دفعة جديدة للتطبيع بين أنقرة ودمشق بعد زوال عقدة الانسحاب

روسيا تحدثت عن لقاء رباعي لوزراء الخارجية... وتركيا رحبت بإيجابية الأسد

الأسد وإردوغان في دمشق قبل عام 2011
الأسد وإردوغان في دمشق قبل عام 2011
TT

دفعة جديدة للتطبيع بين أنقرة ودمشق بعد زوال عقدة الانسحاب

الأسد وإردوغان في دمشق قبل عام 2011
الأسد وإردوغان في دمشق قبل عام 2011

تجدَّدت الجهود لإحياء مسار محادثات تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، عقب إعلان الرئيس السوري بشار الأسد أن بلاده لا تضع انسحاب تركيا العسكري شرطاً للمفاوضات معها، ردَّت عليها أنقرة بأنه لا توجد مشكلة بين البلدين لا يمكن حلها.

وتصاعد على مدى الساعات الأخيرة زخم التصريحات حول العودة إلى «صيغة أستانة» التي كانت إطاراً لمحادثات التطبيع بين أنقرة ودمشق، التي توقفت عند الجولة 21 من محادثات الحل السياسي للأزمة السورية في أستانة، يونيو (حزيران) 2023.

وقال وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، إنه من المقرَّر أن تعقد روسيا وتركيا وسوريا وإيران اجتماعاً آخر في المستقبل المنظور لبحث تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق.

وقال لافروف لقناة «روسيا اليوم»، السبت: «موسكو تمكنت بـ(شق الأنفس)، العام الماضي، من عقد مباحثات بين أنقرة ودمشق بهدف بحث شروط تسهم في الوصول إلى تطبيع العلاقات بين الجانبين».

وزيرا الخارجية التركي والروسي خلال مباحثات في أنطاليا مارس الماضي (الخارجية التركية)

وأوضح أن المباحثات كانت مفيدة رغم أنها لم تتمكن من التوصل إلى اتفاق على المضي قدماً؛ إذ تعتقد الحكومة السورية أن الاستمرار في عملية التطبيع يتطلب تحديد إجراءات انسحاب القوات التركية من سوريا. أما الأتراك، فهم مستعدون لذلك، ولكن لم يتم الاتفاق على معايير محددة حتى الآن.

وعد لافروف أنه «من الضروري التحضير الآن لاجتماع جديد»، مستدركاً: «أنا على ثقة من أنه سيُعقد في مستقبل قريب جداً. نحن مهتمون بلا شك بتطبيع العلاقات بين شركائنا في دمشق وأنقرة».

بالتزامن، قال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، إنه لا توجد مشكلة في العلاقات لا يمكن حلها بين تركيا وسوريا. وبعد حل المشكلات أعتقد أننا سنكون قادرين على مواصلة أنشطتنا الطبيعية كدولتين متجاورتين.

ورحَّب غولر، في تصريحات لصحيفة «حرييت» التركية، القريبة من الحكومة، بتصريحات الرئيس السوري بشار الأسد حول عودة العلاقات مع تركيا، ووصفها بـ«الإيجابية للغاية».

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

وتتحدث أنقرة عن 4 شروط لتحقيق التطبيع مع دمشق، تتمثل في إقرار الدستور وإجراء انتخابات حرة بمشاركة جميع الأطياف ومراعاة مطالب الشعب السوري، ومكافحة الإرهاب وتأمين الحدود، وضمان العودة الطوعية الآمنة للاجئين، وضمان استدامة المساعدات للمحتاجين.

تصريحات الأسد الأخيرة أحيت الآمال بعقد لقاء قريب مع الأسد (من لقاء في إسطنبول قبل 2011- الرئاسة التركية)

عودة «صيغة أستانة»

والجمعة، قال نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف، إن تنظيم لقاء بين الرئيس السوري بشار الأسد، ونظيره التركي رجب طيب إردوغان، يتطلب تحضيرات جدية، وإن موسكو مستعدة لقبول عقد هذا اللقاء لديها.

وأضاف: «بالطبع، نحن على اتصال مع الإيرانيين والعراقيين، لأنهم أيضاً مهتمون جداً بتطبيع العلاقات بين سوريا وتركيا؛ الأمر الذي سيكون له تأثير إيجابي على الوضع العام في سوريا وما حولها».

وتابع بوغدانوف: «نؤيد عملية تطبيع العلاقات بين سوريا وتركيا، على أساس الاعتراف المتبادَل بسلامة أراضي ووحدة وسيادة البلدين الجارين».

مباحثات نائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف مع مسؤولين بالخارجية التركية في أنقرة (وزارة الخارجية التركية)

وفي تصريحات جديدة، الأحد، أكد بوغدانوف لوكالة «تاس» الروسية، أنه يجري الإعداد لاجتماع يجمع وزراء خارجية سوريا وتركيا وإيران، وأن العمل جارٍ لتحديد أجندته وموعده.

ولفت إلى أن روسيا تدعم مشاركة إيران في أي محادثات أخرى لتطبيع العلاقات بين تركيا وسوريا، قائلاً إن «هذا سيجعل من الممكن الاستفادة من الإمكانات التي تم إنشاؤها كجزء من عملية أستانة، التي أثبتت فعاليتها».

وتوالت في الأيام القليلة الماضية التصريحات الإيجابية بشأن عودة العلاقات التركية السورية إلى طبيعتها؛ فقد صرح رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، بأنه على استعداد للقاء رئيس مجلس الشعب السوري، حمودة صباغ، مؤكداً أن الشعبين السوري والتركي ليس بينهما أي عداء.

وبدوره، رأى السفير السوري السابق لدى تركيا، نضال قبلان، أن هناك «إشارات إيجابية»، بخصوص جهود التطبيع بين أنقرة ودمشق، بما في ذلك احتمال لقاء وزيرَي خارجية البلدين.

وقال قبلان، وهو آخر سفير لسوريا لدى تركيا قبل الأزمة في العلاقات التي وقعت عام 2011، إن انسحاب القوات التركية من سوريا هو «نتيجة للمفاوضات وليس شرطاً مسبقاً للتطبيع».

وأوضح قبلان، بحسب ما نقل موقع «بي بي سي» باللغة التركية، أن تصريح الرئيس بشار الأسد بأن انسحاب القوات التركية من سوريا ليس شرطاً مسبقاً لإجراء محادثات، يُعدّ رداً على تصريحات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الأخيرة، عن استعداده للقائه، ومع الرسائل التي بعث بها الوسطاء الروس والعراقيون بأن الرئيس التركي جاد في هذا الأمر، وأن الأسد يريد أن يكون انسحاب القوات التركية من سوريا نتيجة للمفاوضات، وليس شرطاً مسبقاً، وأن دمشق تتوقع من أنقرة الالتزام بالانسحاب.

القوات التركية في سوريا لم تعد تشكل عقبة أمام مفاوضات التطبيع (أرشيفية)

ولفت إلى أن أولويات الحكومة السورية تغيرت إلى استعادة السيطرة على جميع المناطق السورية، وإعادة بناء البنية التحتية التي تعرضت لدمار شديد، مؤكداً أن حلم حزب العمال الكردستاني و«وحدات حماية الشعب الكردية» بتشكيل كيان انفصالي ليس مطروحاً للنقاش، ولا يوجد مكان لأي جماعة مسلحة في سوريا غير الجيش السوري.

وأضاف قبلان أن الحكومة السورية مستعدة للعمل، جنباً إلى جنب، مع تركيا، لإزالة أي مخاوف أمنية على طول حدودها، ما دام ذلك لا يعرِّض سيادة سوريا واستقرارها وأمنها للخطر.

وكشف عن أن روسيا طلبت من «العمال الكردستاني» و«وحدات حماية الشعب» وغيرها من الجماعات الانفصالية في المنطقة، أن يجدوا طريقة للتواصل مع دمشق، مشدداً على أن «أي جزء من سوريا لن يُمنح لأي مجموعة عرقية، بمن في ذلك الأكراد».

نزايدت في الأشهر الأخيرة عودة السوريين في تركيا إلى بلادهم (إكس)

عفو شامل

ورأى أن القضية «الأكثر تحدياً» في تطبيع العلاقات مع تركيا هي عودة اللاجئين السوريين، مشيراً إلى أن الأسد سيصدر قريباً عفواً شاملاً عن كل من فرَّ من البلاد خلال الأزمة، ويخشى من العقوبات عند العودة.

في السياق، أظهرت بيانات صادرة عن رئاسة الهجرة التركية انخفاضاً ملحوظاً في عدد اللاجئين السوريين المقيمين في تركيا تحت «الحماية المؤقتة»، وتراجع العدد بأكثر من 117 ألف شخص خلال الأشهر الـ8 الأولى من العام الحالي إلى نحو 3 ملايين و98 ألف لاجئ حتى نهاية أغسطس (آب)، مقارنة بما يقارب 3 ملايين و215 ألفت بنهاية عام 2023.


مقالات ذات صلة

تركيا: حديث عن تصنيف عناصر «الكردستاني» لدمجهم في «عملية السلام»

شؤون إقليمية مسلحون من حزب «العمال الكردستاني» في جبل قنديل بشمال العراق (رويترز)

تركيا: حديث عن تصنيف عناصر «الكردستاني» لدمجهم في «عملية السلام»

كشفت مصادر تركية عن توجه إلى تصنيف عناصر حزب «العمال الكردستاني» إلى 4 فئات لتحقيق الاندماج في إطار «عملية السلام».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أكراد يحتفلون بعيد «نوروز» في ديار بكر جنوب شرقي تركيا السبت رفعوا صورة كبيرة لزعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان وهو يقرأ رسالة طالب فيها بحل الحزب ونزع أسلحته في 27 فبراير 2025 (حساب حزب الديمقراطية والمساواة للشعوب - «إكس»)

أوجلان يؤكد على «السلام» بتركيا ويرى فرصة لتجاوز فوضى الشرق الأوسط

جدد زعيم حزب العمال الكردستاني السجين في تركيا عبد الله أوجلان تأكيده استمرار عملية السلام التي بدأت بدعوته العام الماضي لحل الحزب وإلقاء أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية حزب «العمال» الكردستاني يلوِّح بعودة مسلحيه إلى نشاطهم حال عدم اتخاذ تركيا خطوات جادة في إطار عملية السلام (أ.ب)

«العمال» الكردستاني يحذر تركيا من تحول مسار السلام

لوَّح حزب «العمال» الكردستاني بإمكانية تحول مسار عملية السلام بتركيا ما لم تتخذ حكومتها خطوات لإيجاد حل جذري للقضية الكردية، والإفراج عن زعيمه عبد الله أوجلان.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أكد في رسالة تهنئة بعيد الفطر المضي قدماً في عملية السلام مع الأكراد (الرئاسة التركية)

إردوغان يؤكد عزم تركيا على المضي في «عملية السلام» مع الأكراد

أكد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، عزم بلاده على المضي قدماً في عملية السلام مع الأكراد التي تمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان التركي نعمان كورتولموش في لقاء مع ممثلي وسائل إعلام تركية (حساب البرلمان على إكس)

تحذيرات في تركيا من انهيار السلام مع الأكراد

حذر رئيس البرلمان التركي، نعمان كورتولموش، بأن فشل عملية السلام الجارية حالياً، التي تمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني»، سيؤدي إلى سحق الحياة المدنية...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إيران تنفذ أحكاماً نهائية صدرت بحق مدانين على صلة باحتجاجات يناير

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)
تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)
TT

إيران تنفذ أحكاماً نهائية صدرت بحق مدانين على صلة باحتجاجات يناير

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)
تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران وسط التوتر القائم بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

قال حمزة خليلي النائب الأول لرئيس السلطة القضائية الإيرانية اليوم (الاثنين)، إن قضايا من اعتقلوا خلال احتجاجات شهدتها البلاد مطلع هذا العام تم البت فيها، ويجري الآن تنفيذ الأحكام النهائية الصادرة بحقهم.

واجتاحت احتجاجات مناهضة للحكومة البلاد في يناير (كانون الثاني)، وأخمدتها حملة قمع وصفت بأنها الأكبر في تاريخ إيران.

ونقلت وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية عن خليلي، قوله: «تم البت في قضايا العناصر الإرهابية ومثيري الشغب (فيما يتعلق بأحداث) يناير. وصدرت أحكام نهائية في بعضها، ويجري حالياً تنفيذها. ونفذت أحكام في بعض القضايا خلال الأيام القليلة الماضية، وسيتم الإعلان عنها. لن يكون هناك أي تساهل مع المدانين في هذه القضايا».

وفي الأسبوع الماضي، أعدمت إيران 3 رجال بعد إدانتهم بقتل اثنين من أفراد الشرطة خلال الاضطرابات التي وقعت في وقت سابق من العام، مما أثار مخاوف بين جماعات معنية بحقوق الإنسان، مثل هنجاو، من أن طهران تسرع وتيرة تنفيذ أحكام الإعدام بحق معتقلين سياسيين ومحتجين في وقت تتصاعد فيه الضغوط العسكرية والدولية عليها، حسبما أوردت وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال خليلي إن السلطة القضائية لن تتهاون مع من قال إنهم «متسللون ومرتزقة وخونة يتعاونون مع العدو» في وقت اعتقلت فيه السلطات مئات خلال الشهر الحالي منذ بدء الحرب.


ترمب يجمِّد ضربات الطاقة... ومحادثات أميركية- إيرانية تختبر التهدئة

ترمب يلوح بيده، برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو، قبل مغادرته على متن مروحية «مارين وان» من البيت الأبيض، الجمعة (أ.ب)
ترمب يلوح بيده، برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو، قبل مغادرته على متن مروحية «مارين وان» من البيت الأبيض، الجمعة (أ.ب)
TT

ترمب يجمِّد ضربات الطاقة... ومحادثات أميركية- إيرانية تختبر التهدئة

ترمب يلوح بيده، برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو، قبل مغادرته على متن مروحية «مارين وان» من البيت الأبيض، الجمعة (أ.ب)
ترمب يلوح بيده، برفقة وزير الخارجية ماركو روبيو، قبل مغادرته على متن مروحية «مارين وان» من البيت الأبيض، الجمعة (أ.ب)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات «جيدة للغاية ومثمرة» بشأن إنهاء المواجهة في الشرق الأوسط، معلناً تأجيل أي ضربات عسكرية على محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة في إيران لمدة 5 أيام، في تحول لافت، بعد تهديد سابق ببدء هذه الضربات مع انتهاء مهلة فتح مضيق هرمز.

ويأتي الإعلان الأميركي في وقت لا تزال فيه الحرب تتسع على أكثر من محور، من مضيق هرمز إلى طهران ولبنان، مع استمرار الهجمات المتبادلة، وتصاعد التحذيرات بشأن البنية التحتية للطاقة، وازدياد القلق من أن أي تعثر في الاتصالات الجارية قد يعيد التصعيد إلى مستوى أعلى خلال أيام قليلة.

إعلان ترمب

كتب ترمب، بأحرف كبيرة على منصة «تروث سوشيال»: «يسعدني أن أُعلن أن الولايات المتحدة الأميركية، ودولة إيران، قد أجريتا، خلال اليومين الماضيين، محادثات جيدة للغاية ومثمرة، بشأن التوصل إلى تسوية كاملة وشاملة تنهي المواجهة بيننا في الشرق الأوسط».

وأضاف: «استناداً إلى نبرة وطبيعة هذه المحادثات المتعمقة والمفصلة والبنَّاءة، والتي ستستمر طوال الأسبوع، فقد وجهتُ وزارة الحرب بتأجيل جميع الضربات العسكرية ضد محطات الكهرباء والبنية التحتية للطاقة في إيران لمدة 5 أيام، وذلك رهناً بنجاح الاجتماعات والمناقشات الجارية».

وكان ترمب قد هدد، السبت، بضرب محطات الطاقة الإيرانية إذا لم تعمد طهران إلى إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل خلال 48 ساعة، وهي مهلة كان يفترض أن تنتهي مساء الاثنين. ولكن إعلانه الجديد ربط أي تصعيد إضافي بنتيجة الاتصالات الجارية مع الإيرانيين.

ويمثل هذا الموقف تحولاً عن تصريح أدلى به ترمب الجمعة، حين قال إنه لا يريد وقفاً لإطلاق النار، مضيفاً أن الحوار ممكن، ولكنه لا يريد هدنة.

التلفزيون الإيراني ينفي

على النقيض من إعلان ترمب، أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني ووكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، نقلاً عن مصدر لم يسمياه، بأن طهران لا تجري أي مفاوضات مباشرة مع الولايات المتحدة، ولا عبر وسطاء.

وأضاف المصدر أن ترمب «تراجع» عن تهديده بقصف محطات الطاقة الإيرانية بسبب التهديد الإيراني المقابل باستهداف البنية التحتية للطاقة في أنحاء الشرق الأوسط.

وقال وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي إن الحرب الجارية مع إيران «ليست من صنعها، مهما تكن المواقف منها»، محذراً من أنها تسببت بالفعل في مشكلات اقتصادية واسعة، وأن هذه التداعيات مرشحة لأن تتفاقم كثيراً إذا استمر القتال.

وأضاف البوسعيدي أن سلطنة عمان تعمل بشكل مكثف من أجل وضع ترتيبات تضمن المرور الآمن في مضيق هرمز.

هرمز والطاقة

وبقي مضيق هرمز في قلب الأزمة خلال الساعات الأخيرة. فقبل إعلان ترمب، واصلت طهران رفع سقف التهديد، مؤكدة أن أي هجوم على جزرها أو سواحلها سيقود إلى توسيع دائرة الخطر إلى كامل الممرات البحرية في الخليج العربي، مع تلويح باستخدام ألغام بحرية وتعطيل خطوط الوصول.

وترافقت هذه التحذيرات مع تأكيدات إيرانية بأن العبور عبر مضيق هرمز للدول «غير المتخاصمة ما زال ممكناً»، ولكنه يخضع للتنسيق مع طهران. وفي الوقت نفسه نفت السفارة الإيرانية لدى الهند ما تردد عن تقاضي مليوني دولار من السفن العابرة، وقالت إن هذه المزاعم لا تمثل الموقف الرسمي الإيراني.

وقالت وزارة الطاقة الإيرانية إن القطاع تعرض لخسائر كبيرة خلال الحرب؛ مشيراً إلى أضرار مالية بالغة نتيجة إصابة شبكات النقل والتوزيع، والضغوط التي تعرضت لها محطات التوليد، ولكنها شددت على أنها مستعدة لإدارة «أسوأ السيناريوهات».

وأضاف مسؤولون إيرانيون أن استهداف بعض المحطات لا يعني بالضرورة انهيار الشبكة سريعاً؛ لأن من الممكن إعادة توزيع الأحمال بين المحطات المختلفة وإعادة التيار خلال مدد قصيرة حسب حجم الضرر. كما قالت شركة الكهرباء في أرومية شمال غربي البلاد، إن الشبكة استقرت سريعاً رغم تعرض منطقة سكنية في المدينة لهجوم.

جبهات مفتوحة

ميدانياً، لم ينعكس الإعلان الأميركي فوراً على وتيرة القتال. فقد أفادت وسائل إعلام إيرانية بسماع دوي انفجارات شديدة في شرق وشمال وغرب طهران، بينها شارع بيروزي؛ حيث مقرات قيادية للجيش الإيراني و«الحرس الثوري».

كما عرضت وسائل إعلام إيرانية مقاطع قالت إنها توثق هجمات على مناطق سكنية في طهران وأرومية، مع ظهور فرق «الهلال الأحمر» وهي تحاول إجلاء المصابين. وفي تبريز شمال غربي البلاد، أعلنت السلطات المحلية مقتل 6 أشخاص وإصابة 6 آخرين جرَّاء استهداف مبنى سكني.

غارة جوية في وسط طهران فجر الأثنين (شبكات التواصل)

وفي خرم آباد غرب البلاد، قال رئيس البلدية إن 6 وحدات سكنية دُمرت بالكامل في ضربات جوية، ما أدى إلى مقتل 9 أشخاص وإصابة آخرين. وفي خير آباد ورامين، تحدثت تقارير رسمية عن مقتل 6 أشخاص، بينهم طفلان ووالداهما، وإصابة 28 آخرين، مع استمرار عمليات البحث تحت الأنقاض.

في المقابل، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه بدأ موجة واسعة من الضربات تستهدف بنى تحتية تابعة للنظام الإيراني في طهران. كما واصل إرسال تنبيهات متكررة إلى الإسرائيليين لدخول الأماكن المحمية بعد رصد صواريخ أُطلقت من إيران، قبل أن يعلن لاحقاً السماح بمغادرتها بعد تقييم الوضع.

رسائل متقابلة

أصدرت الجهات العسكرية الإيرانية خلال الساعات الماضية سلسلة بيانات عن شن هجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المُسيَّرة على إسرائيل ودول الجوار. وقال «الحرس الثوري» إنه مصمم على الرد على أي تهديد «بالمستوى الذي يحقق الردع»، محذراً من أن استهداف الكهرباء الإيرانية سيقابل باستهداف منشآت مماثلة في إسرائيل، ودول ترتبط بالبنية العسكرية الأميركية في المنطقة.

وأضاف البيان أن القوات الأميركية هي التي بدأت الحرب عبر استهداف بنى مدنية، وأن إيران لم تستهدف محطات التحلية في المنطقة، ولكنها سترد إذا تعرضت محطات الكهرباء الإيرانية للهجوم. وجاء في إحدى العبارات: «أنتم استهدفتم مستشفياتنا ومراكز الإغاثة ومدارسنا، ونحن لم نفعل ذلك، ولكن إذا استهدفت الكهرباء فسنستهدف الكهرباء».

وفي بيان آخر، حذر المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان الإيرانية القوات الأميركية والإسرائيلية، من أنها «تحت مراقبة كاملة»، وأن الاختباء داخل مناطق سكنية لن ينقذها.

كما أعلن الجيش الإيراني إسقاط طائرتين مسيَّرتين «انتحاريتين» قال إنهما تابعتان للجيش الأميركي قبل وصولهما إلى أهداف بحرية قرب بندر عباس.

ارتفاع عدد الضحايا

وعدد قتلى الحرب 4200 شخص مع دخول النزاع يومه الرابع والعشرين. وقالت وكالة «نشطاء حقوق الإنسان» في إيران، إن ما لا يقل عن 3231 شخصاً قُتلوا في إيران، بينهم 1407 مدنيين و1167 من أفراد الجيش، بينما لم يُحسم وضع الباقين بعد.

وفي لبنان، تجاوز عدد القتلى ألف شخص مع تكثيف الضربات الإسرائيلية على «حزب الله». كما سقط عشرات القتلى في إسرائيل ودول عربية. وتحدثت تقارير إسرائيلية سابقة عن أكثر من 140 إصابة في الضربات التي طالت محيط ديمونة وعراد في النقب، في واحدة من أكثر الضربات الإيرانية حساسية منذ بداية الحرب.

وعلى الصعيد الاقتصادي، واصلت الحرب الضغط على أسواق الطاقة والملاحة. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من تضرر أكثر من 40 منشأة طاقة في 9 دول في الشرق الأوسط منذ بدء الصراع، بينما ظلت الأنظار مركزة على مضيق هرمز بوصفه الممر الأشد حساسية لأي تصعيد لاحق.

وفي الداخل الإيراني، تحدثت بلدية طهران عن تضرر 24 ألف وحدة سكنية، بينها مائة مبنى يحتاج إلى تدعيم خاص أو إعادة بناء. كما سُجلت قيود على حركة بعض السفن من وإلى كيش، وازدحام مروري كثيف على الطرق المؤدية إلى شمال إيران، في صورة تعكس تأثير الحرب على الحياة اليومية إلى جانب الميدان والسياسة.


تقرير: رهان إسرائيل على انتفاضة إيرانية من الداخل لم يتحقق

إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)
إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)
TT

تقرير: رهان إسرائيل على انتفاضة إيرانية من الداخل لم يتحقق

إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)
إيرانيون – أميركيون يرفعون لافتات ويرددون هتافات خلال مظاهرة ضد النظام الإيراني في لوس أنجليس الأحد (أ.ب)

مع اندلاع المواجهة مع إيران، قدّم رئيس جهاز «الموساد» ديفيد برنياع خطة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وحسب برنياع، فإن جهازه كان قادراً، خلال أيام من بدء الحرب، على تحريك المعارضة الإيرانية ودفعها إلى احتجاجات وأعمال تمرد قد تتطور إلى تهديد مباشر لبقاء النظام.

وعرض برنياع، وفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»، هذه الخطة أيضاً على مسؤولين كبار في إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب خلال زيارة إلى واشنطن في منتصف يناير (كانون الثاني).

وتبنّى نتنياهو الطرح، رغم شكوك أبداها مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى، إلى جانب تحفظات داخل بعض الأجهزة الاستخباراتية الإسرائيلية بشأن واقعيته. ومع ذلك، بدا أن نتنياهو وترمب يميلان إلى مقاربة متفائلة، تقوم على أن استهداف قيادات إيرانية في بداية الصراع، بالتوازي مع عمليات استخباراتية تهدف إلى تحفيز تغيير داخلي، قد يفضي إلى انتفاضة واسعة تنهي الحرب سريعاً.

وفي خطاب له مع بداية الحرب، دعا ترمب الإيرانيين إلى «تولي زمام حكومتهم»، قائلاً: «الأمر متروك لكم لتأخذوه»، وذلك بعد حثهم على الاحتماء من القصف.

تعثر سيناريو الانتفاضة

بعد ثلاثة أسابيع على اندلاع الحرب، لم تظهر حتى الآن أي مؤشرات على انتفاضة داخل إيران، بحسب الصحيفة. وتشير تقديرات استخباراتية أميركية وإسرائيلية إلى أن النظام الإيراني، رغم تعرضه لضغوط، لا يزال متماسكاً، في حين أسهم الخوف الواسع من أجهزة الأمن والجيش في تقليص فرص اندلاع تمرد داخلي أو تحرك جماعات مسلحة عبر الحدود.

ويبدو أن الرهان على قدرة الولايات المتحدة وإسرائيل على تحفيز انتفاضة شعبية كان إحدى الثغرات الأساسية في التخطيط للحرب التي اتسع نطاقها في المنطقة. فبدلاً من أن ينهار النظام من الداخل، عزز موقعه وصعّد المواجهة، منفذاً ضربات متبادلة استهدفت قواعد عسكرية ومدناً وسفناً في الخليج، إضافة إلى منشآت نفط وغاز.

ويستند هذا التقييم إلى مقابلات مع أكثر من عشرة مسؤولين حاليين وسابقين من الولايات المتحدة وإسرائيل ودول أخرى، تحدث معظمهم شريطة عدم الكشف عن هوياتهم؛ نظراً لحساسية القضايا الأمنية خلال الحرب، في حين عكست آراؤهم تبايناً بشأن فرص حدوث انتفاضة داخل إيران.

ومنذ خطاب دونالد ترمب الأول مع بداية الحرب، تراجع المسؤولون الأميركيون عن الحديث علناً عن احتمالات التمرد داخل إيران، رغم بقاء بعضهم على قدر من التفاؤل بإمكانية حدوثه. وفي المقابل، ورغم لهجة أكثر حذراً، لا يزال بنيامين نتنياهو يؤكد أن الحملة الجوية الأميركية – الإسرائيلية ستلقى دعماً من قوى على الأرض.

وأضاف أن «من المبكر القول ما إذا كان الشعب الإيراني سيستغل الظروف التي نعمل على خلقها للنزول إلى الشارع. آمل أن يحدث ذلك، ونعمل من أجل هذا الهدف، لكن القرار في النهاية يعود إليهم».

غير أن مصادر مطلعة تشير إلى أن نتنياهو عبّر في جلسات مغلقة عن استياء من عدم تحقق تقديرات «الموساد» بشأن تحريك الشارع الإيراني. وخلال اجتماع أمني بعد أيام من بدء الحرب، أبدى قلقه من احتمال أن يقرر دونالد ترمب إنهاء المواجهة في أي لحظة، في وقت لم تُثمر فيه العمليات الاستخباراتية النتائج المرجوة.

وحسب مسؤولين أميركيين وإسرائيليين حاليين وسابقين، فإن نتنياهو استند، قبيل اندلاع الحرب، إلى تقديرات «الموساد» المتفائلة بإمكان حدوث انتفاضة داخل إيران، لإقناع ترمب بأن إسقاط النظام هدف قابل للتحقق.

«الخوف يكبح الاحتجاج»

في المقابل، نظر كثيرٌ من كبار المسؤولين الأميركيين، إلى جانب محللين في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان)، بعين الشك إلى هذا السيناريو. وأبلغ قادة عسكريون أميركيون ترمب أن الإيرانيين لن يخرجوا إلى الشوارع في ظل القصف، في حين قدّرت أجهزة الاستخبارات أن احتمال اندلاع انتفاضة واسعة تهدد النظام يبقى محدوداً، مستبعدة أن تؤدي الضربات الأميركية – الإسرائيلية إلى إشعال حرب داخلية.

وأكد المسؤول السابق في وزارة الخارجية والبيت الأبيض نيت سوانسون عدم وجود «خطة جدية» لتحفيزها، مشيراً إلى أن الخوف من القتل يدفع معظم الإيرانيين للبقاء في منازلهم رغم رفضهم للنظام. بدوره، أقرّ ترمب بأن انتشار قوات الأمن وإطلاق النار على المحتجين يشكّل «عقبة كبيرة» أمام أي تحرك شعبي قريب.

وأضاف نيت سوانسون، الذي عمل ضمن فريق التفاوض مع إيران في إدارة دونالد ترمب بقيادة ستيف ويتكوف حتى يوليو (تموز)، أنه لم يطّلع خلال سنوات عمله على أي «خطة جدية» داخل الحكومة الأميركية لتحفيز انتفاضة في إيران.

الخيار الكردي

رغم بقاء كثير من تفاصيل خطط «الموساد» طي الكتمان، فإن أحد محاورها تضمّن دعم توغل مجموعات كردية إيرانية متمركزة في شمال العراق داخل الأراضي الإيرانية، وفق «نيويورك تايمز».

وخلال الأيام الأولى من الحرب، كثّفت الطائرات الإسرائيلية ضرباتها على مواقع عسكرية وأمنية شمال غربي إيران، فيما بدا تمهيداً لتحركات محتملة لتلك القوات.

وفي إحاطة هاتفية في 4 مارس (آذار)، سُئل المتحدث العسكري الإسرائيلي ناداف شوشاني عما إذا كانت هذه الضربات تهدف إلى دعم هجوم كردي، فأجاب بأن العمليات في غرب إيران تركز على «إضعاف قدرات النظام وفتح الطريق نحو طهران وخلق حرية عمل»، من دون تأكيد مباشر لهذا السيناريو.

غير أن الحماسة الأميركية لفكرة استخدام الأكراد كقوة وكيلة تراجعت؛ وهو ما تسبب في تباين مع الجانب الإسرائيلي. ففي 7 مارس، وبعد أسبوع من بدء الحرب، قال ترمب إنه طلب صراحة من القيادات الكردية عدم إدخال قواتها إلى إيران، مضيفاً: «لا أريد للأكراد أن يتدخلوا... ولا أريد أن أراهم يُصابون أو يُقتلون».

وفي السياق نفسه، حذّرت تركيا الإدارة الأميركية من دعم أي تحرك كردي، وفق ما نقل دبلوماسي تركي، مشيراً إلى أن وزير الخارجية هاكان فيدان نقل هذا الموقف إلى نظيره الأميركي ماركو روبيو. وتعارض أنقرة، العضو في «ناتو»، أي نشاط مسلح كردي، في ظل مواجهتها حركات انفصالية داخل أراضيها.

انتفاضة لم تتبلور

من جهة أخرى، أفاد مسؤولون أميركيون اطّلعوا على تقديرات استخباراتية قبل الحرب بأن وكالة الاستخبارات المركزية درست سيناريوهات متعددة داخل إيران، وعدَّت أن انهيار النظام بشكل كامل احتمال ضعيف نسبياً.

وأشار مسؤولون آخرون إلى أن السلطات الإيرانية أظهرت قدرة على احتواء الاحتجاجات بسرعة، حتى في أوقات الضغط، كما حدث خلال احتجاجات يناير التي سقط خلالها آلاف القتلى.

وحسب التقييمات، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في انتفاضة شعبية، بل في احتمال حدوث انقسامات داخل أجنحة النظام نفسه، قد تدعم أطرافاً دينية متنافسة، من دون أن يقود ذلك إلى مسار ديمقراطي.

ورجّحت هذه التقديرات أن تتمكن التيارات المتشددة داخل النظام من الحفاظ على مفاصل السلطة.