صدمات جيوسياسيّة تغيّر الجغرافيا السياسيّة

بوتين يسرّع حرب أوكرانيا... قنبلة ترمب تحرّك المياه الراكدة في أوروبا... ومناطق عازلة في لبنان وغزة وسوريا

عاصمة القرم سيفاستوبول مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود (إ.ب.أ)
عاصمة القرم سيفاستوبول مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود (إ.ب.أ)
TT

صدمات جيوسياسيّة تغيّر الجغرافيا السياسيّة

عاصمة القرم سيفاستوبول مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود (إ.ب.أ)
عاصمة القرم سيفاستوبول مقر الأسطول الروسي في البحر الأسود (إ.ب.أ)

مع كلّ تحوّل جذري تغييري جيوسياسيّ في النظام العالمي القائم، وفي أيّ وقت، هناك تبدّل في الجغرافيا السياسيّة للدول، أو الإمبراطوريات. في عام 1916، غيّر الاتفاق السريّ بين بريطانيا وفرنسا، أو ما سُمّي باتفاق «سايكس - بيكو»، الجغرافيا السياسيّة للمشرق العربيّ بعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى. في عام 1947، غيّر قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر تحت الرقم 181، الجغرافيا السياسيّة لفلسطين (قسمها إلى دولتين، عربية ويهودية)، ولا تزال تداعياته مستمرّة حتى اليوم.

سُئل وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف عمّن يسأل الرئيس فلاديمير بوتين قبل الذهاب إلى الحرب. فكان جوابه على الشكل التالي: إنه يسأل القيصر إيفان الرهيب، والقيصر بطرس الأكبر، كما يسأل القيصرة كاترين الكبرى. فماذا عنى لافروف بذلك؟ ركّز جوابه على البٌعد الجغرافي للإمبراطورية الروسيّة. فمع هؤلاء القياصرة، توسّعت الإمبراطورية الروسيّة التي نعرفها اليوم، لتُغيّر الجغرافيا السياسيّة لكل القارة العجوز. فمع إيفان الرهيب، قهرت روسيا المغول، وتوسعت شرقاً حتى جبال الأورال التي تشكّل الفاصل بين روسيا الأوروبيّة وروسيا الآسيويّة. مع بطرس الأكبر، أسقطت روسيا الإمبراطوريّة السويديّة في معركة بولتافا (التي تقع اليوم في شرق أوكرانيا)، وبنى بعدها بطرس الأكبر مدينة بطرسبرغ. أما مع القيصرة كاترين الكبرى، فقد توسّعت الإمبراطورية الروسية جنوباً وصولاً إلى شبه جزيرة القرم، التي استولت عليها بالتفاوض مع سكانها الأصليين (التتار). أسست كاترين أسطول البحر الأسود، كما أمرت ببناء مرفأ سيفاستوبول في عام 1784.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (إ.ب.أ)

في نهايات الحرب العالمية الثانية، تشدّد الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين بطلباته من تشرشل والرئيس الأميركي روزفلت، حول حجم ومساحة مناطق نفوذ الاتحاد السوفياتي بعد نهاية الحرب. وكي يُعزّز موقعه على طاولة تقاسم العالم في يالطا في شبه جزيرة القرم، سرّع ستالين عملياته العسكرية في بولندا ضد الجيش النازي. وبذلك سقطت أوروبا الشرقية كلها تحت العباءة السوفياتيّة، وحقق ستالين بالتالي أكبر امتداد جغرافي لروسيا في كل العصور والحقبات التي مرّت بها.

ألا يُفكّر الرئيس الروسي حالياً بنفس منطق ستالين ولكن تجاه أوكرانيا؟ بالطبع قد يكون يفكّر بهذا المنطق. فالقنبلة الجيوسياسيّة التغييريّة قد أُلقيت من الرئيس دونالد ترمب الذي يضغط على كييف للوصول إلى اتفاق لوقف الحرب مع موسكو، ولعقد اتفاق على تقاسم ثروة المعادن النادرة في أوكرانيا مع الولايات المتحدة. ترمب يبدو مستعجلاً على عقد الصفقة، ولذلك سيُعجّل بوتين محاولات تقدّمه الميداني العسكري على المسرح الأوكرانيّ.

الرئيس دونالد ترمب (إ.ب.أ)

في أي حال، حرّكت القنبلة الجيوسياسيّة للرئيس ترمب المياه الراكدة، إن كان في أوروبا أو حتى في الشرق الأقصى. وإذا كان الرئيس الأميركي يعاقب أوروبا عبر التخلّي الجيوسياسيّ عنها (Geopolitical Abandonment)، وذلك انطلاقاً من نظريّة الواقعيّة السياسيّة (Realism)، فإن لأوروبا خيارات كثيرة بحسب ما نظّر المفّكر السنغافوري كيشور محبوباني. من بين هذه الخيارات ما يلي: يمكن لأوروبا التقارب من جديد مع روسيا، كونها مترابطة جغرافياً معها، وهي أصلاً بحاجة إلى الغاز الروسي. التخلّي عن حلف الناتو، ورسم منظومة أمنيّة جديدة، مع العمل على تأمين المظلّة النوويّة الأوروبيّة بدل الأميركية عبر الأسلحة النووية البريطانية والفرنسية. كما يمكن لأوروبا الانفتاح الكامل على الصين، وهو أمر ضغطت أميركا في السابق على الأوروبيين لعدم السير به. فإذا سلكت أوروبا أياً من هذه الخيارات، فماذا سيبقى لترمب من وسائل ضغط على حلفائه؟

إفطار وسط الدمار في رفح بجنوب قطاع غزة (أ.ب)

بعد الصدمة الجيوسياسية في 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 في غزة، تبدّلت الجغرافيا السياسية في القطاع كما في الدول المحيطة. تحافظ إسرائيل حالياً على منطقة عازلة في جنوب لبنان، كما تطالب بمنطقة منزوعة السلاح جنوب نهر الليطاني. يندرج الأمر نفسه على قطاع غزّة، حيث هناك منطقة عازلة داخل القطاع بعمق 700متر، باستثناء 5 نقاط بعمق 1100 متر. وهناك أيضاً منطقة عازلة في شبه جزيرة سيناء حسب الملحق الأمني لاتفاقية كامب ديفيد. وأخيراً وليس آخراً، ألقى قبل أيام رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، خلال تخريج دفعة من الضباط، خطاباً سياسياً لافتاً حدّد فيه منطقة عازلة جديدة في جنوب سوريا تشمل كلاً من السويداء والقنيطرة ودرعا. فما الهدف من مثل هذه المنطقة في المنطق الجيوسياسي لنتنياهو؟

آلية إسرائيلية في المنطقة العازلة بين إسرائيل وسوريا في الجولان المحتل (أ.ف.ب)

تشير تقارير تحليلية إلى أن السبب يعود إلى 3 أمور أساسية في حسابات رئيس الوزراء الإسرائيليّ، وهي: 1-حصول السيناريو السيّئ في سوريا، وبدء تشكّل ميليشيات تقاتل إسرائيل انطلاقاً من الأراضي السورية، بسبب عدم قدرة المركز على ضبط كل الأراضي السورية، 2- الدور التركي المتزايد مع القيادة السورية الحالية والمقلق لإسرائيل، خصوصاً بعد أن اقترحت لجنة البروفسور جاكوب ناجل في تقريرها للحكومة الإسرائيليّة أنه يجب الاستعداد للصدام مع تركيا مباشرة بسبب ما يعتبره الإسرائيليون أطماعاً إمبراطوريّة لحكومة الرئيس رجب طيب إردوغان، وأخيراً، السعي لإقامة علاقات جيدة لإسرائيل مع المجموعات البشرية المختلفة في جنوب سوريا، وهو أمر جاهر به عدد من المسؤولين في تل أبيب.


مقالات ذات صلة

وزير الخارجية السعودي يناقش في اتصالات هاتفية أوضاع المنطقة

الخليج وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان (الشرق الأوسط)

وزير الخارجية السعودي يناقش في اتصالات هاتفية أوضاع المنطقة

ناقش وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، تطورات المنطقة مع نظرائه البحريني عبد اللطيف الزياني والروسي سيرغي لافروف والباكستاني محمد إسحاق دار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج الأمير خالد بن سلمان وزير الدفاع السعودي (الشرق الأوسط)

السعودية والأردن تؤكدان دعمهما لإجراءات حفظ الأمن والاستقرار

أكدت السعودية والأردن دعمهما ومساندتهما لما يُتخذ من إجراءات لحفظ أمن واستقرار البلدين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

تحليل إخباري هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة...

أنطوان الحاج
تحليل إخباري لقطة من فيديو نشرته «سينتكوم» لإطلاق صاروخ «كروز» من إحدى المدمرات الأميركية على إيران (أ.ف.ب)

تحليل إخباري إيران بين الصمود تحت النار والمعركة على «اليوم التالي»

بعد سبعة أيام على الحرب، لم يعد السؤال الأهم حجم ما خسرته إيران، بل ما إذا كانت واشنطن وتل أبيب قادرتين على تحويل التفوق العسكري إلى انهيار سياسي في إيران.

إيلي يوسف (واشنطن)
آسيا تصاعد الدخان من الجانب الأفغاني بينما تتوقف الشاحنات على جانب الطريق في أعقاب اشتباكات عبر الحدود بين القوات الباكستانية والأفغانية بالقرب من معبر تورخم الحدودي (أ.ب) p-circle

انفجاران يهزّان جلال آباد شرق أفغانستان... وباكستان تنفي تحطم مقاتلة لها

هزّ انفجاران قويّان مدينة جلال آباد شرق أفغانستان، صباح اليوم (السبت)، بعد يوم على قصف باكستاني طال كابل ومدناً أفغانية كبرى.

«الشرق الأوسط» (جلال آباد (أفغانستان))

قائد الشرطة الإيرانية محذراً من التظاهر ضد النظام: أصابعنا على الزناد

أفراد من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - أ.ب)
أفراد من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - أ.ب)
TT

قائد الشرطة الإيرانية محذراً من التظاهر ضد النظام: أصابعنا على الزناد

أفراد من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - أ.ب)
أفراد من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - أ.ب)

حذّر قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان المواطنين من التظاهر للمطالبة بتغيير النظام، بعد أن دعا رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو الإيرانيين إلى الانتفاض ضد القيادة الإيرانية.

وقال أحمد رضا رادان، في التلفزيون الرسمي: «أي شخص يخرج إلى الشوارع بناء على طلب العدو لن نعدّه بعد الآن محتجاً، بل سنراه عدواً ونتعامل معه على هذا الأساس». وأضاف قائد الشرطة: «جميع قواتنا على أهبة الاستعداد وأصابعها على الزناد».

وكان نتنياهو قد دعا الإيرانيين في وقت سابق إلى التمرد على حكومتهم، واصفاً الحرب التي تشنها إسرائيل والولايات المتحدة بأنها «حرب تاريخية من أجل الحرية»، وفق رسالة وجهها إلى الشعب الإيراني.

عناصر من الشرطة الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

وكتب نتنياهو: «هذه فرصة لا تتكرر إلا مرة واحدة في العمر لإسقاط نظام آية الله ونيل حريتكم»، مضيفاً: «طلبتم المساعدة وقد جاءتكم».

كما شجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الإيرانيين مراراً على اعتبار الهجمات الأميركية-الإسرائيلية فرصة للإطاحة بالقيادة في طهران.


نجل الرئيس: المرشد الجديد لإيران «بخير» رغم إصابته في الحرب

المرشد الجديد لإيران مجتبى خامنئي خلال حضوره تجمعاً حاشداً في طهران 31 مايو 2019 (رويترز)
المرشد الجديد لإيران مجتبى خامنئي خلال حضوره تجمعاً حاشداً في طهران 31 مايو 2019 (رويترز)
TT

نجل الرئيس: المرشد الجديد لإيران «بخير» رغم إصابته في الحرب

المرشد الجديد لإيران مجتبى خامنئي خلال حضوره تجمعاً حاشداً في طهران 31 مايو 2019 (رويترز)
المرشد الجديد لإيران مجتبى خامنئي خلال حضوره تجمعاً حاشداً في طهران 31 مايو 2019 (رويترز)

أكد نجل الرئيس الإيراني، اليوم (الأربعاء)، أن المرشد الجديد مجتبى خامنئي «بخير» رغم التقارير التي تحدثت عن إصابته في الحرب ضد إسرائيل والولايات المتحدة.

وقال يوسف بزشكيان، وهو مستشار للحكومة، في منشور على قناته بـ«تلغرام»: «سمعت الأنباء التي تفيد بأن السيد مجتبى خامنئي أُصيب. سألت بعض الأصدقاء الذين لديهم شبكة واسعة من العلاقات. قالوا إنه، والحمد لله، بخير».

وبعد إعلان انتخاب مجتبى خامنئي خلفاً لوالده علي خامنئي الذي قُتل في اليوم الأول للحرب في 28 فبراير (شباط)، بث التلفزيون الرسمي تقريراً عن أبرز محطات حياته، قائلا إنه «جريح حرب رمضان» الجارية.


الحرب تزداد ضراوة... والأنظار على «هرمز»


فرق الإنقاذ تعمل في موقع تضرر جراء غارة جوية أميركية ــ إسرائيلية في «ميدان رسالت» بطهران أمس (د.ب.أ)
فرق الإنقاذ تعمل في موقع تضرر جراء غارة جوية أميركية ــ إسرائيلية في «ميدان رسالت» بطهران أمس (د.ب.أ)
TT

الحرب تزداد ضراوة... والأنظار على «هرمز»


فرق الإنقاذ تعمل في موقع تضرر جراء غارة جوية أميركية ــ إسرائيلية في «ميدان رسالت» بطهران أمس (د.ب.أ)
فرق الإنقاذ تعمل في موقع تضرر جراء غارة جوية أميركية ــ إسرائيلية في «ميدان رسالت» بطهران أمس (د.ب.أ)

تزداد الحرب بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ضراوة، فيما تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز في ظل التهديدات المتبادلة بشأن أمن الملاحة في الممر النفطي الحيوي.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء أمس، إنه إذا ​تم زرع ألغام ‌لأي ‌سبب ​من ‌الأسباب في مضيق هرمز ولم ​تتم إزالتها على ‌الفور ‌فإن ​العواقب ‌العسكرية على ‌إيران ‌ستكون على مستوى لم يسبق له ​مثيل ​من ​قبل. وصدر موقفه وسط معلومات عن تحضير إيران لنشر ألغام في المضيق.

في غضون ذلك، دعا أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني، الرئيس ترمب إلى «الانتباه لنفسه كي لا يتم استهدافه»، رداً على تهديده بضرب إيران «أقوى بعشرين مرة» إذا مست الملاحة النفطية في «هرمز». وقال لاريجاني إن المضيق قد يتحول إلى «مضيق اختناق للحالمين بالحرب».

وشدد رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف على أن إيران لا تسعى إلى وقف النار، مؤكداً أن بلاده سترد فوراً من مبدأ «العين بالعين» إذا جرى استهداف بنيتها التحتية. كما قال «الحرس الثوري» إن أي سفينة حربية أميركية «لم تتجرأ» على الاقتراب من «هرمز» خلال الحرب، وأضاف أن أي تحرك أميركي «ستوقفه الصواريخ والطائرات المسيّرة».

بدوره، حذر الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، أمين الناصر، من أن استمرار إغلاق مضيق هرمز لفترة أطول يمكن أن يؤدي إلى عواقب كارثية على أسواق النفط ‌العالمية.

واستمرت الغارات الأميركية - الإسرائيلية على منشآت عسكرية وبنى تحتية في طهران، فيما ردت إيران بهجمات مستخدمة صواريخ ومسيّرات.

وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية الجنرال دان كين، إن القوات الأميركية استهدفت نحو 5000 هدف في إيران منذ بدء الحملة العسكرية، وأغرقت أو دمرت أكثر من 50 سفينة حربية إيرانية، مشيراً إلى أن إطلاق الصواريخ الباليستية الإيرانية تراجع بنحو 90 في المائة. وأكد وزير الدفاع بيت هيغسيث أن ضربات أمس قد تكون «الأكثر كثافة» منذ بدء الحرب.