إيران غداة فوز ترمب... دعوات لنهج جديد وتحدٍّ لـ«قاتل» قاسم سليماني

رأت في عودته فرصة لأميركا لإعادة النظر في «التوجهات غير الصائبة»

إيراني يمسك بيده جريدة «همشهري» في شارع وسط طهران (إ.ب.أ)
إيراني يمسك بيده جريدة «همشهري» في شارع وسط طهران (إ.ب.أ)
TT

إيران غداة فوز ترمب... دعوات لنهج جديد وتحدٍّ لـ«قاتل» قاسم سليماني

إيراني يمسك بيده جريدة «همشهري» في شارع وسط طهران (إ.ب.أ)
إيراني يمسك بيده جريدة «همشهري» في شارع وسط طهران (إ.ب.أ)

قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إن فوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية يشكل فرصة للولايات المتحدة لإعادة النظر في «التوجهات غير الصائبة»، في حين انقسمت الصحف الإيرانية بين دعوات لتبني نهج جديد من طهران، وتحدي سياسات «مهندس الضغوط القصوى»، و«قاتل» الجنرال قاسم سليماني.

وقال إسماعيل بقائي: «ما هو مهم بالنسبة لإيران والمعيار للتقييم هو أداء الإدارة الأميركية»، مضيفاً أن لدى طهران «تجارب مريرة للغاية مع السياسات والتوجهات السابقة للإدارات الأميركية المختلفة».

وأضاف أن فوز ترمب يمثل «فرصة لمراجعة وإعادة النظر في التوجهات غير الصائبة السابقة» لواشنطن، على ما أفادت وكالة «إرنا» الرسمية.

وفي وقت متأخر من مساء أمس(الأربعاء)، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن بلاده غير معنية بنتيجة الانتخابات الأميركية.

وقال بزشكيان «بالنسبة لنا لا يهم على الإطلاق من فاز في الانتخابات الأميركية، لأن بلدنا ونظامنا يعتمدان على قوتنا الداخلية وعلى أمة عظيمة وشريفة». وأضاف «لن نكون ضيقي الأفق في تطوير علاقاتنا مع الدول الأخرى، (حيث أننا) جعلنا الأولوية لتطوير العلاقات مع الدول الإسلامية والمجاورة»، حسبما نقلت «رويترز» عن وسائل إعلام إيرانية .ولم يتضح على الفور ما إذا كان بزشكيان يشير أيضا إلى الولايات المتحدة، التي لا تربطها علاقات دبلوماسية بإيران.

وكان المرشد الإيراني علي خامنئي، صاحب كلمة الفصل في جميع شؤون الدولة، قد حظر إجراء أي محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة.

وقللت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني، صباح الأربعاء، من أهمية الانتخابات الأميركية، مع إعلان فوز ترمب بالسباق الرئاسي. وقالت إن «انتخاب الرئيس (الأميركي) ليس له تأثير مباشر علينا، فالسياسات العامة لإيران ثابتة، ولن تتغير بتغيّر الأفراد».

وتابعت: «لا فرق بين مَن يتولى الرئاسة في الولايات المتحدة، حيث خطّطنا مسبقاً للتعامل مع مختلف السيناريوهات، بالنظر إلى العقوبات المفروضة على إيران منذ أكثر من 4 عقود».

والاثنين الماضي، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي: «لا نُولِي أهمية كبيرة لانتخابات الرئاسة الأميركية، أو لمن سيُنتخَب».

إيرانية تمر أمام لوحة جدارية معادية للولايات المتحدة على حائط سفارتها السابقة في طهران (أ.ف.ب)

وكان بقائي قد قال أيضاً في مؤتمره الأسبوعي، الاثنين الماضي، إن الموقف تجاه الرئيس دونالد ترمب «واضح»، وذلك في إجابة عن سؤال حول موقف طهران إذا ما تلقت عرضاً من ترمب للجلوس على طاولة المفاوضات.

يتزامن فوز ترمب مع بلوغ التوترات الإسرائيلية - الإيرانية مستويات غير مسبوقة، بعد تبادل ضربات مباشرة، بعد سنوات من «حرب الظل».

وقال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، النائب مجتبى زارعي: «نقول لترمب المقامر والقاتل: اجمع كلابك في سنتكوم من غرب آسيا قبل فوات الأوان، وركّز على أزماتك الداخلية».

ورجحت وكالة «رويترز» أن عودة الرئيس السابق ترمب إلى البيت الأبيض تعني تطبيقاً أكثر صرامة للعقوبات النفطية الأميركية على إيران، والتي بدأ فرضها في عام 2018، بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي بين طهران والقوى العالمية.

وقال ترمب في حملته الرئاسية إن سياسة الرئيس جو بايدن المتمثلة في عدم فرض عقوبات صارمة على صادرات النفط أضعفت واشنطن وزادت من جسارة طهران، مما سمح لها ببيع النفط وجمع الأموال والتوسع في مساعيها النووية، ودعم نفوذها عبر جماعات مسلحة.

وخلال ولايته الأولى، أعاد ترمب فرض العقوبات على إيران بعد انسحابه من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 بين إيران والقوى العالمية، والذي كبح جماح البرنامج النووي لطهران مقابل امتيازات اقتصادية. وأثرت إعادة فرض العقوبات الأميركية في عام 2018 على صادرات إيران النفطية، مما أدى إلى خفض العوائد الحكومية وإجبار طهران على اتخاذ خطوات لا تحظى بقبول شعبي مثل زيادة الضرائب، فضلاً عن مواجهة عجز كبير في الميزانية، وهي السياسات التي أبقت التضخم السنوي بالقرب من 40 في المائة.

وقال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في سبتمبر (أيلول)، إن طهران مستعدة لإنهاء الأزمة النووية مع الغرب الذي يتهمها بالسعي إلى امتلاك القدرة على تطوير الأسلحة النووية.

في المقابل، تقول إيران إن برنامجها النووي مخصص للأغراض السلمية فقط، لكن في الآونة الأخيرة لوّح مسؤولون ونواب برلمان بإمكانية تغيير مسار البرنامج النووي، وتبني عقيدة جديدة.

وحاول الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن إحياء الاتفاق النووي مع إيران من خلال المفاوضات، لكنه أخفق في التوصل إلى اتفاق جديد. ولم يوضح ترمب ما إذا كان سيعمل على استئناف العمل على تلك المسألة أم لا.

عدم ارتياح في طهران

وطغى فوز ترمب بالانتخابات الرئاسية على الصحف الإيرانية الصادرة صباح الخميس. وتباينت عناوين الصحف الإصلاحية المؤيدة لحكومة مسعود بزشكيان، مع الصحف المحافظة، خصوصاً المقربة من مكتب المرشد علي خامنئي، و«الحرس الثوري».

وأكدت صحيفة «سازندكي» الإصلاحية تحت عنوان «عودة ترمب» أنه «لا يشعر أيّ من صانعي القرار بالارتياح لفوز ترمب، لأن وجوده في البيت الأبيض قد يلحق الضرر بإيران بطرق متعددة».

وتوقعت الصحيفة الناطقة باسم فصيل الرئيس البراغماتي الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني، إلى احتمالات؛ منها أن يزيد ترمب من «حالة عدم اليقين، ويشدد العقوبات، ويمنع إيران من بيع نفطها في الأسواق العالمية، وسيقلل تدفق العملات الأجنبية، ويضعف ميزانية الدولة، مما يؤدي إلى اضطراب في النظام الاقتصادي الإيراني، ويضرّ بلا شك بالشعب الإيراني».

ورجحت في هذا السياق «تغيير الوضع إذا تغيّر سلوك نظام الحكم في إيران نتيجة فوز ترمب»، لكنها رأت أن «المشكلة تكمن في أن صانعي القرار في بلدنا لا يظهرون مرونة تجاه التغييرات، ولا يتخذون خطوات نحو التغيير إلا عندما يكون الوقت قد فات».

وتطرقت الصحيفة إلى اعتقاد المسؤولين الإيرانيين بشأن عدم التفريق بين ترمب وكامالا هاريس، مرشحة الحزب الديمقراطي التي هزمت في الانتخابات.

وقالت: «هذا الرأي صحيح بشكل عام؛ إذ إن سلوك إيران خلال الخمسين عاماً الماضية جعل جميع الإدارات الأميركية تنظر إليها بوصفها عدواً، لكن من نواحٍ معينة، قد يختلف تأثير من يشغل منصب الرئاسة في الولايات المتحدة».

وأوضحت: «سينتج عن ذلك عجز مالي أكبر يؤدي إلى تضخم متزايد وارتفاع في سعر صرف العملات الأجنبية»، مشيرة إلى أن ارتفاع سعر الصرف سيؤثر على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية في إيران، حيث إن استقرار العملة يتأثر بتوافر الإيرادات النفطية والعلاقات السياسية الخارجية.

ومع احتمال استمرار التوترات الإقليمية والعقوبات، فإن أي تراجع في الإيرادات النفطية وصعوبة الوصول إلى الأسواق العالمية قد يزيد تعقيدات الاقتصاد الإيراني، ويزيد من التحديات أمام الحكومة لضبط الميزانية واحتواء الأزمات المالية، بحسب صحيفة «سازندكي».

وقال محللون للصحيفة إن إعادة انتخاب ترمب قد لا تؤدي إلى حرب، لكنه قد يشدد العقوبات لتضييق الخناق على طهران، وسيسعى فقط لوقف البرنامج النووي، وتقييد البرنامج الصاروخي، دون تحرك عسكري مباشر.

وتوقعوا أيضاً أن تزيد روسيا من «ابتزاز» إيران التي قد تدفعها ضغوط ترمب إلى «استراتيجية التطلع نحو الشرق».

تعاون اقتصادي بدلاً من التصعيد

وكتب السياسي الإصلاحي، محمد هاشمي رفسنجاني في صحيفة «آرمان أمروز»، أن «ترمب بوصفه رجل أعمال يفضل التعاون الاقتصادي مع إيران بدلاً من التصعيد العسكري»، متوقعاً أن يُبدي اهتماماً بإجراء مفاوضات تجارية مع إيران لفتح السوق أمام الشركات الأميركية للاستثمار، كما فعلت بعض الشركات الأوروبية قبل الاتفاق النووي».

وقال هاشمي إن «أي توتر أو حرب هناك يمكن أن يرفع أسعار النفط والغاز بشكل كبير... بصفته رجل أعمال، لا يرغب ترمب في زيادة أسعار الطاقة أو إلحاق الضرر بالأسواق، بل يميل إلى تعزيز العلاقات الاقتصادية بين إيران وأميركا».

وأشار هاشمي إلى أن الاتفاق النووي «قد حقق مكاسب اقتصادية جيدة لإيران، منها استعادة نحو 100 مليار دولار من الأصول المجمدة».

وفي افتتاحيتها، كتبت صحيفة «آرمان أمروز» أن عودة ترمب قد تعني تصاعد التوترات في الشرق الأوسط مجدداً، وسط تعقيدات جديدة مع الصين وروسيا بشأن قضايا مثل أوكرانيا وتايوان.

«سياسة مختلفة»

وفي إشارة إلى ولاية ترمب الأولى، قالت إن ترمب حاول «تحويل إيران من لاعب مشروع إلى دولة منبوذة، والسعي إلى تقييدها وفرض قيود عليها. لذلك، فإن عودة ترمب في الظروف الحالية ليست في مصلحة إيران».

ودعت صحيفة «اعتماد» الإصلاحية إلى تبني «سياسة أخرى» مع ترمب. وكتب الناشط الإصلاحي النائب السابق محمود صادقي أنه «من المبكر حالياً تقييم أداء ترمب، خصوصاً أنه فاز في الانتخابات على عكس التوقعات والاستطلاعات».

وقال صادقي: «بالنسبة للإيرانيين، الأهم هو التأثيرات التي سيتركها انتخاب ترمب على الوضع الداخلي في إيران»، مشيراً إلى أنه أمر قبل نحو خمس سنوات بتوجيه ضربة قضت على الجنرال قاسم سليماني.

وحذر من الوقوع في فخ «العقوبات الذاتية» على الساحة الدولية، ودعا إلى حل قضية قبول قواعد «فاتف»، مجموعة العمل المالي المعنية بمكافحة غسل الأموال.

وبشأن السياسة الإقليمية، قال: «على الحكومة أن تتصرف بذكاء كبير لكي لا نلعب في ساحة نتنياهو - ترمب... يجب عدم التنازل بسهولة عن أي فرصة إقليمية أو دولية، بل استثمار كل فرصة، مهما كانت بسيطة؛ لتحقيق أقصى استفادة».

وقال حشمت الله فلاحت بيشه، النائب السابق الذي ترأس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، إن «عودة ترمب تشبه عودة (طالبان) إلى السلطة في أفغانستان»، مضيفاً أن «القول بأن الديمقراطيين لا يختلفون عن الجمهوريين هو مجرد مجاملة». وقال: «هذه الفرضية تلاشت على الأقل فيما يتعلق بالاتفاق النووي».

«الشيطان الأكبر»

وكتبت صحيفة «كيهان» المتشددة أن «أميركا هي الشيطان الأكبر، ولا يهم من يكون الرئيس». وقالت إن سياسة إيران تجاه أميركا «واضحة ولن تتغير مع تغيير الأشخاص»، وذلك في إشارة إلى خطاب سابق للمرشد الإيراني.

ورأت «كيهان» أن ترمب لا يختلف عن كامالا هاريس بالنسبة لإيران، مؤكدة أن الديمقراطيين والجمهوريين «يشتركون في هدف الإضرار بالمصالح الإيرانية ودعم إسرائيل». كما انتقدت الصحيفة التيار الإصلاحي في إيران لتصويرهم «الديمقراطيين على أنهم أبطال»، مشيرة إلى أن السياسة الأميركية تجاه إيران «معادية بغض النظر عن الحزب الحاكم، والاختلاف يكمن فقط في أسلوب المواجهة».

صحيفة «همشهري» تصور الرئيس الأميركي بهيئة سجين تحت عنوان «ترمب قاتل» (إ.ب.أ)

وعنونت صحيفة «همشهري» التابعة لبلدية طهران بـ«عودة القاتل»، ونشرت صورة لترمب وهو مكبل اليدين على هيئة سجين.

وأشارت الصحيفة التي يديرها حالياً فريق مقرب من «الحرس الثوري» إلى دور ترمب في فرض أكثر من 1500 عقوبة على إيران، وكذلك، أوامره بتوجيه ضربة جوية قضت على الجنرال قاسم سليماني، العقل المدبر لعمليات «الحرس الثوري» في الخارج، مطلع 2020 في بغداد.

وقالت الصحيفة في افتتاحيتها إن قدوم ترمب يدعم مشروع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ويُعدّ «فرصة لردم الفجوة بين الشعب والسلطة في إيران»، وقالت إن «الرئيس منذ البداية ركز على مبدأ استراتيجي هو الوفاق، الذي يعني توطيد المحبة والارتباط بين الناس وبين الشعب والحكومة»، وأضافت: «هذا المفهوم للوفاق الوطني كان محورياً للمرشد، وتزداد الحاجة إليه اليوم، وقد عبر عنه الرئيس مراراً».


مقالات ذات صلة

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

الولايات المتحدة​ صورة عامة لمبنى البنتاغون في العاصمة واشنطن (أ.ب)

الحرب تقلق الناخبين الأميركيين المستقلين قُبيل التجديد النصفي

تلقي الحرب الدائرة حالياً على إيران بثقلها على الناخبين الأميركيين المستقلين وهم فئة حاسمة يُرجح أن تحدد ما إذا كان الحزب الجمهوري سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس 

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ دونالد ترمب وميريام أديلسون (إ.ب.أ) p-circle 02:35

ترمب مازحاً: ميريام أديلسون عرضت عليّ «250 مليون دولار» للترشح لولاية ثالثة

قالت مجلة فوربس الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب قال مازحاً إن المليارديرة ميريام أديلسون عرضت عليه 250 مليون دولار للترشح لولاية ثالثة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الولايات المتحدة​ السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما تتحدث عن كتابها «النظرة» في واشنطن (أ.ب)

ميشيل أوباما: الولايات المتحدة «غير مستعدة» لانتخاب رئيسة

صرحت السيدة الأولى السابقة ميشيل أوباما بأن الأميركيين ليسوا مستعدين لانتخاب رئيسة، مشيرةً إلى هزيمة نائبة الرئيس السابقة كامالا هاريس أمام الرئيس دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق الممثل جورج كلوني وكامالا هاريس (أ.ف.ب)

جورج كلوني: اختيار كامالا هاريس بديلاً لبايدن «كان خطأ»

قال الممثل الأميركي الشهير جورج كلوني إنه يشعر بأن اختيار كامالا هاريس بديلاً لجو بايدن في الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2024 كان «خطأً».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ نائبة الرئيس الأميركي السابقة كامالا هاريس (رويترز) p-circle

«الأكثر تأهيلاً على الإطلاق»... كامالا هاريس تلمّح لإمكانية ترشحها للرئاسة عام 2028

لمّحت نائبة الرئيس الأميركي السابقة، كامالا هاريس، إلى احتمال ترشحها للرئاسة عام 2028، وأكدت أن البعض وصفها بأنها «المرشحة الأكثر تأهيلاً على الإطلاق».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

زيارة لافروف إلى إيران... شراكة الضرورة ترسم ملامح الدور الروسي

أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
TT

زيارة لافروف إلى إيران... شراكة الضرورة ترسم ملامح الدور الروسي

أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)
أحد سكان كييف يلمس مسيّرة روسية إيرانية من طراز «شاهد 136» معروضة أمام كاتدرائية القديس ميخائيل في العاصمة الأوكرانية (رويترز)

أكثر ما لفت الأنظار بعد الزيارة المهمة التي قام بها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف إلى طهران قبل أيام، هو عودة حديث الكرملين عن استعداد للعب دور وساطة للتوصل إلى تسوية مقبولة بين الأميركيين والإيرانيين.

واكتسب الطرح الروسي هذه المرة أهمية خاصة لأنه جاء في سياق نقاشات أميركية روسية حول أوكرانيا. وفي إطار الحديث عن تطبيع أوسع لعلاقات واشنطن مع موسكو بعد «صفقة الديزل» والتوافق على انفتاح عريض وتعاون في مجالات أخرى.

وسرعان ما برزت تأويلات تدعم فكرة الربط بين الملفين الأوكراني والإيراني في سياق مقايضات محتملة. واستعداد روسي لمساعدة الأميركيين في إيران في مقابل مكاسب مهمة للكرملين في ملف التسوية الأوكرانية. لكن، ماذا يمكن أن تقدم موسكو للرئيس دونالد ترمب في هذا المجال؟

دارت تحليلات وسائل إعلام وأوساط غربية حول استئناف الحديث عن العرض الروسي القديم الجديد، لنقل مخزون إيران من اليورانيوم المخصب إلى الأراضي الروسية، وفقاً لسيناريو «الاتفاق النووي» السابق في 2015. وهو أمر كانت موسكو عرضته مراراً ورأت فيه مخرجاً مقبولاً يمنح الرئيس الأميركي مجالاً لإعلان إنجاز المهمة في منع طهران من استخدام مخزونها لتطوير أسلحة نووية بضمانات روسية كاملة.

قد يكون هذا المدخل واحداً من الحلول التي يمكن لموسكو تقديمها ضمن رزمة من العناصر الأخرى للتأثير على الموقف الإيراني. لكنه وكما كان في السابق محاطاً بمخاطر كثيرة كما يقول خبراء روس. أبرزها عدم وجود إجماع إيراني على هذا السيناريو، وعلو أصوات في طهران تنتقد علناً المواقف الروسية وتحذر من أن موسكو قد تنقلب على الإيرانيين في حال توصلت لتفاهمات كبرى مع الغرب. وهذا الطرح بالمناسبة متبادل بين الطرفين، إذ تردد أوساط روسية وازنة التحذير نفسه تجاه الإيرانيين.

لكن الأهم من ذلك، أن هذا المدخل وحده لا يحل المشكلة. فالموقف الروسي تجاه سياسات إيران الإقليمية وأذرعها العسكرية في المنطقة لم يتغير. كما أن الموقف الروسي حيال قدرات طهران الصاروخية واضح لصالح الإيرانيين برغم علو اللهجة الروسية أحياناً في إعطاء تطمينات للمحيط العربي والعالم بأن الكرملين قادر على التأثير على الجانب الإيراني لعدم استخدام تلك القدرات ضد مصالح بلدان المنطقة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره الإيراني مسعود بزشكيان 8 أكتوبر الجاري (أ.ف.ب)

كما أن اللافت هنا، أن الإيرانيين أنفسهم تحدثوا على المستوى الرسمي عن رفض نقل المخزون المخصب، إلى أي بلد بما في ذلك روسيا. وهذا يفتح على أسئلة حول مدى تفاهم موسكو وطهران على آليات للتحرك المشترك. يقول بعض الخبراء إن موسكو نفسها ليست مهتمة بالفعل بموضوع نقل المخزون، وإن هذا الأمر سوف يضيف أعباء إضافية من دون حوافز سياسية مهمة من جانب الغرب. يعني ذلك أن الموقف الإيراني قد يكون نتيجة اتفاق غير معلن بين الطرفين.

كما أن مشكلة نقل المخزون النووي ليست الوحيدة المطروحة تجاه موسكو غربياً، في إطار الاتهامات المتزايدة حول التعاون العسكري والتقني والاستخباراتي المتطور بين البلدين.

ولا شك أن زيارة لافروف إلى إيران كشفت مجدداً عن نمط التفاعل الحالي بين موسكو وطهران، حيث يُخفى تعاونهما العسكري التقني المهم، وإن كان غير معلن، وراء لغة دبلوماسية مبهمة.

وقد تحولت العلاقات التي كانت تتسم بالحذر تاريخياً بين موسكو وطهران إلى ما يشبه التحالف العسكري، وذلك بفضل عاملين رئيسيين: حرب أوكرانيا وسرعة تقدم تقنيات الاستخبارات الإلكترونية والفضائية، التي أصبحت بين الصادرات الرئيسية للكرملين إلى بلدان عدة.

في هذا الإطار، كتب معلق سياسي أنه «من خلال إعادة صياغة قواعد الحرب التقليدية والهجينة الحديثة، يسعى التحالف الروسي الإيراني إلى موازنة التفوق التكنولوجي الغربي عبر وضع الخطوط العريضة لـ«اقتصاد البقاء».

وهنا يمكن ملاحظة أن روسيا، في المرحلة الأولى من الحرب في أوكرانيا، كانت بحاجة ماسة للدعم الإيراني، واشترت آلافاً من ذخائر «شاهد 136» من إيران. بحلول عام 2026، اتخذ هذا التبادل طابعاً ثنائياً واضحاً. في مواجهة نقص الأسلحة الثقيلة التقليدية وتجميد عقود توريد طائرات «سو 35» المقاتلة لإيران بسبب احتياجات جبهتها في أوكرانيا، وجدت موسكو طريقة للتعويض عبر تزويد إيران ببيانات استطلاعها الفضائي.

ووفقاً لوكالات الاستخبارات الغربية، أطلقت روسيا برنامجاً واسع النطاق لتبادل المعلومات العملياتية مع طهران. ويشمل ذلك بشكل أساسي صوراً فضائية عالية الدقة وإحداثيات لتحركات القوات والسفن الحربية والطائرات الأميركية في الشرق الأوسط. وفي وقت سابق أكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وجود أدلة على تبادل الكرملين بيانات الاستخبارات الإلكترونية مع طهران.

عراقجي ولافروف لدى وصولهما إلى مؤتمر صحافي عقب محادثاتهما في مقر الخارجية الإيرانية بطهران الاثنين (أ.ب)

وفقاً لتقارير، تُزوّد إيران روسيا حالياً بطائرات مسيرة انتحارية وتكنولوجيا طائرات من دون طيار منخفضة التكلفة تُنتج بكميات كبيرة، وفي المقابل تحصل على صور الأقمار الصناعية وبيانات الحرب الإلكترونية والمساعدة في تحديث أنظمة توجيه أسلحتها.

وقد تجلى نجاح هذا التعاون السري خلال الغارات الإيرانية على أهداف أميركية في المنطقة. من خلال الدقة العالية للصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية في بعض الهجمات على قواعد عسكرية.

المطلوب إذن من موسكو ليس نقل المخزون النووي وحسب، بل التعامل بجدية مع التهديدات التي يوفرها تبادل المعلومات والدعم الاستخباراتي الروسي لطهران، فهل يبدو الكرملين قادراً بالفعل في هذه المرحلة على لعب الدور المطلوب؟

ورغم أن علاقات البلدين قد بلغت مستوى نوعياً جديداً في السنوات الأخيرة. لكن العوامل نفسها التي حالت دون قيام تحالف كامل لا تزال قائمة حتى اليوم: انعدام الثقة المتبادل، ونقص الموارد، واختلاف مستويات التفكير الاستراتيجي.

فإيران، في نهاية المطاف، قوة إقليمية. أما روسيا، فلديها طموحات هائلة، وتسعى إلى لعب دور دولي عالمي. ونتيجة لذلك، تختلف رؤيتهما لأهدافهما اختلافاً جذرياً. قد تتداخل مصالح البلدين لعدة أسباب، لكنها بعيدة كل البعد عن التوافق التام.

هذا المدخل يحدد مدى قدرة الكرملين على التأثير الجدي على الشريك الإيراني، في مرحلة لاحقة، ولكن ليس الآن.

وبحسب قناعة دبلوماسيين غربيين يعتزم الكرملين مواصلة استخدام قدرته على التأثير في تصعيد أو خفض حدة تحركات إيران في الشرق الأوسط كونها ورقة ضغط في المفاوضات مع ترمب. حسابات بوتين الاستراتيجية بسيطة: تقديم تخفيض أو تقييد للمساعدات العسكرية والفضائية المقدمة لطهران لواشنطن مقابل تنازلات محددة من البيت الأبيض بشأن أوكرانيا.


إسطنبول تستضيف اجتماعاً الجمعة لبحث ملفات إقليمة ودولية

جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
TT

إسطنبول تستضيف اجتماعاً الجمعة لبحث ملفات إقليمة ودولية

جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)
جانب من اجتماع لوزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان في العاصمة الأردنية عمان يوم 5 أغسطس الماضي (الخارجية التركية)

تستضيف مدينة إسطنبول، الجمعة، مباحثات بين وزراء خارجية أوروبيين مع نظرائهم في تركيا والسعودية ومصر وباكستان، تعقد للمرة الأولى بمبادرة تركية.

وقالت مصادر في وزارة الخارجية التركية، الخميس، إن وزراء خارجية دول مجموعة «إي 3»، وهم وزراء الخارجية البريطاني إد ميليباند، والفرنسي جان نويل بارو، والألماني يوهان فاديفول، سيلتقون نظراءهم في مجموعة «آر 4»، وهم وزراء خارجية السعودية الأمير فيصل بن فرحان، والمصري بدر عبد العاطي، والباكستاني محمد إسحق دار، والتركي هاكان فيدان، الذي يستضيف الاجتماع لمناقشة عدد من القضايا الإقليمية والدولية المهمة.

وتشمل المباحثات القضية الفلسطينية والتطورات في اليمن ومضيق هرمز، وسبل إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، إضافة إلى فرص التعاون والتنسيق بين المجموعتين في الفترة القادمة.

الانتهاكات الإسرائيلية وحرب إيران

ذكرت المصادر أن فيدان، الذي سيترأس الاجتماع، سيؤكد ضرورة امتناع جميع الدول عن أي أعمال من شأنها تقويض الوضع التاريخي والقانوني للقدس والإضرار بجهود حل الدولتين، وأهمية اتخاذ المجتمع الدولي موقفاً حازماً وزيادة الضغط على إسرائيل في مواجهة خطواتها لتوسيع المستوطنات غير الشرعية وتشجيع إرهاب المستوطنين غير الشرعيين.

دمار في غزة نتيجة القصف الإسرائلي (رويترز)

كما سيؤكد فيدان أن «استمرار احتلال إسرائيل لفلسطين، وموقفها المتشدد الذي يعرقل جهود السلام الدولية، وعدوانها المنتشر في جميع أنحاء المنطقة، هي الأسباب الجذرية للتوترات في الشرق الأوسط». كما يتوقّع أن يشير، في هذا الصدد، إلى استمرار إسرائيل في أعمالها الرامية إلى «زعزعة استقرار سوريا»، التي قدمت دول المجموعتين إسهامات قيّمة في تعزيز الاستقرار والازدهار فيها.

وعن حرب إيران، سيشدد فيدان، وفق المصادر، على أن الصراع بين واشنطن وطهران «لا يُمكن حله إلا عبر الدبلوماسية والحوار»، وأن الأساليب العسكرية لا تُقدّم حلاً دائماً، بل تُفاقم مواطن الضعف في المنطقة وتنطوي على خطر اتساع نطاق الصراع.

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان (إ.ب.أ)

وسيؤكد أن إرساء حرية الملاحة الدائمة في مضيق هرمز وباب المندب أمرٌ حيوي للاستقرار الإقليمي والعالمي، مشيراً إلى ضرورة دعم أمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين، مشدداً على ضرورة ضمان حرية الملاحة بشكل دائم في مضيقي هرمز وباب المندب.

وحسب المصادر، سيُعيد فيدان تأكيد دعم تركيا لأمن السعودية في مواجهة هجمات الحوثيين التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المدنية في السعودية، بالإشارة إلى أهمية مبدأ التضامن والتفاهم الأمني، الذي أرسته «اتفاقية مكة للدفاع المشترك».

حرب روسيا وأوكرانيا

يرتقب أن تتناول المباحثات حرب روسيا وأوكرانيا كذلك، حيث يتوقّع أن يجدد الوزير التركي التأكيد على «التحذيرات والاقتراحات» التي تطرحها بلاده باستمرار لمنع تمدد الحرب إلى منطقة البحر الأسود، ولوضع حد لسقوط ضحايا مدنيين فيها.

هجوم أوكراني على سفينة تابعة لأسطول الظل الروسي في البحر الأسود قبالة سواحل تركيا في 29 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وسيؤكد فيدان، مجدداً، استعداد تركيا لتقديم كل الدعم الممكن لإنهاء حرب روسيا وأوكرانيا عبر الحوار والدبلوماسية، مع لفت الانتباه إلى المخاطر التي يشكلها تصاعد الصراع بينهما على الأمن الإقليمي.

وتأسست مجموعة «إي 3» قبل أكثر من 20 عاماً لتعزيز التنسيق الدبلوماسي بشأن البرنامج النووي الإيراني، فيما تشكلت مجموعة «آر 4» في مارس (آذار) الماضي، كإطار تنسيقي بين السعودية ومصر وباكستان وتركيا، التي وقعت معا «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في 8 أغسطس (آب) الماضي.


مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

مخاوف عراقية من عودة فصائل الظل إلى «وحدة الساحات»

عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)
عناصر من «حركة النجباء» العراقية خلال تجمع في بغداد يوم 8 أكتوبر 2023 (أ.ف.ب)

تزداد مخاوف في العراق من أن يكون تمسّكُ الفصائل المسلحة بسلاحها محاولةً لكسب الوقت استعداداً لاحتمال استئناف الحرب مع إيران، وإعادة تفعيل ما يُعرف بـ«محور المقاومة»، في وقت تواجه فيه الحكومة ضغوطاً أمنية وسياسية متصاعدة لمنع استخدام الأراضي العراقية منصة لهجمات إقليمية.

وقالت مصادر سياسية مقربة من «الإطار التنسيقي»؛ التحالف الذي يضم القوى الشيعية الرئيسية في البلاد، إن المفاوضات الرامية إلى حصر السلاح بيد الدولة لم تحقق تقدماً عملياً، مشيرة إلى أن عدداً من الفصائل لم تسلّم الصواريخ والطائرات المسيّرة التي لا تزال بحوزتها.

لكن المصادر أفادت «الشرق الأوسط» بأن «بعض قادة التحالف يستبعدون أن تُقدِم الفصائل على استهداف دول في المنطقة لإسناد إيران إذا استؤنفت الحرب؛ نظراً إلى التداعيات المحتملة على حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، التي قد تجد نفسها في مواجهة ضغوط إقليمية ودولية متصاعدة».

جانب من اجتماع لتحالف «الإطار التنسيقي» في بغداد بحضور رئيس الوزراء علي الزيدي (واع)

«النجباء» تجدد رفضها حصر السلاح

ولا تبدد هذه التقديرات المخاوف من عودة مجموعات مسلحة صغيرة إلى تنفيذ هجمات يصعب إسنادها مباشرة إلى الفصائل الكبرى، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية واستمرار الخلاف داخل العراق بشأن مستقبل السلاح خارج سلطة الدولة.

وفي مؤشر على استمرار رفض بعض الفصائل أي تغيير في وضعها العسكري، أكد المعاون العسكري لـ«حركة النجباء»، عبد القادر الكربلائي، الأربعاء، أن «الحركة» لن تشارك في العملية السياسية، وأن موقفها من هذه المسألة «ثابت ولم يتغير».

وقال الكربلائي، في بيان، إن «الحركة» ترفض استخدام مصطلحات «حصر أو تسليم أو نزع» سلاح المقاومة.

وتضع هذه التصريحات تحدياً إضافياً أمام مساعي الحكومة لإخضاع السلاح لسلطتها، في وقت لا تقتصر فيه المخاوف على المواجهة السياسية بين بغداد والفصائل، بل تمتد إلى احتمال استئناف الهجمات على أهداف إقليمية انطلاقاً من الأراضي العراقية.

«فصائل الظل»

وفي هذا السياق، أفادت صحيفة «المدى» العراقية، نقلاً عن مصادر وصفتها بالمطلعة، بأن إغلاق منفذ «الشيب» الحدودي مع إيران بمحافظة ميسان لا يرتبط فقط بالأسباب الفنية التي أعلنتها الحكومة، بل يأتي أيضاً في ظل مخاوف أمنية من عودة ما تصفها المصادر بأنها «فصائل الظل»، وهي مجموعات صغيرة يتراوح عدد أفرادها بين 5 و10، ويُشتبه في إمكان استخدامها لتنفيذ هجمات يصعب تتبع منفذيها.

ووفق المصادر التي نقلت عنها الصحيفة، فقد كثفت الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين مراقبة مواقع يُشتبه في إمكان استخدامها لشن هجمات، بعدما انتقلت هجمات استهدفت السعودية، وفق هذه التقديرات، من مناطق في صحراء النجف خلال يوليو (تموز) الماضي إلى محيط منفذ «الشيب» في سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتشير هذه المعطيات إلى احتمال تغير أساليب عمل مجموعات مسلحة، مع تجنب المواقع التي أصبحت تحت مراقبة مشددة والبحث عن مناطق جديدة للتحرك. ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من هذه التقديرات أو من هوية الجهات التي تقف وراء الهجمات المشار إليها.

وكانت الحكومة العراقية قد أكدت أن إغلاق منفذ «الشيب» مؤقت ويهدف إلى رفع الكفاءة، ونفى الناطق باسمها، حيدر العبودي، أن يكون الإجراء ذا دوافع سياسية، قائلاً إنه «إجراء إداري صرف، ولا يحتاج إلى تأويل سياسي»، بينما اتهم عبدُ الأمير تعيبان، مستشارُ رئيس الوزراء، الجانبَ الإيراني بممارسة «انتهاكات خطيرة تمس سيادة العراق، وتسبب إحداث فوضى في الحدود العراقية - الإيرانية، فضلاً عن تعمد تخريب الاقتصاد الوطني عبر تهريب العملات المزورة والمخدرات».

معبر «الشلامجة» الحدودي مع إيران في محافظة البصرة جنوب العراق (أ.ف.ب)

ضغوط أميركية

جاء الإغلاق في وقت تزداد فيه الضغوط الأميركية على بغداد بشأن حركة التجارة عبر الحدود مع إيران. ونقلت «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأربعاء، عن مصدر عراقي أن الحكومة أغلقت المنفذ، بينما قال مسؤول إيراني إن المعابر الحدودية مع العراق «لا تزال مفتوحة أمام المسافرين، مع تسجيل تأخير في حركة الشاحنات».

وأفاد مصدران سياسيان بأن واشنطن تضغط على بغداد لإغلاق مزيد من المعابر مع إيران، وقال أحدهما إن وزارة الخزانة الأميركية أثارت المسألة مع الزيدي خلال زيارته نيويورك الشهر الماضي.

ولا تقتصر المخاطر على الحدود البرية. فقد أفاد مصدر أمني في محافظة البصرة، الأربعاء، بسقوط طائرة مسيّرة في البحر على بعد نحو 200 متر من ناقلة نفط تحمل اسم «كوردن أيكل»، بعد تلقي القوة البحرية العراقية معلومات من طاقمها عن رصد مسيّرتين، سقطت إحداهما في المياه واختفت الأخرى.

وفي موازاة هذه التطورات الأمنية، تواصل بغداد اتصالاتها مع دول المنطقة سعياً إلى احتواء التصعيد. وقالت وزارة الخارجية العراقية، الخميس، إن الوزير فؤاد حسين بحث هاتفياً مع نظيره الإماراتي عبد الله بن زايد آل نهيان الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف الملائمة للتوصل إلى تفاهمات سلمية تخفض التوترات وتعزز الأمن والاستقرار.