كيف دفع خامنئي بزشكيان المغمور إلى رئاسة إيران؟

بزشكيان يشارك في مراسم دينية يستضيفها المرشد الإيراني علي خامنئي الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
بزشكيان يشارك في مراسم دينية يستضيفها المرشد الإيراني علي خامنئي الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
TT

كيف دفع خامنئي بزشكيان المغمور إلى رئاسة إيران؟

بزشكيان يشارك في مراسم دينية يستضيفها المرشد الإيراني علي خامنئي الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)
بزشكيان يشارك في مراسم دينية يستضيفها المرشد الإيراني علي خامنئي الأسبوع الماضي (إ.ب.أ)

حين قدّم مسؤولو أجهزة الاستخبارات الإيرانية إلى المرشد علي خامنئي إفادة في مايو (أيار)، قبل الانتخابات الرئاسية المبكرة، كان تقريرهم قاتماً، ويفيد بأن معظم الإيرانيين الغاضبين من المصاعب الاقتصادية وقمع الحريات الاجتماعية اعتزموا مقاطعة الانتخابات، وأن نسبة المشاركة ستبلغ نحو 13 في المائة فقط.

ونقلت «رويترز» عن 5 مسؤولين مطلعين أن خامنئي قرر في ذلك الوقت التخطيط لإجراء انتخابات دقيقة التوجيه، ما مهّد الطريق لمعتدل مغمور ولكنه موثوق به، مسعود بزشكيان، للوصول إلى الرئاسة، في سباق هيمن عليه المتشددون في البداية.

وأضاف الأشخاص الخمسة، وهم مصدران من المتشددين، ومسؤول أمني كبير، واثنان من المقربين من الدائرة المقربة لخامنئي، أن الأخير جمع عدداً من مستشاريه الموثوقين لمناقشة خطته في 3 اجتماعات على الأقل في أواخر مايو (أيار) في مقر إقامته بمجمع محصن في طهران.

وقال أحد الأشخاص المطلعين على الاجتماعات، إن خامنئي كان يشعر بالقلق من احتمال أن تضر نسبة المشاركة الضعيفة بمصداقية المؤسسة الحاكمة، وأمر الحاضرين بالعثور على طريقة لإدارة دفة الانتخابات.

بزشكيان وسط حسن خميني وجواد ظريف في ضريح المرشد الإيراني الأول جنوب طهران (إ.ب.أ)

وانطلقت الدعوة لإجراء الانتخابات بعد مقتل الرئيس إبراهيم رئيسي في حادث تحطم طائرة «هليكوبتر» في 19 مايو الماضي. وأشاعت وفاته الاضطراب في خطط كثيرين من حلفائه المحافظين الذين أرادوه أن يخلف خامنئي 85 عاماً، وحفزت على سباق بين المتشددين للتأثير في اختيار المرشد المقبل.

وضمّت الاجتماعات في مقر خامنئي مجموعة صغيرة من كبار المسؤولين والمساعدين الأمنيين وحليفه المقرب ومستشاره علي أكبر ولايتي، إضافة إلى اثنين من كبار قادة «الحرس الثوري» صاحب النفوذ الكبير.

وقال الأشخاص الخمسة، الذين اطلعوا بالتفصيل على ما قاله خامنئي خلال الاجتماعات عن خطته وأهدافها، إن هدف خامنئي كان الحفاظ على الجمهورية الإسلامية وسط الاستياء الداخلي وتصاعد التوترات مع الغرب وإسرائيل فيما يتعلق بغزة، والتي تفاقمت بسبب دور جماعات موالية لإيران في الصراع، على رأسها «حزب الله» في لبنان، والحوثيين في اليمن.

وقال أحد المصادر المطلعة على الاجتماع إن خامنئي يعتقد أن إيران بحاجة إلى رئيس يمكنه أن يجذب شرائح مختلفة من المجتمع، ولكنه لن يتحدى الحكم الثيوقراطي.

رجل دين يصوت في جولة الإعادة للانتخابات الرئاسية بين بزشكيان وجليلي في طهران (رويترز)

وطُرحت عدة أسماء في الاجتماع الثاني. وقال مصدران إن خامنئي اقترح بزشكيان بصفته شخصاً يمكنه تعزيز الوحدة بين مَن هم في السلطة، وسد الفجوة بين المؤسسة الحاكمة والشعب، وضمان عملية اختيار سلسة للمرشد التالي.

وقال سعيد ليلاز، المحلل المؤيد للإصلاح والمقيم في طهران: «كانت خطة بلا شائبة من المرشد... ضمنت بقاء الجمهورية الإسلامية». وأضاف: «سيتجنب بزشكيان أي أزمة في الداخل، سواء مع الأمة أو المؤسسة... سيسمح ذلك لكبار القادة باتخاذ القرار بشأن الخلافة، والتخطيط لها في جو هادئ».

ولم يصدر تعليق من مكتب خامنئي ومكتب العلاقات العامة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ومكتب بزشكيان للتعليق. ورفض مكتب ولايتي التعليق.

هندسة الانتخابات

ليس من المتوقع أن يقوم الرئيس الجديد بأي تحول كبير على سياسة إيران النووية أو الخارجية، أو على نهج التحالف مع الفصائل والجماعات في المنطقة، لكنه سيشارك من كثب في اختيار خليفة لخامنئي صاحب القول الفصل في الشؤون العليا للبلاد.

ووفق الدستور الإيراني، يمسي «مجلس خبراء القيادة» خليفة المرشد في حال تعذر ممارسة مهامه. ويتألف المجلس من 88 رجل دين متنفذاً يجري انتخابهم في تصويت كل 8 سنوات، ويفحص مجلس صيانة الدستور الهيئة غير المنتخبة، الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، ملفات المرشحين لدخول «مجلس خبراء القيادة».

وقالت المصادر إن السجل المعتدل لبزشكيان من شأنه إرضاء الإيرانيين الساخطين، وضمان الاستقرار الداخلي، وسط تصاعد الضغوط الخارجية، كما يوفر لخامنئي حليفاً موثوقاً به في اختيار خليفة له في نهاية المطاف.

وذكر مصدر إقليمي مقرب من دوائر السلطة الإيرانية أن انتخاب بزشكيان «تمت هندسته» لنزع فتيل التوترات، بعد موجة من الاحتجاجات الشعبية التي أثارتها وفاة امرأة شابة أثناء احتجازها في عام 2022، والقيود الأكثر صرامة التي فرضتها حكومة إبراهيم رئيسي على الحريات الاجتماعية.

وقال مصدران إن المرحلة الأولية من خطة خامنئي بدأت عندما سجل النائب بزشكيان لخوض انتخابات 28 يونيو (حزيران)، بتشجيع من مسؤولين سابقين براغماتيين تربطهم صلات وثيقة بمكتب المرشد الإيراني.

وأضافا أن بزشكيان لم يكن على علم بالقرارات التي اتخذت خلف الكواليس. وقال مصدر مقرب منه إنه لم يتوقع حتى أن يحصل على موافقة «مجلس صيانة الدستور»، وهو هيئة تدقيق غير منتخبة، تضم 6 من رجال الدين و6 من فقهاء القانون متحالفين مع خامنئي، منعت قبل ذلك ترشح الكثيرين من المعتدلين والمحافظين البارزين.

وقالت المصادر الخمسة المطلعة إن خطة خامنئي صُممت لتبدو عادلة وديمقراطية؛ لذلك وافق مجلس صيانة الدستور على ترشح اثنين من المحافظين البارزين، وهما المفاوض النووي السابق سعيد جليلي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف.

بزشكيان وجليلي يحضران مناظرة انتخابية في التلفزيون الرسمي (رويترز)

وكان ذلك يعني أنه من المرجح أن تنقسم الأصوات المؤيدة للتيار المحافظ بينهما، ما يجعل من الصعب على كل منهما الوصول إلى جولة الإعادة.

وينتمي جليلي إلى جبهة «بايداري» المتشددة، التي تدعو إلى فرض قيود اجتماعية أكثر صرامة، والاعتماد على النفس وانتهاج سياسة خارجية صارمة، ويعتقد أنه اختار بالفعل مرشحه لخلافة خامنئي، وفق ما قال النائب الإيراني السابق المنتمي للتيار الإصلاحي نور الدين بيرموزن، الذي يقيم حالياً في الولايات المتحدة.

وقال ثلاثة محللين ودبلوماسيان لـ«رويترز» إن فوز جليلي، الذي عارض الاتفاق النووي المبرم عام 2015 مع القوى العالمية، كان من شأنه إرسال إشارة سلبية إلى الغرب الذي يُكثف الضغوط على طهران بسبب برنامجها سريع التقدم لتخصيب اليورانيوم.

وقال دبلوماسي غربي في المنطقة: «مع تزايد احتمال عودة دونالد ترمب إلى البيت الأبيض... فإن الجمهورية الإسلامية بحاجة إلى شخصية معتدلة لإبقاء الحوار مع الغرب مفتوحاً وخفض التوترات».

وقال متحدث باسم مجلس صيانة الدستور: «لقد كانت انتخابات تتسم بالشفافية والنزاهة».

وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية: «لا يمكننا التكهن حول نظريات محددة لما يحتمل أن يكون قد حدث خلف كواليس الانتخابات الرئاسية الإيرانية الأخيرة. ما يمكننا قوله على وجه اليقين هو أن الانتخابات في إيران ليست حرة ولا نزيهة».

ولم يرد المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض بشكل مباشر على أسئلة حول النقاط الرئيسية في هذه القصة، لكنه قال إن واشنطن لم تكن تتوقع أن تؤدي الانتخابات إلى تغيير جوهري في اتجاه إيران، أو مزيد من الاحترام لحقوق الإنسان لمواطنيها.

النتيجة المرجوة

حصل بزشكيان، الذي ينتمي للقومية الآذرية التركية، على أعلى عدد من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات، بفضل مجموعة رئيسية من الناخبين، قال محللون إن معظمهم من الطبقة الوسطى الحضرية، أو الشباب المصابين بخيبة أمل شديدة بسبب حملات القمع الأمنية المستمرة منذ سنوات في البلاد.

لكن نسبة الإقبال على الانتخابات لم تتجاوز 40 في المائة، وهي أقل نسبة على الإطلاق تشهدها أي انتخابات في الجمهورية الإسلامية. وجرت جولة إعادة بين بزشكيان وجليلي المناهض بشدة للغرب.

وجاء قاليباف، وهو من الصقور الأمنية التي تردد آراء خامنئي في كل قضية رئيسية، مثل دعم سلطة رجال الدين، في المركز الثالث.

وأعطى كثير من الإيرانيين، الذين صوّتوا لقاليباف أو امتنعوا عن التصويت في الجولة الأولى، أصواتهم لبزشكيان في الجولة الثانية خوفاً من سياسة جليلي العدائية داخلياً وخارجياً.

وجرت الجولة الثانية في الخامس من يوليو (تموز)، وارتفعت فيها نسبة إقبال الناخبين البالغ عددهم 61 مليوناً إلى ما يقرب من 50 في المائة.

وفي نهاية المطاف، حققت خطة خامنئي النتيجة المرجوة.

بزشكيان يتوسط قادة «الحرس الثوري» على هامش لقائهم الأسبوع الماضي (الحكومة الإيرانية)

وفاز بزشكيان 69 عاماً، وهو جراح قلب، بدعم من الإصلاحيين والمحافظين المعتدلين والأقليات العرقية، بنسبة 54 في المائة من الأصوات.

وقال للتلفزيون الرسمي: «أتقدم بالشكر للمرشد. أعتقد أن لولاه ما كان سيخرج اسمي بسهولة من صناديق الاقتراع».

وقال مصدران قريبان من خامنئي إن بزشكيان كان يشير إلى أمر أصدره خامنئي لمسؤولي الانتخابات بالتأكد من فرز الأصوات بالشكل الصحيح. وقالت السلطات المعنية بالانتخابات إنه لم ترد شكاوى بشأن تزوير الأصوات.

وتعهّد بزشكيان، الموالي للحكم الثيوقراطي في إيران، باتباع سياسة خارجية عملية وتهدئة التوترات بشأن المحادثات المتوقفة حالياً لإحياء الاتفاق النووي المبرم مع القوى الكبرى في عام 2015 وتحسين آفاق التحرر الاجتماعي.

وتحدث عن حقوق المرأة والأقليات العرقية، وانتقد طريقة تعامل الشرطة مع الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني، التي توفيت عام 2022 في الحجز، بعد إلقاء القبض عليها بتهمة انتهاك قوانين الحجاب.

وقال بزشكيان في عام 2022: «ألقوا القبض على فتاة بسبب ظهور بضع خصلات من شعرها... وأعادوها جثة إلى عائلتها. هذا السلوك غير مقبول».

غير أن كثيراً من المحللين يتشككون في قدرة بزشكيان على الوفاء بكل وعوده الانتخابية، لأنه أعلن من قبل أنه لا ينوي الدخول في مواجهة مع رجال الدين وصقور الأمن الأقوياء في إيران.


مقالات ذات صلة

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

شؤون إقليمية صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

دخل المجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي.

«الشرق الأوسط» (لندن_طهران)
شؤون إقليمية ناقلات نفط راسية في مضيق هرمز (أ.ب) p-circle

تقرير: الجيش الأميركي يستعد لمداهمة سفن مرتبطة بإيران

ذكرت ​صحيفة «وول ستريت جورنال»، السبت، ‌نقلاً ‌عن ​مسؤولين ‌⁠قولهم ​إن الجيش ⁠الأميركي يستعد لمداهمة ‌ناقلات ​نفط ‌مرتبطة بإيران، والسيطرة ‌على سفن تجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تحليل إخباري زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية يوم 18 أبريل (أ.ب)

تحليل إخباري هرمز بين حصارَين... حرب ترمب الاقتصادية أو عودة إيران إلى الحافة

مع عودة التوتر إلى مضيق هرمز، بدا المشهد خلال الساعات الأخيرة أقرب إلى هدنة معلقة فوق فوهة بركان، وفق ما يرى مراقبون.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان خلال اجتماعهم في أنطاليا لمناقشة جهود وقف حرب إيران (رويترز)

وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان يبحثون جهود استئناف مفاوضات حرب إيران

نفى نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده تحديد موعد لعقد جولة جديدة للمفاوضات مع أميركا، مؤكداً أن بلاده لا تسعى لوقف مؤقت لإطلاق النار بل لإنهاء الحرب.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية صورة التقطها قمر اصطناعي يوم 17 يونيو 2025 تُظهر مبنى مُدمّراً في موقع نطنز النووي بإيران (بلانيت لابز - رويترز) p-circle

هل يمكن نقل مخزون اليورانيوم الإيراني إلى دولة ثالثة؟

هل يمكن نقل هذا المخزون إلى دولة ثالثة، وتخفيف تخصيبه إلى درجات غير ضارة؟

«الشرق الأوسط» (لندن)

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، مقتل أحد جنوده خلال اشتباكات في جنوب لبنان، حيث دخل وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ هذا الأسبوع.

وأفاد بيان للجيش عن مقتل «ليدور بورات، البالغ 31 عاما، من أشدود، وهو جندي في الكتيبة 7106، اللواء 769، خلال اشتباكات في جنوب لبنان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب إحصاء لوكالة الصحافة الفرنسية استنادا إلى بيانات عسكرية، ارتفع إجمالي عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة منذ ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله» إلى 15.

وهذه هي المرة الثانية التي يعلن فيها الجيش عن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان منذ بدء الهدنة التي أعلنتها الولايات المتحدة لمدة عشرة أيام الجمعة، في إطار جهود أوسع لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بشكل دائم.

وكانت جولة القتال الأخيرة في لبنان قد بدأت في 2 مارس (آذار) عندما شن «حزب الله، المدعوم من طهران، هجمات صاروخية على إسرائيل ردا على مقتل المرشد في إيران علي خامنئي خلال الموجة الأولى من الضربات الإسرائيلية الأميركية.

وردت إسرائيل بشن ضربات قالت إنها تستهدف «حزب الله» في بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد حيث أطلقت أيضا عملية برية.


إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.