حرب أعصاب... قصة الساعات الأخيرة قبل موافقة إسرائيل على الصفقة

نتنياهو تعهّد لسموتريتش بالعودة إلى الحرب بعد انتهاء المرحلة الأولى وشنّ حملة كبيرة في الضفة

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
TT

حرب أعصاب... قصة الساعات الأخيرة قبل موافقة إسرائيل على الصفقة

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)
رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابنيت» الإسرائيلي لإقرار صفقة غزة الجمعة (المركز الإعلامي الحكومي الإسرائيلي - د.ب.أ)

بعد حرب أعصاب عاشها ملايين الإسرائيليين الفلسطينيين في اليومين الماضيين لمعرفة هل ستوافق تل أبيب فعلاً على صفقة التهدئة في غزة، أقر المجلس الوزاري المصغر (الكابنيت)، بقيادة بنيامين نتنياهو، اتفاق وقف النار «المستدام» وتبادل الأسرى بين إسرائيل وحركة «حماس». ولم يبق سوى تصويت الحكومة على الصفقة حتى تنطلق يوم الأحد.

لكن هذا التطور الإيجابي لا يُريح أصحاب الشأن، كما يبدو. فقد بات واضحاً أن كل بند سيُنفّذ في هذه الصفقة سيترافق مع شد أعصاب آخر، لأن أحداً لا يثق بأن الفرقاء مخلصون في التوجه إلى الصفقة، بل كثيرون منهم يشعرون بأنهم مرغمون عليها. وفي اليمين المتطرف في تل أبيب، قال محرر «القناة 14»، أريه سيجال، المقرب جداً من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو: «الرئيس الأميركي (المنتخب) دونالد ترمب صدمنا. عملياً فرض علينا الصفقة بالقوة».

بدأت حرب الأعصاب بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس دونالد ترمب، مساء يوم الأربعاء، في منشور على حسابه في منصة «تروث سوشيال»: «لقد توصلنا إلى اتفاق بشأن الرهائن في الشرق الأوسط»، وهو إعلان أتبعه الرئيس المنتهية ولايته، جو بايدن، بإعلان مماثل. فقد كان المفترض أن يعلن رئيس وزراء قطر الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، رسمياً عن التوصل إلى اتفاق. لكن إعلانه تأخر. وفي الوفد الأميركي المشارك في مفاوضات التهدئة في الدوحة، صُعق المفاوضون من هذا التطور ولم يصدقوا أن الصفقة أصبحت في خطر بسبب «أمور تافهة»، حسب رأيهم. وراحوا يديرون اتصالات مكثفة مطعّمة بتهديدات شديدة للطرف الفلسطيني وتذمر شديد للطرف الإسرائيلي. وطلبوا إنهاء الخلافات فوراً. وبالفعل، خرج المسؤول القطري بإعلانه الرسمي عن اتفاق وقف النار وتبادل الأسرى والمحتجزين، لكنه قال إن المفاوضين سيبقون في الدوحة لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق، وهو الأمر الذي بعث الهدوء بعض الشيء.

وفي تل أبيب، أُعلن أن «الكابنيت» سيجتمع في الحادية عشرة من ظهر الخميس ويتلوه اجتماع للحكومة، لإقرار صفقة غزة. ولكن، في الساعة الثالثة من فجر يوم الخميس، اتصل رئيس الفريق الإسرائيلي إلى المفاوضات في الدوحة، رئيس جهاز الموساد دافيد برنياع، برئيس الحكومة، نتنياهو، وأيقظه ليبلغه بأن «مشكلة ظهرت في اللحظة الأخيرة». وحسب رواية مكتب نتنياهو، فإن «حماس» التي تعهّدت بإعطاء حق فيتو إسرائيلي على هوية جزء من كبار الأسرى الذين سيتم إطلاق سراحهم في الصفقة، تراجعت عن ذلك. وتصر على أن يكون بينهم مروان البرغوثي وأحمد سعدات وإبراهيم حامد وعبد الله البرغوثي وعباس السيد وغيرهم من الذين يُعدون من أبرز قادة الحركة الأسيرة الفلسطينية.

رد نتنياهو بأن أعطى أمراً للبعثة في الدوحة بالتصميم على رفض مطالب «حماس». ومع بزوغ الصباح، ظهرت عوائق أخرى، إذ أبلغت «حماس» أن الخرائط التي قُدمت إليها حول الانسحاب الإسرائيلي من مناطق في قطاع غزة ناقصة وغير واضحة. فأعلنت إسرائيل إلغاء الاجتماعَيْن («الكابنيت» والحكومة).

وحتى ساعات مساء الخميس، كان الوسطاء الأميركيون والقطريون والمصريون يبذلون جهوداً كبيرة للتغلب على الخلافات، في حين كان العالم يضج ويوزّع الاتهامات. وتمّ إرسال خرائط جديدة إلى «حماس» التي تنازلت، في المقابل، عن شروط كانت قد وضعتها في موضوع الأسرى.

ولكن، عندما بدا أن الإشكاليات قد انتهت، خرج قادة اليمين المتطرف في إسرائيل بمواقف تعرقل الصفقة. فقد أعلن وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، أنه لن يوافق على الصفقة، وإذا تمت المصادقة عليها في إسرائيل فسينسحب من الحكومة. وتوجه إلى شريكه في الانتخابات الأخيرة، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، لينضم إليه. في المقابل، راح نتنياهو يؤخّر اجتماع «الكابنيت» ودخل في مفاوضات مضنية مع سموتريتش، علماً بأنه اجتمع به ثماني مرات خلال ثلاثة أيام، وهذا بعد عشرات الاجتماعات معه ومع بن غفير في الأيام التي سبقت.

صور رهائن إسرائيليين في غزة على جدار أمام مقر القيادة العسكرية الإسرائيلية في تل أبيب الجمعة (إ.ب.أ)

وكان سموتريتش يصر على معارضة الصفقة حتى اللحظة الأخيرة، لكنه ابتزّ نتنياهو بطريقة وصفها أحد المعلقين بأنها «نوع من مص الدم»، لافتاً إلى أن سموتريتش تصرّف كـ«مارد شبّ على صاحبه»، إذ إن نتنياهو هو الذي عمل على توحيد اليمين في كتلة واحدة تضم سموتريتش وبن غفير حصلت على 14 مقعداً في الانتخابات الأخيرة.

في نهاية المفاوضات، اتفق نتنياهو مع سموتريتش على استئناف الحرب ضد «حماس» بعد انتهاء المرحلة الأولى من الصفقة، أي بعد 42 يوماً، وعلى القيام بحملة عسكرية كبيرة في الضفة الغربية لتصفية ما سماه الإرهاب الفلسطيني. وقدّم له رزمة «هدايا» أخرى، عُرف منها حتى الآن: أن يكون شريكاً في القرار حول هوية رئيس أركان الجيش القادم الذي سيحل محل هرتسي هليفي بعد دفعه إلى الاستقالة، وأن يمرر قرارات لتوسيع الاستيطان بـ10 آلاف بيت جديد، وأن يضع خطة لفرض السيادة الإسرائيلية على المستوطنات في الضفة الغربية.

وفقط عندئذٍ، وقّع الوفد الإسرائيلي في الدوحة على الاتفاق. واجتمع «الكابنيت» قبيل ظهر الجمعة، ثم الحكومة بعد الظهر لإقرار الصفقة وإطلاقها. وأعلن نتنياهو أن الدفعة الأولى من المحتجزين لدى «حماس» سيُطلق سراحهم يوم الأحد؛ بحيث يصل عدد المحتجزين المحررين في نهاية الأسابيع الستة المقبلة 33 شخصاً. ويبقى هناك 65 محتجزاً، هم الجنود والضباط والمدنيون الذكور تحت سن الخمسين. ويفترض أن تبدأ مفاوضات بعد 16 يوماً حول المرحلة الثانية من الاتفاق.

لكن الأمور لا تبدو سالكة بهذه السهولة، خصوصاً بعد تعهدات نتنياهو لسموتريتش وخطر استئناف الحرب وتوسيعها إلى الضفة الغربية لإرضاء اليمين المتطرف. وتطرح أسئلة عديدة حول رد فعل ترمب على هذا السلوك وهل سيتحمله كما تحمله بايدن.

بيد أن حرب الأعصاب الأشد، في هذه المعمعة، ستكون لدى أفراد عائلات المحتجزين الإسرائيليين لدى «حماس». فهؤلاء يعيشون حرب أعصاب خاصة بهم، ولا يصدّقون ما تراه عيونهم المتعبة من تصرفات قياداتهم السياسية والعسكرية من تلاعب بمشاعرهم واستخفاف بمعاناتهم، حسب رأيهم، خصوصاً أنهم يشعرون بأن هذه القيادة تعيش في اغتراب عنهم ولا تحس بهم. يتهم هؤلاء قيادة بلادهم بأنه لا يزعجها تأجيل الصفقة يوماً أو شهراً أو سنة، لكي تحقق مكاسب سياسية وحزبية وشخصية. ولم يعد لديهم حرج في اتهام الحكومة بجريمة التسبب في قتل أبنائهم المحتجزين والأسرى وإطلاق تعابير مثل «حكومة مجرمة». ويطرحون السؤال الذي يقض مضاجع الجيش والمجتمع الإسرائيلي بأسره: «كيف سيحارب أولادنا الآن، وهم يعرفون جيداً أنهم في حال الوقوع بالأسر، فإن هذه القيادات ستهملهم كما أهملت أولادنا وتسبّبت بمقتل 33 شخصاً منهم داخل الأسر؟».


مقالات ذات صلة

آلاف يتظاهرون في لندن دعماً للفلسطينيين

أوروبا آلاف يتظاهرون في لندن دعمًا للفلسطينيين (أ.ب)

آلاف يتظاهرون في لندن دعماً للفلسطينيين

شارك آلاف المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين في مسيرة، السبت، جابت وسط لندن؛ للمطالبة بوقف الضربات الإسرائيلية على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي خلال تشييع قتيل سقط بغارة إسرائيلية في مدينة غزة السبت (أ.ب)

غارات إسرائيلية متواصلة توقع قتلى وجرحى في غزة

قُتل 7 فلسطينيين بهجمات إسرائيلية استهدفت مناطق عدة في قطاع غزة، تزامناً مع عمليات قصف مدفعي ونسف طالت مناطق على جانبي الخط الأصفر.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص مقاتلو «القسام» تسللوا إلى الداخل الإسرائيلي في هجوم غير مسبوق ضد إسرائيل تحت اسم «طوفان الأقصى» (أرشيفية - موقع كتائب القسام)

خاص كواليس «7 أكتوبر»... الحدَّاد توقَّع حرباً إسرائيلية لـ80 يوماً وسعد طالب بوقفها

تتكشف كل فترة معلومات فلسطينية جديدة حول خفايا وكواليس هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وتوقعات الرد الإسرائيلي.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أشخاص يشاركون في مراسم تأبين فلسطينيين قُتلوا في غارة جوية إسرائيلية وفقاً لمسعفين في مدينة غزة (رويترز)

مسعفون: مقتل 5 فلسطينيين في غارتين إسرائيليتين على غزة

‌قال مسؤولون بقطاع الصحة إن غارتين إسرائيليتين أسفرتا عن مقتل ما لا يقل عن خمسة فلسطينيين في قطاع ​غزة في هجومين منفصلين اليوم السبت.

«الشرق الأوسط» (غزة)
العالم العربي في أثناء التوقيع على اتفاق السلام في غزة بقمة السلام في شرم الشيخ المصرية أكتوبر 2025 (الرئاسة المصرية)

تعثر الإعمار يُبقي «شبح التهجير» قائماً بعد عام من «اتفاق غزة»

بعد عام من توقيع «اتفاق السلام في قطاع غزة»، لا يزال «إعمار غزة» متعثراً في ظل تعنت إسرائيلي مستمر ألقى بظلاله على بنود الاتفاق الذي يعاني جموداً.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
TT

الحرب والتضخم يخنقان الأسواق في إيران... والتجار يكافحون للبقاء

عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)
عدد المتسوقين في تناقص بسبب ضعف القدرة الشرائية (إ.ب.أ)

في سوق إيراني تفوح في أروقته روائح الأعشاب والتوابل، يراقب التاجر ناصر، البالغ 61 عاماً، كيف غيّرت الحرب الأميركية ـ الإيرانية ملامح الحياة التجارية. فبعدما كان الزبائن يشترون المكسرات بالكيلوغرامات، دفعت الزيادات الحادة في الأسعار كثيرين إلى تقليص مشترياتهم، ما وضع المتاجر والشركات أمام صعوبات متزايدة في الحفاظ على أعمالها.

وكان البازار الواقع في شمال طهران يعجّ عادة بالمتسوقين، لكن متاجره باتت شبه خالية، ولم يعد يرتاده سوى عدد محدود من الزبائن الذين يتنقلون في ممراته الضيقة والعتيقة. ويعكس هذا المشهد تحولاً لافتاً في سوق اعتاد التجار فيها الترويج لبضائعهم بأصوات مرتفعة وسط حركة شراء نشطة.

وقال ناصر: «كان لدينا زبائن يشترون ما بين كيلوغرامين و5 كيلوغرامات. أما الآن، فباتوا يكتفون بشراء كيلوغرام واحد حتى نصف كيلوغرام فقط».

وأضاف، في إشارة إلى الارتفاعات السعرية، أن «الأسعار مرتفعة بالفعل. جميعنا يعلم ذلك، وسيكون من الكذب القول بغير ذلك».

ودعا التاجر السلطات إلى تحقيق الاستقرار في سعر صرف العملة، بما يتيح لأصحاب الأعمال والشركات التخطيط للمستقبل، قائلاً: «نحن تائهون، جميعنا كذلك».

سنوات العقوبات

متسوقون يتجولون بين المحال في البازار الكبير بطهران (أ.ف.ب)

وأثقلت سنوات العقوبات كاهل الاقتصاد الإيراني، لكن الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) مع الهجمات الأميركية والإسرائيلية، إلى جانب الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، زادت الضغوط على النشاط الاقتصادي والحياة اليومية للسكان.

وتفاقمت الأوضاع مع ارتفاع التضخم إلى نحو 90 في المائة على أساس سنوي في سبتمبر (أيلول)، وفق الأرقام الرسمية، فيما تسببت التقلبات الحادة في سعر الصرف في زيادة تكلفة السلع الأساسية، وارتفعت أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من ضعف مستوياتها قبل عام.

وفي البازار التاريخي بساحة تجريش في طهران، يحاول السكان التكيف مع الأوضاع الاقتصادية المتدهورة، وهم يتجولون بين الأعلام الإيرانية واللافتات المكتوبة بالفارسية، ويتفحصون الحلوى والمجوهرات والملابس التقليدية وقطع اللحوم قبيل عطلة نهاية الأسبوع.

وفي أحد الأزقة، كان فنان يعزف على الغيتار، فيما يقرع آخر بيديه على صندوق خشبي، محاولين استقطاب بعض الإكراميات من المارة.

«نحتاج إلى الاستقرار»

إيراني يتسوق في محيط البازار الكبير وسط طهران (أ.ب)

لكن خلف هذه المشاهد، تتزايد المخاوف بشأن مستقبل الأنشطة التجارية، في ظل تراجع الطلب وارتفاع تكاليف التشغيل.

وقال علي نوروزي (36 عاماً)، الذي يدير متجراً للملابس الرياضية في البازار، إن التجار يخوضون «معركة يائسة وأخيرة من أجل البقاء»، مضيفاً أن المصنّعين يعلنون إفلاسهم، ويستغنون عن موظفين، ويغلقون متاجرهم، ما ينعكس بدوره على بقية حلقات النشاط التجاري.

وأوضح نوروزي أنه بات يطلب كميات محدودة من البضائع لعرضها في متجره، تفادياً لظهور الرفوف فارغة، على غرار مستودعه الذي قال إنه أصبح شبه خالٍ بسبب ضعف الطلب.

وأضاف: «ليست لدينا أي خطة للمستقبل على الإطلاق. فعندما يتوقف الناس عن الشراء، يعني ذلك عملياً إفلاس النشاط التجاري»، مشيراً خصوصاً إلى ارتفاع الإيجارات وفواتير الخدمات. وختم بالقول: «كل ما نحتاج إليه هو بعض الاستقرار».

أما آزاده، وهي امرأة تبلغ 45 عاماً وعاطلة عن العمل حالياً، فقالت إنها باتت تقصد السوق لمجرد «مشاهدة المتاجر»، في مؤشر إلى تراجع قدرة بعض السكان على الشراء.

تراجع القدرة الشرائية

وتشير الأرقام الرسمية إلى أن الناتج المحلي الإجمالي الإيراني انكمش بنسبة 10.1 في المائة على أساس سنوي بين أواخر مارس (آذار) وأواخر يونيو (حزيران)، في ظل الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب.

وفي سوق الصرف غير الرسمية، جرى تداول العملة الإيرانية خلال الأسبوع الماضي عند نحو 2.7 مليون ريال للدولار الواحد، مقارنة بنحو 1.7 مليون ريال قبل اندلاع الحرب.

وانخفضت القيمة الدولارية للحد الأدنى الشهري للأجور من نحو 120 دولاراً قبل عام إلى نحو 65 دولاراً حالياً، ما يعكس تآكل القدرة الشرائية مع ارتفاع تكاليف المعيشة.

في المقابل، رفض وزير الاقتصاد الإيراني التوقعات التي تتحدث عن انهيار اقتصادي وشيك، متهماً خصوم بلاده بالسعي إلى إثارة المخاوف بين المواطنين ودفع أسعار الصرف إلى مزيد من الارتفاع.

الأسعار «حلّقت»... ومشتريات تتقلص

إيرانيون يتسوقون في بازار تجريش شمال طهران (إ.ب.أ)

وتقدم آزاده مثالاً على حجم الارتفاع في الأسعار، مشيرة إلى أن قطعة قماش للمطبخ اشترتها قبل عدة أشهر مقابل 22 سنتاً، يبلغ سعرها الآن 1.10 دولار، أي ما يعادل 5 أضعاف سعرها السابق. وقالت: «هذا يبيّن أن الأسعار لم ترتفع فحسب، بل حلّقت إلى مستويات هائلة بالفعل».

وأضافت أنها اضطرت إلى التوقف عن شراء بعض أنواع الفاكهة، كما لم تعد قادرة على تحمل تكاليف قضاء العطلات.

وتساءلت: «وجودنا لا يجب أن يكون مرتبطاً فقط بأننا على قيد الحياة، بل يُفترض أن نعيش حياتنا فعلاً، أليس كذلك؟».

ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المتاجر وأسواق المواد الغذائية، بل تمتد إلى الخدمات والحرف التي تعتمد على إنفاق الأسر.

وقال مجتبى رضائي (57 عاماً)، وهو ميكانيكي سيارات، إن عدد زبائنه تراجع إلى عُشر مستواه السابق، في وقت ارتفعت فيه أسعار السلع إلى ضعفين أو 3 أضعاف.

وأضاف، في حديث لوكالة الصحافة الفرنسية داخل البازار: «أشعر في الواقع بالحرج عندما أبلغ الزبائن بالأسعار. فالناس يأتون فقط للاستفسار عن السعر ثم يغادرون».

وتابع أن أنشطة كانت تشكل جزءاً من الحياة اليومية للإيرانيين، مثل شراء الملابس والخروج للترفيه وتناول الطعام في المطاعم، باتت بعيدة عن متناول كثيرين.

وبين متاجر تتراجع مبيعاتها، وأجور تتآكل قيمتها، وأسر تقلص مشترياتها إلى الحد الأدنى، يجد التجار والمستهلكون أنفسهم أمام ضغوط متزايدة، فيما يظل الاستقرار الاقتصادي مطلباً ملحاً في سوق أنهكتها العقوبات والحرب والتضخم.


الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
TT

الحوار الأميركي ـ الإسرائيلي بشأن ضرب إيران لا يزال مستمراً

ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
ترمب ونتنياهو في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وبحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

وكان الكاتب الصحافي بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف أن مسؤولين أميركيين طلبوا من إسرائيل مهاجمة إيران. وكتب في صحيفة «معاريف» أن المسؤولين في البيت الأبيض لم يطلبوا ضربة أميركية أو هجوماً مشتركاً، بل أرادوا أن تنفذ إسرائيل العملية منفردة.

وأضاف كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة. كما أكد الصحافي الإسرائيلي، باراك رافيد، المحرر السياسي في «القناة 13» التلفزيونية، ما ورد في هذا التقرير.

حسابات انتخابية على جانبي الأطلسي

اتساع الخلاف بشأن المصالح السياسية بين ترمب ونتنياهو (أ.ف.ب)

وجاء الطلب الأميركي، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

وأوضح كسبيت أن واشنطن أرادت أن تتحمل إسرائيل الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وقال كسبيت إن الإدارة الأميركية اعتقدت أن الإسرائيليين هم الطرف الأكثر رغبة في شن الهجوم قبل انتخاباتهم، في حين قد تؤدي ضربة أميركية قبيل الانتخابات النصفية الأميركية إلى إلحاق ضرر سياسي بترمب.

ويأتي ذلك في وقت تزداد فيه التكهنات بشأن دراسة الرئيس الأميركي احتمال استئناف الهجمات على إيران. ووفقاً لكسبيت، فإن ما تكشفه الاتصالات يشير إلى أن ترمب طلب، في مرحلة أولى، من إسرائيل توجيه الضربة بدلاً من أن تنفذها القوات الأميركية، قبل أن يجري كبح هذا المسار.

ولم تتضح، بحسب الكاتب، طبيعة موقف نتنياهو من هذه التطورات، لكنه أشار إلى أن جدول أعمال رئيس الوزراء الإسرائيلي خلال الأسبوع الأخير تضمن سلسلة لقاءات وزيارات وصفها بالحساسة، في فترة اتسمت بكثافة النشاط الأمني.

إيران تعيد بناء ترسانتها

صواريخ إيرانية محمولة على شاحنات خلال عرض في قاعدة عسكرية شمال طهران في 17 أبريل 2024 (أ.ب)

وكانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت في تقرير نشرته، يوم السبت، أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وبحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

وكان ترمب قد أعلن، قبل نحو عام، أن الجيش الإيراني «دُمر بالكامل»، بينما صرح وزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، بأن الولايات المتحدة قضت على قدرات الصناعات العسكرية في إيران.

تل أبيب تفضل ضربة مشتركة

حريق بمبنى الصناعات الإلكترونية التابع لوزارة الدفاع الإيرانية بطهران بعد استهدافه في مارس 2026 (أ.ف.ب)

وفي إسرائيل، ترى القيادة السياسية والعسكرية أن استمرار المواجهة على النحو الحالي قد يبعث برسائل ضعف إلى طهران، ويعزز اعتقاد القيادة الإيرانية أن بإمكانها استغلال الضغوط التي تواجهها إدارة ترمب بسبب الانتخابات النصفية، وارتفاع أسعار النفط لانتزاع تنازلات من واشنطن.

وتعتقد أوساط إسرائيلية أن طهران تستفيد من إطالة أمد المواجهة، وتتبنى موقفاً متشدداً في المفاوضات، من دون أن تبدي اهتماماً كافياً بالتداعيات الاقتصادية على مواطنيها بسبب الحصار البحري والاقتصادي. وترى هذه الأوساط أن استمرار الصمود الإيراني قد يدفع الإدارة الأميركية، في نهاية المطاف، إلى تقديم تنازلات.

وبناءً على ذلك، تؤيد هذه الأوساط توجيه ضربة عسكرية واسعة إلى إيران، لكنها تفضل أن تكون أميركية ـ إسرائيلية مشتركة، لا أن تتحمل إسرائيل وحدها تبعاتها العسكرية والسياسية.

ومع ذلك، فإن الجدل المتصاعد في إسرائيل بشأن احتمال سعي نتنياهو إلى توظيف ضربة عسكرية لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية، بما في ذلك احتمال تأجيل الانتخابات، دفع أجهزة أمنية إسرائيلية إلى إبداء تحفظات على الدخول في حرب قد يُنظر إليها على أنها تخدم مصالح حزبية وشخصية لرئيس الوزراء.

وتفضل هذه الأجهزة، وفق المعطيات المتداولة، الانتظار بضعة أسابيع قبل اتخاذ قرار بالهجوم، بينما تواصل حوارها مع القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» بشأن الخيارات العسكرية المحتملة. ويشمل التنسيق إعداد الخطط وتحديث بنك الأهداف، إلى حين اتخاذ القرارات السياسية اللازمة في تل أبيب وواشنطن.


إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
TT

إيران: الرد الأميركي على مقترحنا لإعادة فتح مضيق هرمز «غير كافٍ»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (رويترز)

​نقلت وسائل إعلام حكومية في إيران، الأحد، عن ‌الأمين العام ‌للمجلس ​الأعلى ‌للأمن القومي ⁠محسن ​رضائي قوله ⁠إن رد الولايات المتحدة على الشروط ⁠السبعة التي طرحتها ‌طهران ‌لإعادة ​فتح ‌مضيق ‌هرمز «غير كافٍ». وأضاف رضائي أن على واشنطن ‌توضيح القضايا التي لا تزال ⁠غامضة بالنسبة ⁠لطهران. وكان الوفد الإيراني المشارك في الاجتماع السنوي لقادة العالم بالأمم المتحدة، الشهر الماضي، قد اقترح اتفاقاً معجلاً يشبه مذكرة التفاهم التي انهارت بعد أيام من توقيع الولايات المتحدة وإيران عليها في يونيو (حزيران). ورُفض الاقتراح الجديد، لكن الجانبين واصلا التواصل عبر وساطة. كما هدد رضائي باستهداف «الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى في المنطقة» إذا اندلع قتال عنيف مجدداً.

ورأى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، أول من أمس، أن نجاح المباحثات الرامية إلى إنهاء الحرب مع الولايات المتحدة، يبقى رهناً بغياب «الضغط والتهديدات». وقال بزشكيان في كلمته خلال قمة رابطة الدول المستقلة في تركمانستان: «إن الحوار لا يكتسب معنى، ولا تتوافر له فرص النجاح إلا إذا قام على الاحترام المتبادل والالتزامات المتبادلة، وإذا كان خالياً من الضغوط والتهديدات». وكان بزشكيان قد التقى، الخميس، نظيره الروسي فلاديمير بوتين بعد وصولهما إلى تركمانستان للمشاركة في قمة رابطة الدول المستقلة، وهي منظمة تضم جمهوريات سوفياتية سابقة. وانطلقت القمة، الجمعة، في منتجع أفازا المطل على بحر قزوين. وتعد إيران وروسيا من أكثر دول العالم خضوعاً للعقوبات. وقال بوتين، وفق ما نقلت وكالات أنباء روسية: «نحن مستعدون لبذل كل ما بوسعنا للمساهمة في تسوية هذا الوضع»، معتبراً أن إيران بذلت «جهوداً حقيقية لإنهاء الحرب» التي اندلعت مع ضربات أميركية إسرائيلية عليها في 28 فبراير (شباط) الماضي.