طهران تشيّع نيلفروشان... وقاآني يظهر «بعد طول غياب»

حكومة بزشكيان ترحب بـ«مبادرات السلام»... وعسكريون يتحدثون عن تنسيق «متماسك» بين الميدان والدبلوماسية

TT

طهران تشيّع نيلفروشان... وقاآني يظهر «بعد طول غياب»

جنود من «الحرس الثوري» الإيراني يحملون الجنرال عباس نيلفروشان على أيديهم خلال تشييعه في طهران (إ.ب.أ)
جنود من «الحرس الثوري» الإيراني يحملون الجنرال عباس نيلفروشان على أيديهم خلال تشييعه في طهران (إ.ب.أ)

حشد «الحرس الثوري» أنصارَه لتشييع القيادي عباس نيلفروشان، الذي قُتل في هجوم إسرائيلي على ضاحية بيروت الجنوبية، وذلك بحضور الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وقادة القوات المسلحة، على رأسهم إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس»، الذي ظهر علناً بعد اختفاء دامٍ أسابيع.

وبدأت مراسم تشييع جثة نيلفروشان في ساحة «الإمام الحسين»، وسط طهران، صباح الثلاثاء. وحسب المشاهد التي نقلها التلفزيون الرسمي الإيراني، في بث مباشر، رفعت العديد من أعلام «الحرس الثوري» والجماعات المسلحة المرتبطة به في الخارج، وسط هتافات «الموت لإسرائيل» و«الموت لأميركا».

وصلت جثة نيلفروشان إلى بغداد من بيروت، مساء الاثنين، وبعد تشييعه في كربلاء والنجف، نُقلت إلى طهران. ووجه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسالةً إلى إسرائيل قائلاً: «سنقف حتى النهاية».

وسيؤم المرشد علي خامنئي صلاة الجنازة على جثة نيلفروشان، وسيُدفن يوم الخميس في مسقط رأسه بأصفهان، بعد مراسم تشييع في المدينة الواقعة وسط البلاد.

كان نيلفروشان، نائب غرفة العمليات في «الحرس الثوري»، قد قُتل مع الأمين العام لـ«حزب الله» اللبناني، حسن نصر الله، في ضربة إسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي.

بعد وصول جثة نيلفروشان إلى مطار «مهر آباد» في غرب العاصمة طهران، بثت قناة «خبر» الإيرانية لقطات مباشرة أظهرت إسماعيل قاآني، قائد «فيلق القدس»، الذراع الخارجية لـ«الحرس الثوري»، وهو يبكي مرتدياً ملابس مدنية سوداء.

قاآني والقيادي في «الحرس الثوري» حسين علايي يرددان هتافات في تشييع نيلفروشان (أ.ف.ب)

وفي وقت لاحق، شارك قاآني في مراسم التشييع مرتدياً الزي الرسمي لقوات «الحرس الثوري»، وكان يرافقه رئيس جهاز استخبارات «الحرس الثوري»، مجيد خادمي، ونائب قائد وحدة «ثار الله» المسؤول عن أمن طهران، حسين نجات، والقيادي حسين علايي، ومبعوث الحوثيين إلى طهران، إبراهيم محمد الديلمي. كما حضر قائد «الحرس» حسين سلامي، وقائد القوات البرية محمد باكبور، بالإضافة إلى قائد «الحرس» السابق، محمد علي جعفري.

اختفى قاآني قبل أسابيع، وتناقلت بعض وسائل الإعلام شائعات تفيد بأنه قُتل في غارة إسرائيلية على لبنان، وهذا هو ظهوره الأول بعد حضوره في مكتب «حزب الله» بطهران في 29 سبتمبر الماضي لتقديم التعازي إلى ممثل الحزب بمقتل حسن نصر الله.

الدبلوماسية والميدان

قبل ساعات من التشييع، ذكرت وزارة الخارجية الإيرانية، في بيان، أن طهران ستستخدم «كل إمكاناتها» لمحاسبة إسرائيل على مقتل نيلفروشان، وأشارت إلى أن «اغتيال هذا المسؤول العسكري الرفيع في إيران من قبل الكيان الصهيوني هو فعل غير قانوني وجريمة لا تُغتفر».

وتنخرط إيران منذ أيام في محادثات دبلوماسية عالية المستوى تهدف إلى التوصل لوقف لإطلاق النار في لبنان وغزة، كما تبحث سبل منع اتساع رقعة النزاع في أنحاء المنطقة.

وقال المتحدث باسم الحكومة، فاطمة مهاجري، في مؤتمر صحافي دوري، إن «الجمهورية الإسلامية تدعم أي مبادرة سلام من شأنها تحسين الوضع في المنطقة، وإيران ستبذل جهوداً فعالة لتحقيق السلام بالتأكيد».

جانب من تشييع القيادي في «الحرس الثوري» عباس نيلفروشان في ميدان «إمام حسين» وسط طهران (إ.ب.أ)

وصرح نائب قائد «الحرس الثوري» علي فدوي بأن «التنسيق بين الميدان والدبلوماسية أصبح أكثر تماسكاً ووضوحاً»، مضيفاً أن «هذا التناغم بات جلياً الآن، ومع ذلك فقد حافظنا دائماً على نهجنا، ولن نغلق أي طريق لتحقيق النصر على جبهة الكفر، المتمثلة في أميركا وحلفائها»، حسبما نقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري».

وترمز تسمية «الميدان» في قاموس المسؤولين الإيرانيين إلى الأنشطة الإقليمية لـ«الحرس الثوري» الإيرانية، المتمثلة بذراعه الخارجية «فيلق القدس».

وأوضح فدوي أن «جبهتي الميدان والدبلوماسية ظلتا دائماً مفتوحتين». وأعرب عن ارتياحه لتعدد جبهات الصراع مع إسرائيل، مشيراً إلى أن «أداء جبهة المقاومة لا نظير له، فما تحقق خلال العام الماضي كان استثنائياً، إذ تشكلت جبهة واسعة ومتماسكة»، وفقاً لما نقلته وكالة «إيسنا» الحكومية.

وقال فدوي: «الأراضي المحتلة بحجم إحدى المحافظات الصغيرة في إيران، وإذا أردنا، يمكننا القضاء على جميع الصهاينة».

وأشار إلى مشاركة خامنئي في صلاة الجمعة بعد أسبوع من مقتل نصر الله، وهي أول مشاركة له بعد أكثر من أربع سنوات. وأوضح أن صلاة الجمعة المقبلة «ستكون في القدس الشريف والمسجد الأقصى، بحضور الملايين من المقاتلين».

قائد «الحرس الثوري» حسين سلامي يردد هتافات في تشييع نيلفروشان اليوم (أ.ف.ب)

ووصف فدوي نتيجة الحرب بأنها «واضحة»، متوقعاً أن يكون «النصر حليف جبهة المقاومة». وذهب إلى وصف إيران بـ«أم القرى للثورة»، مشيراً إلى أن «منذ البداية وحتى الآن، ندافع بقوة وفقاً لتوجيهات المرشد، التي ينفذها (الحرس الثوري) باعتباره ذراع ولاية الفقيه».

كما أقر بدور إيران في دعم الجماعات المسلحة، قائلاً: «لقد قمنا بتزويد كل من يرغب في مقاومة ظلم الأميركيين والصهاينة بالقدرات اللازمة». وأكد أن «أميركا عاجزة أمام قوة جبهة الثورة الإسلامية، وأن هذه المواجهة ستقود بالتأكيد إلى نصر سيشهده العالم بأسره».

وأضاف: «كان الأعداء يظنون أننا منتشرون بشكل متفرق في مناطق مختلفة، لكن الواقع أن المقاومة أصبحت شاملة في كل المنطقة. عندما تعمل إيران والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن كيد واحدة، فهذا يعني أننا نتقدم بسرعة كبيرة».

من جانبه، قال الناطق باسم «الحرس الثوري»، علي محمد نائيني، إن «جبهة لبنان و(حزب الله) أصبحا أقوى بعد اغتيال حسن نصر الله». وأشار إلى أن «العمليات التي نفذت بعد ذلك كانت غير مسبوقة».

بدوره، قال عبد الله حاجي صادقي، ممثل المرشد الإيراني في «الحرس الثوري»، خلال مراسم التشييع، إن نيلفروشان «كان رفيقاً وحامل راية» أمين عام «حزب الله». وأضاف: «كان ممن حضروا إلى الميدان بدعم من المرشد لمساندة حسن نصر الله، وكان حاضراً في ذروة المعارك»، مضيفاً أنه «بقي معه حتى مقتله».

وأضاف: «على العدو أن يعلم أنه كلما قتل منا، يزداد نهج المقاومة قوة. اليوم تواصل جبهة المقاومة مسيرتها بقوة أكبر، ولن تتراجع لحظة حتى القضاء على العدو».

بزشكيان يتوسط مدير مكتبه، محسن حاجي ميرزايي، ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (أ.ف.ب)

«معادلة»

قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، النائب علي خضري، إن «العمليات الأخيرة لـ(حزب الله) أثبتت أنه لا يزال متماسكاً وقوياً رغم فقدانه العديد من القادة، وقد حل اليوم الأسود بالصهاينة». وأضاف أن «عمليات (حزب الله) في الأيام الأخيرة تشير إلى أنه استعاد معادلة ضاحية بيروت - حيفا، وبيروت - تل أبيب، مما يعني أنه في حال تعرض الضاحية لهجوم، سيتم الرد عليه بهجوم على حيفا، وعندما تتعرض بيروت لهجوم، ستتعرض عاصمة الكيان الصهيوني للاستهداف».

من جهته، قال عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، محمد جواد جمالي، إن المشاورات الإقليمية لبلاده «تحظى بأهمية كبيرة، وتظهر أن الدبلوماسية نشطة جنباً إلى جنب مع الميدان»، لافتاً إلى أن الوضع الإقليمي «قد أصبح معقداً، وكان من الضروري أن تكون إيران، كمحور للمقاومة، نشطة في كل من الميدان والدبلوماسية».

وقال: «لحسن الحظ، نشطت الدبلوماسية، حيث زار رئيس جمهوريتنا قطر بعد رد إيران على إسرائيل... من جهة أخرى، كانت زيارة وزير الخارجية ورئيس البرلمان إلى بيروت تحمل رسالة مهمة للعدو ومحور المقاومة».

قال النائب السابق، محمد حسن آصفري، إن «رسالة التحركات الدبلوماسية الإيرانية هي أننا نسعى إلى تحقيق الاستقرار في المنطقة، ولكننا أيضاً مستعدون للرد على العدو». وأضاف: «يمكن أن تؤثر الدبلوماسية بشكل كبير على تقليل التوترات الإقليمية. كلما زادت تحركاتنا الدبلوماسية، يمكننا تقليل مستوى الخصومة. رحلات وزير الخارجية إلى دول المنطقة والخليج تهدف إلى تقليل التوتر ومحاولة إرساء وقف إطلاق النار في غزة ولبنان ومنع مقتل الأبرياء».


مقالات ذات صلة

نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

تحليل إخباري ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

نتنياهو يريد استمرار الحرب... ولن يعارض إذا أوقفها ترمب

ما زالت إسرائيل تعتقد أن إيران لا تنوي في هذه المرحلة وقف الحرب، لذلك فإنها تستعد لتصعيد كبير مع انتهاء المهلة التي حددها لها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

نظير مجلي (تل أبيب)
شؤون إقليمية دخان يتصاعد من مطار مهرآباد غرب طهران (شبكات التواصل)

ترمب يشدد على إنذاره لطهران… وإسرائيل تكثّف ضرب المنشآت الإيرانية

في وقت دفعت فيه إسرائيل هجماتها إلى قلب طهران ومطاراتها ومنشآت الطاقة، شدد الرئيس ترمب، الاثنين، على أن المهلة التي منحها لإيران لإبرام اتفاق تنتهي الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران - واشنطن)
شؤون إقليمية مدرسة للبنات متضررة جراء هجوم صاروخي على تل أبيب (رويترز)

الصليب الأحمر الدولي يندّد بـ«التهديدات المتعمّدة» للبنى التحتية المدنية في المنطقة

ندّدت رئيسة اللجنة الدولية للصليب الأحمر ميريانا سبولجاريك، الاثنين، بـ«التهديدات المتعمّدة» للبنى التحتية المدنية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن - تل أبيب)
الخليج الدفاعات السعودية اعترضت ودمّرت مسيّرتين خلال الساعات الماضية (وزارة الدفاع)

البحرين تضبط خلية مرتبطة بالاستخبارات الإيرانية و«الحرس الثوري»

كشفت البحرين عن ضبط متهمين بالتخابر مع أجهزة الاستخبارات الإيرانية و«الحرس الثوري»، بعد ثبوت تلقيهم تكليفات من جهات خارجية لرصد مواقع حيوية داخل البلاد.

إبراهيم أبو زايد (الرياض)
عناصر خلية إرهابية في البحرين قبض عليهم (بنا)

البحرين: حبس متهمين لتخابرهم مع الاستخبارات الإيرانية و«الحرس الثوري»

أعلنت النيابة العامة في البحرين حبس عدد من المتهمين احتياطياً على ذمة التحقيق، بعد ثبوت تورطهم في التخابر لمصلحة أجهزة الاستخبارات الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (المنامة)

تكثيف استهداف إيران مع اقتراب نهاية المهلة


دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
TT

تكثيف استهداف إيران مع اقتراب نهاية المهلة


دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)
دخان يتصاعد من مطار مهر آباد غرب طهران فجر أمس (شبكات التواصل)

تكثّف استهداف منشآت إيران، أمس، مع اقتراب نهاية المهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فيما اصطدمت خطةٌ باكستانيةٌ لوقف الحرب بتحفظ من واشنطن وطهران، بالتزامن مع إعلان إسرائيل مقتل رئيس جهاز استخبارات «الحرس الثوري» مجيد خادمي في غارة على طهران.

وشدد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض على أن المهلة التي تنتهي مساء اليوم هي «مهلة نهائية»، وقال إن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «أولوية كبيرة جداً»، وإن حرية مرور النفط عبره يجب أن تكون جزءاً من أي اتفاق مع إيران. كما رفض فرض إيران رسوماً على عبور السفن في المضيق، وطرح في المقابل فكرة أن تفرض الولايات المتحدة رسوماً على المرور. وأضاف أنه لو كان الأمر بيده «لأخذ النفط» الإيراني.‌ وقال ترمب إنه من الممكن القضاء على إيران في ليلة واحدة، «وقد تكون ليل غد»، محذراً طهران من أن عليها إبرام اتفاق بحلول مساء اليوم (الثلاثاء) وإلا ستواجه عواقب وخيمة.

ونقلت «رويترز» عن مصدر مطلع قوله إن الخطة الباكستانية تقترح وقفاً فورياً لإطلاق النار يعقبه تفاوض على اتفاق شامل خلال 15 إلى 20 يوماً، لكن البيت الأبيض قال إن ترمب لم يوافق عليها. وفي المقابل، أفادت وكالة «إيرنا» بأن إيران سلّمت باكستان رداً من عشرة بنود، رفضت فيه وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، وشددت على ضرورة إنهاء الحرب بشكل دائم.

وتركزت الضربات الإسرائيلية أمس على مطارات ومنشآت جوية وعسكرية في العاصمة، بينها مهرآباد غرب العاصمة وبهرام وآزمایش في الشرق، قبل أن تمتد إلى مواقع صناعية وبتروكيماوية في الوسط والجنوب، لا سيما في ميناء عسلوية، حيث قالت إسرائيل إنها استهدفت بنية تستخدم في إنتاج مواد مرتبطة بالصواريخ والأسلحة.


القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

القيادة العسكرية الإيرانية تندّد بـ«ألفاظ وقحة» لترمب

ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)
ترمب يتحدث خلال مؤتمر صحافي حول إيران في البيت الأبيض (أ.ب)

رأت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، الثلاثاء، أن «الألفاظ الوقحة» التي يطلقها دونالد ترمب بشأن الحرب في الشرق الأوسط «لن يكون لها أي تأثير» على الجنود الإيرانيين، وذلك بعد تلويح الرئيس الأميركي بنسف البنى التحتية لإيران.

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

ونقل التلفزيون الرسمي عن إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم «مقر خاتم الأنبياء»، وهو غرفة العمليات المركزية للقوات المسلّحة الإيرانية، قوله إن «الألفاظ الوقحة» و«التهديدات الواهية» التي يطلقها «الرئيس الأميركي الواهم (...) لن يكون لها أي تأثير على استمرار العمليات الهجومية الساحقة» التي تشنّها القوات الإيرانية «ضد الأعداء الأميركيين والصهاينة».


حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
TT

حراك إقليمي لـ«اتفاق جزئي» قُبيل ساعات حاسمة في حرب إيران

اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)
اجتماع رباعي نهاية مارس الماضي جمع وزراء خارجية باكستان وتركيا والسعودية ومصر لبحث جهود خفض التصعيد (الخارجية المصرية)

تشهد منطقة الشرق الأوسط تحركات إقليمية مكثفة للتهدئة، وسط تهديدات أميركية وإيرانية متبادلة، مع اقتراب انتهاء مهلة الرئيس الأميركي دونالد ترمب مساء الثلاثاء، وما تحمله من مسار تصعيد غير مسبوق.

تلك الجهود التي تسعى لاتفاق جزئي لوقف إطلاق النار في إيران لمدة 45 يوماً، حسب تسريبات أميركية، يرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنها تأتي في إطار «دبلوماسية الضغط التي تُمارَس تحت سقف تهديدات غير مسبوقة، على أمل أن تحرز تقدماً بتمديد مهلة ترمب أو وقف مؤقت، في ظل ما تتمتع به الوساطة الثلاثية من ثقل إقليمي ورغبة دولية لوقف هذه الحرب المستعرة منذ 28 فبراير (شباط) الماضي».

الدخان يتصاعد عقب انفجار في طهران (رويترز)

وتُجري الولايات المتحدة وإيران عبر الوسطاء، مصر وتركيا وباكستان، مناقشات حول بنود وقف إطلاق نار محتمل لمدة 45 يوماً، قد يفضي إلى إنهاء الحرب بشكل دائم، وفقاً لأربعة مصادر أميركية وإسرائيلية وإقليمية مطلعة على المحادثات تحدثت لموقع «أكسيوس» الأميركي، الاثنين، واصفة المشاورات بأنها «فرصة أخيرة».

وأكدت «رويترز»، الاثنين، أن إيران والولايات المتحدة تلقتا مقترحاً لإنهاء الأعمال العدائية.

وفي تقدير مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير محمد حجازي، فإن الوساطة التي تقودها مصر وتركيا وباكستان «تكشف ملامح لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها حسابات الردع مع ضغوط التهدئة، في محاولة لخلق مساحة زمنية لإعادة ترتيب موازين التفاوض، ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز الإطار الإقليمي».

وهو يرى أن الوساطة الثلاثية لها أهمية خاصة نظراً لطبيعة الأطراف المنخرطة فيها؛ فـ«مصر تمثل ثقلاً تقليدياً في إدارة الأزمات الإقليمية، وتركيا تمتلك قنوات اتصال مركبة مع مختلف الفاعلين، في حين تضطلع باكستان بدور بالغ الحساسية في التواصل مع طهران، بما يعكس هندسة دبلوماسية متعددة المسارات... لكن عدم وجود الحد الأدنى من التوافق الاستراتيجي بين أطراف الصراع، يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة منها إلى تسويتها».

ويرى رئيس المنتدى العربي لتحليل السياسات الإيرانية والخبير بالشأن الإيراني، محمد محسن أبو النور، أن المبادرة تعكس تحوّلاً مهماً في نمط إدارة الأزمة؛ إذ تسعى قوى دولية وإقليمية إلى احتواء التصعيد عبر صيغة متعددة الأطراف وليس من خلال قنوات ثنائية تقليدية، لافتاً إلى أن المبادرة لا تستهدف فقط وقفاً مؤقتاً لإطلاق النار، بل تسعى إلى تأسيس ترتيبات أوسع لضبط التوتر في واحد من أهم شرايين الطاقة العالمية.

ووسط ترقب نتائج المسار التفاوضي، استعرض الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال اتصال هاتفي تلقاه يوم الاثنين من رئيس وزراء إسبانيا، بيدرو سانشيز، جهود مصر الرامية لوقف الحرب، مشدداً على ضرورة تضافر الجهود الدولية والإقليمية تحقيقاً لهذا الهدف، وفق بيان للرئاسة المصرية.

وشدد السيسي على «إدانة مصر القاطعة للاعتداءات على الدول العربية الشقيقة، ورفض أي مساس بسيادتها واستقرارها ومقدرات شعوبها»، مجدداً تأكيد «موقف مصر الثابت في دعم تلك الدول العربية الشقيقة».

واعتبر عضو مجلس النواب المصري، مصطفى بكري، في منشور عبر منصة «إكس»، الاثنين، الجهود المصرية مع تركيا وباكستان «محاولات اللحظة الأخيرة لإنقاذ المنطقة من طوفان الحرب المدمرة»، لافتاً إلى أن «الساعات المقبلة حاسمة».

ويرى أبو النور أن دور مصر في مثل هذه المبادرات «يظل مرشحاً لأن يكون دوراً حاسماً، وخاصة أنها تمتلك خبرة تراكمية طويلة في إدارة قنوات الاتصال بين أطراف متنازعة، إلى جانب شبكة علاقات متوازنة مع كل من الولايات المتحدة ودول الخليج، مع احتفاظها بقنوات تواصل مباشرة مع إيران».

الدخان يتصاعد بعد هجمات استهدفت منطقة معشور للبتروكيماويات في محافظة الأهواز (رويترز)

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إرنا)، الاثنين، عن المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي قوله: «ندعو إلى إنهاء الحرب ومنع تكرارها»، رافضاً وقف إطلاق النار المؤقت.

وأضاف أن أي محادثات دبلوماسية «تتعارض تماماً مع الإنذارات والتهديدات بارتكاب جرائم حرب»، في إشارة إلى تهديد ترمب بقصف البنية التحتية الإيرانية الرئيسية مساء الثلاثاء إذا لم تفتح طهران مضيق هرمز.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» إن الثلاثاء سيكون «يوم محطات الطاقة ويوم الجسور»، مضيفاً أنه «لن يكون هناك ما يشبهه»، في إشارة إلى ضربات واسعة محتملة تستهدف البنية التحتية الإيرانية.

كما تحدث ترمب عن وجود مسار تفاوضي مفتوح، قائلاً في مقابلة مع «فوكس نيوز» إن هناك «فرصة جيدة» للتوصل إلى اتفاق، مع استمرار الاتصالات غير المباشرة.

ووسط تلك الاختلافات، يرى السفير حجازي أن الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق جزئي مسألة مرتبطة ليس فقط بالإرادة السياسية، وإنما تدفع نحو منح الدبلوماسية فرصة أخيرة، وخاصة أنه لا يمكن قراءة الوساطة الثلاثية إلا في إطار «دبلوماسية الضغط القسري»؛ إذ تُستخدم التهديدات العسكرية لدفع الأطراف نحو التفاوض، دون أن يعني ذلك بالضرورة توافر شروط التسوية.

وتشير المعطيات حتى الآن، حسب حجازي، إلى أن المنطقة لا تزال أقرب إلى إدارة تصعيد مضبوط منها إلى الدخول في مسار تهدئة مستدامة، ما لم يحدث تحول نوعي في مواقف الأطراف خلال الساعات القليلة المقبلة.

ويرى أبو النور أن هناك «تردداً إيرانياً محسوباً»، ربما بهدف اختبار جدية الضمانات المقدمة، أو تحسين شروط التفاوض، مقابل حذر تكتيكي أميركي، خصوصاً في ظل عدم وضوح ما إذا كانت المبادرة ستُترجم إلى مكاسب استراتيجية، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة تمنح إيران مساحة لإعادة ترتيب أوراقها.

ويمكن القول، بحسب أبو النور، إن نجاح المبادرة مرهون بقدرة الوسطاء على تقديم ضمانات أمنية وسياسية مقنعة للطرفين، «وإلا فسيظل الطرفان مستمرين في إدارة الصراع ضمن حدود التصعيد الحالية، بدلاً من الانتقال إلى مسار تسوية حقيقية في هذه المرحلة».