حرب أعصاب... قصة الساعات الأخيرة قبل موافقة إسرائيل على الصفقة

نتنياهو تعهّد لسموتريتش بالعودة إلى الحرب بعد انتهاء المرحلة الأولى وشنّ حملة كبيرة في الضفة

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
TT

حرب أعصاب... قصة الساعات الأخيرة قبل موافقة إسرائيل على الصفقة

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)

بعد حرب أعصاب عاشها ملايين الإسرائيليين الفلسطينيين في اليومين الماضيين لمعرفة هل ستوافق تل أبيب فعلاً على صفقة التهدئة في غزة، أقر المجلس الوزاري المصغر (الكابنيت)، بقيادة بنيامين نتنياهو، اتفاق وقف النار «المستدام» وتبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة «حماس». ولم يبق سوى تصويت الحكومة على الصفقة حتى تنطلق يوم الأحد.

لكن هذا التطور الإيجابي لا يُريح أصحاب الشأن، كما يبدو. فقد بات واضحاً أن كل بند سيُنفّذ في هذه الصفقة سيترافق مع شد أعصاب آخر، لأن أحداً لا يثق بأن الفرقاء مخلصون في التوجه إلى الصفقة، بل كثيرون منهم يشعرون بأنهم مرغمون عليها. وفي اليمين المتطرف في تل أبيب، قال محرر «القناة 14»، أريه سيجال، المقرب جداً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «الرئيس الأميركي (المنتخب) دونالد ترمب صدمنا. عملياً فرض علينا الصفقة بالقوة».

بدأت حرب الأعصاب بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس دونالد ترمب، مساء يوم الأربعاء، في منشور على حسابه في منصة «تروث سوشيال»: «لقد توصلنا إلى اتفاق بشأن الرهائن في الشرق الأوسط»، وهو إعلان أتبعه الرئيس المنتهية ولايته، جو بايدن، بإعلان مماثل. فقد كان المفترض أن يعلن رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رسمياً عن التوصل إلى اتفاق. لكن إعلانه تأخر. وفي الوفد الأميركي المشارك في مفاوضات التهدئة في الدوحة، صُعق المفاوضون من هذا التطور ولم يصدقوا أن الصفقة أصبحت في خطر بسبب «أمور تافهة»، حسب رأيهم. وراحوا يديرون اتصالات مكثفة مطعّمة بتهديدات شديدة للطرف الفلسطيني وتذمر شديد للطرف الإسرائيلي. وطلبوا إنهاء الخلافات فوراً. وبالفعل، خرج المسؤول القطري بإعلانه الرسمي عن اتفاق وقف النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، لكنه قال إن المفاوضين سيبقون في الدوحة لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، وهو الأمر الذي بعث الهدوء بعض الشيء.

وفي تل أبيب، أُعلن أن «الكابنيت» سيجتمع في الحادية عشرة من ظهر الخميس ويتلوه اجتماع للحكومة، لإقرار صفقة غزة. ولكن، في الساعة الثالثة من فجر يوم الخميس، اتصل رئيس الفريق الإسرائيلي إلى المفاوضات في الدوحة، رئيس جهاز الموساد دافيد برنياع، برئيس الحكومة، نتنياهو، وأيقظه ليبلغه بأن «مشكلة ظهرت في اللحظة الأخيرة». وحسب رواية مكتب نتنياهو، فإن «حماس» التي تعهّدت بإعطاء حق فيتو إسرائيلي على هوية جزء من كبار الأسرى الذين سيتم إطلاق سراحهم في الصفقة، تراجعت عن ذلك. وتصر على أن يكون بينهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات وإبراهيم حامد وعبد الله البرغوثي وعباس السيد وغيرهم من الذين يُعدون من أبرز قادة الحركة الأسيرة الفلسطينية.

رد نتنياهو بأن أعطى أمراً للبعثة في الدوحة بالتصميم على رفض مطالب «حماس». ومع بزوغ الصباح، ظهرت عوائق أخرى، إذ أبلغت «حماس» أن الخرائط التي قُدمت إليها حول الانسحاب الإسرائيلي من مناطق في قطاع غزة ناقصة وغير واضحة. فأعلنت إسرائيل إلغاء الاجتماعَيْن («الكابنيت» والحكومة).

وحتى ساعات مساء الخميس، كان الوسطاء الأميركيون والقطريون والمصريون يبذلون جهوداً كبيرة للتغلب على الخلافات، في حين كان العالم يضج ويوزّع الاتهامات. وتمّ إرسال خرائط جديدة إلى «حماس» التي تنازلت، في المقابل، عن شروط كانت قد وضعتها في موضوع الأسرى.

ولكن، عندما بدا أن الإشكاليات قد انتهت، خرج قادة اليمين المتطرف في إسرائيل بمواقف تعرقل الصفقة. فقد أعلن وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، أنه لن يوافق على الصفقة، وإذا تمت المصادقة عليها في إسرائيل فسينسحب من الحكومة. وتوجه إلى شريكه في الانتخابات الأخيرة، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لينضم إليه. في المقابل، راح نتنياهو يؤخّر اجتماع «الكابنيت» ودخل في مفاوضات مضنية مع سموتريتش، علماً بأنه اجتمع به ثماني مرات خلال ثلاثة أيام، وهذا بعد عشرات الاجتماعات معه ومع بن غفير في الأيام التي سبقت.

صور رهائن إسرائيليين في غزة على جدار أمام مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية في تل أبيب الجمعة (إ.ب.أ)

وكان سموتريتش يصر على معارضة الصفقة حتى اللحظة الأخيرة، لكنه ابتزّ نتنياهو بطريقة وصفها أحد المعلقين بأنها «نوع من مص الدم»، لافتاً إلى أن سموتريتش تصرّف كـ«مارد شبّ على صاحبه»، إذ إن نتنياهو هو الذي عمل على توحيد اليمين في كتلة واحدة تضم سموتريتش وبن غفير حصلت على 14 مقعداً في الانتخابات الأخيرة.

في نهاية المفاوضات، اتفق نتنياهو مع سموتريتش على استئناف الحرب ضد «حماس» بعد انتهاء المرحلة الأولى من الصفقة، أي بعد 42 يوماً، وعلى القيام بحملة عسكرية كبيرة في الضفة الغربية لتصفية ما سماه الإرهاب الفلسطيني. وقدّم له رزمة «هدايا» أخرى، عُرف منها حتى الآن: أن يكون شريكاً في القرار حول هوية رئيس أركان الجيش القادم الذي سيحل محل هرتسي هليفي بعد دفعه إلى الاستقالة، وأن يمرر قرارات لتوسيع الاستيطان بـ10 آلاف بيت جديد، وأن يضع خطة لفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات في الضفة الغربية.

وفقط عندئذٍ، وقّع الوفد الإسرائيلي في الدوحة على الاتفاق. واجتمع «الكابنيت» قبيل ظهر الجمعة، ثم الحكومة بعد الظهر لإقرار الصفقة وإطلاقها. وأعلن نتنياهو أن الدفعة الأولى من المحتجزين لدى «حماس» سيُطلق سراحهم يوم الأحد؛ بحيث يصل عدد المحتجزين المحررين في نهاية الأسابيع الستة المقبلة 33 شخصاً. ويبقى هناك 65 محتجزاً، هم الجنود والضباط والمدنيون الذكور تحت سن الخمسين. ويفترض أن تبدأ مفاوضات بعد 16 يوماً حول المرحلة الثانية من الاتفاق.

لكن الأمور لا تبدو سالكة بهذه السهولة، خصوصاً بعد تعهدات نتنياهو لسموتريتش وخطر استئناف الحرب وتوسيعها إلى الضفة الغربية لإرضاء اليمين المتطرف. وتطرح أسئلة عديدة حول رد فعل ترمب على هذا السلوك وهل سيتحمله كما تحمله بايدن.

بيد أن حرب الأعصاب الأشد، في هذه المعمعة، ستكون لدى أفراد عائلات المحتجزين الإسرائيليين لدى «حماس». فهؤلاء يعيشون حرب أعصاب خاصة بهم، ولا يصدّقون ما تراه عيونهم المتعبة من تصرفات قياداتهم السياسية والعسكرية من تلاعب بمشاعرهم واستخفاف بمعاناتهم، حسب رأيهم، خصوصاً أنهم يشعرون بأن هذه القيادة تعيش في اغتراب عنهم ولا تحس بهم. يتهم هؤلاء قيادة بلادهم بأنه لا يزعجها تأجيل الصفقة يوماً أو شهراً أو سنة، لكي تحقق مكاسب سياسية وحزبية وشخصية. ولم يعد لديهم حرج في اتهام الحكومة بجريمة التسبب في قتل أبنائهم المحتجزين والأسرى وإطلاق تعابير مثل «حكومة مجرمة». ويطرحون السؤال الذي يقض مضاجع الجيش والمجتمع الإسرائيلي بأسره: «كيف سيحارب أولادنا الآن، وهم يعرفون جيداً أنهم في حال الوقوع بالأسر، فإن هذه القيادات ستهملهم كما أهملت أولادنا وتسبّبت بمقتل 33 شخصاً منهم داخل الأسر؟».


مقالات ذات صلة

«حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

خاص طفل يبحث عن البلاستيك في مكب نفايات بمدينة غزة (أ.ب) p-circle

«حصر السلاح وتخزينه وليس تسليمه»... صيغة تجمع فصائل غزة والوسطاء على اتفاق

أكدت 3 مصادر فلسطينية التوصل إلى ما وصفته بـ«صياغات مناسبة» بين ممثلي فصائل غزة المجتمعة في القاهرة والوسطاء من مصر وقطر وتركيا، حول «السلاح» في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم تصاعد الدخان جرَّاء هجوم روسي على مدينة خاركيف الأوكرانية (أ.ف.ب)

تقرير: النزاعات العالمية بلغت ذروتها في 2025

سجَّل عام 2025 رقماً قياسياً في عدد النزاعات المسلحة بين الدول، هو الأعلى منذ الحرب العالمية الثانية.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
المشرق العربي وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في وسط الصورة (أ.ف.ب) p-circle

معاملة نشطاء «أسطول غزة» تستدعي تحقيقاً إيطالياً بحق بن غفير

فتحت السلطات الإيطالية تحقيقاً مع وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، بشأن معاملة نشطاء أسطول المساعدات المتجه إلى غزة في منتصف مايو (أيار).

«الشرق الأوسط» (روما)
خاص الفلسطيني يوسف سلمان يحمل الحقيبة المدرسية لابنه جاد (8 سنوات) بعد مقتله في غارة إسرائيلية على مخيم جباليا للاجئين بمدينة غزة الاثنين (رويترز) p-circle

خاص «توافق» بين فصائل غزة على مقترح الوسطاء لـ«حصر السلاح»

أظهرت إفادات من مصادر فلسطينية إحراز «توافق» بين الفصائل المشاركة في لقاءات القاهرة على مقترح وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، بشأن «حصر السلاح» في القطاع.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يشيعون جثمان أحد ضحايا غارة جوية إسرائيلية في خان يونس جنوب غزة الأحد (أ.ب)

«حصر السلاح» يتصدّر بنود الوسطاء لفصائل غزة

قالت مصادر من فصائل فلسطينية عدة، يجتمع ممثلوها في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن قضية «حصر السلاح» في غزة باتت في مقدمة بنود المقترح المقدم من الوسطاء بشأن.

«الشرق الأوسط» (غزة)

غارات أميركية على إيران رداً على إسقاط الـ«أباتشي»

مقاتلتان من طراز الشبح F-35A تابعتان للقوات الجوية الأميركية أثناء تحليقهما في أجواء الشرق الأوسط  («سنتكوم»)
مقاتلتان من طراز الشبح F-35A تابعتان للقوات الجوية الأميركية أثناء تحليقهما في أجواء الشرق الأوسط («سنتكوم»)
TT

غارات أميركية على إيران رداً على إسقاط الـ«أباتشي»

مقاتلتان من طراز الشبح F-35A تابعتان للقوات الجوية الأميركية أثناء تحليقهما في أجواء الشرق الأوسط  («سنتكوم»)
مقاتلتان من طراز الشبح F-35A تابعتان للقوات الجوية الأميركية أثناء تحليقهما في أجواء الشرق الأوسط («سنتكوم»)

نفذت القوات الأميركية ضربات على إيران، رداً على إسقاط طهران مروحية أميركية من طراز «أباتشي»، بحسب ما أفادت القيادة المركزية.

وقالت «سنتكوم» في منشور على منصة «إكس»، إنّ القوات الأميركية بدأت «شن ضربات دفاعا عن النفس ضد إيران في الساعة الخامسة مساء بتوقيت شرق الولايات المتحدة اليوم، وذلك بتوجيه من القائد العام، ردا على إسقاط مروحية أباتشي تابعة للجيش الأميركي يوم أمس».

وأضافت: «تُعد هذه المهمة ردا متناسبا على عدوان إيراني غير مبرر».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب اتهم إيران في وقت سابق الثلاثاء، بأنّها أسقطت المروحية الأميركية في مضيق هرمز في اليوم السابق، مؤكدا أنّ الولايات المتحدة سترد على ذلك.


«أباتشي هرمز» تهدد مسار الاتفاق

عناصر من مشاة «البحرية» الأميركية التابعة للوحدة الاستكشافية 31 يصعدون إلى مروحية «يو إتش-1 واي فينوم» على متن السفينة «يو إس إس تريبولي» خلال تدريبات على القنص الجوي والإسناد القريب أثناء الإبحار بمياه المنطقة (سنتكوم)
عناصر من مشاة «البحرية» الأميركية التابعة للوحدة الاستكشافية 31 يصعدون إلى مروحية «يو إتش-1 واي فينوم» على متن السفينة «يو إس إس تريبولي» خلال تدريبات على القنص الجوي والإسناد القريب أثناء الإبحار بمياه المنطقة (سنتكوم)
TT

«أباتشي هرمز» تهدد مسار الاتفاق

عناصر من مشاة «البحرية» الأميركية التابعة للوحدة الاستكشافية 31 يصعدون إلى مروحية «يو إتش-1 واي فينوم» على متن السفينة «يو إس إس تريبولي» خلال تدريبات على القنص الجوي والإسناد القريب أثناء الإبحار بمياه المنطقة (سنتكوم)
عناصر من مشاة «البحرية» الأميركية التابعة للوحدة الاستكشافية 31 يصعدون إلى مروحية «يو إتش-1 واي فينوم» على متن السفينة «يو إس إس تريبولي» خلال تدريبات على القنص الجوي والإسناد القريب أثناء الإبحار بمياه المنطقة (سنتكوم)

هددت عملية إسقاط طائرة مروحية أميركية متطورة من طراز «إيه إتش-64 أباتشي»، في أثناء دورية فوق مضيق هرمز، بتعقيد مسار التفاهم الأميركي - الإيراني، بينما حمّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب طهران مسؤولية العملية، مؤكداً أن بلاده «يجب أن ترد».

وقال ترمب إن طياريْ الطائرة المروحية «بخير ولم يصابا بأذى»، في حين أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» أن المروحية سقطت قبالة سواحل عُمان، وأن زورقاً مسيّراً بطول 24 قدماً عثر على فردَي الطاقم ونقلهما إلى الشاطئ خلال نحو ساعتين. من جهته، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن القوات الأجنبية الموجودة قرب الأراضي الإيرانية تتعرض «لخطر دائم بسبب أخطائها البشرية أو الحوادث البحتة أو احتمال وقوعها في مرمى إطلاق النار»، بحسب ما كتب في منشور على منصة «إكس».

وجاء الحادث بعد ساعات من تأكيد ترمب أن المفاوضات مع إيران دخلت «المراحل الأخيرة»، وأن اتفاقاً «جيداً جداً» قد ينجز خلال «يومين أو ثلاثة»، مع توقعه تحقيق «نصر كامل» على إيران خلال أسبوعين وانخفاض أسعار النفط.

وأقر نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس بتباعد محتمل بين مصالح واشنطن وتل أبيب، مشدداً على أن أي اتفاق سيحتاج إلى «تدابير تحقق صارمة»؛ لأن الولايات المتحدة لن تفترض أن طهران «تتصرف بحسن نية».

في المقابل، قال السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني إن طهران وواشنطن لم تصلا بعد إلى نص نهائي، لكنهما تواصلان العمل على تفاهم محتمل قبل نهاية شهر يونيو (حزيران) الحالي.


لماذا خاطرت إيران بمهاجمة إسرائيل؟

غارة إسرائيلية قرب قلعة الشقيف التاريخية كما بدت من النبطية في جنوب لبنان 4 يونيو 2026 (نيويورك تايمز)
غارة إسرائيلية قرب قلعة الشقيف التاريخية كما بدت من النبطية في جنوب لبنان 4 يونيو 2026 (نيويورك تايمز)
TT

لماذا خاطرت إيران بمهاجمة إسرائيل؟

غارة إسرائيلية قرب قلعة الشقيف التاريخية كما بدت من النبطية في جنوب لبنان 4 يونيو 2026 (نيويورك تايمز)
غارة إسرائيلية قرب قلعة الشقيف التاريخية كما بدت من النبطية في جنوب لبنان 4 يونيو 2026 (نيويورك تايمز)

للوهلة الأولى، قد يبدو الرد الإيراني على الهجمات الإسرائيلية في لبنان عملاً متهوراً يهدد بإشعال حرب إقليمية مدمرة من جديد. لكن بالنسبة لإيران، كانت تلك الضربات ضرورية، بوصفها جزءاً من نهج أكثر هجومية يعكس تحولاً استراتيجياً لدى حكامها الجدد. وبالنسبة لهم، كان الدرس المستخلص من الحرب أن الرد القوي سمح لهم بالبقاء، بل وحتى الخروج بأوراق قوة في مواجهة خصومهم الأكثر تفوقاً.

وقال أوميد ميماريان، الخبير في الشأن الإيراني لدى مركز «داون» للأبحاث في واشنطن: «تريد إيران إظهار القوة وإثبات أن لديها القدرة على التصعيد». وأضاف: «إنهم يبعثون برسالة مفادها بأنهم مستعدون لاستئناف الحرب إذا لزم الأمر».

وعلى مدى العقد الماضي، في عهد المرشد الإيراني السابق علي خامنئي، كانت البلاد أكثر حذراً في استهداف إسرائيل والولايات المتحدة. ففي عام 2020، اكتفت إيران بردود محدودة على واشنطن بعد أن اغتالت الولايات المتحدة أحد أبرز قادتها العسكريين، قاسم سليماني. كما حصرت ردها بالكامل خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران) العام الماضي بضربات استهدفت قاعدة أميركية واحدة في قطر.

وخلال الأسابيع الأخيرة، تحمّل المسؤولون الإيرانيون إلى حد كبير الضربات الإسرائيلية ضد أبرز حلفائهم، جماعة «حزب الله» اللبنانية المسلحة. واكتفت طهران بانتقاد تلك الهجمات، محذرة من ضرورة شمول الحزب بوقف إطلاق النار الإقليمي الذي اتفقت عليه مع واشنطن في أبريل (نيسان). لكن طالما بقيت الضربات الإسرائيلية محصورة في جنوب لبنان، لم ترد إيران.

إيران تطلق صواريخ باتجاه إسرائيل في موقع غير معروف في صورة ثابتة مأخوذة من مقطع فيديو نُشر 7 يونيو (رويترز)

وحذرت إيران من أن هذه الحسابات ستتغير إذا وسعت إسرائيل ضرباتها إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث يهيمن «حزب الله». وهذا ما فعلته إسرائيل يوم الأحد.

وقال صادق لاريجاني، رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو هيئة نافذة تقدم المشورة للمرشد الإيراني، إن «هجوم إيران دفاعاً عن لبنان لم يكن مجرد رد عسكري، بل كان إعلاناً رسمياً لعقيدة استراتيجية».

وأضاف: «إذا تعرض أي مكوّن من محور المقاومة لهجوم، فإن الرد سيتجاوز الحدود الجغرافية وسيغير ميزان القوى الإقليمي»، مستخدماً مصطلح إيران للشبكة الإقليمية من الجماعات المسلحة الحليفة، ومن بينها «حزب الله».

ومن خلال هذه التحركات، تريد إيران أن تظهر جديتها في الدفاع عن حلفائها الإقليميين. وقد تضررت هذه الصورة في عهد القيادة السابقة عندما امتنعت طهران عن الرد على الهجمات الإسرائيلية عام 2024 التي أضعفت «حزب الله» بشدة وأدت إلى مقتل أمينه العام حسن نصر الله.

ومنذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران في فبراير (شباط)، والتي أسفرت عن مقتل جزء كبير من القيادة الإيرانية السابقة، بما في ذلك خامنئي، بات الحكام الجدد في طهران يعتبرون أن استعدادهم للتحرك بصورة أكثر هجومية يمثل نجاحاً كبيراً.

ويرى محللون أن هذا النهج الأكثر تشدداً سمح لإيران ليس فقط بالبقاء في مواجهة الهجمات الأميركية والإسرائيلية، بل أيضاً بإلحاق ضرر اقتصادي بخصومها والخروج بأوراق ضغط استراتيجية عبر السيطرة على المضيق، وهو أحد أهم ممرات شحن النفط والغاز في العالم.

كما وجد القادة الجدد في إيران أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أكثر استجابة لهذه الاستراتيجية الأكثر هجومية. ففي الأسبوع الماضي، أقنع إسرائيل بعدم ضرب بيروت. ثم عاد، الاثنين، وبعد الضربات الإسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية والرد الإيراني، ودعا الطرفين إلى التراجع.

وبعد تصريحات ترمب، أعلن «الحرس الثوري» سريعاً وقف هجماته، لكنه أشار إلى أنه قد يعاود الهجوم إذا واصلت إسرائيل غاراتها على جنوب لبنان، وهو احتمال يبدو شبه مؤكد.

ويرى ميماريان أن مثل هذه الضربات تمنح إيران أيضاً فرصة لاختبار العلاقة بين ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وقال: «إنهم يدركون وجود فجوة بين الأهداف الإسرائيلية والأميركية»، مضيفاً: «يريدون الضغط على ترمب لاحتواء إسرائيل».

لكن الدفاع عن «حزب الله» لا يتعلق فقط بالاختبار أو استعراض القوة. فبحسب حميد رضا عزيزي، الباحث الإيراني المتخصص في الشؤون الأمنية لدى المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، «ترى طهران أن قدرة الحزب على مواصلة مهاجمة شمال إسرائيل خلال الحرب الأخيرة كانت ضرورية لمنح إيران هامشاً يسمح لها بتركيز هجماتها على جيرانها الخليجيين الأغنياء بالنفط».

وأضاف أن السماح لإسرائيل بإضعاف «حزب الله» أكثر سيكون مكلفاً عسكرياً لإيران في أي صراع مستقبلي تعتبره طهران حتمياً.

كما رأت إيران أن الرد كان ضرورياً لأنها تعتبر الضربات الإسرائيلية جزءاً من استراتيجية أميركية - إسرائيلية تهدف إلى تقويض المكاسب الاستراتيجية التي حققتها طهران خلال الحرب الأخيرة بهدوء، بينما تحاول في الوقت نفسه التفاوض مع واشنطن للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب.

وعلى مدى أسابيع، كانت القوات الأميركية ترافق السفن بهدوء عبر مضيق هرمز. ويصف كثير من المحللين ذلك بأنه محاولة أميركية لتخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي، مع زيادة الضغط الاقتصادي على إيران عبر تعزيز الحصار على سفنها. وتخشى طهران أن تكون الجهود الإسرائيلية لإضعاف «حزب الله» جزءاً آخر من هذه الاستراتيجية.

وقال عزيزي إن الإيرانيين يعتقدون أن الولايات المتحدة وإسرائيل «تستخدمان وقف إطلاق النار لإعادة تشكيل الوقائع على الأرض بطريقة تقوض النفوذ الذي حققته إيران خلال هذه الحرب».

كما أن استعداد إيران للرد بقوة يعكس مدى اقتناعها بأن ترمب، الذي يستعد لاستضافة مباريات كأس العالم ويواجه أزمة اقتصادية عالمية متفاقمة قبل انتخابات التجديد النصفي هذا الخريف، لن ينخرط مجدداً في حرب واسعة.

وقال فرزان ثابت، الباحث في الشأن الإيراني لدى معهد الدراسات العليا في جنيف: «إنهم لا يعتقدون أن ترمب سيذهب إلى الحرب». وأضاف: «لكن حتى لو فعل، فهم واثقون إلى حد بعيد من قدرتهم على احتواء الأمر».

*خدمة «نيويورك تايمز»