إيران تتطلع لـ«مسار جديد» مع «الذرية الدولية»

عراقجي: زيارة غروسي تأتي في وقت مناسب جداً

غروسي (وسط) ونائبه ماسيمو أبارو الذي يترأس إدارة الضمانات في «الذرية الدولية» على هامش مباحثات مع إسلامي في أصفهان مايو الماضي (إ.ب.أ)
غروسي (وسط) ونائبه ماسيمو أبارو الذي يترأس إدارة الضمانات في «الذرية الدولية» على هامش مباحثات مع إسلامي في أصفهان مايو الماضي (إ.ب.أ)
TT

إيران تتطلع لـ«مسار جديد» مع «الذرية الدولية»

غروسي (وسط) ونائبه ماسيمو أبارو الذي يترأس إدارة الضمانات في «الذرية الدولية» على هامش مباحثات مع إسلامي في أصفهان مايو الماضي (إ.ب.أ)
غروسي (وسط) ونائبه ماسيمو أبارو الذي يترأس إدارة الضمانات في «الذرية الدولية» على هامش مباحثات مع إسلامي في أصفهان مايو الماضي (إ.ب.أ)

تتطلع إيران إلى وضع مسار جديد للتعاون مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، الذي يروز العاصمة طهران، لإجراء مباحثات «مهمة»، بشأن القضايا العالقة بين الطرفين، غداة تحذيره من أن «هوامش المناورة بدأت تتقلص»، بشأن برنامج طهران النووي.

وصل غروسي مساء اليوم الأربعاء إلى طهران لإجراء محادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني الذي يشكّل محور توتّرات مع دول غربية، وفق مشاهد بثّها التلفزيون الرسمي.

تأتي زيارة غروسي عقب إعادة انتخاب ترمب رئيساً للولايات المتحدة وفي ظل مناخ من التوتر الحاد بين إيران وإسرائيل.

وقال غروسي الثلاثاء لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» على هامش مؤتمر «كوب 29» للمناخ الذي تستضيفه باكو، إن على السلطات الإيرانية «أن تفهم أن الوضع الدولي يزداد توتراً، وأن هوامش المناورة بدأت تتقلص، وأن إيجاد سبل للتوصل إلى حلول دبلوماسية أمر ضروري».

وأفاد بأن طهران تسمح للوكالة بالقيام بعمليات تفتيش لكن «نحتاج إلى المزيد. نظراً إلى حجم وعمق ومدى طموح برنامج إيران. علينا إيجاد وسائل لمنح الوكالة رؤية أوضح».

وقال غروسي في مقابلة الثلاثاء مع قناة «سي إن إن» الأميركية إن الإيرانيين «يمتلكون كميات كبيرة من المواد النووية التي يمكن استخدامها لتصنيع أسلحة نووية»، مضيفاً: «ليست لديهم أسلحة نووية في هذه المرحلة».

واعتمد الجمهوري خلال ولايته الأولى سياسة «ضغوط قصوى» حيال طهران، تمثّلت على وجه الخصوص بالانسحاب من الاتفاق الدولي بشأن برنامج إيران النووي، وتصنيف «الحرس الثوري» على قائمة الإرهاب.

وأكد ترمب في تصريحات، الأسبوع الماضي، أنه لا يسعى إلى إلحاق الأذى بإيران، ويريد لشعبها أن يكون له «بلد ناجح جداً»، لكنه شدّد على وجوب الحؤول دون امتلاك طهران سلاحاً نووياً.

وكان غروسي يأمل في زيارة طهران قبل انتخابات الرئاسة الأميركية، في إطار سعيه لحل عدد من المسائل العالقة منذ فترة طويلة، التي أثرت في علاقات إيران مع الوكالة وقوى غربية.

محاولات سابقة

وحاول غروسي أيضاً زيارة طهران، في سبتمبر (أيلول) الماضي، قبل الاجتماع الفصلي؛ لإجراء محادثات مع الرئيس المدعوم من الإصلاحيين، مسعود بزشكيان، لكن طهران لم تتجاوب مع محاولاته.

ونهاية سبتمبر، أعلن غروسي أن إيران تبدو مستعدة لاستئناف المفاوضات، لكنها لا تزال ترفض عودة مفتشي الوكالة الذرية إلى مواقعها.

وتعود آخر زيارة قام بها غروسي لطهران إلى مايو (أيار). وفي الأيام الأخيرة، أعربت طهران عن أنها مستعدة للتعاون مع الوكالة لحل القضايا العالقة، دون تقديم تفاصيل.

قفزة في زمن بايدن

وأبرم الاتفاق النووي بين طهران و6 قوى كبرى، عام 2015، في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وأتاح رفع عقوبات عن إيران مقابل تقييد أنشطتها النووية وضمان سلميتها.

إلا أن ترمب أعاد فرض عقوبات اقتصادية صارمة بعد انسحابه من الاتفاق في 2018. وردّت طهران ببدء التراجع تدريجياً عن غالبية التزاماتها بموجب الاتفاق، وأضافت، خلال ولاية ترمب الأولى، عدداً من أجهزة الطرد المركزي، ورفعت التخصيب من 3.67 في المائة، وهو السقف الذي حدّده الاتفاق النووي، إلى 4.5 في المائة.

وفي يناير (كانون الثاني) 2021، مع بدء مهام الرئيس جو بايدن الذي تعهَّد بإحياء الاتفاق، اتخذت طهران سلسلة خطوات غير مسبوقة، أتاحت نمو وتوسّع برنامجها النووي بشكل كبير.

ومن أبرز تلك الخطوات رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المائة. ومع انطلاق المحادثات النووية في أبريل (نيسان) 2021، قامت طهران برفع مستوى التخصيب إلى 60 في المائة، وهو المستوى القريب من 90 في المائة المطلوب لتطوير سلاح ذري.

كما أوقفت طهران العمل بالبروتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة حظر الانتشار النووي، في فبراير (شباط) 2021. وتمتنع من حينها عن تسليم تسجيلات كاميرات المراقبة في المنشآت النووية، بالإضافة إلى وقف كاميرات إضافية في مواقع حساسة. وجمَّدت طهران ترخيص مفتشين دوليين، في يونيو (حزيران) الماضي.

غروسي يجري مفاوضات مع عراقجي على هامش مفاوضات فيينا بشأن البرنامج النووي الإيراني في مايو 2021 (الوكالة الدولية)

مسار جديد

وسيحلّ غروسي، الأربعاء، على إيران للمرة الأولى منذ مايو (أيار). وأكدت الوكالة في بيان أن الزيارة تهدف إلى عقد «اجتماعات عالية المستوى مع الحكومة الإيرانية»، وإجراء «مباحثات تقنية تشمل كل الجوانب».

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في طهران: «بالطبع هناك بعض المشكلات والاختلافات في التعاون مع الوكالة الدولية، لكننا نعتقد أن زيارة غروسي تأتي في وقت مناسب جداً، وقد تم التخطيط لهذه الزيارة منذ فترة».

ونقلت وكالة «مهر» الحكومية: «نأمل أن نتمكن من التوصل إلى اتفاقات حول بعض الخلافات الموجودة وكيفية التعاون المستقبلي».

ونوَّه عراقجي بأن غروسي يتمتع «بروح إيجابية بناء على ما نقله زملاؤنا الذين تحدثوا معه في فيينا». وأضاف: «نأمل من خلال ذلك أن نتمكن من وضع مسار جديد للتعاون بين إيران والوكالة الدولية».

ومنذ تولّي الديمقراطي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة، خلفاً لترمب، مطلع عام 2021، أجرت طهران وواشنطن مباحثات غير مباشرة بواسطة أطراف الاتفاق النووي، سعياً لإحيائه. إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل.

وبعد تولي الرئيس الإصلاحي، مسعود بزشكيان، منصبه في أغسطس (آب) الماضي، أشارت طهران إلى أنها ستكون منفتحة على إجراء محادثات لإعادة إحياء الاتفاق.

وحثّت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران مراراً على التعاون، وهو ما كرّره غروسي في زيارته الأخيرة، بدعوته إلى إجراءات «ملموسة» في هذا المجال.

وخفّضت إيران من تعاونها مع الوكالة خلال الأعوام الأخيرة، وأزالت بعض كاميرات المراقبة من المنشآت، وسحبت اعتمادات عدد من مفتشي الوكالة.

فتوى خامنئي

تعود جذور البرنامج النووي الإيراني إلى الخمسينات من القرن الماضي، حين وقّعت واشنطن اتفاق تعاون مع طهران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي. وفي السبعينات، صادقت إيران على معاهدة الحدّ من الانتشار النووي.

ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، بدأت بعض الأصوات في طهران تطرح بشكل علني إمكانية إعادة النظر في العقيدة النووية. وحثّ أعضاء في البرلمان المرشد علي خامنئي، صاحب الكلمة الفصل في السياسة العليا للجمهورية، على إعادة النظر في فتواه بشأن السلاح النووي.

ويعتبر خامنئي، في فتواه، استخدام أسلحة الدمار الشامل «حراماً، ونرى السعي لحماية أبناء البشر من هذا البلاء الكبير واجباً على عاتق الجميع».

وانتشر الكلام عن وجود الفتوى في 2003، بعدما أشار إليها أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني حينذاك، حسن روحاني، خلال مفاوضات مع ممثلين من «الترويكا» الأوروبية. وبعد 10 سنوات من طرحه وجود فتوى من هذا النوع، لعب روحاني دوراً محورياً في المفاوضات النووية التي انطلقت في 2013، وانتهت بالاتفاق النووي.

وغالباً ما يعتبر المسؤولون الإيرانيون أن هذه الفتوى بمثابة ضمانة لسلمية البرنامج النووي، ولكن التلويح بتغيير المسار النووي أثار شكوكاً بين المحللين حول تماسك الفتوى.

محمد إسلامي رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية يشرح لخامنئي مجسمات لسلسلة أجهزة الطرد المركزي (إرنا)

والاثنين، حذر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، من أن طهران باتت «أكثر عرضة من أي وقت مضى لضربات على منشآتها النووية».

وتتهم إسرائيل منذ سنوات إيران بالسعي لحيازة السلاح النووي، وهو ما تنفيه طهران التي تتهم بدورها تل أبيب بالوقوف خلف عمليات اغتيال علماء وتخريب منشآت نووية.

وتبادل العدوان اللدودان خلال الأشهر الماضية ضربات مباشرة غير مسبوقة في تاريخ الصراع بينهما، وذلك على خلفية الحرب التي تخوضها إسرائيل ضد حركة «حماس» في قطاع غزة، و«حزب الله» في لبنان.

وأثار ذلك مخاوف من انخراط إيران وإسرائيل في حرب مباشرة، بعد أعوام من العمليات الخفية وضربات غير مباشرة في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط.

وقال كمال خرازي، كبير مستشاري المرشد الإيراني في الشؤون الدبلوماسية: «سنكون مضطرين لتغيير عقيدتنا العسكرية، إذا تعرضت الجمهورية الإسلامية لتهديد وجودي». وأضاف: «نملك الآن القدرة على إنتاج الأسلحة، والعائق الوحيد هو فتوى المرشد التي تحظر إنتاج الأسلحة النووية».

كما لوَّح خرازي برفع الحظر عن زيادة مدى الصواريخ الباليستية، بما يتخطى 2000 كيلومتر، وهو السقف المحدد من قبل خامنئي.


مقالات ذات صلة

هجوم يستهدف منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم في إيران

شؤون إقليمية صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية في محافظة أصفهان وسط إيران يوم 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

هجوم يستهدف منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم في إيران

​ذكرت وكالة «تسنيم» للأنباء شبه الرسمية أن ‌الولايات ​المتحدة وإسرائيل ⁠شنتا ​هجوماً على ⁠منشأة «نطنز» لتخصيب اليورانيوم ⁠صباح ‌اليوم ‌(السبت).

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية صورة ملتقطة من قمر «بلانيت لابس بي بي سي» تظهر محطة بوشهر في جنوب إيران (أرشيفية- أ.ب)

مقذوف يضرب محيط محطة بوشهر النووية وموسكو تندد

أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن محطة بوشهر النووية في جنوب إيران تعرضت، مساء الثلاثاء، لإصابة بمقذوف.

«الشرق الأوسط» (فيينا – موسكو )
الولايات المتحدة​ مدير وكالة استخبارات الدفاع الأميركي الفريق جيمس آدامز ومديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد والقائم بأعمال مدير وكالة الأمن القومي الفريق ويليام هارتمان يدلون بشهادتهم أمام لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ في جلسة استماع بمبنى الكابيتول في العاصمة الأميركية واشنطن... 18 مارس الحالي (رويترز) p-circle 01:23

غابارد: النظام الإيراني ضعف بشدة جراء الضربات على قياداته وقدراته العسكرية

قالت مديرة المخابرات الوطنية الأميركية تولسي غابارد، إن إيران ووكلاءها ما زالوا قادرين على مهاجمة مصالح واشنطن وحلفائها في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر جنوب العاصمة طهران (أرشيفية - أ.ب) p-circle

«الوكالة الذرية»: لا أضرار في «بوشهر» النووية الإيرانية بعد استهداف موقعها

نددت «روس آتوم»، شركة الطاقة النووية الحكومية ​في روسيا، بالهجوم الذي استهدف أراضي محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران، ودعت إلى تهدئة الوضع في محيط ‌المنشأة.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى وصوله إلى البيت الأبيض مساء الأحد قادماً من فلوريدا (أ.ب)

ردود متباينة على دعوة ترمب لتحالف دولي من أجل هرمز

واجهت دعوة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لتشكيل تحالف دولي بحري يحمي الملاحة في مضيق هرمز ردود فعل متحفظة ورافضة، وتعقيدات قانونية وسياسية ولوجيستية.

هبة القدسي (واشنطن)

قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
TT

قراءة فرنسية في نتائج وساطتها: زمن التفاوض لم يحن بعد

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)
معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تعترف المصادر الفرنسية بأن الزيارة السريعة التي أجراها وزير الخارجية، جان نويل بارو، إلى لبنان وإسرائيل، لم تسفر عن نتائج مباشرة. غير أن ذلك لا يعني أنها لم تكن «مفيدة». فالساعات القليلة التي أمضاها بارو في البلدين وفرت له الفرصة لتوجيه مجموعة من الرسائل للسلطات اللبنانية والإسرائيلية خصوصاً أنه ذهب إلى المنطقة للترويج لخطة غرضها دفع الطرفين، رغم الحرب القائمة بين «حزب الله» وإسرائيل، للجلوس إلى طاولة المفاوضات المباشرة، وهو المبدأ الذي قبله الجانب اللبناني وكان يطالب به الجانب الإسرائيلي منذ شهور.

الوزير بارو يصافح نظيره الإسرائيلي جدعون ساعر قبل اجتماعهما الجمعة (رويترز)

وفي هذا الخصوص، تقول مصادر دبلوماسية فرنسية إن هناك «مساحة لإطلاق محادثات غير مسبوقة بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيلية»، مضيفة أن بارو أوصل رسالة إلى الجانب الإسرائيلي مفادها بأن هناك «فرصة تاريخية يتعين اقتناصها والسير بها من أجل تسوية دائمة... يفترض بها أن تؤسس إطاراً جديداً للعلاقات اللبنانية - الإسرائيلية، وأن تتيح وضع حد لحالة الحرب القائمة بينهما منذ عام 1949». وهذا الهدف منصوص عليه في «الورقة» الفرنسية التي تطمح أيضاً إلى «ترسيم الحدود البرية بين لبنان وإسرائيل وتعبيد الطريق من أجل سلام وأمن ينعم بهما الطرفان».

وبالطبع، وفرت الزيارة للوزير الفرنسي الفرصة ليعيد تأكيد استعداد باريس لتقديم المساعدة؛ بما فيها اللوجيستية عن طريق استضافة المفاوضات. ويبدو أن الزيارة كسرت الجليد بين باريس وتل أبيب؛ مما تؤشر إليه اللهجة الفرنسية «المعتدلة» إزاء إسرائيل.

وجود مساحة للتفاوض ولكن...

بيد أن «مساحة المفاوضات» التي تراها باريس لا يبدو أن الطريق إليها سالكة؛ أقله في الوقت الحاضر، ومن غير حدوث تطورات تتيح الوصول إليها. ففرنسا نفسها، وفق تحليل مصادرها، تعرف أن «إسرائيل لا تريد المفاوضات اليوم»، وأن ثمة «عوائق» من الجانبين اللبناني والإسرائيلي... فـ«حزب الله» يربط بين الحرب التي يخوضها مع إسرائيل، وحرب إسرائيل وإيران. وفي الجانب الآخر، ترفض إسرائيل قبول وقف أحادي لإطلاق النار وترفض أن يكون شرطاً لخوض غمار المحادثات المباشرة.

وبكلام آخر، فإن إسرائيل تريد استنساخ ما حدث في غزة لجهة «التفاوض تحت النار»، وهو ما أشار إليه ميشال عيسى، السفير الأميركي لدى لبنان الجمعة. وخلاصة باريس أن «زمن التفاوض لم يحن بعد». ورداً على سؤال: متى يمكن أن يحين؟ فإن الطرف الفرنسي يربطه بالتطورات الخاصة بتنفيذ القرارات «الشجاعة» التي أقرتها السلطات اللبنانية بالنسبة إلى «حزب الله»، في إشارة واضحة إلى نزع سلاحه وحصره في قوى الدولة الشرعية. في المقابل، وبانتظار تطورات لن تأتي قريباً، فإن باريس تريد من إسرائيل أمراً رئيسياً؛ هو الامتناع عن اجتياح أرضي واسع النطاق لجنوب لبنان.

تسوّق فرنسا، في هذا السياق، لمجموعة من الحجج؛ لعل أقواها أن اجتياحاً يعقبه احتلال لمساحات من الأراضي اللبنانية يعدّ خطأً كبيراً. وأول نتائجه أنه يوفر لـ«حزب الله» شرعية جديدة تحت عنوان «مقاومة الاحتلال وتحرير الأراضي» ستساعده على استعادة كل شعبيته داخل بيئته. فضلاً عن ذلك، فإن عملية عسكرية كبرى ستترتب عليها نتائج إنسانية كارثية؛ وهي واقعة فعلياً قبل أن تنطلق عملية كهذه؛ بالنظر إلى أعداد الضحايا والنازحين والدمار. وخلاصة باريس أن إسرائيل سوف ترتكب «خطأً استراتيجياً» في حال حدثه، وأن تجاربها الاحتلالية في لبنان منذ سبعينات القرن الماضي وحتى اليوم يجب أن تمنعها من تكرار أخطاء الماضي. وأحد العناصر التي ركز عليها بارو في لقائه جدعون ساعر، وزير الخارجية الإسرائيلي، تأكيده أن النجاحات التكتيكية العسكرية لن توفر الأمن لإسرائيل إن لم تكن منخرطة في إطار استراتيجية سياسية ودبلوماسية؛ مما يعيد الأمر إلى المربع الأول؛ أي المفاوضات والحل السياسي.

التنسيق مع الجانب الأميركي

رغم أن باريس تَعدّ أن «الشروط غير متوافرة من أجل إطلاق المفاوضات» المباشرة، فإن مصادرها ترى، في المقابل، أن ثمة إمكانية لتجاوز هذه العوائق، وهي تعمل على ذلك بالتعاون والتنسيق مع الجانب الأميركي.

بيد أن الأمور تتعقد عند الاستفهام عمّا إذا كانت الإدارة الأميركية؛ المهتمة بالمفاوضات والساعية إلى تيسيرها، راغبة في «لجم» التصعيد الإسرائيلي في لبنان، الذي يعدّ أحد عناصر المصاعب الرئيسية الحائلة دون التقدم على درب المفاوضات. ويأتي الجواب بالنفي. فباريس ترى أنه في نظر الإدارة الأميركية أن واشنطن وتل أبيب تخوضان حرباً مشتركة ضد إيران، وحرب إسرائيل ضد «حزب الله» جزء منها، كما أن «حزب الله» هو امتداد لـ«الحرس الثوري» الإيراني، وبالتالي؛ فإن واشنطن ليست في وضع يخولها ممارسة الضغوط على إسرائيل في الظروف الراهنة.

وبكلام آخر، تَعدّ باريس أن إسرائيل تمتلك ضوءاً أخضر من واشنطن لتفعل في لبنان ما تريده؛ باستثناء ضرب بعض المرافق الحيوية والاستراتيجية كالمطار والمرفأ، وكان يعتقد سابقاً أن الكهرباء من ضمن المرافق المشمولة، ولكن يبدو أن إسرائيل لا تحترم «التعهد» الأخير، والدليل على ذلك ما نفذته باستهدافها محولاً كهربائياً رئيسياً في بنت جبيل. وهذه المقاربة الأميركية لا تمنع واشنطن من الوقوف إلى جانب جلوس لبنان وإسرائيل إلى طاولة المفاوضات. واستبق الرئيس ترمب أي تقدم في هذا الاتجاه بتعيين صهره جاريد كوشنر ممثلاً له في أي مفاوضات من هذا النوع.

معاناة النازحين إلى بيروت وسط العواصف والطقس الماطر (رويترز)

تقول باريس إن الهدف الأول من زيارة بارو الثنائية كان توفير الدعم للسكان في البلدين. لكن بارو حمل في المقام الأول دعماً للحكومة اللبنانية «الغارقة في مستنقع حرب لم تخترها». وحرص بارو على التعبير عن دعم بلاده القرارات التي اتخذها مجلس الوزراء في جلسته الشهيرة يوم 2 مارس (آذار) الحالي بالنسبة إلى منع الأنشطة العسكرية لـ«حزب الله» ومصادرة السلاح وأيضاً ترحيل إيرانيين إلى بلادهم. وشدد بارو على ضرورة أن تنفَّذ القرارات الحكومية وأن تنجح السلطات في فرض سيادة الدولة على كل أراضيها إزاء «حزب» ينفذ أجندة خارجية على حساب لبنان.

خلاصة ما ستسعى إليه فرنسا في الأيام والأسابيع المقبلة عنوانه مواصلة الحراك الدبلوماسي بالتعاون والتنسيق مع الطرف الأميركي، وممارسة الضغوط للدفع باتجاه المفاوضات المباشرة. بيد أن مشكلة باريس أنها تفتقر إلى الأوراق التي تمكنها من التأثير على مسار الأحداث، وأن الرهان على المساندة الأميركية لن يكون بالضرورة رهاناً رابحاً.


بزشكيان يدعو مجموعة «بريكس» إلى لعب دور مستقل في «وقف الاعتداءات ضد إيران»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
TT

بزشكيان يدعو مجموعة «بريكس» إلى لعب دور مستقل في «وقف الاعتداءات ضد إيران»

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان (د.ب.أ)

ذكرت سفارة إيران لدى الهند في منشور على منصة «إكس» اليوم (السبت)، أن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قال إن هناك حاجة إلى «وقف فوري» لما وصفه بأنه عدوان أميركي إسرائيلي، من أجل إنهاء الحرب والصراع الأوسع نطاقاً في الشرق الأوسط.

وتحدث بزشكيان هاتفياً مع رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، في وقت سابق اليوم.

وأبلغ بزشكيان مودي بضرورة وجود ضمانات لمنع تكرار مثل هذا «العدوان» في المستقبل. ودعا أيضاً الدول الأعضاء في مجموعة «بريكس» إلى الاضطلاع بدور مستقل في وقف العدوان على إيران.

رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي (أ.ب)

وذكرت السفارة الإيرانية لدى الهند أن بزشكيان قدم اقتراحاً لإطار عمل أمني إقليمي يضم دول غرب آسيا، من أجل ضمان السلام دون تدخل أجنبي. وذكر مودي في منشور منفصل على «إكس» في وقت سابق اليوم، أنه ندد بالهجمات على البنية التحتية الحيوية في منطقة الشرق الأوسط، خلال نقاشه مع بزشكيان.

وأكد مودي أهمية ضمان حماية حرية الملاحة، وبقاء الممرات الملاحية مفتوحة وآمنة.


إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

إسرائيل تحذر من «انتصار إيراني» إذا أوقف ترمب الحرب

رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يتحدث مع وزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير في 3 مارس 2026 (د.ب.أ)

تدفع إسرائيل نحو مواصلة حربها مع إيران رغم تصاعد الضغوط الدولية لوقفها، في وقت تحذر فيه من أن أي إنهاء مبكر للعمليات قد يمنح طهران «انتصاراً فعلياً»، وفق مصدر إسرائيلي كبير، في صورة تعكس تناقضاً بين تسريع الهجمات والاستعداد لاحتمال قرار مفاجئ من الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف القتال.

ونقلت القناة «12» الإسرائيلية عن المصدر أن إسرائيل ترصد ضغوطاً شديدة لإنهاء الحرب، ولا تستبعد أن يفعلها الرئيس ترمب في أي لحظة، «لكن إذا حدث ذلك فعلاً فسيخرج الإيرانيون منتصرين».

وجاء في تقرير للقناة الإسرائيلية أن تل أبيب تراقب ضغوط أطراف إقليمية لإنهاء الحرب في أعقاب الهجمات الإيرانية المتزايدة ضد بنى تحتية في المنطقة، بالتزامن مع توسع دائرة الاتصالات المباشرة مع البيت الأبيض لوقف إطلاق النار، فيما تدرس واشنطن الأمر.

وقال المصدر الإسرائيلي للقناة «12» إن «هذا السيناريو يمثل نقطة حرجة (...) إذا نجحت الضغوط في إنهاء الحرب، فسيخرج الإيرانيون منتصرين»، على حد تعبيره.

وتدرك إسرائيل أن الرئيس الأميركي قد يتخذ قراراً منفرداً بوقف العملية العسكرية، ما يدفعها للتأهب على المستوى العسكري إلى جانب تسريع وتيرة الهجمات لتعظيم الإنجازات.

وتعززت الشكوك في قيام ترمب «بأي شيء في هذه الحرب»، بعدما تنصل علناً من الهجوم الإسرائيلي على منشآت الغاز في إيران، رغم التنسيق معه مسبقاً وبشكل مباشر، كما تقول القناة «12».

طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة في العمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

«لا يفهمون ترمب تماماً»

مع ذلك، تأمل إسرائيل في أن الرئيس الأميركي لن يوقف العملية في الوقت الحالي، وأن يواصل جهوده لإجبار النظام الإيراني على الاستسلام، خصوصاً بعد تصريحاته التي قال فيها إنه «قادر على إنهاء الحرب، لكنه لا يريد». وأضاف: «لا أريد وقف إطلاق نار مع إيران».

وعلق مصدر إسرائيلي بالقول إنها «علامة على تصميم ترمب على مواصلة الحرب وتحقيق الحسم».

ويوضح تقرير القناة «12» أنهم في إسرائيل «لا يفهمون ترمب تماماً، لذلك يحاولون تصعيد الهجوم»، مشيرة إلى «وضع هدف جديد للحرب يتمثل في الإطاحة بقدرات (الحرس الثوري) للسيطرة على إيران».

وقال مسؤول أمني كبير: «الجهد الرئيسي الآن هو إفشال سيطرة (الحرس الثوري)؛ لأن الانطباع بأن النظام الإيراني حصين هو صورة خاطئة، وقد تسفر الضربات القوية المستمرة عن تفتته».

وتعهد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بزيادة وتيرة الغارات على إيران بشكل كبير هذا الأسبوع.

وقال كاتس بعد اجتماع لتقييم الوضع الأمني مع كبار قادة الجيش وأجهزة الأمن في مقر وزارة الدفاع إن «وتيرة الضربات التي ستنفذها القوات الإسرائيلية والجيش الأميركي ضد نظام الإرهاب الإيراني والبنى التحتية التي يعتمد عليها ستزداد بشكل كبير هذا الأسبوع».

وأضاف كاتس في محاولة لتبديد الشكوك حول نية ترمب: «الحملة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ستتواصل ولن نتوقف ما لم تتحقق كل أهداف الحرب».

وجاءت تصريحات كاتس قبل أن يزور روضة أطفال تعرضت لأضرار في ريشون لتسيون جنوب تل أبيب، وهناك عاد وقال إن القتال سيستمر.

وقالت صحيفة «يديعوت أحرونوت» إن تصريحات كاتس تؤشر إلى أن القتال سيتواصل أيضاً أثناء عطلة عيد الفصح بداية الشهر القادم.

مع ذلك، ليس من الواضح بعد كيف تريد إسرائيل إحباط ما تصفه بـ«سيطرة الحرس الثوري» على إيران.

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يبكي على نعش قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي خلال تشييع عسكريين قتلوا في الضربات الإسرائيلية يوم 28 يونيو 2025 (أرشيفية - أ.ف.ب)

اغتيال المزيد...

وقالت مصادر أمنية إسرائيلية لموقع «واللا» إن الجيش حاول اغتيال المزيد من قادة النظام في إيران، من دون أن يتضح إلى أي حد نجح في ذلك، مشيرة إلى «هجمات واسعة النطاق نُفذت في إيران ليلة (السبت)، استهدفت شخصيات بارزة، بانتظار أن يجمع الجيش المعلومات الاستخباراتية».

وأضافت المصادر: «في حال نجاح هذه الهجمات، فستكون ضربة أخرى للنظام الإيراني وقدرته على تبني سياسات متطرفة ضد إسرائيل والولايات المتحدة والمواطنين الإيرانيين».

في هذا السياق، لا تزال إسرائيل تتعقب المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي، رغم التقارير المتواترة التي تلقي الكثير من الغموض حول مصيره، لكن ثمة تقييماً جديداً يفيد بأنه «على قيد الحياة وإصابته ليست خطيرة».

وقالت صحيفة «يديعوت» إن الإيرانيين لا يظهرون خامنئي علناً ولا ينشرون فيديوهات له، متبعين سياسة تضليل لتعزيز الغموض.

وقالت «يديعوت» إن افتراضاً سائداً في إسرائيل يزعم أن خامنئي لا يمارس مهامه ولا يصدر تعليمات لمرؤوسيه، وأن أعضاء في «الحرس الثوري» هم من يملأون هذا الفراغ، بعدما كانوا «يعاملون مجتبى خامنئي سابقاً كدمية في أيديهم»، حسب تعبير الصحيفة.