باكستان وإيران تتفقان على تبريد التوتر وإعادة السفيرين

إسلام آباد حضت طهران على تعاون أوثق في القضايا الأمنية

باكستانيون يحرقون الإطارات في مظاهرة تدين الضربة الإيرانية في منطقة بلوشستان في لاهور (أ.ب)
باكستانيون يحرقون الإطارات في مظاهرة تدين الضربة الإيرانية في منطقة بلوشستان في لاهور (أ.ب)
TT

باكستان وإيران تتفقان على تبريد التوتر وإعادة السفيرين

باكستانيون يحرقون الإطارات في مظاهرة تدين الضربة الإيرانية في منطقة بلوشستان في لاهور (أ.ب)
باكستانيون يحرقون الإطارات في مظاهرة تدين الضربة الإيرانية في منطقة بلوشستان في لاهور (أ.ب)

اتفقت باكستان وجارتها الغربية إيران على «خفض» التوتر بينهما، اثر تبادل البلدين شن غارات دامية قالتا إنها استهدفت مناوئين لهما في أراضي البلدين هذا الأسبوع.

وأكدت باكستان أنها لا تريد تصعيد المواجهة مع إيران. وقال مكتب رئيس الوزراء الباكستاني إن الجارتان قادرتان على التغلب معاً على الخلافات البسيطة عبر الحوار والدبلوماسية. وأدت العمليات العسكرية التي قلما تحدث في منطقة بلوشستان الحدودية السهلة الاختراق والمشتركة بين البلدين، إلى زيادة التوترات الإقليمية المتصاعدة أساسا بسبب الحرب بين إسرائيل وحماس.

وحض وزير الخارجية جليل عباس جيلاني، في اتصال هاتفي، نظيره الإيراني حسين أمير عبداللهيان، على تعاون أوثق في القضايا الأمنية، معبراً عن استعداد بلاده للعمل مع جارتها الغربية، في جميع القضايا، وفقاً لوزارة الخارجية الباكستانية.

وذكر المدير العام لشؤون جنوب آسيا بالوزارة الخارجية الإيرانية أن عبداللهيان و جيلاني أجريا محادثات هاتفية «جيدة للغاية» لإعادة العلاقات إلى مستواها. وأضاف أنه «كانت هناك محادثات حول العودة الوشيكة لسفيري البلدين»، مشيراً إلى تلقي عبداللهيان دعوة من نظيره الباكستاني إلى زيارة إسلام آباد.ونقلت وكالة «أرنا» الرسمية عن عبد اللهيان تأكيده في اتصال هاتفي مع نظيره الباكستاني احترام طهران لسيادة باكستان ووحدة أراضيها، قائلا إن «من المناسب متابعة التعاون الأمني والعسكري الذي اتفق عليه في الماضي بين مسؤولي البلدين بجدية».وأدعى عبد اللهيان أن «المعطيات والقرائن تشير إلى أن أكثر من 50 مسلحا كانوا في الموقع الذي استهدفته إيران في باكستان «يتهيؤون لتنفيذ عمل إرهابي ضد إيران لكنهم أخفقوا بفعل إجراء القوات الإيرانية الذي جاء في أوانه».

وقالت إيران إن ضربات الجيش الباكستاني، الخميس، أدت إلى مقتل تسعة أشخاص في قرية حدودية بضواحي مدينة سراوان، بينهم أربعة أطفال. وقالت باكستان إن الهجوم الإيراني، الثلاثاء، أدى إلى مقتل طفلين.

أتى الاتفاق الإيراني-الباكستاني بعدما اجتماع طارئ للجنة الأمن القومي الباكستانية برئاسة رئيس الوزراء الباكستاني أنوار الحق كاكار. وقطع كاكار مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في «دافوس» وعاد للبلاد الخميس.

وأبلغ وزير الإعلام الباكستاني مرتضى سولانجي، وسائل الإعلام بأن الاجتماع يهدف إلى إجراء «مراجعة واسعة النطاق للأمن القومي عقب الأحداث بين إيران وباكستان».

وأشاعت إيران حالة من الصدمة عبر المنطقة، يوم الثلاثاء، بضربة صاروخية ضد جماعة «جيش العدل» البلوشية المعارضة، في جنوب غربي باكستان. وردت باكستان بعدها بيومين بهجوم على ما قالت إنهم مسلحون انفصاليون في إيران، في أول ضربة جوية على الأراضي الإيرانية منذ الحرب الإيرانية العراقية التي دارت رحاها بين عامي 1980 و1988.

ويعد هذا التوتر الأكبر من نوعه في السنوات القليلة الماضية، وأثار قلقاً بشأن اتساع رقعة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط بعد اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة «حماس» في السابع من أكتوبر (تشرين الأول). إلا أن الجانبين أشارا بالفعل إلى رغبتهما في تهدئة التوترات. وقال مسؤول أمني باكستاني كبير لـ«رويترز»، الخميس، إن الجيش في حالة تأهب قصوى، وسيواجه أي «مغامرة غير محسوبة» من الجانب الإيراني بقوة.

وكانت الخارجية الإيرانية قد قالت، الخميس، إنها ملتزمة بعلاقات حسن الجوار مع باكستان، لكنها دعتها إلى منع إقامة «قواعد إرهابية» على أراضيها.

في المقابل، قالت وزارة الخارجية الباكستانية في بيان مشابه: «الهدف الوحيد من تحرك اليوم كان السعي لتحقيق أمن باكستان ومصالحها الوطنية، وهو أمر بالغ الأهمية ولا يمكن المساس به».

شرطي باكستاني يقف في حراسة خارج المركز الثقافي الإيراني في روالبندي (إ.ب.أ)

دعوات لضبط النفس

وقال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الخميس، إن الأمين العام حث إيران وباكستان على «ممارسة أقصى درجات ضبط النفس؛ لتجنب المزيد من تصعيد التوتر».

وقال المتحدث ستيفان دوجاريك: «الأمين العام يؤكد ضرورة معالجة جميع المخاوف الأمنية بين البلدين بالوسائل السلمية عبر الحوار والتعاون، ووفقاً لمبادئ السيادة ووحدة الأراضي وعلاقات حسن الجوار».

كما دعت الولايات المتحدة لضبط النفس، رغم أن الرئيس جو بايدن قال إن الاشتباكات أظهرت أن إيران لا تحظى بقبول في المنطقة.

وكررت موسكو دعوتها إسلام آباد وطهران إلى ضبط النفس واستخدام الوسائل الدبلوماسية. وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن التصعيد يدعو للقلق وهو نتيجة جزئية لأزمة غزة.

روايتان متضاربتان

وقالت إسلام آباد إنها ضربت قواعد لانفصاليين من «جبهة تحرير بلوشستان» و«جيش تحرير بلوشستان»، في حين قالت طهران إن طائراتها المسيرة وصواريخها استهدفت مسلحين من جماعة «جيش العدل»، وهي جماعة ثالثة. وتعمل الجماعات المسلحة المستهدفة في منطقة تشمل إقليم بلوشستان جنوب غربي باكستان وإقليم بلوشستان جنوب شرقي إيران. والإقليمان يشهدان اضطرابات وغنيان بالمعادن ويفتقران للتطور إلى حد كبير. وتخوض الجماعتان اللتان استهدفتهما إسلام آباد داخل إيران تمرداً مسلحاً منذ عقود ضد الدولة الباكستانية، بما في ذلك عن طريق شن هجمات ضد مواطنين صينيين واستثمارات صينية في بلوشستان. وتعتبر إيران جماعة «جيش العدل» البلوشية المعارضة التي استهدفتها، تهديداً لها. ونفذت الجماعة هجمات في إيران ضد قوات «الحرس الثوري» الإيراني.

ولأول مرة بعد هجوم الثلاثاء على باكستان، ربطت إيران بين الجماعة البلوشية المعارضة، والتفجير الدامي الذي وقع في الثالث من يناير (كانون الثاني)، وأودى بحياة نحو 94 شخصاً في مراسم بمدينة كرمان بجنوب شرقي البلاد، مراسم مسؤول العمليات العسكرية في «الحرس الثوري» قاسم سليماني الذي قُتل في هجوم بطائرة أميركية مسيرة مطلع 2020. ونسبت وكالة «رويترز» إلى أحد المطلعين على الشأن الإيراني، وهو مقرب من رجال الدين، أن تفجير كرمان كان «إحراجاً للقيادة»، وأظهر ضعف الأمن الإيراني. وقال المصدر إن هجوم الثلاثاء استهدف إبراز قدرات المنظمات الأمنية في البلاد وسط مخاوف الإيرانيين من ضعف الأمن. وأضاف: «مثل هذه الهجمات الإرهابية ستحظى برد ساحق من إيران».

وقال مسؤول أمني إيراني كبير لـ«رويترز» إن إيران «قدمت لباكستان أدلة على تورط (جيش العدل) في هجوم كرمان وتنسيقه له لوجيستياً، وطلبت من باكستان التحرك ضده». وأضاف أن إيران «حصلت على أدلة تشير إلى أن أعضاء في الجماعة كانوا من بين عدد من المتشددين الذين يخططون لهجمات أخرى في إيران». وأضاف المسؤول الذي اشترط عدم الكشف عن هويته: «حذرنا الجميع من أن أي إجراء ضد أمتنا وأمننا القومي لن يمر دون رد». ومنذ سنوات تصر وسائل إعلام الإيرانية على وصف المعارضين البلوش بـ«الجماعات المتشددة»، على خلاف جارتها باكستان التي تصف المعارضة البلوشية بـ«الجماعات الانفصالية».

ويشكو أهالي بلوشستان إيران، ذات الأغلبية السنية، من تمييز مزدوج طائفي وعرقي، متهمين إيران بمتابعة سياسة التغيير الديموغرافي واستهداف هويتهم المذهبية.

انتخابات باكستانية

وفي داخل باكستان، تجتمع القيادات المدنية لإبداء الدعم للجيش رغم الانقسامات العميقة على الساحة السياسية مع اقتراب الانتخابات الوطنية المقررة الشهر المقبل. وقال وزير الخارجية السابق بيلاوال بوتو زرداري، المرشح عن حزبه لمنصب رئيس الوزراء، وكذلك نواز شريف الذي شغل المنصب ثلاث مرات وتظهر استطلاعات الرأي أنه المرشح الأوفر حظاً في الانتخابات، إن من حق باكستان الدفاع عن نفسها، لكنهما أبقيا على الدعوة للحوار مع إيران. كما أدان حزب «حركة الإنصاف» بزعامة رئيس الوزراء السابق المسجون عمران خان إيران، لكنه وصف الهجمات على باكستان بأنها إخفاق من جانب حكومة تصريف الأعمال التي جرى تشكيلها للإشراف على الانتخابات. وقال الحزب، في بيان، إن «حركة الإنصاف» «تسعى للحصول على تفسير فوري من الحكومة غير الدستورية وغير القانونية وغير الممثلة وغير المنتخبة لفشلها الكامل في حماية سلامة باكستان وأمنها والدفاع عنها».

لماذا الضربة الإيرانية المفاجئة؟

يميل بعض المحللين إلى أن ضربات «الحرس الثوري» المفاجئة لباكستان، تأتي في سياق استعراض إيران وحلفائها قوتهم في المنطقة في ظل الديناميكيات المضطربة الحالية، على خلفية حرب غزة. وقبل ساعات من الهجوم في أراضي باكستان، شنت إيران ضربات في سوريا ضد ما قالت إنها مواقع لتنظيم «داعش»، وفي أربيل مركز إقليم كردستان العراق، حيث قالت إنها ضربت مركز تجسس إسرائيلياً، ونفت الحكومة العراقية المزاعم الإيرانية. وتستهدف حركة الحوثي المتحالفة مع إيران في اليمن سفن شحن في البحر الأحمر منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، كما هاجمت جماعات عراقية موالية لإيران، قواعد أميركية في سوريا والعراق، قائلة إنها تتضامن مع الفلسطينيين.

يقول غريغوري برو، المحلل في شركة «أوراسيا غروب» لاستشارات المخاطر الدولية، إن ضربات طهران مدفوعة إلى حد كبير بقلقها المتزايد من مخاطر العنف الداخلي المسلح في أعقاب الهجوم الفتاك في الثالث من يناير الذي أعلن تنظيم «داعش خراسان» مسؤوليته عنه. وقال برو: «هناك كثير من الضغط الداخلي للقيام بشيء، والقيادة تستجيب لهذا الضغط»، مشيراً إلى أن إيران تضغط على إسلام آباد منذ سنوات لتعالج مسألة وجود متشددين بالقرب من حدودها، مشيراً إلى أن الهجوم الصاروخي كان علامة على نفاد صبر طهران. ولكن لا تزال إيران ترى دورها ونفوذها في الشرق الأوسط محوراً أساسياً في أهدافها الأمنية. وقال برو إن الضربة الإيرانية على الأراضي الباكستانية تشير أيضاً إلى رغبة طهران في أن تظهر لأعدائها وحلفائها على السواء عزمها على الدفاع عن أمنها وسط الأزمة الإقليمية المتعلقة بغزة.

من جانبه، يرى مايكل كوجلمان، مدير معهد جنوب آسيا في مركز ويلسون البحثي بواشنطن، أن التوتر الأمني على الحدود مشكلة قائمة منذ فترة طويلة بين إيران وباكستان. وأضاف أن وقف التصعيد سيكون صعباً على المدى القريب «نظراً للتوتر الشديد». لكن البلدين لا يرغبان في الصراع على ما يبدو. وفي تصريحات علنية أشارت إيران وباكستان إلى أن الهجمات لم تستهدف أياً من مواطني البلدين، وإلى أنهما لا يريدان التصعيد. وقال كوجلمان إن البلدين قد يرحبان بحوار ثنائي ووساطة محتملة من طرف ثالث قد يكون الصين التي لها علاقات طيبة ونفوذ لدى الطرفين. وأضاف: «الدبلوماسية ستكون حاسمة من الآن فصاعداً».


مقالات ذات صلة

السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

خاص السفير الإيراني لدى السعودية علي رضا عنايتي (تصوير تركي العقيلي)

السفير الإيراني: توافد حجاجنا للسعودية مستمر... والجميع ملتزمون بالأنظمة

وصلت الدفعة الأولى من الحجاج الإيرانيين إلى الأراضي السعودية لأداء مناسك الحج، وسط منظومة متكاملة من الخدمات والتسهيلات التي تقدمها المملكة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

نافذة الوساطة تضيق بين الحصار الأميركي ورفض التنازل الإيراني

لم تعد إسلام آباد تبدو، بعد مغادرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي العاصمة الباكستانية، محطة مرشحة لاختراق وشيك في مسار وقف الحرب بين واشنطن وطهران.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود ‌بزشكيان (د.ب.أ)

بزشكيان يدعو الشعب الإيراني إلى ترشيد استهلاك الطاقة

دعا الرئيس مسعود بزشكيان الإيرانيين، السبت، إلى ترشيد استهلاك الكهرباء، محذّراً من سعي الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إثارة «سخط شعبي».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية صورة قدمها قمر «ماكسار تكنولوجيز» بتاريخ 1 يوليو 2025 تظهر نشاطاً بالقرب من المبنى المحيط بالمجمع بالإضافة إلى الحفر التي أحدثتها الغارة الجوية الأميركية التي شنت في 22 يونيو على مجمع مصنع فوردو لتخصيب الوقود (أ.ف.ب - أرشيفية)

11 طناً من اليورانيوم تعقّد اتفاق ترمب مع إيران

ترمب يواجه في مفاوضات باكستان إرث انسحابه من الاتفاق النووي، مع مخزون إيراني قد يكفي نظرياً لصنع 100 سلاح نووي.

ويليام جيه برود (واشنطن) ديفيد إي. سانغر (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي (د.ب.أ) p-circle

عراقجي سيزور باكستان مجدداً بعد عُمان

قال وزير الخارجية الإيراني، السبت، إن بلاده تنتظر لتبيان ما إذا كانت الولايات المتحدة جادة بشأن التوصل إلى تسوية دبلوماسية للحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

«أكسيوس»: إيران قدمت مقترحاً جديداً لأميركا لإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

ذكر موقع «أكسيوس» الإخباري ‌نقلا عن ‌مسؤول ​أميركي ‌ومصدران ⁠مطلعان ​أن إيران ⁠قدمت عبر وسطاء باكستانيين ⁠مقترحا ‌جديدا ‌إلى ​الولايات ‌المتحدة ‌لإعادة فتح ‌مضيق هرمز وإنهاء الحرب.

ويشمل المقترح بحسب «أكسيوس»، ⁠إرجاء ⁠المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة.


الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
TT

الهدنة على المحك عقب تعثر مسار باكستان

السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق لدى استقباله عباس عراقجي وزير الخارجية الإيراني. (العمانية)

وُضعت هدنة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران أمام اختبار جديد، أمس (الأحد)، مع تعثر مسار باكستان، في وقت شدد فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الضغط على طهران، ملوحاً بخطر «القنبلة الموقوتة» لتخزين النفط وتمسكه بـ«الانتصار».

وقال ترمب إن أمام إيران نحو 3 أيام قبل أن تصبح خطوط أنابيب النفط لديها معرضة لخطر الانفجار بسبب تراكم النفط ومحدودية التخزين، بعد توقف الشحنات من الموانئ الإيرانية تحت الحصار الأميركي. وأضاف أن طهران «تحت ضغط»، وأنها إذا أرادت التفاوض فعليها الاتصال بواشنطن عبر «خطوط آمنة».

وعاد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إلى إسلام آباد بعد محادثات مع السلطان هيثم بن طارق، في مسقط، ركزت على مضيق هرمز. وقالت وسائل إعلام إيرانية إن عراقجي نقل عبر باكستان رسائل إلى واشنطن، بشأن «الخطوط الحمراء» في الملف النووي والمضيق.

وأبلغ الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، خلال اتصال، بأن طهران لن تدخل في «مفاوضات مفروضة عليها» تحت التهديد أو الحصار. وطالب بإزالة العقبات أولاً، بما في ذلك الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، قبل وضع أسس التسوية.

وتصاعد التباين في طهران؛ إذ هاجم المتحدث باسم لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي، دور باكستان، قائلاً إنها «صديقة وجارة جيدة»، لكنها «ليست وسيطاً مناسباً، ولا تقول ما يخالف رغبة الأميركيين»، معتبراً أن الوسيط يجب أن يكون محايداً. بدوره، قال نائب رئيس البرلمان علي نيكزاد، إن مضيق هرمز لن يعود إلى وضعه السابق استناداً إلى أوامر المرشد مجتبى خامنئي.


واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
TT

واشنطن تبدأ معركة الألغام في مضيق هرمز

تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)
تظهر سفينة «إيبامينونداس» خلال احتجازها من قبل «الحرس الثوري» الإيراني في مضيق هرمز بإيران (رويترز)

قال الرئيس دونالد ترمب إن البحرية الأميركية تعمل على إزالة ألغام إيرانية في مضيق هرمز، الممر الحيوي لشحنات النفط، الذي بات تعطّله يُهدد الاقتصاد العالمي بصورة متزايدة.

ويقول خبراء إن تمشيط المنطقة بحثاً عن متفجرات تحت الماء قد يستغرق أشهراً، رغم سريان وقف إطلاق نار هش بين الولايات المتحدة وإيران في الحرب التي تتواصل منذ أسابيع.

ووفقاً لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن أي إعلانات مستقبلية عن قيام الولايات المتحدة بتطهير الممر المائي، الذي يمر عبره عادة نحو 20 في المائة من نفط العالم، قد تفشل في إقناع سفن الشحن التجارية وشركات التأمين بأن المضيق أصبح آمناً.

وقالت إيما سالزبري، الباحثة في برنامج الأمن القومي التابع لمعهد أبحاث السياسة الخارجية: «ليس عليك حتى أن تكون قد زرعت ألغاماً؛ يكفي أن تجعل الناس يعتقدون أنك زرعتها».

وأضافت إيما سالزبري، وهي أيضاً زميلة في مركز الدراسات الاستراتيجية التابع للبحرية الملكية: «وحتى إذا قامت الولايات المتحدة بتمشيط المضيق، وقالت إن كل شيء أصبح آمناً، فكل ما على الإيرانيين فعله أن يقولوا: حسناً، في الواقع، لم تعثروا عليها كلها بعد». وتابعت: «هناك حدٌّ لما يمكن أن تفعله الولايات المتحدة لإعادة تلك الثقة إلى الشحن التجاري».

ويُعد البحث عن الألغام من أحدث التكتيكات التي أعلنتها إدارة ترمب لإعادة حركة المرور عبر المضيق، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات اقتصادية أوسع تُشكل خطراً سياسياً. كما فرضت الولايات المتحدة حصاراً على موانئ إيران، واحتجزت سفناً مرتبطة بطهران.

إزالة الألغام قد تستغرق 6 أشهر

وأبلغ مسؤولون في البنتاغون مشرّعين أن إزالة الألغام التي زرعتها إيران في المضيق ستستغرق على الأرجح 6 أشهر، وفق شخص مطلع على الوضع تحدّث شرط عدم الكشف عن هويته لمناقشة معلومات حساسة.

وقُدمت هذه المعلومات خلال إحاطة سرية للجنة القوات المسلحة في مجلس النواب، الثلاثاء. وعندما سُئل عن هذا التقدير، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث للصحافيين، الجمعة، إن الجيش لن يتكهن بجدول زمني، لكنه لم ينفِ الأمر.

وقال هيغسيث في مؤتمر صحافي بالبنتاغون: «يُزعم أن هذا كان شيئاً قيل». وأضاف: «لكننا واثقون بقدرتنا، خلال الفترة المناسبة، على إزالة أي ألغام نحددها».

وفي وقت لاحق، قال ترمب إنه أمر البحرية بمهاجمة أي قارب يزرع ألغاماً في المضيق. وكتب الرئيس على وسائل التواصل الاجتماعي، الخميس: «إضافة إلى ذلك، فإن كاسحات الألغام لدينا تُنظف المضيق الآن». وأضاف: «آمر بموجب هذا بمواصلة النشاط، لكن بمستوى مضاعف 3 مرات».

وقال قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، للصحافيين مؤخراً إن الجيش سيعمل على إزالة الألغام من المضيق من دون أن يُقدم تفاصيل.

ولا توجد مؤشرات إلى أن الجيش الأميركي يستخدم حالياً سفناً حربية داخل المضيق، وهي من أبرز أصوله الظاهرة في عمليات إزالة الألغام، لكنّ لدى البحرية أيضاً غواصين وفرقاً صغيرة من فنيي التخلص من الذخائر المتفجرة في المنطقة، قادرين على إزالة الألغام، وهي هدف أقل وضوحاً من سفينة حربية كبيرة. ويقول خبراء إن بعض معدات إزالة الألغام يمكن نقلها من السفن ونشرها من البر.

زرع الألغام أسهل من العثور عليها

وليس واضحاً ما إذا كان قد جرى زرع أي لغم حتى الآن. ولم تذكر إيران سوى «احتمال» وجود ألغام في المسارات التي كانت تُستخدم في المضيق قبل الحرب. وقالت إيما سالزبري من معهد أبحاث السياسة الخارجية إن تقديرات مخزونات إيران من الألغام تُشير إلى بضعة آلاف. ويُعتقد أن معظم تلك المتفجرات البحرية تعود إلى نماذج سوفياتية قديمة، فيما قد تكون بعض الأنواع الأحدث صينية الصنع أو مُنتجة محلياً.

وأضافت إيما سالزبري: «زرع الألغام أسهل بكثير من إزالتها، لذلك يمكنك حرفياً دفع هذه الأشياء من مؤخرة زورق سريع»، لكنها أشارت إلى أن الولايات المتحدة يمكنها على الأرجح رؤية ذلك. وأوضحت أن لدى إيران أيضاً غواصات صغيرة يمكنها زرع الألغام، ويصعب اكتشافها بدرجة أكبر بكثير، لافتة إلى أنها لم ترَ مؤشرات إلى تدميرها في الحرب.

وقالت إيما سالزبري إنه إذا كانت إيران قد زرعت ألغاماً في المضيق، فهي ليست الكرات الشائكة العائمة على السطح كما تُرى في الأفلام. ومن المرجح أن تكون المتفجرات مستقرة في قاع البحر أو مثبتة إليه بواسطة كابل وتطفو تحت السطح. ويمكن أن تنفجر بتغير ضغط الماء عند مرور سفينة أو بصوت محركها.

كيف تبحث واشنطن عن الألغام؟

وقال مسؤول دفاعي، رفض الكشف عن هويته، إن البحرية الأميركية لديها الآن سفينتان قتاليتان ساحليتان في الشرق الأوسط قادرتان على تمشيط الألغام.

وأضاف المسؤول أن كاسحتي ألغام أميركيتين من فئة «أفنجر»، تتمركزان في اليابان، غادرتا أيضاً إلى الشرق الأوسط، لكنهما كانتا في المحيط الهادئ حتى الجمعة.

وقال ستيفن ويلز، وهو ضابط متقاعد برتبة لفتنانت كوماندر، خدم على سفينة من فئة «أفنجر»، إن البحرية تبحث على الأرجح عن متفجرات بحرية من أجل إنشاء ممر آمن عبر المضيق. أما إزالة الألغام فهي عملية أبطأ تحدث عادة بعد النزاع.

وقال ويلز، وهو خبير في مركز الاستراتيجية البحرية التابع لرابطة البحرية الأميركية: «إن صيد الألغام يُشبه السير في حديقتك واقتلاع الأعشاب والنباتات البرية واحدة تلو الأخرى، كي تتمكن من عبور المكان بأمان من جانب إلى آخر. أما تمشيط الألغام، فيشبه جزّ العشب».

من جانبه، قال سكوت سافيتز، الباحث في مؤسسة «راند»، والمتخصص في العمليات البحرية وإزالة الألغام، إن البحرية لا تحتاج بالضرورة إلى إزالة كل لغم حتى آخر واحد. وأضاف: «لا تزال هناك مناطق لم تُطهَّر منذ الحرب العالمية الثانية، وفي بعض الحالات منذ الحرب العالمية الأولى، وذلك لأن العملية كثيفة الموارد وتستغرق وقتاً طويلاً».

وقال ويلز إن الفرق الموجودة على السفن القتالية الساحلية التابعة للبحرية يمكنها نشر مركبات غير مأهولة تعمل عن بُعد، وتستخدم السونار وتقنيات أخرى للعثور على الألغام. كما تحمل هذه المركبات شحنات لتدمير المتفجرات.

وأضاف أن سفن البحرية الأميركية قد تحمل أيضاً فرقاً للتخلص من الذخائر المتفجرة، بينها غواصون، يمكنهم البحث عن الألغام وتدميرها. ويمكن للمروحيات البحث عن الألغام باستخدام الليزر.

شركات الشحن تُقيّم المخاطر

قال سافيتز إن شركات الشحن ستكون في نهاية المطاف مستعدة لتحمل بعض المخاطر للمرور عبر المضيق، «خصوصاً بالنظر إلى مدى ربحية ذلك».

وبموجب إجراء الموافقة الإيراني الخاص بالسفن الراغبة في عبور المضيق، يجب أن تسلك السفن مساراً مختلفاً عما كان عليه قبل الحرب، إلى الشمال قرب الساحل الإيراني.

وقال ديلان مورتيمر، مسؤول مخاطر الحرب البحرية في المملكة المتحدة لدى وسيط التأمين «مارش»، إن شركات التأمين تضيف بنداً يلزم مالكي السفن بالاتصال بالسلطات الإيرانية لضمان المرور الآمن.

وأوضح مورتيمر أن هذه الشهادة لا تذكر الألغام تحديداً، وتهدف إلى الحماية من كامل طيف التهديدات، بما في ذلك هجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة أو عمليات الاحتجاز. لكن الألغام تؤدي، في الحد الأدنى، دوراً نفسياً، وهي ظاهرة وصفها مورتيمر بأنها «شبح التهديد».

وقال مورتيمر: «هذا يصب في مصلحة الإيرانيين، لأنه سواء أكانت هناك ألغام أم لا، فإن الناس يعتقدون أن هناك ألغاماً، وسيتصرفون وفقاً لذلك».

وقد تعني هذه المخاوف أن استعادة الثقة بأن المضيق آمن قد تستغرق وقتاً أطول حتى بعد الحرب.