضفة الإسرائيلية من الحدود مع لبنان (رويترز)

خروقات كبيرة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار في لبنان

يترنّح اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي مدده الرئيس الأميركي دونالد ترمب لثلاثة أسابيع إضافية، إثر تصعيد عسكري.

نذير رضا (بيروت)
شؤون إقليمية جندي إسرائيلي ينبطح أرضاً لدى سماعه دوي صفارات الإنذار بغلاف غزة في أكتوبر 2023 (أ.ب)

«منذ 7 أكتوبر»... نحو 30 % من الإسرائيليين يعانون اضطرابات ما بعد الصدمة

أظهرت معطيات جديدة عن مؤسسات ودوائر حكومية أن ما بين 20 و30 في المائة من الإسرائيليين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة، منذ بداية الحرب في 7 أكتوبر 2023.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي أعلام «حزب الله» خلال تشييع عدد من مقاتليه ومدنيين في جنوب لبنان (رويترز) p-circle

«حزب الله»: السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير

قال «حزب الله» اللبناني إن «السلطة اللبنانية أسقطت نفسها في مأزق خطير» عندما اختارت أن تجمعها صورة واحدة مع ممثلي «من يستبيح أرضها وسيادتها».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو يتّهم «حزب الله» بتقويض اتفاق وقف النار في لبنان

اعتبر رئيس الوزراء الإسرائيلي أن «حزب الله» اللبناني «يقوّض» اتفاق وقف إطلاق النار، فيما استهدف الجيش الإسرائيلي جنوب لبنان بعدد من الغارات.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري ‌نقلا عن ‌مسؤول ​أميركي ‌ومصدران ⁠مطلعان ​أن إيران ⁠قدمت عبر وسطاء باكستانيين ⁠مقترحا ‌جديدا ‌إلى ​الولايات ‌المتحدة ‌لإعادة فتح ‌مضيق هرمز وإنهاء الحرب.

ويشمل المقترح بحسب «أكسيوس»، ⁠إرجاء ⁠المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.