حزب إردوغان يعمل على فتح طريقه لولاية رئاسية رابعة

المعارضة تريد انتخابات مبكرة بأسرع وقت... وبهشلي يطالب أوجلان بحل «العمال الكردستاني» بلا شروط

إردوغان يتمسك بالاستمرار في الرئاسة رغم استنفاد مرات الترشح (الرئاسة التركية)
إردوغان يتمسك بالاستمرار في الرئاسة رغم استنفاد مرات الترشح (الرئاسة التركية)
TT

حزب إردوغان يعمل على فتح طريقه لولاية رئاسية رابعة

إردوغان يتمسك بالاستمرار في الرئاسة رغم استنفاد مرات الترشح (الرئاسة التركية)
إردوغان يتمسك بالاستمرار في الرئاسة رغم استنفاد مرات الترشح (الرئاسة التركية)

أعلن حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا أن العمل على تمهيد الطريق لترشيح الرئيس رجب طيب إردوغان لرئاسة البلاد للمرة الرابعة مطروح على جدول أعمال الحزب في الوقت الذي جددت فيه المعارضة مطالبتها بإجراء انتخابات مبكرة في أسرع وقت.

في الوقت ذاته، طالب رئيس حزب الحركة القومية دولت بهشلي، حليف إردوغان، زعيم حزب العمال الكردستاني، السجين، عبد الله أوجلان بإعلان حل الحزب وإلقاء أسلحته بلا شروط.

وبعدما أكد إردوغان استعداده للترشح مجددا للرئاسة، خلال مؤتمر للحزب في شانلي أورفا جنوب البلاد السبت الماضي، قال نائب رئيس الحزب المتحدث باسمه، عمر تشيليك: «إن تمهيد الطريق أمام الرئيس للترشح لولاية رابعة على جدول أعمالنا، بصفتنا داعمين لرئيسنا، سنفكر في صيغة لذلك، المهم هو أن يكون شعبنا يريد ذلك».

وأضاف تشيليك، في تصريحات ليل الاثنين - الثلاثاء عقب اجتماع اللجنة التنفيذية لحزب العدالة والتنمية برئاسة إردوغان: «عندما ننظر إلى الأحداث التي تجري حولنا، يتضح في كل مناسبة كيف أن معرفة الرئيس وإرادته السياسية لهما أهمية كبيرة بالنسبة لبلدنا».

انتخابات مبكرة

من جانبه، جدد زعيم المعارضة رئيس حزب الشعب الجمهوري، أوزغور أوزال، دعوته للإسراع بإجراء انتخابات مبكرة، وكرر، خلال كلمة أمام اجتماع نواب حزبه بالبرلمان الثلاثاء، رفع «البطاقة الحمراء» في وجه إردوغان وحكومته، مؤكدا أن حزبه سيواصل التركيز على الأجندة الرئيسية للبلاد وهي الوضع الاقتصادي ومستوى المعيشة المتردي التي لن تحل إلا عبر صناديق الاقتراع.

أوزال رافعاً البطاقة الحمراء في وجه إردوغان وحكومته خلال كلمته بالبرلمان الثلاثاء (موقع حزب الشعب الجمهوري)

وكان أوزال أطلق حملة لرفع «البطاقة الحمراء» من جانب جميع فئات الشعب للمطالبة بإجراء انتخابات مبكرة خلال تجمع لحزبه في مرسين بجنوب تركيا الأسبوع الماضي، استجاب لها المتقاعدون والعاملون بالقطاع الصحي وغيره من القطاعات، خلال مسيرات يطالبون فيها بتحسين أوضاعهم.

وعقب إعلان إردوغان نيته الترشح للانتخابات الرئاسية مجددا، أعلن أوزال التحدي وطالبه باتخاذ قرار هذا الأسبوع وإجراء الانتخابات خلال مارس (آذار) أو أكتوبر (تشرين الأول) المقبلين، مضيفا أن حزب الشعب الجمهوري ينتظر موعد الانتخابات بفارغ الصبر من أجل تسلم حكم البلاد.

وسخر رئيس حزب الحركة القومية، دولت بهشلي، في كلمة خلال اجتماع نواب حزبه بالبرلمان الثلاثاء، من دعوة أوزال، قائلا: «إنه يقول: (لنقرر إجراء الانتخابات هذا الأسبوع)، وكأنه يتحدث عن شراء بصل أو بطاطا من السوق».

جدل الدستور

وكان بهشلي أعلن من قبل أن حزبه، وحزب العدالة والتنمية الحاكم، وهما شريكان (تحالف الشعب)، سيعملان على وضع دستور جديد للبلاد، وسيكون هدفه السماح بترشيح إردوغان للانتخابات الرئاسية مجددا.

بهشلي متحدثاً بالبرلمان الثلاثاء (موقع حزب الحركة القومية)

ولا يحق لإردوغان وفقا للدستور الحالي لتركيا أن يترشح للرئاسة مرة أخرى، ويتطلب تجاوز هذه العقبة، إما تغيير الدستور، أو موافقة 360 نائبا من أصل 600 نائب بالبرلمان على «تجديد الانتخابات»، وهو ما يعني تقديم انتخابات عام 2028 عن موعدها.

وقال النائب السابق العضو البارز في حزب العدالة والتنمية الحاكم، شامل طيار، «إن إعادة ترشيح رئيسنا (إردوغان) مدرجة على جدول الأعمال، سيحدث ذلك بالتأكيد، ويكفي لذلك أن يقرر البرلمان تجديد الانتخابات».

وعبر عن اعتقاده بأن حزب الشعب الجمهوري، الذي يطالب بانتخابات مبكرة خلال العام الحالي، لن يعارض إجراء انتخابات في موعد معقول، وأن ذلك قد يكون قبل الموعد الأساسي لانتخابات 2028، أي إجراؤها في مايو (أيار) 2027.

وتابع بأنه إذا فكر إردوغان في الترشح مرة أخرى، فإنه سيرغب في حل هذه المشكلة مع حزب الشعب الجمهوري، وليس مع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، المؤيد للأكراد.

ولدى حزب العدالة والتنمية وحلفائه في «تحالف الشعب» 321 مقعدا، ويحتاج تقديم موعد الانتخابات إلى موافقة 360 نائبا، بمعنى أنه سيحتاح إلى دعم واحد من الحزبين الكبيرين في المعارضة، الشعب الجمهوري، أو «الديمقراطية والمساواة للشعوب» لاتخاذ هذه الخطوة.

إردوغان كشف عن استعداده للترشح للرئاسة في حوار مع المطرب إبراهيم تاتليسيس في شانلي أورفا السبت الماضي (الرئاسة التركية)

ورأى مراقبون أن إعلان إردوغان استعداده للترشح للرئاسة مجددا، على الرغم من معارضته من قبل فكرة الانتخابات المبكرة، يعود إلى رغبته في استغلال استرجاع حزبه بعض الشعبية التي فقدها في الانتخابات البرلمانية والرئاسية في 2023 والمحلية في 2024.

وخلافا لما ذهب إليه طيار، من أن إردوغان سيقوم بخطوة تقديم موعد الانتخابات عبر البرلمان، من خلال العمل مع حزب الشعب الجمهوري، رأى الكاتب الصحافي البارز، مراد يتكين، أن عمل إردوغان مع حزب الشعب الجمهوري أصبح احتمالاً بعيداً؛ ولذلك يقوم حزب العدالة والتنمية بـ«التطبيع» مع حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، الذي كان يتهمه دائما بالصلة بالإرهاب.

ولفت إلى أن الخيار الثالث، وهو أصعب الخيارات، أن يعمل إردوغان وحزبه على استقطاب نواب الأحزاب اليمينية المتفرقة لتحقيق أغلبية 360 صوتا المطلوبة لتقديم موعد الانتخابات.

وعد يتكين أن انتعاش حزب العدالة والتنمية في استطلاعات الرأي الأخيرة وبدء تقدمه في بعضها على حزب الشعب الجمهوري، لا يعودان فقط إلى تغيير نظام بشار الأسد في سوريا، وتأثير توظيف إردوغان الدور التركي على الناخبين، بل يرجعان أيضاً إلى الصراع الداخلي في حزب الشعب الجمهوري، ووضع إردوغان وحكومته الحزب في موقف دفاعي مستمر بسبب سلسلة الدعاوى القضائية ضده قادته، وعزل أو اعتقال رؤساء البلديات التي فاز بها في الانتخابات المحلية.

مظاهرة لأنصار حزب الشعب الجمهوري في إسطنبول احتجاجاً على اعتقال رئيس بلدية بيشكتاش (أ.ب)

وتشهد مدينة إسطنبول على مدى يومين مظاهرات لأنصار حزب الشعب الجمهوري احتجاجا على اعتقال رئيس بلدية بيشكتاش، رضا أكبولوط، فيما شهدت ولاية مرسين في جنوب البلاد أعمال شغب احتجاجا على اعتقال الرئيسين المشاركين لبلدية أكدنيز من حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب، و3 من أعضاء مجلس البلدية.

مبادرة أوجلان

ورأى مراقبون أن المبادرة التي أطلقها بهشلي في أكتوبر الماضي للحوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني، السجين مدى الحياة، عبد الله أوجلان، ودعوته للحديث بالبرلمان وإعلان حل الحزب وإلقاء أسلحته وانتهاء الإرهاب في تركيا، مقابل النظر في إطلاق سراحه، تؤكد توجه إردوغان لجلب أصوات نواب حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» لدعم خطة تقديم موعد إجراء الانتخابات بغرض تلافي مسألة طرح الدستور الجيد غير المضمونة.

مظاهرة تطالب بإطلاق سراح أوجلان (أ.ف.ب)

لكن يتكين رأى أن ما يتم التخطيط له لا يمكن أن يتحقق بغير تغيير في الدستور يضمن مزيدا من الحقوق للأكراد، مضيفا أنه على الرغم من تأكيد رئيس البرلمان، نعمان كورتولموش، أن إصرار حزب العدالة والتنمية على دستور جديد لا علاقة له بمبادرة أوجلان، فإن الرافعة التي ستجعل حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب يقبل بأي خطط، لا تتمثل فقط في إطلاق سراح أوجلان، بل الأمل في تعديل بعض مواد الدستور لصالح توسيع حقوق الأكراد.

وقال بهشلي، خلال اجتماع نواب حزبه بالبرلمان الثلاثاء، إن على أوجلان أن يعلن خلال الزيارة الثانية، المرتقبة، لوفد حزب الشعوب الديمقراطية له في سجن إيمرالي (جنوب بحر مرمرة في غرب تركيا) حل حزب العمال الكردستاني ودفن أسلحته وانتهاء الإرهاب في تركيا، دون أي شروط، لأنه لا يمكن إجراء مفاوضات مع منظمة إرهابية.


مقالات ذات صلة

تركيا: المعارضة تتأهب لانتخابات مبكرة... والحكومة تستبعدها

شؤون إقليمية زعيم المعارضة التركية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» أوزغور أوزيل خلال لقائه الاثنين الرئيسين المشاركين لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» تولاي حاتم أوغولاري وتونجر بكيرها لبحث خطة الانتخابات الفرعية بالبرلمان التركي (حساب «الشعب الجمهوري» في إكس)

تركيا: المعارضة تتأهب لانتخابات مبكرة... والحكومة تستبعدها

بدأت المعارضة التركية تحركات لإجراء انتخابات مبكرة عبر طلب إجراء انتخابات فرعية للمقاعد الشاغرة بالبرلمان، وأعلن حزب «العدالة والتنمية» الحاكم رفضه.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية صورة تذكارية لقادة دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) في لاهاي في 2025 (الرئاسة التركية)

تركيا تتجه لتعزيز مكانتها في «الناتو» بعد تهديد ترمب بالانسحاب

كشفت تركيا عن توجه لتعزيز مكانتها في حلف «الناتو» بالتزامن مع تلويح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بانسحاب الولايات المتحدة منه.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان لدى إلقائه كلمة (الرئاسة التركية)

إردوغان: حرب إيران تتجه إلى «مأزق جيوسياسي»

حذر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من أن مسار الحرب في إيران يتجه إلى مأزق جيوسياسي، وطالب المجتمع الدولي بتكثيف الجهود لإنهائها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بقصر دولمه بهشه في إسطنبول السبت (الرئاسة التركية)

إردوغان بحث مع زيلينسكي سُبل إنهاء حرب روسيا وأوكرانيا وقضايا أمنية

بحث الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي تطورات الحرب الروسية الأوكرانية، وسبل استئناف المحادثات الرامية إلى إنهائها.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية إردوغان (الرئاسة التركية)

إردوغان: الحرب في الشرق الأوسط تسببت في «مأزق جيواستراتيجي»

عدّ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، السبت، خلال مباحثات عبر الهاتف مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، أن الحرب في الشرق الأوسط «أدت إلى مأزق».

«الشرق الأوسط» (أنقرة)

جزر في قلب معادلة الملاحة والردع بمضيق هرمز

منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)
منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)
TT

جزر في قلب معادلة الملاحة والردع بمضيق هرمز

منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)
منظر جوي للسواحل الإيرانية وجزيرة قشم في مضيق هرمز (رويترز)

عادت الجزر الخاضعة لسيطرة إيران والمنتشرة بين شمال الخليج العربي ومدخل مضيق هرمز إلى واجهة الحرب بوصفها جزءاً من الحسابات العسكرية المباشرة، بعدما برزت في التقديرات الأميركية والإسرائيلية أهدافاً محتملة تجمع بين النفط والملاحة والردع.

ومع اقتراب انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة فتح مضيق هرمز، وتصاعد التهديدات باستهداف البنية التحتية الحيوية داخل إيران، تكتسب هذه الجزر أهمية إضافية بوصفها نقاطاً مرشحة للانخراط في مرحلة جديدة من الحرب قد تتجاوز الضغط العسكري التقليدي إلى محاولة ضرب مفاصل الطاقة والعبور والتموضع الاستراتيجي. وفي قلب هذه الخريطة تقف جزيرة خرج، شريان الصادرات النفطية، فيما تتوزع على الجزر الأخرى وظائف التحكم بالعبور، والتحصين العسكري، والتموضع المتقدم على أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم.

خرج... شريان النفط الإيراني

تحتل جزيرة خرج موقعاً استثنائياً في البنية الاستراتيجية الإيرانية، بوصفها شريان الحياة لغالبية صادرات الخام الإيراني. وتقع في شمال الخليج على مسافة تقارب 30 كيلومتراً من الساحل الإيراني، مما يجعلها قريبة بما يكفي من البر الإيراني لتبقى تحت مظلة نيرانه وقدراته الصاروخية والمسيَّرة.

وتنبع أهميتها أولاً من وظيفتها الاقتصادية المباشرة. فالجزيرة تضم المحطة التي تمر عبرها تقريباً كل صادرات إيران النفطية، وتؤمّن الجزء الأكبر من إيرادات الدولة من الخام.

وخلال الحرب الجارية، تحولت سريعاً إلى هدف حاضر في النقاشات العسكرية خلال الحرب، باعتبار أن ضربها يطول أحد أهم مصادر تمويل الدولة.

وتطورت الجزيرة خلال طفرة النفط الإيرانية في الستينات والسبعينات لأن أجزاء واسعة من الساحل الإيراني كانت ضحلة، ولا تسمح برسو ناقلات النفط العملاقة. ومن هنا أصبحت الجزيرة، بمرافئها ومحطاتها العميقة، البوابة الأهم لتصدير النفط الإيراني، لا سيما إلى الأسواق الآسيوية، خصوصاً الصين.

نظرياً، أي سيطرة أميركية، قد تخنق شرياناً مالياً حيوياً للنظام، وتمنح واشنطن ورقة ضغط لإجبار طهران على إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً. كما أن الجزيرة، بحكم موقعها، قد تتحول في مثل هذا السيناريو إلى منصة متقدمة للضغط العسكري على البر الإيراني.

هدف مغرٍ وتكلفة باهظة

لكنَّ هذا الإغراء يصطدم بعوائق ثقيلة. فالاستيلاء يتطلب تثبيت قوات أميركية على جزيرة صغيرة قريبة جداً من الساحل الإيراني، أي داخل مدى الطائرات المسيّرة والصواريخ والمدفعية المتحركة الإيرانية واحتمال استخدام الألغام والزوارق السريعة. وبذلك قد تتحول القوة المهاجمة سريعاً إلى هدف ثابت ومعرّض للاستنزاف.

لقطة جوية تُظهر جزيرة خرج (أ.ف.ب)

كما يتطلب الاحتفاظ بالجزيرة بعد دخول القوات إليها، غطاءً جوياً دائماً، ومنظومات دفاع جوي متقدمة، وخطوط إمداد محمية بحراً وجواً. وزادت طهران من تحصيناتها في خرج خلال الأسابيع الأخيرة، مع إرسال عناصر إضافيين ونشر وسائل دفاع جوي، إلى جانب الحديث عن ألغام في محيط الجزيرة.

كما لوّحت باستهداف القوات الأميركية إذا حاولت دخول الجزيرة، وبضرب بنى الطاقة التابعة لشركات تتعامل مع الولايات المتحدة إذا جرى استهداف منشآتها النفطية.

وتضم الجزيرة خزانات تخزين ومساكن لآلاف العمال، وفيها حضور مدني واضح، كما تحتوي حصناً برتغالياً قديماً وأطلال دير مسيحي مبكر في الخليج.

لارك... عقدة العبور والرقابة

تبدو جزيرة لارك الصغيرة الأكثر ارتباطاً بالمرور والتحكم بالعبور في مضيق هرمز نظراً لموقعها الجغرافي. فتقع إلى الشرق من قشم وجنوب هرمز، وتحتل موقعاً شديد الحساسية عند أضيق مسافة في المضيق. وهو ما يمنحها قيمة تتجاوز حجمها الجغرافي، لأنها ترتبط مباشرةً بحركة السفن في أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وتظهر لارك بوصفها موقعاً رئيسياً لتصدير النفط منذ أواخر الثمانينات، كما تضم قاعدة عسكرية إيرانية. غير أن أهميتها في الحرب الحالية ترتبط أساساً بوظيفتها على خط الملاحة. فهي تقع على مسار ملاحي يرجح أن «الحرس الثوري» خصصه للسفن التي يجيز لها عبور مضيق هرمز.

كما تقع لارك قبالة ميناء بندر عباس، في منطقة تمر عبرها ناقلات النفط الحالية للتفتيش أو المراقبة. وهذه الوظيفة تجعلها هدفاً منطقياً في أي محاولة لضرب قدرة إيران على فرض سيطرة ميدانية على هرمز دون الاضطرار إلى خوض مأزق خرج.

قشم... عمق سكاني ولوجيستي

تحتل قشم موقعاً مختلفاً داخل هذه الخريطة. فهي كبرى جزر الخليج، وتمتد على نحو 100 كيلومتر في مضيق هرمز، وتضم كتلة سكانية كبيرة نسبياً. وتظهر من زاويتين متداخلتين: زاوية مدنية خدمية، وزاوية استراتيجية لوجيستية.

من الناحية المدنية، توصف قشم بأنها وجهة مفضلة للإيرانيين بفضل شواطئها وتراثها الجيولوجي وأجوائها الاجتماعية. كما أنها تضم محطة لتحلية المياه توفر المياه لعشرات القرى.

ولا تعد جزيرة قشم هامشية في الحسابات العسكرية، نظراً إلى قربها من جزيرة لارك وهرمز، وعلى تماسٍّ مباشر مع الممر البحري الحيوي. ويعد ميناؤها أحد المنافذ الرئيسية للمنتجات الآتية من الإمارات، مما يمنحها وزناً لوجيستياً وتجارياً إلى جانب موقعها الاستراتيجي. كما تُطرح قشم أيضاً بوصفها موقعاً يشتبه في احتضانه منشآت صاروخية ومسيّرات تحت الأرض.

حصن متقدم في هرمز

تَرِدُ أبو موسى ضمن الجزر الإماراتية المحتلة، ويجعلها الموقع الحساس جزءاً من الحزام الذي يحرس مدخل مضيق هرمز من الجهة الغربية. وهذا يمنحها قيمة عملياتية مباشرة في أي مواجهة مرتبطة بحرية الملاحة أو أمن الشحنات النفطية.

وتُدرج الجزيرة في توصيفات الخبراء ضمن مواقع محصنة أقرب إلى حصون صغيرة تنتشر فيها صواريخ مضادة للسفن.

وتعزز هذه الصورة الإشارة إلى أن طهران نشرت في هذه الجزر وحدات من بحرية «الحرس الثوري» مزوَّدة بأنظمة صاروخية جديدة قادرة على استهداف القواعد والسفن والمعدات المعادية في دول الجوار. وبذلك تصبح أبو موسى، في منطق الحرب، أكثر من موقع تحتله إيران؛ إنها موضع تمركز متقدم داخل بنية الردع البحري الإيراني.

تكتسب طنب الكبرى أهمية مشابهة لأبو موسى، فهي من الجزر التي احتلتها القوات الإيرانية في نوفمبر (تشرين الثاني) 1971. وتحظى الجزيرة الصغيرة بأهمية بالغة نظراً إلى تموضع القوات الإيرانية، ولإجراء مناورات عسكرية، ولنشر الحاميات والأصول الصاروخية.

وفي حال السيطرة على مثل هذه الجزر، فإن ذلك قد يحرم إيران من استخدامها لأغراض هجومية ضد الملاحة البحرية. وهذه الفكرة تكشف عن المنطق الذي يجعلها في بنك الأهداف المحتمل: الهدف ليس احتلال أرض فقط، بل شل نقطة متقدمة من نقاط التهديد البحري الإيراني.

رغم صغرها، تدخل طنب الصغرى في المنظومة نفسها التي تضم أبو موسى وطنب الكبرى، إذ إن وجودها قرب مدخل هرمز يمنحها قيمة عسكرية واضحة، فهي تضم منشآت عسكرية هجومية لبحرية «الحرس الثوري». وقد تحمل في الحسابات العسكرية وزناً يفوق حجمها كثيراً، نظراً إلى قربها من ممرات السفن الوافدة إلى الخليج.

سيري... جزيرة بوظيفة عسكرية

تظهر سيري بقدر أقل من التفصيل مقارنةً بخرج أو قشم أو الجزر الإماراتية المحتلة الثلاث، لكن تُذكر ضمن الجزر التي تحولت إلى مواقع محصنة أقرب إلى حصون صغيرة تنتشر فيها صواريخ مضادة للسفن لـ«الحرس الثوري»، ولطالما كانت موقعاً لتدريب قواته البحرية.

وهذا يكفي لوضع سيري داخل الفئة العسكرية الصلبة من الجزر الإيرانية. ووُصفت على مدى سنوات بأنها موقع تحصين وتموضع يندرج في شبكة أوسع للردع والسيطرة على المجال البحري.

وعادت هذه الجزر إلى الواجهة لأنها تختصر أربع معادلات في آن واحد: النفط، والملاحة، والسيادة، والردع. فمن يريد الضغط على إيران اقتصادياً ينظر إلى خرج. ومن يريد كسر قبضتها على العبور ينظر إلى لارك والجزر القريبة من هرمز. ومن يريد تقليص قدرتها على تهديد السفن والقواعد ينظر إلى الحزام المحصن الذي يضم أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى وسيري.

Your Premium trial has ended


روسيا والصين تجهضان بـ«الفيتو» مشروع «هرمز» في مجلس الأمن

مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

روسيا والصين تجهضان بـ«الفيتو» مشروع «هرمز» في مجلس الأمن

مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)

أخفق مجلس الأمن، الثلاثاء، في التعامل مع واحدة من أخطر الأزمات العالمية منذ إنشائه في منتصف الأربعينات، إذ استخدمت كل من روسيا والصين حقَّ النقض (الفيتو)؛ لتعطيل مشروع قرار قدَّمته البحرين؛ لحماية الشحن التجاري في مضيق هرمز، مما رفع نسبة الإحباط من الدبلوماسية المتعددة الأطراف لصون الأمن والسلم الدوليَّين، وضاعف أخطار خروج الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران عن السيطرة.

وبعد أسابيع من المفاوضات المكثَّفة استجابت خلالها البحرين لكثير من المطالب الروسية والصينية، فشل المجلس في تبني النصِّ الذي حصل على 11 صوتاً مؤيِّداً (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والبحرين، والصومال، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وليبيريا، ولاتفيا، والدانمارك، واليونان، وبنما)، مقابل صوتين معارضين (روسيا والصين)، وامتناع عضوين عن التصويت (باكستان وكولومبيا).

وعقب التصويت، عبَّر وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني عن «أسفه الشديد» للنتيجة، قائلاً إن المجلس لم يتَّخذ إجراءً حاسماً في مواجهة التهديدات غير القانونية للملاحة البحرية من إيران. وحذَّر من أنَّ عدم تبني القرار يقوِّض صدقية المجلس، ويشجِّع على مزيد من الاضطرابات في أحد أهم طرق التجارة في العالم. وذكَّر بأنَّ مضيق هرمز يُعدُّ شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، وأي عرقلة له قد تكون لها عواقب وخيمة على أسواق النفط، والأمن الغذائي، والتجارة الدولية.

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني مترئساً جلسة مجلس الأمن (أ.ف.ب)

واتَّهم الزياني إيران بتوجيه تهديدات متكرِّرة بإغلاق الممرِّ المائي واستهداف السفن التجارية، واصفاً هذه الأعمال بأنَّها انتهاكات للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وعلى الرغم من هذه النكسة، فإنَّ الزياني أكد أنَّ دول الخليج، البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت بالإضافة إلى الأردن، ستواصل التنسيق مع شركائها الدوليِّين لحماية الأمن البحري، وضمان حرية حركة التجارة، وحض إيران على الامتثال لقرارات مجلس الأمن.

وأشار دبلوماسيون إلى أنَّ التصويت يُبرز انقسامات عميقة داخل المجلس في ظلِّ تصاعد التوترات الإقليمية، وازدياد المخاوف بشأن استقرار سلاسل التوريد العالمية.

الموقف الأميركي

المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز (إ.ب.أ)

وقال المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، إن واشنطن «تقف بحزم» إلى جانب البحرين وحلفائها في الخليج، واصفاً اللحظة بأنَّها «حاسمة». وانتقد روسيا والصين لاستخدامهما «الفيتو» ضد مشروع القرار، مشيراً إلى أنهما انحازتا إلى جانب إيران على الرغم من الدعم الدولي الواسع لإبقاء الممرِّ المائي مفتوحاً. وكذلك اتهم إيران بتصعيد الصراع من خلال زرع الألغام في المضيق، واستهداف السفن التجارية، وشن هجمات صاروخية ومسيّرات واسعة النطاق على البنية التحتية المدنية في دول الخليج.

وأوضح أنَّ هذه الأعمال عطَّلت خطوط الشحن الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية والمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والأسمدة والمساعدات الطبية. وقال: «إيران تتخذ من اقتصاد العالم رهينة»، محذِّراً من أنَّ استمرار هذا التعطيل قد يُفاقم أزمات سلاسل الإمداد، ويزيد من خطر انعدام الأمن الغذائي، لا سيما في المناطق الهشة. كما ربط والتز الأزمة الحالية بدور إيران الإقليمي الأوسع، واصفاً إياها بأنَّها «مصدر طويل الأمد لعدم الاستقرار» من خلال دعمها الجماعات المسلحة التابعة لها، وشنها هجمات على الأفراد الأميركيين وحلفائهم.

وعلى الرغم من هذه النكسة الدبلوماسية، فإنَّ والتز أكد أنَّ الولايات المتحدة ستواصل الدفاع عن مصالحها ومصالح شركائها، وأنَّها تحتفظ بحقها في الدفاع الجماعي عن النفس. وأضاف أن واشنطن لا تزال منفتحةً على الحوار الدبلوماسي، لكنه حذَّر من أنَّ المفاوضات لن تنجح إذا استمرَّت إيران فيما وصفه بـ«نمط التصعيد». وقال: «إن مضيق هرمز حيوي للغاية للاقتصاد العالمي، ولا يجوز لأي دولة استخدامه سلاحاً»، وحضَّ المجتمع الدولي على التحرُّك لضمان حرية الملاحة.

وعبَّر المندوب الفرنسي، جيروم بونافون، عن أسف بلاده لعدم تمكُّن مجلس الأمن من إقرار مشروع القرار الذي قدَّمته البحرين بسبب «الفيتو». وقال إن فرنسا «صوَّتت لصالح مشروع القرار هذا لأنَّ حرية الملاحة، والسلامة، والأمن البحري في مضيق هرمز ذات أهمية بالغة لاستقرار الشرق الأوسط والاستقرار الدولي، ولأنَّ النص، في رأينا، تضمن جزءاً من الوسائل اللازمة للمساهمة في ذلك». وذكَّر بالقرار 2817، الذي أدان الضربات الإيرانية العشوائية التي استهدفت دول الخليج والأردن.

الموقف الروسي

أما المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، فقال إنَّ بلاده صوَّتت ضد القرار، عادّاً أنَّ المسوَّدة «تُحمِّل إيران ظلماً مسؤولية تصاعد التوترات»، متجاهلة ما سماها «الأسباب الجذرية» للأزمة، ألا وهي العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية. ووصف النصَّ بأنَّه «غير متوازن»، محذّراً من أنه «قد يُرسي سابقةً خطيرةً في القانون الدولي». كما عبَّر عن «مخاوف من إمكانية تفسير القرار على أنَّه يُبرر استخدام القوة بذريعة حماية الملاحة البحرية». ومع ذلك أقرَّ بمخاوف دول الخليج الأمنية، مجادلاً بأنَّ المقترح يُنذر بمزيدٍ من التصعيد بدلاً من أنْ يُمهِّد الطريق نحو خفض التصعيد. وعرض لمشروع قرار بديل بالتعاون مع الصين. وأمل بالتصويت عليه سريعاً.

وعبَّر نظيره الصيني عن مخاوف مماثلة لتبرير استخدام حق «الفيتو». وقال إن «تفاصيل هذا الصراع واضحة وضوح الشمس» بعدما «شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل، دون تفويض من مجلس الأمن، وفي خضم المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، ضربات عسكرية ضد إيران في انتهاك صارخ لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والأعراف الأساسية للعلاقات الدولية». وأضاف أنه «في الوقت نفسه، يجب احترام سيادة دول الخليج وأمنها وسلامة أراضيها احتراماً كاملاً، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين والأهداف غير العسكرية. كما يجب ضمان سلامة وأمن الممرات الملاحية والبنية التحتية للطاقة».


باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
TT

باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

تعيش الدول الأوروبية على هامش الحرب الدائرة، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة ثانية. وجاء رفضها الجماعي الاستجابة لطلبات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي حضّها على الانخراط في إعادة فتح مضيق هرمز، ليضاعف تهميشها ولتصيبها شظايا الهجمات الحادة التي قام بها على الحلف الأطلسي، الذي تنتمي إليه غالبية الدول الأوروبية.

صورة مأخوذة من شريط فيديو لقصف جسر كرج غرب طهران (أ.ف.ب)

كذلك، ساهم رفض دول كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا السماح للطائرات الأميركية اجتياز أجوائها في مضاعفة غيظ ترمب، الذي يلوح بتخليه عن الناتو وترك الأوروبيين يواجهون وحدهم الحرب في أوكرانيا وما يعدّونه التهديدات الروسية للقارة القديمة. ورغم ذلك، ما زالت هناك دول أوروبية ترفض الانصياع للخطط الأميركية (والإسرائيلية) بخصوص إيران. ورغم تسارع العدّ العكسي للمهلة (النهائية) التي أعطاها ترمب للسلطات الإيرانية لفتح مضيق هرمز مجدداً أمام الملاحة الدولية، أو توقيع اتفاق يسعى لفرضه على طهران متضمناً الشروط الأميركية، وتهديدها، في حال الامتناع، باستهداف محطات الطاقة وتدمير جميع الجسور، بل «موت حضارة كاملة لن تعود أبداً»، ما زالت تُسمع، أوروبياً، أصوات ترفض خطط ترمب وتشكك بنجاح سياسته وتطرح مقاربة مختلفة جذرياً عن سياسته.

بارو: نعارض استهداف البنى التحتية المدنية

وفي هذا السياق، تندرج التحذيرات التي أطلقها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، الثلاثاء، في مقابلة مع القناة الإخبارية «فرنس إنفو»، وفيها وجّه مجموعة من الرسائل إلى الإدارة الأميركية، أولاها أن باريس «تعارض أي ضربات تستهدف البنية التحتية المدنية» في إيران، كما في أوكرانيا، مذكراً أن بلاده «ندّدت مراراً وتكراراً بالضربات التي شنّها فلاديمير بوتين على منشآت الطاقة» الأوكرانية.

يعرب الوزير الفرنسي عن قلق باريس من برنامج إيران النووي الذي يرى فيه «تهديداً للمنطقة ولمصالح فرنسا الأمنية» (أ.ف.ب)

وبذلك، سعى بارو لإثبات أن بلاده لا تزن بميزانين، أو تكيل بمكيالين. وأضاف بارو أن فرنسا تعارض استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية المدنية لسببين: الأول، لأنها «محظورة بموجب قواعد الحرب والقانون الدولي». والثاني لأنها «قد تفتح على الأرجح مرحلة جديدة من التصعيد والردود الانتقامية التي قد تُدخل المنطقة والاقتصاد العالمي في حلقة مفرغة مقلقة للغاية، وستكون مضرّة بشكل خاص بمصالحنا». وبنظره، فإن استهداف منشآت الطاقة سيفضي إلى «ردود فعل إيرانية انتقامية ستزيد تفاقم وضع مقلق أصلاً».

يوم الأحد الماضي، اتصل بارو بنظيره الإيراني عباس عراقجي. واللافت أن وزارة الخارجية الفرنسية عتمت كلياً على الاتصال، رغم إصرار الإعلام، ولم تفصح عن مضمونه. ولم تكن المرة الأولى التي يتواصل فيها الوزيران منذ اندلاع الحرب نهاية فبراير (شباط) الماضي، كما أن الرئيس إيمانويل ماكرون اتصل قبل أيام قليلة بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وبعد ظهر الثلاثاء، فهم سبب التعتيم، إذ أعلن بارو، في تغريدة على منصة «إكس»، أن الرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس، اللذين كانا يقيمان في مقر السفارة الفرنسية في طهران أصبحا حرّين تماماً ونهائياً وخرجا من الأراضي الإيرانية. وكانت السلطات الإيرانية سمحت لهما الخريف الماضي بالخروج من السجن حيث اعتقلا فيه منذ 4 سنوات، وصدرت بحقّهما أحكام مشددة للغاية. وكشف عراقجي سابقاً أن مفاوضات تجري بين باريس وطهران لمبادلة كوهلر وباريس بالإيرانية مهدية إسفندرياري، التي صدر بحقّها حكم مخفف، وسمح لها بمغادرة السجن والإقامة في السفارة الإيرانية في باريس.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً بمناسبة اجتماع في البيت الأبيض يوم 3 مارس الماضي (د.ب.أ)

لا لفتح باب المندب بالقوة

ثمة رسالة ثانية لا تقل أهمية، شدّد عليها بارو في مقابلته المذكورة، وعنوانها المخاطر المحدقة بالمدنيين بسبب الحرب، والإضرار بالاقتصاد العالمي، وهو ما تظهره الدراسات الاقتصادية التي نشرت في الأسابيع الأخيرة. ولا يستبعد الوزير الفرنسي «احتمال حدوث تصعيد إقليمي واسع النطاق دون حدود، وهو ما قد يؤدي إلى مخاطر جسيمة، يجب علينا تفاديها بأي ثمن». بيد أن الوزير الفرنسي لا يتبنى المقاربة الإيرانية، إذ يرى أنه لا حلّ لأزمة في إيران «إلا إذا قرّر النظام الإيراني تقديم تنازلات كبيرة وإحداث تغيير جذري في موقفه، بما يسمح لإيران بالعيش بشكل سلمي في محيطها الإقليمي، ويمنح الشعب الإيراني مفاتيح بناء مستقبله بنفسه».

تنظر باريس بكثير من القلق لقيام القوات الأميركية بعملية عسكرية برية في إيران، كاحتلال جزيرة في مياه الخليج (كجزيرة خرج)، أو محاولة الاستحواذ على كميات اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يعتقد أنه واقع تحت أطنان من الركام في موقع أصفهان النووي. وبرأيه أن نجاح القوات الأميركية في تنفيذ عملية عسكرية معقدة لاستعادة الطيارين الأميركيين اللذين هبطا بالمظلة، بعد أن أصيبت طائرتهما (إف 15 إيغل) في جنوب غربي إيران لا يعني أن عملية برية ستكون سهلة التنفيذ، إذ «من شأنها أن تُدخل الصراع في مرحلة جديدة شديدة الخطورة، وقد تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة (للقوات الأميركية)، سواء في العراق أو أفغانستان».

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

وفي السياق عينه، جدّد بارو التأكيد على رفض بلاده السير في عملية عسكرية لتحرير الإبحار في مضيق هرمز بالقوة. وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون كان أول من دعا إلى إقامة «تحالف دولي» ذي طابع «دفاعي محضّ لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ولكن بعد أن تهدأ الأمور أو تتوقف الحرب». وفي أي حال، فإنه سيكون بالتوافق مع الدولتين اللتين تشرفان على المضيق، وهما عمان وإيران، ما يعني عملياً حصول مفاوضات وتفاهمات مع هذين البلدين.

وبحسب بارو، فإنه «من الوهم الاعتقاد بأننا سنتمكن من العودة بسرعة إلى حركة طبيعية للسفن (في مضيق هرمز) دون إنشاء نظام مرافقة وحماية». وتريد باريس، التي تعمل بالتنسيق مع لندن، على إطلاق «مهمة» بحرية شبيهة بمهمة «أسبيديس» الأوروبية، لحماية الإبحار ما بين قناة السويس ومضيق باب المندب، التي نجحت كما يؤكد باور في مواكبة 1600 باخرة خلال عامين، من خلال نشر قطع بحرية أوروبية في مياه البحر الأحمر. ومع تواصل ارتفاع أسعار النفط، ومعها مشتقاته، فإن العالم كله لا يرى بديلاً عن ذلك سوى عودة النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

التخلص من التبعية

يعرب الوزير الفرنسي عن قلق باريس من برنامج إيران النووي، الذي يرى فيه «تهديداً للمنطقة ولمصالح فرنسا (وأوروبا) الأمنية». بيد أنه يعارض الطريقة الأميركية ــ الإسرائيلية لوقفه عن طريق الحرب، وهو يرى أن «العمليات البرية لمعالجة هذه المشكلة تنطوي على مخاطر تفوق فوائدها المحتملة». أما الحلّ فإنه «يكمن في التفاوض، وفي وضع إطار صارم ودقيق، يمنع النظام الإيراني من تطوير سلاح نووي»، في تلميح لاتفاق عام 2015، الذي كانت فرنسا طرفاً في التوصل إليه.

إلا أن خروج واشنطن منه فاقم الأمور، ودفع إيران لانتهاك بنوده تدريجياً حتى التوصل إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة القريبة من الاستخدامات العسكرية... وتدرك باريس، كما يقول بارو «المخاطر والتهديدات التي تمس مصالح فرنسا الأمنية، لكننا نرى أن هناك وسائل أخرى لاحتوائها، وعلى رأسها التفاوض والحوار الصارم والدقيق، تحت ضغط العقوبات».

صورة للفرنسيَّين سيسيل كولر وشريكها جاك باريس إلى جانب لافتة كُتب عليها «الحرية لسيسيل كولر وجاك باريس المحتجزَين تعسفياً في إيران لأكثر من عامين في ظروف مروعة» وذلك خارج قصر بوربون مقر الجمعية الوطنية الفرنسية (أ.ف.ب)

أما الخلاصة التي يستقيها الوزير الفرنسي من الحرب الدائرة لفرنسا ولأوروبا، فإنه مزدوجة: فمن جهة «دور أوروبا ليس خوض الحروب في كل أنحاء العالم، بل على العكس، أن تُظهر من خلال المثال الذي تقدمه (أي كونها قارة ديمقراطية يعيش فيها الناس بشكل جيد، بل أفضل من الولايات المتحدة أو الصين) أن هناك بديلاً لهيمنة الإمبراطوريات الجديدة». ومن جهة ثانية، أن يفضي الوضع الراهن إلى بروز «وعي أوروبي متزايد بأنه في عالم سيصبح أكثر اضطراباً وخطورة، فإن الاتحاد الأوروبي يمنحنا الوسيلة لحماية أنفسنا من تقلبات العالم وتفادي آثارها»، ومنها «ضرورة التخلص نهائياً من اعتمادنا على المحروقات... وإنهاء هذه التبعية التي تجعلنا عرضة بشكل غير مباشر لتداعيات حروب كهذه، حتى نكون أحراراً في اتخاذ قراراتنا، وأحراراً في العيش داخل أوروبا وفق النموذج الذي اخترناه، دون أن نُجرّ إلى حروب الآخرين».