إيران تتطلع لـ«مسار جديد» مع «الذرية الدولية»

عراقجي: زيارة غروسي تأتي في وقت مناسب جداً

غروسي (وسط) ونائبه ماسيمو أبارو الذي يترأس إدارة الضمانات في «الذرية الدولية» على هامش مباحثات مع إسلامي في أصفهان مايو الماضي (إ.ب.أ)
غروسي (وسط) ونائبه ماسيمو أبارو الذي يترأس إدارة الضمانات في «الذرية الدولية» على هامش مباحثات مع إسلامي في أصفهان مايو الماضي (إ.ب.أ)
TT

إيران تتطلع لـ«مسار جديد» مع «الذرية الدولية»

غروسي (وسط) ونائبه ماسيمو أبارو الذي يترأس إدارة الضمانات في «الذرية الدولية» على هامش مباحثات مع إسلامي في أصفهان مايو الماضي (إ.ب.أ)
غروسي (وسط) ونائبه ماسيمو أبارو الذي يترأس إدارة الضمانات في «الذرية الدولية» على هامش مباحثات مع إسلامي في أصفهان مايو الماضي (إ.ب.أ)

تتطلع إيران إلى وضع مسار جديد للتعاون مع مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، الذي يروز العاصمة طهران، لإجراء مباحثات «مهمة»، بشأن القضايا العالقة بين الطرفين، غداة تحذيره من أن «هوامش المناورة بدأت تتقلص»، بشأن برنامج طهران النووي.

وصل غروسي مساء اليوم الأربعاء إلى طهران لإجراء محادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني الذي يشكّل محور توتّرات مع دول غربية، وفق مشاهد بثّها التلفزيون الرسمي.

تأتي زيارة غروسي عقب إعادة انتخاب ترمب رئيساً للولايات المتحدة وفي ظل مناخ من التوتر الحاد بين إيران وإسرائيل.

وقال غروسي الثلاثاء لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» على هامش مؤتمر «كوب 29» للمناخ الذي تستضيفه باكو، إن على السلطات الإيرانية «أن تفهم أن الوضع الدولي يزداد توتراً، وأن هوامش المناورة بدأت تتقلص، وأن إيجاد سبل للتوصل إلى حلول دبلوماسية أمر ضروري».

وأفاد بأن طهران تسمح للوكالة بالقيام بعمليات تفتيش لكن «نحتاج إلى المزيد. نظراً إلى حجم وعمق ومدى طموح برنامج إيران. علينا إيجاد وسائل لمنح الوكالة رؤية أوضح».

وقال غروسي في مقابلة الثلاثاء مع قناة «سي إن إن» الأميركية إن الإيرانيين «يمتلكون كميات كبيرة من المواد النووية التي يمكن استخدامها لتصنيع أسلحة نووية»، مضيفاً: «ليست لديهم أسلحة نووية في هذه المرحلة».

واعتمد الجمهوري خلال ولايته الأولى سياسة «ضغوط قصوى» حيال طهران، تمثّلت على وجه الخصوص بالانسحاب من الاتفاق الدولي بشأن برنامج إيران النووي، وتصنيف «الحرس الثوري» على قائمة الإرهاب.

وأكد ترمب في تصريحات، الأسبوع الماضي، أنه لا يسعى إلى إلحاق الأذى بإيران، ويريد لشعبها أن يكون له «بلد ناجح جداً»، لكنه شدّد على وجوب الحؤول دون امتلاك طهران سلاحاً نووياً.

وكان غروسي يأمل في زيارة طهران قبل انتخابات الرئاسة الأميركية، في إطار سعيه لحل عدد من المسائل العالقة منذ فترة طويلة، التي أثرت في علاقات إيران مع الوكالة وقوى غربية.

محاولات سابقة

وحاول غروسي أيضاً زيارة طهران، في سبتمبر (أيلول) الماضي، قبل الاجتماع الفصلي؛ لإجراء محادثات مع الرئيس المدعوم من الإصلاحيين، مسعود بزشكيان، لكن طهران لم تتجاوب مع محاولاته.

ونهاية سبتمبر، أعلن غروسي أن إيران تبدو مستعدة لاستئناف المفاوضات، لكنها لا تزال ترفض عودة مفتشي الوكالة الذرية إلى مواقعها.

وتعود آخر زيارة قام بها غروسي لطهران إلى مايو (أيار). وفي الأيام الأخيرة، أعربت طهران عن أنها مستعدة للتعاون مع الوكالة لحل القضايا العالقة، دون تقديم تفاصيل.

قفزة في زمن بايدن

وأبرم الاتفاق النووي بين طهران و6 قوى كبرى، عام 2015، في عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، وأتاح رفع عقوبات عن إيران مقابل تقييد أنشطتها النووية وضمان سلميتها.

إلا أن ترمب أعاد فرض عقوبات اقتصادية صارمة بعد انسحابه من الاتفاق في 2018. وردّت طهران ببدء التراجع تدريجياً عن غالبية التزاماتها بموجب الاتفاق، وأضافت، خلال ولاية ترمب الأولى، عدداً من أجهزة الطرد المركزي، ورفعت التخصيب من 3.67 في المائة، وهو السقف الذي حدّده الاتفاق النووي، إلى 4.5 في المائة.

وفي يناير (كانون الثاني) 2021، مع بدء مهام الرئيس جو بايدن الذي تعهَّد بإحياء الاتفاق، اتخذت طهران سلسلة خطوات غير مسبوقة، أتاحت نمو وتوسّع برنامجها النووي بشكل كبير.

ومن أبرز تلك الخطوات رفع مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 20 في المائة. ومع انطلاق المحادثات النووية في أبريل (نيسان) 2021، قامت طهران برفع مستوى التخصيب إلى 60 في المائة، وهو المستوى القريب من 90 في المائة المطلوب لتطوير سلاح ذري.

كما أوقفت طهران العمل بالبروتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة حظر الانتشار النووي، في فبراير (شباط) 2021. وتمتنع من حينها عن تسليم تسجيلات كاميرات المراقبة في المنشآت النووية، بالإضافة إلى وقف كاميرات إضافية في مواقع حساسة. وجمَّدت طهران ترخيص مفتشين دوليين، في يونيو (حزيران) الماضي.

غروسي يجري مفاوضات مع عراقجي على هامش مفاوضات فيينا بشأن البرنامج النووي الإيراني في مايو 2021 (الوكالة الدولية)

مسار جديد

وسيحلّ غروسي، الأربعاء، على إيران للمرة الأولى منذ مايو (أيار). وأكدت الوكالة في بيان أن الزيارة تهدف إلى عقد «اجتماعات عالية المستوى مع الحكومة الإيرانية»، وإجراء «مباحثات تقنية تشمل كل الجوانب».

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي في طهران: «بالطبع هناك بعض المشكلات والاختلافات في التعاون مع الوكالة الدولية، لكننا نعتقد أن زيارة غروسي تأتي في وقت مناسب جداً، وقد تم التخطيط لهذه الزيارة منذ فترة».

ونقلت وكالة «مهر» الحكومية: «نأمل أن نتمكن من التوصل إلى اتفاقات حول بعض الخلافات الموجودة وكيفية التعاون المستقبلي».

ونوَّه عراقجي بأن غروسي يتمتع «بروح إيجابية بناء على ما نقله زملاؤنا الذين تحدثوا معه في فيينا». وأضاف: «نأمل من خلال ذلك أن نتمكن من وضع مسار جديد للتعاون بين إيران والوكالة الدولية».

ومنذ تولّي الديمقراطي جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة، خلفاً لترمب، مطلع عام 2021، أجرت طهران وواشنطن مباحثات غير مباشرة بواسطة أطراف الاتفاق النووي، سعياً لإحيائه. إلا أن كل هذه المحاولات باءت بالفشل.

وبعد تولي الرئيس الإصلاحي، مسعود بزشكيان، منصبه في أغسطس (آب) الماضي، أشارت طهران إلى أنها ستكون منفتحة على إجراء محادثات لإعادة إحياء الاتفاق.

وحثّت الوكالة الدولية للطاقة الذرية إيران مراراً على التعاون، وهو ما كرّره غروسي في زيارته الأخيرة، بدعوته إلى إجراءات «ملموسة» في هذا المجال.

وخفّضت إيران من تعاونها مع الوكالة خلال الأعوام الأخيرة، وأزالت بعض كاميرات المراقبة من المنشآت، وسحبت اعتمادات عدد من مفتشي الوكالة.

فتوى خامنئي

تعود جذور البرنامج النووي الإيراني إلى الخمسينات من القرن الماضي، حين وقّعت واشنطن اتفاق تعاون مع طهران في عهد الشاه محمد رضا بهلوي. وفي السبعينات، صادقت إيران على معاهدة الحدّ من الانتشار النووي.

ومع تصاعد التوتر بين إيران وإسرائيل، بدأت بعض الأصوات في طهران تطرح بشكل علني إمكانية إعادة النظر في العقيدة النووية. وحثّ أعضاء في البرلمان المرشد علي خامنئي، صاحب الكلمة الفصل في السياسة العليا للجمهورية، على إعادة النظر في فتواه بشأن السلاح النووي.

ويعتبر خامنئي، في فتواه، استخدام أسلحة الدمار الشامل «حراماً، ونرى السعي لحماية أبناء البشر من هذا البلاء الكبير واجباً على عاتق الجميع».

وانتشر الكلام عن وجود الفتوى في 2003، بعدما أشار إليها أمين عام المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني حينذاك، حسن روحاني، خلال مفاوضات مع ممثلين من «الترويكا» الأوروبية. وبعد 10 سنوات من طرحه وجود فتوى من هذا النوع، لعب روحاني دوراً محورياً في المفاوضات النووية التي انطلقت في 2013، وانتهت بالاتفاق النووي.

وغالباً ما يعتبر المسؤولون الإيرانيون أن هذه الفتوى بمثابة ضمانة لسلمية البرنامج النووي، ولكن التلويح بتغيير المسار النووي أثار شكوكاً بين المحللين حول تماسك الفتوى.

محمد إسلامي رئيس المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية يشرح لخامنئي مجسمات لسلسلة أجهزة الطرد المركزي (إرنا)

والاثنين، حذر وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، من أن طهران باتت «أكثر عرضة من أي وقت مضى لضربات على منشآتها النووية».

وتتهم إسرائيل منذ سنوات إيران بالسعي لحيازة السلاح النووي، وهو ما تنفيه طهران التي تتهم بدورها تل أبيب بالوقوف خلف عمليات اغتيال علماء وتخريب منشآت نووية.

وتبادل العدوان اللدودان خلال الأشهر الماضية ضربات مباشرة غير مسبوقة في تاريخ الصراع بينهما، وذلك على خلفية الحرب التي تخوضها إسرائيل ضد حركة «حماس» في قطاع غزة، و«حزب الله» في لبنان.

وأثار ذلك مخاوف من انخراط إيران وإسرائيل في حرب مباشرة، بعد أعوام من العمليات الخفية وضربات غير مباشرة في أنحاء مختلفة من الشرق الأوسط.

وقال كمال خرازي، كبير مستشاري المرشد الإيراني في الشؤون الدبلوماسية: «سنكون مضطرين لتغيير عقيدتنا العسكرية، إذا تعرضت الجمهورية الإسلامية لتهديد وجودي». وأضاف: «نملك الآن القدرة على إنتاج الأسلحة، والعائق الوحيد هو فتوى المرشد التي تحظر إنتاج الأسلحة النووية».

كما لوَّح خرازي برفع الحظر عن زيادة مدى الصواريخ الباليستية، بما يتخطى 2000 كيلومتر، وهو السقف المحدد من قبل خامنئي.


مقالات ذات صلة

واشنطن وطهران تتقدمان فنياً في الدوحة وسط خلافات على «هرمز»

شؤون إقليمية السفينتان الأميركيتان «يو إس إس بوكسر» و«يو إس إس بورتلاند» تبحران في المحيط الهندي ضمن انتشار عسكري مقرر في الشرق الأوسط، الاثنين (سنتكوم)

واشنطن وطهران تتقدمان فنياً في الدوحة وسط خلافات على «هرمز»

يعقد المبعوثون الأميركيون والإيرانيون محادثات فنية غير مباشرة، الأربعاء، في الدوحة في إطار تنفيذ بنود مذكرة التفاهم مع إيران لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن-الدوحة)
تحليل إخباري الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوسط نائب الرئيس جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو (رويترز)

تحليل إخباري إيران تختبر حدود التفاهم: هرمز والاقتصاد يضغطان على مسار التهدئة

لا تبدو التحركات الإيرانية الأخيرة في مضيق هرمز مجرد خلاف تقني على خطوط الملاحة، بل محاولة لإعادة رسم موازين القوة التي ستُدار على أساسها المفاوضات مع واشنطن.

إيلي يوسف ( واشنطن)
الولايات المتحدة​ ترمب وفانس في البيت الأبيض في 24 يونيو 2026 (أ.ب)

هل يدفع فانس ثمن المفاوضات مع إيران؟

لم تهدأ حمى إيران في الكونغرس، فاستياء الحزبين من مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران يزداد حدة، وبلغ ذروته في إحاطة مغلقة لمسؤولين في الإدارة مع المشرعين.

رنا أبتر (واشنطن)
شؤون إقليمية إيرانيتان تمران أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (رويترز) p-circle

غموض يكتنف محادثات الدوحة بين واشنطن وطهران

قالت وزارة الخارجية القطرية، الثلاثاء، إن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر سيلتقيان وسطاء في الدوحة لبحث الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن - الدوحة-طهران)
شؤون إقليمية أعلام قطر وإيران والولايات المتحدة والكويت (أرشيفية - رويترز)

إيران ترجح إجراء مباحثات في الدوحة بشأن أصولها المجمدة

رجحت إيران، الثلاثاء، إجراء مباحثات مع قطر، الأربعاء، بشأن الإفراج عن أصولها المجمدة في الخارج، بموجب مذكرة التفاهم المبرمة مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)

كاتس يؤكد أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في لبنان وسوريا وغزة «لفترة غير محدودة»

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
TT

كاتس يؤكد أن الجيش الإسرائيلي سيبقى في لبنان وسوريا وغزة «لفترة غير محدودة»

وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)
وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس (د.ب.أ)

أكد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، اليوم الأربعاء، أن قواته ستبقى في «المناطق الأمنية» في لبنان وسوريا وغزة دون تحديد جدول زمني للانسحاب.

وقال كاتس خلال مراسم تأبينية للجنود الذين قتلوا في الحرب مع لبنان في عام 2006: «سيبقى الجيش الإسرائيلي في المناطق الأمنية في لبنان وسوريا وغزة لفترة غير محدودة، من أجل حماية سكاننا وبلداتنا من العناصر الجهادية».

وشدد كاتس: «لن ننسحب من المناطق الأمنية»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحذر كاتس طهران مجدداً من أنها ستتعرض «بكل قوة» لضربات في حال هاجمت القوات الإسرائيلية التي تقاتل في لبنان.

وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أكد، الثلاثاء، أن قواته ستبقى في لبنان ما دام «حزب الله» المدعوم من إيران، يشكل تهديداً لسكان شمال إسرائيل.

ويؤكد قادة إسرائيل أن قوات الجيش لن تقوم بأي انسحاب إلا بعد نزع سلاح «حزب الله» من لبنان.

وطالت الحرب في الشرق الأوسط لبنان في 2 مارس (آذار)، عندما أطلق «حزب الله» صواريخ على الدولة العبرية رداً على اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في أول أيام الهجوم الأميركي الإسرائيلي في 28 فبراير (شباط). وردّت إسرائيل بشنّ غارات واسعة النطاق واجتياح بري لجنوب لبنان، ما أسفر عن مقتل 4300 شخص بحسب السلطات.

وفي سوريا، وسعت إسرائيل انتشار قواتها في جنوب سوريا إلى جبل الشيخ وأبعد من المنطقة العازلة المنزوعة السلاح في الجولان، عقب سقوط حكم بشار الأسد في 2024.

أما في غزة، فتسيطر إسرائيل على نحو 70 في المائة من مساحة القطاع ولم توقف ضرباتها بشكل كامل رغم اتفاق وقف إطلاق النار.


واشنطن وطهران تتقدمان فنياً في الدوحة وسط خلافات على «هرمز»

السفينتان الأميركيتان «يو إس إس بوكسر» و«يو إس إس بورتلاند» تبحران في المحيط الهندي ضمن انتشار عسكري مقرر في الشرق الأوسط، الاثنين (سنتكوم)
السفينتان الأميركيتان «يو إس إس بوكسر» و«يو إس إس بورتلاند» تبحران في المحيط الهندي ضمن انتشار عسكري مقرر في الشرق الأوسط، الاثنين (سنتكوم)
TT

واشنطن وطهران تتقدمان فنياً في الدوحة وسط خلافات على «هرمز»

السفينتان الأميركيتان «يو إس إس بوكسر» و«يو إس إس بورتلاند» تبحران في المحيط الهندي ضمن انتشار عسكري مقرر في الشرق الأوسط، الاثنين (سنتكوم)
السفينتان الأميركيتان «يو إس إس بوكسر» و«يو إس إس بورتلاند» تبحران في المحيط الهندي ضمن انتشار عسكري مقرر في الشرق الأوسط، الاثنين (سنتكوم)

بدأت الولايات المتحدة وإيران، الأربعاء، محادثات فنية غير مباشرة في الدوحة تركز على الأصول الإيرانية المجمدة وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز، فيما قال مسؤول أميركي إن «تقدماً جيداً» يتواصل، بعد تبادل للضربات هدد وقف إطلاق النار الذي تستند إليه مذكرة تفاهم تمنح الطرفين 60 يوماً للتوصل إلى اتفاق أوسع.

وقال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز» إن المحادثات بدأت مساء الثلاثاء، وإن الوفد الإيراني اجتمع بمسؤولين قطريين وباكستانيين تولوا التواصل مع الجانب الأميركي. وأضاف أنها استمرت الأربعاء وركزت على الإفراج عن الأموال المجمدة ومضيق هرمز.

وأكد مصدر مطلع أن قطر وباكستان تضطلعان بالوساطة، فيما قال دبلوماسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن المحادثات تجري عبر الوسطاء، من دون مشاركة المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف أو جاريد كوشنر، صهر الرئيس دونالد ترمب، في الجلسات الفنية.

وتحاول الدوحة تثبيت مسار تفاوضي لا يزال هشاً بعد تبادل للضربات كاد ينسف وقف إطلاق النار. وقال مسؤول أميركي رفيع لشبكة «فوكس نيوز» إن المحادثات تحقق «تقدماً جيداً»، وإن ويتكوف وكوشنر أجريا محادثات «إيجابية للغاية» مع قادة إقليميين. وأضاف أن السفن تعبر مضيق هرمز بمعدلات أعلى، بينما تتراجع أسعار النفط.

اتصالات عبر الوسطاء

التقى ويتكوف وكوشنر، الثلاثاء، رئيس الوزراء ووزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني. وقالت الخارجية القطرية إن الاجتماع تناول المحادثات الأميركية ـ الإيرانية ووقف إطلاق النار في لبنان وضرورة تثبيته بما يحفظ وحدة البلاد وسيادتها واستقرارها.

وأكدت قطر أن المبعوثين الأميركيين لن يلتقيا مباشرة مسؤولين إيرانيين في المرحلة الحالية. وجدد رئيس الوزراء القطري التزام بلاده بالوساطة ودعم المفاوضات المنصوص عليها في مذكرة التفاهم. وقال البيان إن المبعوثين أعربا عن تقدير واشنطن لدور قطر وباكستان، وأكدا مواصلة المفاوضات ودعم الجهود الرامية إلى اتفاق شامل.

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد نفت في البداية وجود ترتيبات لاجتماع، قبل أن تؤكد إرسال وفد من الخبراء برئاسة نائب وزير الخارجية كاظم غريب آبادي. وقال المتحدث باسمها إسماعيل بقائي إن طهران لن تعقد أي اجتماع تفاوضي مباشر مع الأميركيين «على أي مستوى»، وإن مهمة الوفد تقتصر على متابعة تنفيذ مذكرة التفاهم. وكان ترمب قد قال إن إيران طلبت اجتماعاً مع مسؤولين أميركيين.

ووقعت الولايات المتحدة وإيران المذكرة في 17 يونيو، بوساطة قطرية وباكستانية، بعد حرب بدأت بضربات أميركية وإسرائيلية على إيران في 28 فبراير. وتشمل وقف الحرب على الجبهات المختلفة، وإعادة فتح هرمز، ورفع الحصار عن الموانئ الإيرانية، والإفراج عن قسم من الأصول المجمدة، والتفاوض على اتفاق نهائي خلال 60 يوماً قابلة للتمديد.

وتعد الأموال المجمدة أحد الاختبارات الأولى. وذكرت صحيفة «نيويورك بوست» أن واشنطن لم تفرج عن أي جزء من ستة مليارات دولار مخصصة لشراء سلع إنسانية. وقال مسؤول في الإدارة الأميركية: «لن يُفرج عن أي منها ما لم تستوف إيران المتطلبات الواردة في مذكرة التفاهم»، مضيفاً: «لا شيء يُمنح مجاناً، وكل شيء مرتبط بمعايير محددة».

ورفض مسؤولون أميركيون طلب إيران الحصول على الأموال دفعة واحدة. وقالوا إن أي مبالغ مستقبلية ستصرف تدريجياً، وتدفع مباشرة إلى موردي السلع الإنسانية، ويرتبط كل تحويل بتقدم طهران في تنفيذ المذكرة.

واشنطن تلوح بالقوة

جاء استئناف المحادثات الفنية بعدما بحث ترمب احتمال العودة إلى حملة عسكرية واسعة. ونقلت «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أنه أجرى «محادثات عدة» مع وزير الحرب بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين بشأن مزيد من الضربات.

وتناولت الاجتماعات التخلي عن المفاوضات واستئناف الهجمات واسعة النطاق، بما يعني «إكمال المهمة»، قبل أن يقرر ترمب مواصلة المسار الدبلوماسي في الوقت الراهن. وقال إن جولة عسكرية أخرى قد تعرقل الدبلوماسية وتقلل فرص تفكيك البرنامج النووي الإيراني، الذي تعده الإدارة أولوية قصوى.

رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف يتوسط رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ونائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس على هامش محادثات الدوحة (ا.ف.ب)

وقال نائب الرئيس جي دي فانس إن الولايات المتحدة تملك «كل الأوراق»، وإن إدارة ترمب رابحة سواء نجحت الدبلوماسية أو فشلت. وأضاف أن النجاح قد يقود إلى «إيران تغيرت بصورة دائمة»، لا تمول ما وصفه بالإرهاب وعدم الاستقرار، وتتخلى نهائياً عن أي طموح نووي، وتعود إلى الاقتصاد العالمي.

وقال فانس إن واشنطن حققت هدفها الأساسي حتى إذا تعثرت المحادثات، لأن البرنامج النووي الإيراني والقوات العسكرية التقليدية «لا يزالان مدمرين»، والولايات المتحدة في موقع أقوى.

وأضاف: «حتى إذا لم تنجح، فقد أنجزنا المهمة الأساسية، وهي ضمان ألا تمتلك إيران سلاحاً نووياً أبداً»، ما يجعل النتيجة «مربحة في الحالتين» من وجهة نظر الإدارة.

عقدة مضيق هرمز

تطالب إيران باعتراف دولي بما تعده «حقها» في إدارة حركة العبور وفرض رسوم على السفن التي تدخل الخليج أو تغادره.

وقال مصدران إيرانيان رفيعا المستوى لوكالة «رويترز»، إن طهران مصممة على انتزاع اعتراف دولي بسيطرتها على المضيق وقدرتها على فرض رسوم على السفن التي تدخل الخليج أو تغادره، حتى لو اضطرت إلى فرض ذلك بالقوة.

وبموجب الاتفاق المؤقت، وافقت إيران على السماح للسفن بالعبور من دون رسوم لمدة 60 يوماً. لكنها تفسر النص على أنه يتيح لها الاحتفاظ بالسيطرة على تحديد السفن المسموح لها بالمرور والمسارات التي تسلكها.

وقال المصدران إن المفاوضين الإيرانيين لن ينتقلوا إلى ملفات الخلاف الأخرى قبل الاتفاق على هذه السيطرة، وإنها قد تستأنف فرض الرسوم في منتصف أغسطس إذا انتهت المرحلة المؤقتة من دون تمديد، رغم أنها لم تحدد بعد قيمة الرسوم أو آلية تحصيلها.

وتريد إيران ترتيبات جديدة تمنحها حق تحديد كيفية دخول السفن وخروجها، ومنع أي سفينة تشتبه في تهديدها لأمنها، وفرض رسوم على خدمات إلزامية تقدمها. وقال أحد المسؤولين إن طهران لن تقبل العودة إلى الوضع السابق للحرب، وإنها مستعدة لمواجهة متجددة مع الولايات المتحدة إذا رفضت الدول الأخرى شروطها.

وكانت إيران قد أغلقت المضيق عند اندلاع الحرب، وقال مسؤولون إنها فرضت على بعض السفن رسوماً ملاحية أو أخرى للسماح لها بمغادرة الخليج.

ومن شأن سيطرة إيرانية دائمة، بإجراءات تنظيمية ورسوم، أن تزيد تكاليف الشحن والتأخيرات والمخاطر في الممر الذي كان ينقل قبل الحرب خُمس إمدادات الطاقة العالمية وسلعاً حيوية أخرى.

وترى القيادة الإيرانية، وفق أحد المصدرين، أن نجاتها من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل منحتها «فرصة تاريخية» لفرض مكسب طويل الأمد. وتعتقد أن الدول المالكة للسفن ستقبل في النهاية بإدارة طهران للمضيق بسبب ارتفاع كلفة النزاع، وأن واشنطن ستتراجع لضمان استمرار إمدادات الطاقة.

ولم يكن العبور خاضعاً لرسوم من قبل. ويتعارض موقف طهران مع تفسير واشنطن للمذكرة وترتيبات ما بعد الحرب. وقال ترمب إنه لن يسمح برسوم، إلا إذا قررت الولايات المتحدة فرضها، فيما قال وزير الخارجية ماركو روبيو إنه لا يحق لأي دولة منع الملاحة أو فرض بدلات عبور في ممر دولي.

كما يثير الموقف نزاعاً قانونياً. فالمضيق موزع بين المياه الإقليمية لإيران وعُمان، لكن وضعه بوصفه ممراً دولياً يقتضي حرية المرور. ولا تعد إيران أو الولايات المتحدة طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما تعد عُمان طرفاً فيها، غير أن أحكام الاتفاقية تعامل على نطاق واسع بوصفها جزءاً من القانون الدولي العرفي.

وزاد الملف البحري تعقيداً بعد أن أطلقت إيران النار خلال عطلة نهاية الأسبوع على أربع سفن حاولت العبور من الجانب العُماني من دون إذن إيراني مسبق، ما أدى إلى تبادل قصير لكنه مكثف لإطلاق النار مع الولايات المتحدة. وكانت واشنطن قد اتهمت طهران أيضاً باستهداف سفينتين، قبل أن تقصف مواقع داخل إيران، فيما ردت طهران بضرب أهداف في الكويت والبحرين.

ورغم هدوء الوضع العسكري بعد ذلك، بقي قطاع الشحن حذراً. وقالت نقابات وأرباب عمل في القطاع البحري إنها ستواصل اعتبار مضيق هرمز منطقة حرب حتى 9 يوليو على الأقل. وفي ظل هذه الضبابية، استقر خام برنت عند مستوى يزيد قليلاً على 70 دولاراً للبرميل، بينما ربط المسؤول الأميركي استمرار تراجع الأسعار بارتفاع عدد السفن العابرة.

وقال علي أنصاري، أستاذ التاريخ الحديث في جامعة سانت أندروز، إن إيران ربما تبالغ في تقدير أوراقها ومدى استعداد واشنطن لقبول تنازل كهذا.

وأضاف: «احتمال اشتعال هذا الصراع مجدداً أكبر بكثير مما يعتقده الناس، لأن أياً من الطرفين لا يعتقد أنه خسر».

ولا تعد إيران ولا الولايات المتحدة طرفاً في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما تعد عُمان طرفاً فيها. ورغم أن المضيق موزع بين المياه الإقليمية لإيران وعُمان، فإن وضعه الدولي يقتضي حرية المرور، وتعامل أحكام الاتفاقية على نطاق واسع بوصفها قانوناً دولياً عرفياً.

وقال كريس أوفلاهرتي، القبطان السابق في البحرية البريطانية والمتخصص في القانون البحري، إن الاتفاقية تتيح لإيران المطالبة بمياه إقليمية تمتد 12 ميلاً، بدلاً من ثلاثة أميال بموجب اتفاقيات أخرى.

ولا يزيد عرض هرمز عند أضيق نقطة إلا قليلاً على 20 ميلاً. وأضاف أوفلاهرتي: «يعتقد معظم الناس أن القانون الدولي حسمها. لكن إيران قررت تحدي ذلك».

قاليباف يرسم الشروط

قال رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إن طهران لا تجري مفاوضات جديدة، وإن الاتصالات الحالية تقتصر على تنفيذ البنود المتفق عليها. وأضاف أن إيران لن تنتقل إلى بقية بنود المذكرة، المؤلفة من 14 بنداً، قبل تنفيذ البنود الخمسة الأولى.

وأكد قاليباف أن الحصار البحري الأميركي انتهى بالكامل، وقال إن إيران صدرت أكثر من 40 مليون برميل من النفط منذ رفعه، بعدما كانت عاجزة خلال الخمسين أو الستين يوماً السابقة عن تصدير «برميل واحد».

وفي الوقت نفسه، رسم خطوطاً حمراء أمام أي تفاوض لاحق. فقال إن تخصيب اليورانيوم والقدرات الهجومية والصاروخية غير قابلة للتفاوض، وإن طهران لن تبحث وضع الجماعات المتحالفة معها أو ما سماه «جبهة المقاومة».

وربط قاليباف تنفيذ الاتفاق بقدرة إيران على الرد، قائلاً إن الضمان الحقيقي للمذكرة ليس قراراً صادراً عن الأمم المتحدة، بل «قوة» إيران. وأضاف أن طهران سترد بالمثل على أي خطوة تعدها انتهاكاً للبند المتعلق بإنهاء الحرب.

غريب آبادي (يسار الصورة) ينظر إلى وثيقة بيد محمد باقر قاليباف كبير المفاوضين مع الولايات المتحدة ورئيس البرلمان الإيراني وعبد الناصر همتي رئيس البنك المركزي الإيراني على هامش محادثات سويسرا (البرلمان الإيراني)

وقال إن البند الرابع يلزم الولايات المتحدة ببدء رفع الحصار وأي مضايقات فور توقيع المذكرة، وإنهائه خلال 30 يوماً. وأضاف أن طهران اشترطت عند التوقيع الأولي إعلان ترمب انتهاءه لأنه فُرض خلال وقف إطلاق النار.

كما ربط التطورات في هرمز وردود «حزب الله» في لبنان بهذا المبدأ، وقال إن إيران أطلقت في إحدى مراحل التصعيد صواريخ على إسرائيل في مناسبتين رداً على عمليات نفذت في لبنان.

وفي الملف اللبناني، قال قاليباف إن الولايات المتحدة تعهدت بإنهاء الحرب وعودة السكان وبسط سيادة الدولة اللبنانية، معلناً تشكيل لجنة مشتركة تضم إيران والولايات المتحدة ولبنان لمتابعة هذه الالتزامات.

وقال إن إسرائيل عارضت مذكرة تفاهم إسلام آباد وشنت بعدها هجوماً واسعاً على لبنان للسيطرة على مواقع مهمة وتعطيل الاتفاق. وأضاف أن ذلك دفع الوفد الإيراني إلى سويسرا، حيث كان وقف إطلاق النار في لبنان الملف الرئيسي.

وأعلن لجنة مشتركة تضم إيران والولايات المتحدة ولبنان لمتابعة إنهاء الحرب وبسط السيادة اللبنانية، على أن يمثل السفير الإيراني في بيروت طهران فيها.

وفي الملف النووي، قال إن إيران عضو في معاهدة حظر الانتشار وتتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لكنها تعد التخصيب حقاً وخطاً أحمر غير قابل للتفاوض.

وأضاف أن القدرات الهجومية والصاروخية ليست موضع تفاوض، وكذلك «جبهة المقاومة» والجماعات المتحالفة مع طهران. وقال إن مرحلة الحديث عن اتفاق نووي ثانٍ أو ثالث انتهت.

ووصف رفع الحصار بأنه نتيجة للجمع بين «قوة الميدان والدبلوماسية»، وقال إن ضمان تنفيذ المذكرة لا يستند إلى قرار أممي، بل إلى «قوة» إيران وقدرتها على الرد.

وقال إن المحادثات ستستمر حيث يمكن للمنطق والتفاهم تحقيق نتائج، لكن طهران ستلجأ إلى «لغة القوة» إذا لم ينفذ الطرف الآخر التزاماته. وختم بتحذير واضح: «نحن نواصل المحادثات، وإذا لم يرغبوا في تنفيذ التزاماتهم خلالها، فنحن مستعدون للحرب».وقالت نقابات وأرباب عمل في قطاع النقل البحري إنها ستواصل اعتبار مضيق هرمز منطقة حرب حتى 9 يوليو على الأقل، فيما بقي سعر خام برنت، الأربعاء، أعلى قليلاً من 70 دولاراً للبرميل.


طهران: جنوح سفينة في مضيق هرمز

أطفال يلعبون في الماء وخلفهم سفن شحن راسية وصياد قريب في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ب)
أطفال يلعبون في الماء وخلفهم سفن شحن راسية وصياد قريب في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ب)
TT

طهران: جنوح سفينة في مضيق هرمز

أطفال يلعبون في الماء وخلفهم سفن شحن راسية وصياد قريب في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ب)
أطفال يلعبون في الماء وخلفهم سفن شحن راسية وصياد قريب في مضيق هرمز قبالة بندر عباس (أ.ب)

ذكر التلفزيون الرسمي الإيراني أن سفينة جنحت في مضيق هرمز، بعد عدم سيرها في المسار المعتمد من قبل طهران.

وحدد التقرير السفينة المتضررة على أنها سفينة حاويات أجنبية، لكنه لم يقدم المزيد من التفاصيل الأخرى على الفور.

وأضاف أنه يتعيّن على الشركات الملاحية اتباع تعليمات «الحرس الثوري» شبه العسكري الإيراني في المضيق، حسبما أضافت وكالة «أسوشييتد برس».