مستشفى جنين ليس الأول... «التنكُّر» سلاح إسرائيل الفعال للاغتيالات

في عملية فردان إيهود باراك بزي امرأة... و«لاعبو تنس» لتصفية المبحوح

TT

مستشفى جنين ليس الأول... «التنكُّر» سلاح إسرائيل الفعال للاغتيالات

كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار (إكس)
كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار (إكس)

بملابس طبية ومدنية ونسائية، اغتال الجيش الإسرائيلي اليوم (الثلاثاء)، 3 شبان فلسطينيين داخل مستشفى ابن سينا في مدينة جنين في الضفة الغربية.

ورغم أن إسرائيل دأبت منذ قيامها عام 1948 على تنفيذ آلاف عمليات اغتيال وتصفيات جسدية في تعاملها مع الفلسطينيين، فإن العملية الأخيرة تذكّر بعمليات أخرى لجات فيها الدولة العبرية إلى التنكّر؛ للتضليل والتنفيذ.

وفي ما يلي نعرض لكم أبرز عمليات الاغتيال التي نفّذتها إسرائيل عن طريق التنكر:

عملية فردان... تنكّروا بلباس «هيبيين»

في ليلة العاشر من أبريل (نيسان) عام 1973، تمكّنت وحدة من الكوماندوز الإسرائيلية من التسلّل إلى بيروت، وتنفيذ عملية مزدوجة عُرفت لاحقاً باسم «عملية فردان» نسبة للشارع البيروتي الشهير.

في ذلك الوقت، وصل الجنود الإسرائيليون إلى العاصمة اللبنانية بيروت، متنكرين بزي مدني وكان بينهم إيهود باراك الذي كان متخفياً بزي امرأة، في حين قامت مجموعة أخرى بمحاولة تفجير مقرّ الجبهة الديمقراطية في حي الفاكهاني (في العاصمة بيروت).

من موقع العملية في فردان (متداولة)

ونُفذت العملية بمعاونة فريق استخباراتي إسرائيلي يُدعى غيدون.

الجانب الأول من العملية، أسفر عن اغتيال ثلاثة قادة بارزين من حركة «فتح» في منازلهم في منطقة فردان، هم: كمال عدوان، وكمال ناصر وأبو يوسف النجار، والمعروفون بتخطيطهم لعمليات ضد الإسرائيلي. أمّا الجانب الآخر، منها فأسفر عن تفجير مقرٍّ لـ«الجبهة الشعبية» في منطقة الفاكهاني بعدما اشتبكت الوحدة مع حراسه؛ ما أدى إلى مقتل عسكريين إسرائيليين، و35 مقاتلاً من الجبهة.

وانتهت العملية بمقتل القادة الثلاثة، واستقالة الحكومة اللبنانية آنذاك برئاسة صائب سلام.

كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار (إكس)

وفي تلك الحقبة، كانت إسرائيل تلاحق كوادر الثورة الفلسطينية كافة. والرجال الفلسطينيون الثلاثة كانوا يسكنون في مبنى واحد في فردان، في حين كانت عميلة لإسرائيل تدعى يائيل مان تستأجر شقة مقابلة وتراقب كل التحركات الصادرة من شقق القادة والتثبت من وجودهم.

يائيل مان الجاسوسة الإسرائيلية (إكس)

وقبل أيام من الموعد المحدد للعملية، أتت مجموعة بجوازات سفر أوروبية واستأجرت 6 سيارات أميركية بناءً على تعليمات من رئيس الموساد. والقوة التي هاجمت منازل القادة الفلسطينيين تنكرت بلباس «هيبيين» (Hippies)، قبل أن تنفذ العملية.

وبعد إتمام المهمتين انسحب فريق الكوماندوز إلى الشاطئ الذي جاء منه، حيث كانت بانتظاره طرّادات في البحر.

اغتيال المبحوح في دبي... سائحون بلباس التنس وشعر مستعار

معتمدة الأسلوب نفسه، اغتالت إسرائيل محمود المبحوح، العضو البارز في حركة «حماس»، في 19 يناير (كانون الثاني) 2010. وأعلنت شرطة دبي آنذاك، أن إسرائيليين يحملون جوازات سفر أوروبية، بينهم امرأة، ضالعون في اغتيال المبحوح في أحد فنادق الإمارة.

وفي التفاصيل، كان 12 من فريق الاغتيال يحملون جوازات سفر بريطانية لأشخاص يعيشون في إسرائيل، أما الجوازات المزوّرة الأخرى التي استخدمت فكانت فرنسية، وألمانية، وآيرلندية وأسترالية.

فريق اغتيال المبحوح (أ.ف.ب)

وعرضت شرطة دبي شريط فيديو يتضمن تفاصيل كثيرة عن العملية، حيث يظهر فيه المبحوح وهو يدخل الفندق، وصور لوصول الضالعين في العملية لدى وصولهم إلى مطار دبي، والفندق الذي تمت فيه عملية الاغتيال.

وأظهر الفيديو لقطات للشخص الذي خطط لعملية الاغتيال ويدعى بيتر، وهو فرنسي الجنسية، وقد غادر دبي قبل ساعات من التنفيذ.

كما أظهر لقطات لشخص آخر يدعي كيفن، وهو من بين العناصر الأساسية في تنفيذ العملية، وصوراً لعمليات المراقبة التي كان يقوم بها منفذو العملية، ولحظات وصولهم إلى بهو الاستقبال في الفندق قبل وصول المبحوح إليه.

محمود المبحوح العضو البارز في حركة «حماس»

وكشف الشريط عن جميع الاتصالات التي جرت بين أعضاء العصابة قبل تنفيذ عملية الاغتيال وكذلك لقطات من مطار دبي لدى وصول رئيس العصابة. وأظهر أيضاً صورة امرأة شقراء تتحرك بجواز سفر آيرلندي باسم جيل فولارد، وهي ضمن المشاركين في العملية، حيث كانت تدخل أحد المحال التجارية.

وكما يظهر في التقرير، فإن أفراد العصابة تنكروا في زي التنس، وتنقلوا بين فنادق عدة وبقيت منهم مجموعة صغيرة داخل الفندق الذي نزل فيه المبحوح. كما عرضت فيديو للمبحوح في الفندق، وإلى جواره المتهمون يراقبون تحركاته.

اثنان من فريق الاغتيال تنكّرا بزي التنس (متداولة)

وذكرت الشرطة الإماراتية، أن العصابة كانت تقيم في فنادق عدة للتخفي والتمويه، واتبعت أساليب تضليل مختلفة، منها ارتداء شعر مستعار، وارتداء قبعات وملابس رياضية، وكانت تملك تقنيات متطورة لتنفيذ جريمتها، ونجحت في فك شفرة باب غرفة القتيل في الفندق.

ورجحت أن يكون المتهمون قد انتظروا القتيل داخل غرفته، أو دخلوا عليه فور وصوله، لافتة إلى أن منفذي عملية القتل 7 أفراد، وتمت عملية القتل بكتم النفس.

ورصدت كاميرات الفندق وصول المبحوح بالمصعد القريب من غرفته وخلفه المتهمون. وذكرت شرطة دبي، أن المبحوح كان مُراقباً منذ وصوله المطار قادماً من سوريا يوم 19 يناير (كانون الثاني)، ولم يدخل الإمارات باسم المبحوح.

اغتيال 3 فلسطينيين في مستشفى جنين... بملابس طبية ونسائية

وكانت عملية الاغتيال التي نفذتها إسرائيل بحق 3 مقاتلين فلسطينيين داخل مستشفى ابن سينا في مدينة جنين بالضفة الغربية وفق السيناريو عينه اليوم هي الأحدث.

تُظهر هذه الصورة المثبتة من مقطع فيديو لقطات كاميرات المراقبة معروضة على شاشة كومبيوتر لمداهمة اغتيال قامت بها قوات إسرائيلية سرية في مستشفى ابن سينا

والضحايا الثلاثة هم الشقيقان باسل ومحمد غزاوي، ومحمد جلامنة، وأكدت تقارير، أن باسل كان مصاباً بجروح خطيرة جراء اشتباكات سابقة، وأن شقيقه محمد وصديقه جلامنة كانا يرعيانه.

وفي التفاصيل، دخل نحو 10 من جنود مستعربين من الوحدات الخاصة الإسرائيلية مستشفى ابن سينا متخفّين، على دفعتين، وصعدوا إلى الطابق الثالث.

صورة مثبتة من مقطع فيديو نُشر على مواقع التواصل لعملية اقتحام الجيش الإسرائيلي مستشفى ابن سينا

وهذه المرة، ومن وحي المكان تنكّر الجنود بزي أطباء وممرضين ورجال كبار في السن ونساء فلسطينيات، واقتحموا غرفة كان فيها الشبان الثلاثة، وهم نشطاء في المجموعات الفلسطينية المسلحة في مخيم جنين، واغتالوهم باستخدام مسدسات مزودة بكواتم صوت، وغادروا قبل اكتشافهم.


مقالات ذات صلة

غارة إسرائيلية تقتل إياد الشنباري القائد البارز في «القسام» بغزة

خاص فلسطينيون يشيعون ضحايا غارة إسرائيلية في مدينة غزة الثلاثاء (رويترز)

غارة إسرائيلية تقتل إياد الشنباري القائد البارز في «القسام» بغزة

قتلت هجمات إسرائيلية 5 فلسطينيين في مدينتي غزة وخان يونس، وأسفرت غارة عن مقتل إياد الشنباري أحد أبرز قادة «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس».

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي أشخاص يجلبون مياه الشرب في مخيم البريج للاجئين الفلسطينيين في وسط قطاع غزة 28 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

«أطباء بلا حدود»: إسرائيل تستخدم المياه سلاحاً في غزة

حذّرت منظمة «أطباء بلا حدود»، الثلاثاء، من أن إسرائيل تتعمد حرمان أهالي قطاع غزة من الحصول على المياه اللازمة للحياة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
المشرق العربي تصاعُد الدخان جراء الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان (رويترز)

الجيش الإسرائيلي يطالب بإخلاء 16 قرية في جنوب لبنان

طالب الجيش الإسرائيلي، اليوم (الثلاثاء)، بالإخلاء الفوري لـ16 قرية في جنوب لبنان، وفق ما أوردته «وكالة الأنباء الألمانية».

«الشرق الأوسط» (بيروت )
شؤون إقليمية رئيس «الموساد» ديفيد برنياع (أرشيفية-رويترز)

مدير «الموساد» الإسرائيلي: سنواجه أي تهديد «بكامل قوتنا»

أكد مدير «الموساد» الإسرائيلي ديفيد برنياع أن الجهاز سيتحرك «بكامل قوته» لمواجهة أي تهديد للدولة العبرية.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جنود يحملون نعش الجندي إيدان فوكس الذي قُتل في جنوب لبنان خلال جنازته في المقبرة العسكرية في بيتاح تكفا قرب تل أبيب أمس (د.ب.أ)

إصابة جنديين إسرائيليين أحدهما حالته خطيرة بمسيّرة مفخخة في جنوب لبنان

أُصيب جندي في الجيش الإسرائيلي بجروح خطيرة، أمس الاثنين، جرّاء سقوط طائرة مسيّرة مفخخة خلال نشاط عملياتي في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.