روب مالي يواجه اتهامات «مثيرة للقلق» من الجمهوريين في الكونغرس

مشرعون يكشفون عن أسباب إيقاف مبعوث بايدن إلى إيران

المبعوث الأميركي الخاص لإيران روب مالي (أرشيفية - أ.ب)
المبعوث الأميركي الخاص لإيران روب مالي (أرشيفية - أ.ب)
TT

روب مالي يواجه اتهامات «مثيرة للقلق» من الجمهوريين في الكونغرس

المبعوث الأميركي الخاص لإيران روب مالي (أرشيفية - أ.ب)
المبعوث الأميركي الخاص لإيران روب مالي (أرشيفية - أ.ب)

كشف مشرعون جمهوريون كبار في الكونغرس عن أسباب إبعاد روبرت مالي المبعوث الخاص لإدارة الرئيس جو بايدن إلى إيران عن منصبه، وطالبوا في رسالة إلى وزير الخارجية أنتوني بلينكن، تأكيد تلك الأسباب التي عدّوها «مثيرة للقلق».

وكان مالي موضع جدل وتدقيق منذ أبريل (نيسان) في العام الماضي، عندما أعرب المشرعون عن غضبهم من مراوغة الإدارة بشأن أسباب إيقافه عن العمل من دون أجر وإلغاء تصريحه الأمني في يونيو (حزيران) 2023 دون شرح ملابسات وأسباب هذا الإيقاف، ووضعه قيد التحقيق من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي.

إنريكي مورا وروبرت مالي على هامش مفاوضات «النووي» الإيراني في فيينا 20 يونيو 2021 (إ.ب.أ)

وأرسل السيناتور الجمهوري عن ولاية إيداهو جيمس ريش، والنائب عن ولاية تكساس مايك ماكول، رسالة إلى وزير الخارجية أنتوني بلينكن طالبا فيها «بتوضيح تفصيلي لأسباب إيقاف مالي والتحقيق معه»، وأوضحا أن تحقيقاتهما الخاصة كشفت عن «أن مالي خزّن بشكل غير صحيح بيانات سرية على هاتفه الشخصي الخلوي وسرقها أحد المتسللين بعد ذلك».

وجاء في الرسالة: «نفهم أن التصريح الأمني لمالي تم تعليقه لأنه نقل وثائق سرية إلى حساب بريده الإلكتروني الشخصي، وقام بتنزيل هذه الوثائق على هاتفه الخلوي الشخصي... لكن من غير الواضح لمن كان ينوي إرسال هذه الوثائق، ويُعتقد أن جهة فاعلة إلكترونية معادية، كانت قادرة على الوصول إلى بريده الإلكتروني وهاتفه للحصول على المعلومات التي تم تنزيلها».

النائب الجمهوري مايك ماكول في مؤتمر صحافي بالكونغرس 29 يناير 2024 (أ.ف.ب)

وأضاف عضوا الكونغرس أن «الادعاءات التي اطلعنا عليها مثيرة للقلق للغاية وتتطلب إجابات فورية». وأضاف: «هذه الادعاءات لها تأثير كبير على أمننا القومي وتجب محاسبة الأشخاص بسرعة وبقوة. ونحن نتطلع إلى ردكم الفوري».

وطالبت رسالة ماكول وريش من وزير الخارجية بلينكن الإجابة عن «قائمة طويلة من الأسئلة، بما في ذلك عما إذا كان المتسللون المزعومون الذين وصلوا إلى هاتفه، تابعين لإيران».

ورغم أنه لا يزال في إجازة غير مدفوعة الأجر، فإنه لم يتم طرد مالي من منصب المبعوث الرئاسي إلى إيران، بل تم وضعه تحت المراقبة والكشف عن دائرة معارفه وحلفائه ومساعديه داخل الولايات المتحدة وخارجها... وتم اكتشاف علاقاته بعدد من الإيرانيين الأعضاء في مبادرة خبراء إيران (IEI)، وهو برنامج تأثير سعى إلى تجنيد علماء وباحثين غربيين لتعزيز سمعة إيران وأهدافها على الساحة الدولية. وأثار ذلك المخاوف من «لوبي إيراني» يزداد نفوذه في واشنطن ولتعزيز صورة إيران.

وكانت لجنة الرقابة بمجلس النواب الأميركي قد طلبت، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وثائق من وزارة الخارجية الأميركية، واستدعاء مالي للشهادة أمام اللجنة، لمعرفة الأسباب وراء إلغاء تصريحه الأمني في أبريل 2023، والمخاوف حول سوء التعامل مع معلومات سرية من قبله، إضافة إلى مساعديه؛ حيث أشارت اللجنة إلى أريان طبطبائي، المسؤولة في وزارة الدفاع الأميركية، التي عملت في فريق مالي التفاوضي.

المبعوث الأميركي الخاص إلى إيران روبرت مالي على هامش محادثات فيينا في مارس العام الماضي (إ.ب.أ)

وأشار موقع «سيمافور» الأميركي إلى مشاركة طبطبائي في برنامج تدعمه الحكومة الإيرانية يسمى «مبادرة خبراء إيران». وطالب الكونغرس بمزيد من المعلومات حول ذلك، والدور الذي لعبته طبطبائي وغيرها من الأعضاء في البرنامج، في تشكيل السياسة الأميركية تجاه إيران، خصوصاً أن توصيات مالي كانت تؤيد بشدة التجاوب مع النظام الإيراني، وتشيد «باستجابة» المسؤولين الإيرانيين في المفاوضات غير المباشرة التي كانت تعقد بشكل دوري في عواصم أوروبية عدة.

وظلت التحقيقات حول أسباب إيقاف مالي في دائرة الغموض والألغاز السياسية لفترة طويلة. ودارت الشبهات حول محاولات الإدارة الأميركية الدفاع عن دوره، وعدم الكشف عن تفاصيل وفحوى عمل برنامج «مبادرة خبراء إيران» وتعيين طبطبائي في فريقه... وكيفية حصولها على تصريح أمني قبل انضمامها إلى وزارة الخارجية الأميركية.

ومع ازدياد الأسئلة حول أسباب إيقافه عن العمل، نشر موقع «سيمافور» تقارير معمقة أشارت إلى أن مالي لعب دوراً حيوياً في عمليات استخباراتية إيرانية استمرت لسنوات ضد الولايات المتحدة... وأشار الموقع، في أحد تقاريره، إلى أن مالي «ساعد في تمويل ودعم وتوجيه عملية استخباراتية إيرانية للتأثير على الولايات المتحدة والحكومات الحليفة»، بل وصل الأمر إلى قيام الموقع باتهام مالي بأنه «عميل لإيران عمل مع مجموعة من الأكاديميين الموالين للنظام لتعزيز المصالح الإيرانية والسعي للتأثير على السياسة الأميركية تجاه إيران»، لكن هذه الاتهامات لم تستند إلى أدلة موثوق بها.

شعار الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مقرها بفيينا (رويترز - أرشيفية)

وقالت وزارة الخارجية الأميركية لـمؤسسة «ديلي كولر نيوز»: «في ظل سياسة طويلة الأمد تعود إلى عقود من الزمن، لا تعلق الوزارة على التصاريح الأمنية الفردية. ومع ذلك، فقد زوّدت الوزارة الكونغرس بالمعلومات ذات الصلة بشأن استفسارات الموظفين المتعلقة بالسياسة تجاه إيران، ولقد كنا وسنظل على اتصال متكرر مع الكونغرس بشأن القضايا المتعلقة بإيران».

من هو روبرت مالي؟

ويعد روبرت مالي من الشخصيات التي ظلت تشغل منصباً مهماً في الإدارات الديمقراطية، خصوصاً أنه يتمتع بصداقة مع زميل الدراسة في جامعة هارفارد باراك أوباما الذي عينه مسؤولاً عن مكافحة تنظيم «داعش» في خلال ولايته الثانية... وشارك مع وزير الخارجية آنذاك جون كيري في مفاوضات الاتفاق النووي مع إيران حتى تم التوصل إليه في 2015.

وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن (أ.ب)

وبعد مجيء إدارة الرئيس السابق دونالد ترمب انتقل مالي للعمل مرة أخرى، من عام 2018 إلى عام 2021، في منصب الرئيس التنفيذي لمجموعة الأزمات الدولية (ICG)، وهي منظمة عالمية غير حكومية، وكان مرتبطاً بهذه المنظمة منذ ما يقرب من عقدين من الزمن. ووقعت مجموعة الأزمات الدولية «مذكرة تفاهم» مع مركز أبحاث مقره إيران في عام 2016، ولكن يبدو أن هذه العلاقة لم يتم الكشف عنها للكونغرس قط.

وحينما انضم مالي إلى إدارة الرئيس جو بايدن في يناير (كانون الثاني) 2021 جلب معه العديد من الأكاديميين والنشطاء الإيرانيين، ومنهم علي فايز، النائب الأول لمالي في «مجموعة الأزمات الدولية»، لكن الحكومة الأميركية رفضت إعطاء فايز تصريحاً أمنياً.

ورغم أن مالي لم يواجه بعد عواقب قانونية، فإن الآخرين الذين ارتكبوا أفعالاً مماثلة واجهوا تداعيات أكثر خطورة بكثير. وتمكن جاك تيكسيرا، أحد أفراد الحرس الوطني الجوي، من الوصول إلى معلومات سرية ونشرها على منصة التواصل الاجتماعي «Discord» في عام 2023، وتم القبض عليه في وقت لاحق من ذلك العام، وحصل على اتفاق إقرار بالذنب في مارس (آذار) 2024 ليقضي 16 عاماً في السجن.


مقالات ذات صلة

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

شؤون إقليمية صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

ترمب يواجه في مفاوضات باكستان إرث انسحابه من الاتفاق النووي، مع مخزون إيراني قد يكفي نظرياً لصنع 100 سلاح نووي.

ويليام جيه برود (واشنطن) ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
أوروبا A U.S. experimental nuclear detonation in the Nevada desert (A.P.)

تقرير: ازدياد الاستثمارات بأسلحة الدمار الشامل

تسلط «الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية» الضوء على مؤسسات مالية تعمل على تحديث ترسانات الدول التسع النووية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث خلال مؤتمر صحافي في «البنتاغون» الجمعة (أ.ف.ب)

هيغسيث: الحصار البحري على إيران «يتسع لنطاق عالمي»

قال وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الجمعة، إن الحصار الذي تفرضه الولايات المتحدة على إيران يتسع إلى نطاق عالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

ترمب يسعى لصفقة مع إيران و«رواية انتصار» تصاحب إنهاء الحرب

في لحظةٍ تتقاطع فيها حسابات الحرب مع رهانات السياسة، رفع الرئيس الأميركي دونالد ترمب سقف تهديداته مرةً أخرى ضد إيران.

هبة القدسي (واشنطن)
شؤون إقليمية قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي-إكس)

كواليس القرار العسكري الأميركي الإسرائيلي في الحرب على إيران

كشفت مصادر إسرائيلية كواليس القرار الذي قاد إلى الحرب على إيران، مشيرة إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اتخذا القرار.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
TT

إسرائيل تعين أول سفير لها في أرض الصومال

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)
رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي منتصف الشهر الحالي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

عينت إسرائيل أول سفير لها في أرض الصومال، بعد أشهر من اعترافها رسمياً بالإقليم الانفصالي في الصومال، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية اليوم الأحد.

في أواخر ديسمبر (كانون الأول)، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف بأرض الصومال منذ أن أعلنت استقلالها من طرف واحد عن الصومال في عام 1991 في أعقاب الحرب الأهلية.

وقالت الوزارة إن مايكل لوتم الذي يشغل حالياً منصب سفير اقتصادي متجول في أفريقيا، سيكون مبعوث إسرائيل إلى أرض الصومال.

وسبق للوتم أن شغل منصب سفير إسرائيل لدى كينيا وأذربيجان وكازاخستان.

ويأتي تعيينه عقب إقامة علاقات دبلوماسية بين الجانبين في ديسمبر 2025، وزيارة وزير الخارجية جدعون ساعر إلى أرض الصومال في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وفي فبراير (شباط)، أعلنت أرض الصومال تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.

تحظى أرض الصومال بموقع استراتيجي على خليج عدن، ولها عملة وجواز سفر وجيشها الخاص، لكنها تواجه صعوبة في الحصول على اعتراف دولي، وسط مخاوف من استفزاز الصومال وتشجيع الحركات الانفصالية الأخرى في أفريقيا.

وأثارت زيارة ساعر إلى أرض الصومال إدانة من الصومال الذي وصفها بأنها «توغل غير مصرح به».


نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

فالمشهد الذي بدأ بإشارات أميركية إلى توجُّه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى باكستان، أملاً في استئناف مسار تفاوضي مباشر أو غير مباشر، انتهى عملياً إلى جولة إيرانية على المسؤولين الباكستانيين، وتسليم موقف طهران ومطالبها، ثم مغادرة من دون لقاء مع الموفدين الأميركيين اللذين ألغيا سفرهما إلى إسلام آباد.

وبذلك انتقلت الأزمة من مرحلة «اختبار إمكان الجولة الثانية» إلى مرحلة أكثر قتامة: الوسيط الباكستاني تلقى الرسائل، لكنه لم ينجح في جمع الطرفين، ولا حتى في تثبيت صيغة واضحة لمحادثات غير مباشرة فورية، حتى الآن.

هذا التطور لا يعني انهيار الدبلوماسية بالكامل، ولا يعني العودة الفورية إلى الحرب مثلما أكَّد الرئيس الأميركي نفسه دونالد ترمب، لكنه يكشف أن نافذة التفاوض تضيق بسرعة.

وقبل توجه عراقجي إلى إسلام آباد، فقد أكَّدت إيران، وفق تقارير عدة، أنها لا تخطط لاجتماع مباشر مع الأميركيين، وأنها ستنقل مواقفها عبر باكستان. ونقلت وكالة «رويترز» أن عراقجي رفض «المطالب القصوى» الأميركية، وأن طهران ما زالت تفضِّل قناة باكستانية غير مباشرة، بينما أفادت وكالة «أسوشييتد برس» بأنه لا توقعات بلقاء مباشر بين المسؤولين الإيرانيين والأميركيين رغم الحراك الدبلوماسي في إسلام آباد.

لقاء مستبعد

المعوق الأول أمام الانفراجة لم يعد في تفاصيل الطاولة فقط، بل في غياب الطاولة نفسها. فبعدما كان احتمال حضور ويتكوف وكوشنر إلى باكستان يفتح الباب أمام اجتماع مباشر أو رسائل متزامنة بين الوفدين، جاءت مغادرة عراقجي لتجعل هذا الاحتمال غير مطروح عملياً في هذه الجولة.

وغادر الوزير الإيراني إسلام آباد بعد لقائه رئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير ومسؤولين باكستانيين، بعدما شرح موقف بلاده من وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب.

عراقجي خلال اجتماعه مع قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في إسلام آباد (أ.ب)

هنا تكمن دلالة التحول. فإيران لم تكتفِ بنفي الاجتماع المباشر، بل تصرفت كما لو أن مهمتها في باكستان تقتصر على تسليم مطالبها للوسيط، لا التفاوض عليها مع واشنطن. أما الإدارة الأميركية، التي أرادت تقديم توجُّه مبعوثيها بوصفه دليلاً على أن الضغط العسكري والبحري فتح باب الدبلوماسية، فوجدت نفسها أمام طرف يرفض إضفاء شرعية على تفاوض يجري تحت الحصار.

لذلك لم تعد الجولة الثانية مسألة جدول أعمال مؤجَّل، بل مسألة ثقة مفقودة في الإطار نفسه: هل يجلس الطرفان للتفاوض، أم يكتفيان بإدارة حرب الرسائل عبر الوسطاء؟

حصار هرمز

العقدة الثانية هي الحصار البحري الأميركي ومضيق هرمز. فقد جعلت طهران رفع الحصار عن موانئها ووقف التهديدات الأميركية شرطاً جوهرياً للعودة إلى أي تفاوض فعلي. وفي المقابل، تتمسك واشنطن بأن الحصار سيبقى حتى فتح هرمز والتوصل إلى اتفاق يلبي مطالبها.

هذه ليست مشكلة إجرائية، بل معادلة ردع متقابلة: إيران تقول إنها لن تفاوض وهي مخنوقة اقتصادياً وبحرياً، والولايات المتحدة تقول إنها لن ترفع الخنق قبل أن تلمس تنازلات.

ونقلت وسائل إعلام عن عراقجي أنه سلَّم باكستان مطالب طهران، وفي مقدمها رفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية، ووقف التهديدات واستمرار الحرب، والتراجع عن شروط تعدُّها إيران «مبالغاً فيها»، بينها التخلي الكامل عن تخصيب اليورانيوم.

مدمرة أميركية تقترب من سفينة إيرانية تم اعتراضها بالقرب من مضيق هرمز (رويترز)

كما نقلت أن القوات المسلحة الإيرانية، عبر مقر «خاتم الأنبياء»، هدَّدت بالرد إذا استمر الجيش الأميركي في «الحصار والقرصنة»، مؤكدة أنها تراقب تحركات الخصوم وتواصل السيطرة على مضيق هرمز الاستراتيجي.

هذا التصعيد يغيِّر طبيعة الوساطة، فبدلاً من أن تكون باكستان قناة لتقريب المواقف، باتت شاهدة على تصلب مزدوج: إيران تستخدم هرمز والحصار كورقة سيادية واقتصادية، وواشنطن تستخدم الحصار لإجبار طهران على تقديم تنازلات.

وواصلت كذلك سياسة الضغط بالعقوبات، بما في ذلك استهداف شبكات شحن وكيانات مرتبطة بتجارة النفط الإيراني، في رسالة مفادها أن الدبلوماسية لن تعني وقف أدوات الإكراه.

النووي أصل الأزمة

رغم أن هرمز والحصار يحتلان واجهة الأزمة، يبقى الملف النووي مركز الثقل الحقيقي. فواشنطن لا تريد فقط وقفاً للنار أو فتحاً للمضيق، بل اتفاقاً يمنع إيران من إعادة بناء قدرتها النووية والصاروخية، ويعالج مخزون اليورانيوم وآليات التفتيش ومستقبل التخصيب.

أما طهران، فتتعامل مع طلب التخلي الكامل عن التخصيب بوصفه إعلان استسلام لا بنداً تفاوضياً. ورأت صحيفة «نيويورك تايمز» أنه لهذه الأسباب تبدو الفجوة واسعة. فالإدارة الأميركية ترفع سقف مطالبها إلى حد وقف طويل أو غير محدود للتخصيب، وإخراج أو تخفيف المخزون، وربط أي تخفيف للعقوبات بتعهدات قابلة للتحقق.

لكن إيران ترى أن قبول هذه الشروط تحت الحصار سيجردها من ورقة سيادية واستراتيجية، وسيظهرها داخلياً كمن خسر الحرب واستسلم. ومن هنا جاء تشديد المصادر الإيرانية، على أن طهران «مستعدة للتفاوض، ولكنها لن تستسلم»، وأنها لن تقبل الجلوس إلى طاولة تطرح فيها واشنطن خطوطها الحمراء كأوامر مسبقة.

وترى الصحيفة أن المشكلة أن أي اتفاق محدود لن يكفي واشنطن سياسياً، وأي اتفاق شامل لن يكون سهلاً على طهران داخلياً. فكلما وسَّعت الولايات المتحدة لائحة المطالب لتشمل التخصيب والصواريخ وهرمز وسلوك إيران الإقليمي، أصبح الاتفاق أثقل من أن يحمله وسيط واحد في جولة قصيرة.

وكلما ربطت طهران التفاوض برفع الحصار مسبقاً، منحت واشنطن ذريعة للقول إن الضغط لم يبلغ غايته بعد.

طهران انقسام أم تصلب موحد؟

العقدة الرابعة تتصل بقراءة القرار الإيراني. هل فشل إسلام آباد ناجم عن انقسامات داخل طهران، أم عن موقف موحد يرفض التنازل؟ وفي هذا الصدد قال صحيفة «وول ستريت جورنال» إن ثمة صراعاً بين تيارين، الأول أكثر براغماتية ويريد وقف النزف الاقتصادي، والثاني متشدد ويرفض تقديم تنازلات نووية أو بحرية.

ونقلت الصحيفة عن مسؤولين أميركيين وإسرائيليين قولهم إن المشكلة ليست في وجود تصدع حاسم، بل في عدم استعداد النظام، بمختلف أجنحته، لتقديم التنازلات المطلوبة.

بزشكيان يجتمع مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ورئيس القضاء غلام حسين محسني إجئي (الرئاسة الإيرانية)

وهذا الفارق مهم. فإذا كانت إيران منقسمة فعلاً، يستطيع الوسطاء البحث عن صيغة تحفظ ماء الوجه للتيار الذي يريد صفقة. أما إذا كانت متماسكة في رفضها للشروط الأميركية، فإن مهمة باكستان تصبح شبه مستحيلة.

تصريحات عراقجي في إسلام آباد، ومغادرته من دون لقاء الأميركيين، توحيان بأن طهران تريد أن تثبت أمرين في وقت واحد: أنها لا تغلق باب الوساطة، لكنها لا تقبل تحويل الوساطة إلى قناة لإملاء الشروط.

واشنطن تريد طاولة تؤكد أن الحصار والحرب دفعا إيران إلى التراجع، بينما طهران تريد قناة تثبت أنها ما زالت قادرة على فرض شروط الدخول إلى أي مسار. وبين هذين المنطقين، تراجعت احتمالات الجولة الثانية من مفاوضات فعلية إلى مجرد تبادل مواقف عبر باكستان.


جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
TT

جواب عراقجي ينسف «مواعيد» إسلام آباد

رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)
رئيس الأركان الباكستاني عاصم منير يلتقي وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي ، والوفد المرافق له في إسلام آباد أمس (إ.ب.أ)

أنهى وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أمس، زيارته لإسلام آباد، فيما كان العالم يترقب وصول مبعوثي الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى العاصمة الباكستانية لإجراء مفاوضات غير مباشرة بين الطرفين، في إطار المساعي الدبلوماسية للتوصل إلى تسوية في حرب إيران.

ونسف جواب عراقجي ومغادرته إسلام آباد «المواعيد» التي كان يعد لها الوسيط الباكستاني لجلسة ثانية من المفاوضات، مساء أمس، رغم أن الوفد الإيراني كان قد أعلن أن زيارته ليست للتباحث مع أميركا بل تأتي في إطار جولة تشمل سلطنة عُمان وروسيا. وكان لافتاً أن وكالة «إيرنا» الرسمية ذكرت ليلاً أن عراقجي يعتزم زيارة باكستان مجدداً بعد انتهاء زيارته إلى مسقط، وقبل توجهه إلى موسكو.

والتقى عراقجي نظيره الباكستاني إسحق دار، ورئيس الوزراء شهباز شريف، وقائد الجيش عاصم منير الذي يؤدي دوراً محورياً في الوساطة. وقال إنه سلَّمهم رد إيران على المقترح الأميركي للتوصل إلى اتفاق، مضيفاً: «علينا أن نرى ما إذا كانت واشنطن جادة فعلاً بشأن الدبلوماسية».

من جانبه، أعلن ترمب أنه ألغى الزيارة المرتقبة لمبعوثيه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، إلى إسلام آباد، مؤكداً أن ذلك لا يعني حكماً باستئناف الحرب مع إيران.

وقال ترمب إن أحداً لا يعرف من يتولى زمام القيادة حالياً في طهران، مضيفاً على منصته «تروث سوشيال» أن «هناك اقتتالاً داخلياً هائلاً وحالة من الإرباك داخل ما يُسمى بالقيادة لديهم».