«الذرية الدولية» تطالب إيران بالتعاون لإثبات سلمية برنامجها النووي

عبداللهيان: المبادرة العمانية لا تحمل نصاً جديداً

غروسي في مستهل الجمعية العامة لوكالة الطاقة الذرية في فيينا اليوم (أ.ف.ب)
غروسي في مستهل الجمعية العامة لوكالة الطاقة الذرية في فيينا اليوم (أ.ف.ب)
TT

«الذرية الدولية» تطالب إيران بالتعاون لإثبات سلمية برنامجها النووي

غروسي في مستهل الجمعية العامة لوكالة الطاقة الذرية في فيينا اليوم (أ.ف.ب)
غروسي في مستهل الجمعية العامة لوكالة الطاقة الذرية في فيينا اليوم (أ.ف.ب)

قال مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي، إن «تعاون إيران الكامل والنتائج الملموسة هما وحدهما ما سيوصلان إلى ضمانات موثوقة بأن إيران لديها برنامج نووي سلمي»، فيما طالب كبير المسؤولين النوويين الإيرانيين، الوكالة التابعة للأمم المتحدة، بإغلاق ملف القضايا العالقة على وجه السرعة.

وحض غروسي في مستهل أعمال الجمعية العامة لأعضاء الوكالة الدولية في فيينا، إيران، إلى المزيد من الشفافية في أنشطتها النووية وبناء الثقة مع الوكالة التابعة للأمم المتحدة.

ولفت إلى أن الوكالة الدولية «أحرزت بعض التقدم مع إيران في بعض القضايا»، لكنه بالوقت نفسه فإن التعاون لم يحرز تقدماً في ملفات على خلاف تطلعاته في مارس (آذار)، حينما أبرم مع الإيرانيين تفاهماً لحل قضية موقعين سريين عثرت الوكالة على آثار يورانيوم فيهما، وكذلك إعادة تركيب كاميرات مراقبة عطلتها طهران.

وأشار إلى قضية التحقيق الإضافي، والآلية التي تخلت عنها إيران بعد وقف العمل بالبرتوكول الإضافي المحلق بمعاهدة حظر الانتشار النووي في فبراير (شباط) 2011. ووافقت إيران على تطبيق البرتوكول الإضافي الذي يسمح بعمليات تفتيش أوسع نطاقاً مثل التفتيش المفاجئ، بموجب الاتفاق النووي لعام 2015.

وقال غروسي الذي بدأ ولاية ثانية في منصب مدير الوكالة: «ليس من الممكن لنا أو لإيران أن نتحدث بأقوال الخاصة»، متحدثاً عن حاجة الوكالة إلى التوصل لتفاهم مشترك مع إيران، وصرح: «لتحقيق التعاون المتبادل والشفافية، يجب على كل منا أن يقوم بعمله الخاص»، مشدداً على أن فريقه لا يمكن تقديم تقرير صحيح بشأن الأنشطة الإيرانية، عندما لا تكون لديهم معلومات صحيحة.

وكان غروسي يشير إلى عدم إطلاع الوكالة الدولية على تسجيلات كاميرات المراقبة منذ عامين ونصف العام، عندما رهنت طهران تسليمها بإحياء الاتفاق النووي ورفع العقوبات الأميركية.

«إغلاق القضايا العالقة»

قال مدير المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية إن بلاده عازمة على التوسع في استخدام الطاقة النووية لإنتاج الكهرباء والاستخدامات المدنية الأخرى، لافتاً إلى أن البرنامج النووي «يحرز تقدماً على الرغم من العقوبات».

وأوضح إسلامي أن بلاده عازمة على رفع سهم إنتاج الكهرباء النووية في سلة الطاقة إلى 20 ألف ميغاواط حتى عام 2040.

وانتقد العقوبات الأميركية على إيران، ووصفها بـ«غير المقبولة»، مضيفاً أن بلاده «تؤكد مرة أخرى أن التعاون مع الوكالة الدولية لا ينبغي أن يُؤخذ على أنه تحصيل حاصل، ولا ينبغي أن يتأثر سلباً باتباع أجندات سياسية». وقال: «بعد خمس سنوات لم تكفّ أميركا عن فرض العقوبات غير القانونية على إيران».

مدير المنظمة الإيرانية للطاقة الذرية محمد إسلامي يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للوكالة الدولية في فيينا اليوم (أ.ف.ب)

وقال إسلامي: «ينبغي عدم تجاهل تعاون إيران المستمر مع الوكالة»، موضحاً أن الوكالة «تقوم بأكبر عمليات تفتيش والأكثر كثافة في المنشآت النووية الإيرانية». وطالب الوكالة بـ«اتخاذ إجراءات ملموسة ومؤثرة في الحفاظ على سرية المعلومات» المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني. وأضاف: «على الوكالة أن تحافظ على حياديتها وسلوكها الاحترامي، وتجنب تقديم تفاصيل غير ضرورية في إعداد تقاريرها الفصلية».

ورد إسلامي في كلمته ضمناً على مطالب مدير الوكالة الدولية لعودة إيران إلى عمليات التفتيش الإضافية التي وافقت عليها ضمن الاتفاق النووي. وقال إسلامي: «ينبغي أن يكون هناك تمييز واضح بين الالتزامات القانونية للدول الأعضاء، وفقاً لاتفاق الضمانات والتزاماتها الطوعية».

وقال إن بلاده تدعو لأن تعلن الوكالة الدولية للطاقة الذرية إغلاق ملف «القضايا العالقة» في أسرع وقت ممكن، في إشارة إلى شرط إيران السابق لإغلاق ملف التحقيق بشأن المواقع السرية لقبول مسودة طرحها الاتحاد الأوروبي لإحياء الاتفاق النووي.

وهاجم إسلامي في جزء من خطابه، إسرائيل، العدو اللدود لإيران. وقال إن «تهديدات إسرائيل ضد العلماء النوويين الإيرانيين تتعارض مع النظام الأساسي للوكالة الدولية وميثاق الأمم المتحدة». وانتقد عدم انضمامها إلى معاهدة حظر الانتشار النووي. وأبدى قلقه من توسع ترسانة الأسلحة النووية على مستوى العالم.

المبادرة العمانية لا تحمل نصاً جديداً

وقال وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان، لدى عودته من نيويورك، إن بلاده «تتلقى دوماً رسائل إيجابية من الأميركيين» للعودة إلى الاتفاق النووي، لكنه حذر من أن بلاده «لا تطيق نفاق الإجراءات والسلوك الأميركي». وقال: «إذا كانت لدى الأطراف الأخرى والأميركيين الإرادة المطلوبة، في إطار المفاوضات السابقة، والأولويات التي تريدها إيران، يمكن أن نعد الاتفاق في متناول اليد».

وزاد عبداللهيان بأن السلطان هيثم بن طارق، يحاول إعادة إحياء الاتفاق النووي، لكنه شدد على أن المبادرة العمانية «لا تتضمن نصاً جديداً»، حسبما أبلغ وكالة «إرنا» الرسمية.

وامتنع عبداللهيان عن الخوص في التفاصيل، وقال إن «مبادرة سلطان عمان تأتي في إطار طريقة لتسريع وإعادة جميع الأطراف إلى التزاماتها، لكن هذا لا يعني أن سلطان عمان يحمل خطة أو نصاً جديداً»، وأشار إلى مشاورات أجراها مع نظيره العماني بدر البوسعيدي خلال وجودهما في نيويورك.

 

توتر إيراني - أوروبي

ودافع الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، في مقابلة بثتها شبكة «سي إن إن»، الأحد، عن تخصيب بلاده لليورانيوم إلى مستويات قريبة من الأسلحة، مدعياً أنه كان رداً على عدم التزام الدول الأوروبية بنهاية الاتفاق النووي لعام 2015.

وقال في المقابلة التي سجلت على هامش أعمال الجمعية العامة، إنه بلاده «لم تسع في البداية لرفع التخصيب إلى 60 في المائة»، لكنه أضاف: «لقد داسوا (الدول الأوروبية) على التزاماتهم».

وباشرت إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، مع انطلاق المحادثات النووية في أبريل (نيسان) 2021، وبررت حينذاك خطوته بهجوم تعرضت له منشأة تخصيب اليورانيوم في نطنز، وتسبب في تعطل أجهزة الطرد المركزي بنسبة 60 في المائة.

وقبل مقابلة رئيسي الأخيرة، كانت تقول إيران إن التخلي عن التزامات الاتفاق النووي، بما في ذلك رفع تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة، جاء رداً على العقوبات التي أعادت فرضها الولايات المتحدة بعد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي.

وفي مارس (آذار)، أعلنت الوكالة الدولية أنها عثرت في منشأة فوردو الواقعة تحت الأرض، على جزيئات اليورانيوم المخصبة بنسبة 84 في المائة.

ورفض رئيسي اتهام بلاده بالسعي لإنتاج قنبلة نووية، بعدما سارعت تراكم تخصيب اليورانيوم بنسب عالية. وقال لشبكة «سي إن إن»، إن طهران «لا تعتزم الوصول إلى أسلحة نووية أو أي من أنشطة ذات أبعاد عسكرية».

وقال رئيسي: «إذا عاد الأوروبيون إلى الوفاء بالتزاماتهم، فإن الجمهورية الإسلامية ستلتزم تماماً بالتزاماتها كما فعلت في الماضي»، حسبما أورد موقع «سي إن إن» الإخباري.

وتعليقاً على قرار طهران استبعاد عدد من مفتشي الوكالة الدولية الأكثر خبرةً في مراقبة الأنشطة الإيرانية، كرر رئيسي ما قاله في مؤتمر صحافي على هامش أعمال الجمعية العامة، قائلاً إن إيران «لم تقل إنها لا تريد مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية على أراضيها». وذكر أن إيران لا تمانع في أن تفتش الوكالة مواقعها النووية.

وقال رئيسي لشبكة «سي إن إن»، إن إيران لم تقل إننا لا نتمنى أن يكون أي مفتشين هنا. وقال: «قلنا ما قالته هذه الدول الثلاث (فرنسا وبريطانيا وألمانيا)، وما قالته الوكالة الدولية للطاقة الذرية هو أن لدينا اعتبارات معينة تجاه أفراد من هذه الدول الثلاث»، مضيفاً أن «ثقتهم تحت ظلال من الشك».

وجاءت الخطوة الإيرانية بعد تحرك قادته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية في وقت سابق من هذا الشهر لدعوة طهران للتعاون بصورة فورية مع الوكالة بشأن قضايا، من بينها تفسير وجود آثار لليورانيوم تم العثور عليها في مواقع غير معلنة.

 وقررت الدول الأوروبية تمديد العقوبات على البرنامجين الصاروخي والطائرات المسيرة الإيرانية التي من المقرر أن تنقضي الشهر المقبل بموجب الاتفاق النووي، في خطوة أثارت غضباً في طهران.

ودعت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا، في بيان، الأسبوع الماضي، إيران، إلى التراجع عن قرارها بمنع «عدد» من مفتشي الأمم المتحدة من العمل بالبلاد.

وكان لافتاً أن رئيسي وعبداللهيان لم يعقدا أي اجتماعات مع نظرائهما في الترويكا الأوروبية على هامش أعمال الجمعية العامة في مؤشر إلى ارتفاع منسوب التوتر بين الجانبين.

وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن، الجمعة، إن قرار إيران منع بعض المفتشين الدوليين يشير إلى أنها غير مهتمة بأن تكون طرفاً مسؤولاً في برنامجها النووي.


مقالات ذات صلة

ضغوط في طهران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي

شؤون إقليمية صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ضغوط في طهران للانسحاب من معاهدة حظر الانتشار النووي

صعّد مشرعون إيرانيون الدعوات إلى مراجعة عضوية طهران في معاهدة حظر الانتشار النووي، بينما أكدت وزارة الخارجية استمرار إيران في عضويتها.

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
تحليل إخباري ترمب برفقة روبيو وهيغسيث يجيب على وسائل الإعلام خلال اجتماع لمجلس الوزراء 26 مارس الحالي (إ.ب.أ)

تحليل إخباري من إسقاط النظام إلى النفط واليورانيوم… كيف تغيّرت أهداف ترمب في الحرب؟

بعد أكثر من شهر على اندلاع المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت ملامح تحول واضح في أهداف الحرب التي أعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ صورة أقمار اصطناعية تُظهر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

تقرير: ترمب يدرس تنفيذ عملية عسكرية لاستخراج اليورانيوم من إيران

يدرس الرئيس الأميركي دونالد ترمب تنفيذ عملية عسكرية معقدة لاستخراج نحو ألف رطل (450 كيلوغراماً) من اليورانيوم من داخل إيران، وفق ما أفاد به مسؤولون أميركيون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية وزير الخارجية التركي هاكان فيدان حذّر من اتساع نطاق حرب إيران يوم 28 مارس (الخارجية التركية - إكس)

تركيا تُحذّر من اتّساع حرب إيران وتدعو للدبلوماسية والتعاون الإقليمي

حذرت تركيا من اتساع نطاق حرب إيران، مؤكدة أن السبيل الوحيد لإنهائها هو الدبلوماسية والتعاون الإقليمي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية صورة بالأقمار الاصطناعية لموقع أصفهان النووي في إيران (رويترز)

إسرائيل تعلن قصف منشآت نووية وعسكرية في إيران بمشاركة 50 طائرة

أعلن الجيش الإسرائيلي اليوم (السبت)، أن سلاح الجو نفّذ غارات جوية واسعة استهدفت منشآت مرتبطة ببرنامج الأسلحة النووية ومواقع تصنيع عسكرية داخل إيران.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)

حصار قاعدة «بلد»… تمرين «القيامة» في العراق

صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
TT

حصار قاعدة «بلد»… تمرين «القيامة» في العراق

صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011
صورة نشرها الجيش الأميركي لقاعدة بلد الجوية في العراق تعود لعام 2011

اضطر طاقم شركة أميركية مسؤولة عن تشغيل طائرات «F-16» إلى مغادرة قاعدة جوية عراقية في ظروف حرجة، بعد هجمات شنتها فصائل موالية لإيران، ويتعين على السلطات في بغداد الآن البحث عن مشغلين جدد قبل أن تتحول أهم طائرة في سلاح الجو العراقي «مجرد خردة».

ويتضح أن هذه الفصائل تتوّج بهذه الهجمات سنوات من «محاولات الاختراق والتجسس» على التقنيات الأميركية التي اشتراها العراق قبل نحو 10 سنوات، وصولاً إلى ما يعرف بـ«سيناريو القيامة» للاستيلاء على الأصول العسكرية العراقية، وفق تعبير مصادر.

وحاولت الحكومة العراقية إقناع طاقم شركة «V2X» الأميركية بالبقاء في قاعدة «بلد» الجوية رغم الهجمات المتواترة عليها. وقال مسؤول عراقي بارز لـ«الشرق الأوسط» إنه «رغم أن الضربات لم تلحق أضراراً كبيرة في القاعدة، فإن موظفي الشركة أصرّوا على المغادرة حفاظاً على سلامتهم».

حسب متعاقد أجنبي ورجال أمن وموظفين، فإن قرار الإجلاء اتُّخذ بعد موجة عنيفة من المسيَّرات، وتم تنفيذه في ظل هدنة متفق عليها لتأمين «رحلة عالية المخاطر».

ومنذ بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة ثانية، تعرضت قاعدة بلد الجوية، التي تغيّر اسمها إلى «الشهيد علي فليح»، إلى هجمات من ثلاث جهات، فشل أغلبها في إلحاق الضرر بالقاعدة، وفق المصادر.

وفي الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترمب، نجحت الجماعات الموالية لإيران في إرغام شركة أميركية سابقة على مغادرة قاعدة بلد، في أعقاب الغارة الأميركية التي قتلت قائد «قوة القدس» قاسم سليماني بعد يناير (كانون الثاني) 2020.

تردد حينها أن العشرات من موظفي شركة «سالي بورت» خرجوا بعد هجمات مميتة على القاعدة، ويبدو أن السيناريو يتكرر مع شركة «V2X» في ولاية ترمب الثانية، لكن في سياق حرب إقليمية أوسع مفتوحة على احتمالات مجهولة.

جندي عراقي خلال عرض لطائرات عسكرية في قاعدة بلد الجوية أبريل 2024 (أ.ف.ب)

السيناريو الليبي في بلد

يعود أول هجوم على القاعدة الجوية إلى فجر 2 مارس (آذار) 2026، وكانت الحرب على إيران قد دخلت يومها الثالث. لاحقاً، أظهر تتبع للهجمات نمطاً في توقيتها بين منتصف الليل والساعات الأولى من الفجر، بعضها ينفذ بشكل مزدوج بطائرتين مسيَّرتين.

وأظهرت مقاطع فيديو وثَّقها سكان محليون تصاعد أعمدة الدخان من مقتربات القاعدة. وقال أحد المزارعين الذين يسكنون قرب القاعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «غالبية المسيَّرات تسقط في محيط القاعدة، أو داخلها، قرب السياج الأمني».

وقال مصدر أمني من داخل القاعدة، لـ«الشرق الأوسط»، إنه خلال الشهر الأول من الحرب سُجلت نحو 10 هجمات، لم تسفر عن أضرار بشرية أو مادية. وأضاف: «لم تتعرض الطائرات إلى أضرار، بما فيها الـ(F-16)».

والقاعدة التي تقع في بلدة زراعية بين مدن بغداد وديالى وصلاح الدين، تمتد على نحو 28 كيلومتراً مربعاً. تحيطها أبراج مراقبة موزعة على سياج أمني بطول 20 كيلومتراً. وحسب المصدر الأمني، فإن «عناصر الأبراج كانوا في بعض الحالات يرون المسيَّرات تقترب من القاعدة بالعين المجردة».

ومع أن أنظمة الدفاع الجوي في القاعدة تمكنت من إحباط هجمات مسيَّرة، فإن ثلاثة موظفين مدنيين أكدوا لـ«الشرق الأوسط» أنه من الصعب اختراق الملاجئ المحصنة للطائرات في حال تمكنت مسيَّرة من الوصول إليها. قال أحدهم: «هناك أكثر من 30 ملجأً محصناً تتوزع بينها (F-16) وطائرات أخرى».

إلا أن حصار الهجمات لم يكن يسمح لموظفي شركة «V2X» الأميركية بالقيام بأعمالهم اليومية المعتادة؛ إذ غيرت أصوات المسيَّرات جداول مهامهم.

ويقول متعاقد مدني مع الشركة لـ«الشرق الأوسط»، إن «الهجمات كانت تنهال من ثلاث جهات. نضطر إلى البقاء داخل غرف محصنة ساعات طويلة. الموظفون الأجانب كانوا يتهامسون بتكرار سيناريو السفارة الأميركية في ليبيا عام 2012 (...) تبدأ هذه الحوادث برشقة صواريخ، ومن ثم اندلاع الحرائق في كل مكان، واليوم لديهم الدافع: الثأر للمرشد الإيراني خامنئي».

يقلل موظفون عراقيون وعناصر أمن داخل القاعدة من مخاوف الأجانب. يقول أحدهم إن «الأمور هادئة داخل القاعدة والأعمال تسير كالمعتاد خلال الحرب».

لكن الجماعات المسلحة خارج القاعدة تندفع نحو كسر الخطوط الحمراء في مناطق متفرقة من البلاد. يقول ضابط عراقي متقاعد كان يعمل في القاعدة قبل سنوات، إن «هذا العنف المتواتر من الفصائل يعكس خطة لفعل شيء ما (...) شيء ما خطير».

صورة شاشة من «غوغل إيرث» توضح موقع قاعدة بلد الجوية شمال العاصمة العراقية بغداد

على أطراف القاعدة الجوية مزارع وقرى تسكنها قبائل عربية مختلطة مذهبياً، لكن في السنوات التي تلت معارك التحرير من تنظيم «داعش» تمركزت ألوية تابعة لفصائل مسلحة تحت غطاء «الحشد الشعبي».

من الصعب التحقق تماماً من مصادر النيران التي تستهدف القاعدة الجوية، لكن مصادر محلية رصدت مسارين تكثفت منهما الهجمات، حزام بغداد الشمالي وأطراف محافظة ديالى.

ومن بين هجمات عدّة، أقرت وزارة الدفاع العراقية في 11 مارس 2026 بأعمال «عدائية متكررة» على القاعدة شُنت بالطائرات المسيَّرة والصواريخ على «مدار الأيام السابقة»، لكنها لم تذكر تفاصيل بشأن عددها والجهات الضالعة فيها.

وتخوض المؤسسات الأمنية التقليدية في العراق، من بينها سلاح الجو، مواجهة صامتة مع الجماعات المسلحة الموالية لإيران، وسط شكوك بأنها تحاول جاهدة استهداف الأصول العسكرية الاستراتيجية في البلاد.

رحلة إجلاء

حاولت الحكومة العراقية إقناع الشركة الأميركية بعدم المغادرة من القاعدة. ويقول المسؤول العراقي إن طاقم «برنامج الدعم اللوجيستي» لطائرات «F-16» أساسي لتشغيل السرب العراقي المقاتل، لكن محاولات إقناعهم لم تفلح.

ويفيد متعاقد مدني يعمل مع الشركة الأميركية، رفض الكشف عن هويته لأنه غير مخول التحدث علناً، بأن «الطرف العراقي لم يكن يدرك تماماً المخاطر الأمنية المتزايدة». وأضاف: «كان من الواضح أنهم يحاولون التقليل من معايير السلامة».

كذلك، يقول المسؤول العراقي: «بالفعل، فشلت محاولات إبقاء الطاقم الأجنبي في القاعدة (...) لقد اختاروا سلامتهم أولاً».

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر متقاطعة، أن «العشرات من أعضاء الطاقم الأجنبي تم إجلاؤهم خلال الليل عبر طائرة الشحن الجوي العسكرية من طراز (C-130) إلى دولة مجاورة بالتنسيق مع الجيش الأميركي».

وتقول مصادر، إن «عمليات معقدة قادت إلى اختيار توقيت رحلة الإجلاء من قاعدة بلد بالتزامن مع هدنة قصيرة في الأسبوع الأخير من شهر مارس 2026».

وكان عدد من المستشارين الذين يعملون لصالح الشركة نفسها قد انسحبوا من مواقعهم أواخر فبراير (شباط) 2026، «بناءً على تقديرات مبكرة بازدياد المخاطر الأمنية قبل اندلاع الحرب».

ولم ترد شركة «V2X» على طلبات للتعليق حول ظروف إجلاء موظفيها من العراق، وفيما إذا كان العقد مع الحكومة العراقية لا يزال سارياً؟ كما رفض متحدث باسم وزارة الدفاع العراقية الرد على اتصالات «الشرق الأوسط».

ويظهر إفصاح في بورصة نيويورك، أن الشركة حصلت في يونيو (حزيران) 2025 على عقد جديد لتقديم خدمات الدعم لبرنامج طائرات «F-16» في العراق، بقيمة أولية تبلغ 118 مليون دولار.

الآن، لا تمتلك قاعدة بلد الجوية فريقاً متخصصاً بتشغيل طائرات الـ«F-16» العراقية، كما أن الحكومة لم تعد تملك الأموال الكافية لصيانتها، وفق المسؤول العراقي.

ويقول المسؤول، لـ«الشرق الأوسط»، إن الخيارات محدودة في ظل الحرب: «لم نكن نملك سوى الضغط على الشركة للبقاء في القاعدة، وهو ما لم يتحقق».

ومع دخول الحرب مع إيران الشهر الثاني، لم يتبقَّ سوى «عدد محدود من الأجانب داخل قاعدة بلد، لكنهم غير معنيين بالطائرات».

هجمات الفصائل العراقية على قاعدة بلد اشتدت أول مرة بعد اغتيال قاسم سليماني في بغداد (أ.ب)

تحوير الطائرة سياسياً

من المرجح أن تتحول «F-16» العراقية «مجرد خردة» في ملاجئ القاعدة بغياب المشغلين الأجانب. يقول العقيد المتقاعد سلام أسعد، وهو خبير عسكري، إنه من «الصعب تشغيلها من دون الخبراء الأميركيين، كما أن الطواقم المحلية ليس لديهم الخبرة لإدارة هذا السلاح الاستراتيجي».

على مدار سنوات كانت «الخصائص العراقية» لهذه الطائرة مثار جدل واسع، لا سيما ما يتعلق بقدراتها التسليحية. وحسب أسعد، فإن «القوات الأميركية كانت قد سحبت الكثير من المنظومات من الـ(F-16) حين سُلِّمت إلى العراقيين، كما لم تُزوَّد بصواريخ بعيدة المدى».

وغالباً ما تقوم الولايات المتحدة بإجراء تعديلات سياسية على أسلحتها وطائراتها، مثل «F-16»، لأسباب منها موازنة القوة بين الدول في الشرق الأوسط. وفي العراق، لا تتوافر في الطائرة القدرة على إطلاق صواريخ بعيدة المدى.

ويقول العقيد أسعد، إنه حتى خلال سنوات الحرب ضد تنظيم «داعش» كانت الطائرة «لا بد أن تكون مرافقة لطائرة أخرى من التحالف الدولي، الذي كان يقوم بتوجيه الطائرات العراقية لإصابة الأهداف».

وخلال العامين الماضيين، كانت القيادة الأميركية المركزية (سينتكوم) تقول إن القوات الجوية العراقية بدأت في تحقيق درجات أعلى من الاستقلالية في الصيانة، بالتزامن مع نجاح العراقيين في إدارة عمليات قتالية مستقلة في أجوائهم.

مع مرور نحو عشر سنوات على دخول «F-16» الخدمة الفعلية في العراق، تبيَّن أن الطريقة التي صممت فيها الولايات المتحدة برامج الطائرة وقدراتها، والجهود المستميتة للفصائل من نخر منشآت سلاح الجو، قد تضافرت في النهاية على تجريد العراق من ميزات هذا السلاح.

يرى ميزر كمال، وهو صحافي استقصائي يتعقب منذ شهور ما يقول إنها «محاولات الميليشيات لاختراق قاعدة بلد»، أن قاعدة بلد مثال صارخ على الاحتكاك الخطير بين المؤسسة والجماعات المنفلتة للسيطرة على أهم أصول العراق العسكرية الاستراتيجية.

ويقول كمال: «في 19 مايو (أيار) 2017، طلبت لجنة الرقابة في مجلس النواب الأميركي من شركة (سالي بورت)، التي كانت تشغّل القاعدة، وسرب طائرات (F-16) العراقية، تزويدها بكل الوثائق والمراسلات المتعلقة باختراق القاعدة من قِبل جماعة شيعية مسلحة».

ووردت تلك الطلبات في وثيقة استندت إلى مزاعم عن «عمليات سرقة معدات وتهريب وتجارة غير مشروعة إلى جانب تلاعب بسجلات الدوام أو الاحتيال في الجداول الزمنية».

وتنطلق وثيقة مجلس النواب الأميركي من تحقيق داخلي أجراه محققان يُدعيان روبرت كول وكريستي كينغ، من داخل قاعدة بلد عام 2017، كشفا فيه عن أن «الميليشيا» لم تحقق خرقاً واحداً فقط، بل تمكنت من زرع بيئة أمنية حول القاعدة».

اليوم، تبدو الهجمات المسيَّرة التي تشنها الفصائل المسلحة على قاعدة بلد الجوية شبيهة بمن يحرق مسرح جريمة كان يرتاده بشكل يومي. ويقول الصحافي ميزر كمال، إن «الصراع دائماً يدور حول مَن يسيطر فعلياً على الأصول العسكرية في العراق».

طائرة شحن عسكرية تعرَّضت للتدمير في قاعدة الشهيد محمد علاء الجوية (وزارة الدفاع)

ما الخطة؟

جاءت هجمات الفصائل على قاعدة بلد في سياق أوسع. فمنذ مطلع مارس 2026 شملت خريطة المسيَّرات المفخخة منشآت أميركية وأخرى عراقية.

ويعتقد أن الهجمات جزء من خطة إيرانية لإفراغ العراق من الوجود الأميركي. وقال مصدر مقرب من الفصائل، إنه «مع بداية الحرب كنا نعتقد أن الهدف من الهجمات الضغط على الأميركيين وإجبارهم على التفاوض مع إيران»، وتابع: «خرج الأميركيون ولم يظهروا تمسكاً بوجودهم في تلك المنشآت؛ الأمر الذي دفع إلى توسيع الأهداف».

حسب المصدر، فإن «الحرس الثوري» الإيراني كان يحرص على عزل خصومه الأميركيين وحلفائهم عن طائرات «F-16» لتبقى تحت أنظار الجماعات الموالية له، بل يريد منع أي طرف «معادٍ» من استخدامها خلال الحرب.

إلا أن مسؤولاً عراقياً سابقاً كان على صلة مباشرة بمفاوضات شراء الطائرات الأميركية يقول إن الجماعات الشيعية الموالية لإيران كانت تبدي حماسة كبيرة في معرفة كل شيء يتعلق بما كان يعد تاج الطيران العسكري في المنطقة.

ويقول المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، إن «امتلاك العراق هذه الطائرات لم يكن حدثاً عادياً لتلك الجماعات؛ ما يعني أن إيران لم تكن مرتاحة أيضاً لوجودها ضمن أسطول الجو الوطني، على الأغلب لأنها تشكل تهديداً لنفوذها».

وكان هناك صراع خفي بين الجهات السياسية المتنفذة في العراق حول معرفة تفاصيل الطائرة والجهات التي يمكنها تشغيلها، وغالباً ما كان الأميركيون يحتكرون جزءاً كبيراً من قرارات التحليق والاستهداف، كما فهمت «الشرق الأوسط» من أجواء أميركية.

مع ذلك، يقول ضباط عراقيون، إن المؤسسة العسكرية العراقية ورغم وقوعها بين خصمين يتصارعان على النفوذ، فإنها لا تزال «تكافح للمحافظة على أصولها وعلى سرية المعلومات المرتبطة الأمن القومي».

طائرات عسكرية خلال عرض جوي في قاعدة بلد أبريل 2024 (أ.ف.ب)

«سيناريو القيامة»

يقول المسؤول العراقي، إن «معركة ضروس اشتدت في السنوات الماضية حول معلومات الطائرة بين الإيرانيين والأميركيين؛ إذ مضت جماعات مسلحة في محاولات متكررة للتلصص على كل ما يتعلق بأنظمة هذه الطائرات».

وتفيد شخصيات من داخل تحالف «الإطار التنسيقي»، لديها استياء من جماعات شيعية أصولية، بأن هناك مخاوف جدية من «انقلاب على ما تبقى من الدولة».

وقال أحدهم، إن «ما إن تنتهي الحرب مع إيران، تتجهز الفصائل المسلحة لسيناريو (القيامة)، باحتكار كل الأصول العسكرية التابعة للدولة، ومن خلفهم دعم سياسي وحكومي بتمثيل نيابي واسع، وحضور قوي في المؤسسات الرسمية».

وكانت «الشرق الأوسط» قد كشفت عن خطة وضعتها قيادات في «الحرس الثوري» الإيراني لـ«معركة أخيرة»، تتضمن «إجراء تغييرات حادة على النظام السياسي والأمني في العراق، باتجاه إلغاء قواعد الاشتباك مع اللاعبين الدوليين، وتأميم ما تبقى من المواقع الأمنية التي لم يشغلها بعد أشخاص موالون لإيران».

ولاحقاً، في 30 مارس 2026، صرح قائد «فيلق القدس» الذراع الخارجية في «الحرس الثوري» إسماعيل قاآني، بأن «غرفة العمليات الحربية للمقاومة أسهمت في نظام جديد بالمنطقة».

ويتفق المسؤول العراقي السابق مع أن «محاولات سابقة من هذه الجماعات المسلحة كانت قد باءت بالفشل، لكن يمكن النظر إليها اليوم بوصفها تمريناً طويلاً، وقد حان الوقت لاستغلال دروسه في الحرب، مع انكشاف الساحة العراقية أمام الإيرانيين».


اغتيالات مدعومة بالذكاء الاصطناعي... كيف تمكنت إسرائيل من استهداف قادة إيران؟

لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)
لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)
TT

اغتيالات مدعومة بالذكاء الاصطناعي... كيف تمكنت إسرائيل من استهداف قادة إيران؟

لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)
لافتة تكريمية في شارع بطهران للمرشد الإيراني الراحل علي خامنئي ولقادة آخرين قتلوا في بداية الحرب (رويترز)

بينما اجتمع القادة العسكريون الأميركيون والإسرائيليون لوضع خطة الحرب مع إيران، تداولوا كيفية تقسيم المسؤولية عن مجموعة من الأهداف، بما في ذلك بطاريات الصواريخ والقواعد العسكرية والمواقع النووية.

وحسب صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، فمن الواضح أن القادة اتفقوا على تولي إسرائيل مهمة ملاحقة قادة إيران وقتلهم، التي رأوا أنها «مهمة شاقة».

لكن يبدو أن إسرائيل نفّذت هذه المهمة بكفاءةٍ، حيث قتلت المرشد الإيراني علي خامنئي في الهجوم الأول للحرب، وأكثر من 250 مسؤولاً إيرانياً رفيع المستوى منذ ذلك الحين، وفقاً لإحصاءات الجيش الإسرائيلي.

وجاءت الضربة الأخيرة يوم الخميس عندما أعلنت إسرائيل مقتل علي رضا تنغسيري، قائد القوات البحرية لـ«الحرس الثوري» الإيراني.

لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي في أحد شوارع طهران (رويترز)

منظومة اغتيال مطوّرة بالذكاء الاصطناعي

تعتمد حملة الاغتيالات الإسرائيلية على منظومة اغتيالات أمضت إسرائيل عقوداً في بنائها، لكنها طورتها خلال السنوات القليلة الماضية لتصل إلى مستويات جديدة من «الكفاءة الفتاكة»، وفقاً لمسؤولين عسكريين واستخباراتيين إسرائيليين رفيعي المستوى.

وتتضمّن المنظومة مصادر وقدرات مراقبة داخل إيران، تشمل عناصر من داخل النظام تم تجنيدهم للتجسس لصالح إسرائيل، بالإضافة إلى اختراقات إلكترونية لآلاف الأهداف، بما في ذلك كاميرات الشوارع ومنصات الدفع، وأيضاً مراكز الإنترنت الحيوية التي تتحكم الحكومة من خلالها في الاتصالات، وتستطيع عن طريقها حجب الإنترنت عن مواطنيها عند الحاجة.

ويجري تحليل هذه البيانات وغيرها بواسطة ما وصفه مسؤولون إسرائيليون بمنصة ذكاء اصطناعي جديدة سرية، مُبرمجة لاستخلاص معلومات حول حياة القادة وتحركاتهم.

وأوضح مدير أبحاث إيران في معهد الدراسات الأمنية القومية، راز زمّيت، للصحيفة أن «التقدم في الذكاء الاصطناعي منح إسرائيل طريقة للاستفادة من بيانات كانت متاحة دائماً، لكنها كانت مستحيلة المعالجة سابقاً».

مخاوف من تحول الاغتيالات إلى استراتيجية مستمرة

يثير خبراء أمنيون مخاوف من أن إتقان إسرائيل المتزايد لعمليات الاغتيال المستهدف قد يخلق اعتماداً مفرطاً على هذه الطريقة، ويؤدي إلى توسيع نطاق الأشخاص الذين يمكن استهدافهم.

وقال خبير السياسة النووية والأمنية الإسرائيلية في معهد «كارنيغي» للسلام الدولي، أرييل ليفيت: «لقد تم تجاوز الحد بتحويل هذه الاغتيالات إلى استراتيجية دائمة بدل أن تكون ضرورة عملياتية عرضية».

وأشار ليفيت إلى أن توزيع المهام في الحرب الحالية يعطي الانطباع بأن «الولايات المتحدة اعتمدت على إسرائيل للقيام بالأعمال القذرة في الحرب»، مضيفاً أن الموقف الأميركي يبدو وكأنه «لا نستطيع قتلهم، لكن سنكون سعداء جداً إذا فعلتم أنتم ذلك».

وقال مسؤول أميركي مطلع على عمليات الحملة إن مسؤولية إسرائيل عن اغتيالات القادة تعكس ترتيباً عملياً بين الطرفين، مضيفاً: «نعمل معاً، لكن لكل طرف أهدافه الخاصة». وأوضح المسؤولون أن هذا التقسيم يعكس قدرات كل طرف وليس أي مانع قانوني، مشيرين إلى أن الولايات المتحدة نفذت في السابق عمليات اغتيال مستهدفة بنفسها، بما في ذلك قتل الجنرال قاسم سليماني القائد السابق لـ«فيلق القدس» عام 2020.

ومن جهته، وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضربات التي استهدفت قادة إيران بأنها عمل مشترك. وقال للصحافيين الأسبوع الماضي: «قتلنا جميع قادتهم، ثم اجتمعوا لاختيار قادة جدد، فقتلناهم جميعاً». وأكد أن هدف تغيير النظام قد تحقق، لأن «القادة الحاليين مختلفون تماماً عن أولئك الذين بدأنا معهم».

خبرات إسرائيل السابقة

استفادت إسرائيل من خبرتها السابقة في غزة ولبنان وإيران، مستخدمة طائرات مسيرة وصواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت وحتى عبوات تم زرعها مسبقاً للتفجير لاحقاً.

وقال مسؤول إسرائيلي: «منذ سنوات، كل شيء يمكن اختراقه حاولنا اختراقه، من المكالمات الهاتفية إلى كاميرات المرور إلى أنظمة الأمن الداخلية».

لكن على الرغم من دقة المعلومات الإسرائيلية، فإن بعض الضربات لم تحقق أهدافها بالكامل. ففي مارس (آذار)، قُصف مقر مجلس خبراء إيران في قم في حين كان أعضاؤه يعقدون اجتماعهم عبر الإنترنت، فلم يصب أحد بأذى.

ويقول خبراء إن إيران بدأت اتخاذ إجراءات أكثر صرامة للتصدي للاختراقات التي تتعرض لها، مثل الحد من استخدام الهواتف من قِبل الحراس الأمنيين، وهو ما يمثل تحدياً مؤقتاً للاستخبارات الإسرائيلية.

Your Premium trial has ended


منظمة حقوقية: تجنيد «الحرس الثوري» أطفالاً يرقى إلى جريمة حرب

تدريبات لطلبة ينظمها جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (أرشيفية - تسنيم)
تدريبات لطلبة ينظمها جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (أرشيفية - تسنيم)
TT

منظمة حقوقية: تجنيد «الحرس الثوري» أطفالاً يرقى إلى جريمة حرب

تدريبات لطلبة ينظمها جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (أرشيفية - تسنيم)
تدريبات لطلبة ينظمها جهاز «الباسيج» الذراع التعبوية لـ«الحرس الثوري» (أرشيفية - تسنيم)

قالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إن «الحرس الثوري» الإيراني صعّد تجنيد الأطفال ضمن حملة تعبئة داخلية، محذرةً من أن إشراك من هم في سن 12 عاماً في أنشطة عسكرية أو شبه عسكرية يمثل انتهاكاً جسيماً لحقوق الطفل، ويُعد جريمة حرب عندما يكون الأطفال دون الخامسة عشرة.

وأضافت المنظمة، في تقرير جديد، أن حملة تحمل اسم «المدافعون عن الوطن من أجل إيران» خفضت الحد الأدنى لسن التجنيد إلى 12 عاماً، في وقت تتعرض فيه إيران لهجمات أميركية وإسرائيلية واسعة. وقالت إن وجود الأطفال في منشآت أو مهام ذات طابع عسكري يُعرِّضهم مباشرةً لخطر القتل والإصابة.

ونقلت المنظمة عن بيل فان إسفلد، المدير المشارك لقسم حقوق الطفل فيها، قوله إنه «لا يوجد أي مبرر لحملة تجنيد عسكرية تستهدف تسجيل الأطفال، ناهيك بالأطفال في عمر 12 عاماً». وأضاف أن السلطات الإيرانية «تبدو مستعدة للمخاطرة بحياة الأطفال من أجل الحصول على قوى عاملة إضافية».

وحسب التقرير، أعلن رحيم نادعلي، المسؤول في «فرقة محمد رسول الله 27» التابعة لـ«الحرس الثوري» في طهران، في 26 مارس (آذار)، أن الحملة مفتوحة أمام المدنيين ابتداءً من سن 12 عاماً. وقال إن المتقدمين يمكنهم التسجيل في مساجد طهران التي تضم قواعد لـ«الباسيج» الخاضعة لقيادة «الحرس الثوري».

رجل أمن يقف فوق سيارة في طهران (أ.ب)

وذكرت المنظمة أن الحملة لا تقتصر على المهام الخدمية، بل تشمل أيضاً أدواراً أمنية وميدانية. وقالت إن المتطوعين قد يشاركون في الطهي، والرعاية الطبية، وتوزيع المواد، والتعامل مع المنازل المتضررة، إضافةً إلى تشغيل نقاط التفتيش، والدوريات العملياتية، ودوريات الاستطلاع، ومرافقة قوافل المركبات.

وأورد التقرير أن نادعلي قال في مقابلة تلفزيونية إن «المراهقين والشباب» يطلبون المشاركة في «الدوريات الاستخبارية والعملياتية»، وكذلك في حواجز «الباسيج» المنتشرة في المدن. وأضاف أن كثرة الطلب من «الأطفال في سن 12 و13 عاماً» دفعت إلى تثبيت هذا العمر حداً أدنى للانضمام.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن الملصق الدعائي للحملة، الذي نشرته وكالة أنباء إيرانية، يُظهر طفلين، صبياً وفتاة، إلى جانب شخصين بالغين، أحدهما يرتدي زياً عسكرياً، فيما عدّته المنظمة مؤشراً إضافياً إلى أن الحملة تستهدف القُصّر بشكل صريح.

يأتي ذلك في وقت تحدثت فيه تقارير أخرى عن استعدادات داخلية إيرانية لاحتمال اتساع الحرب، من بينها إطلاق حملة لتجنيد «فدائيين» متطوعين عبر رسائل نصية وُجِّهت إلى مشتركي الهواتف المحمولة، جاء فيها أن «حملة الفدائيين الوطنية» أُطلقت «لإعلان الاستعداد للدفاع عن أراضي البلاد». كما رفعت السلطات درجات التأهب عبر توسيع التفتيش وانتشار قوات أمن ملثمة في عدة مدن.

والاثنين، أفادت المنظمتان الحقوقيتان «هنجاو» و«هرانا» بمقتل علي رضا جعفري، وهو تلميذ في الصف الخامس، في 29 مارس 2026 عند نقطة تفتيش في طهران، خلال هجوم بطائرة مسيرة إسرائيلية.

وقالت والدة الطفل، البالغ 11 عاماً، إن والده اصطحبه إلى نقطة التفتيش بسبب نقص في العناصر. وأضافت أن الأب كان موجوداً في الموقع عند وقوع الهجوم، وأنه أُصيب خلاله. وأكد «باسيج المعلمين» وفاة الطفل في أثناء وجوده في نقطة التفتيش.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن الأطفال في إيران تعرضوا بالفعل لهجمات غير قانونية خلال الحرب. وذكرت أنها خلصت إلى أن الهجوم الذي استهدف مدرسة ابتدائية في ميناب في 28 فبراير (شباط)، وأدى إلى مقتل عشرات التلاميذ ومدنيين آخرين، ينبغي التحقيق فيه بوصفه جريمة حرب. وأضافت أن تقريراً عسكرياً أميركياً أولياً نسب المسؤولية عن الهجوم إلى الولايات المتحدة.

عناصر جهاز «الباسيج» يقفون عند نقطة تفتيش في طهران الاثنين (أ.ب)

وأشار التقرير إلى أن تجنيد الأطفال في إيران ليس جديداً. وقالت المنظمة إن السلطات جنَّدت لسنوات أطفالاً دون 18 عاماً في جهاز «الباسيج»، كما أرسل «الحرس الثوري» أطفالاً مهاجرين أفغاناً يعيشون في إيران للقتال في سوريا دعماً لحكومة بشار الأسد. وأضافت أنها وثقت سابقاً مقتل فتيان لا تتجاوز أعمار بعضهم 14 عاماً في تلك المعارك.

كما ذكّرت المنظمة بأن مسؤولين إيرانيين أقروا بأن السلطات جندت في الثمانينات مئات آلاف الأطفال للقتال في الحرب العراقية - الإيرانية، وقُتل عشرات الآلاف منهم. وقالت إن هذه السوابق تجعل الحملة الحالية أكثر إثارةً للقلق، خصوصاً مع اتساع العمليات العسكرية داخل إيران.

وقالت «هيومن رايتس ووتش» إن القوانين الإيرانية، وكذلك التزامات إيران الدولية، لا تبرر هذا المسار. وأشارت إلى أن «اتفاقية حقوق الطفل» تحظر تجنيد الأطفال دون الخامسة عشرة، فيما ينص البروتوكول الاختياري الملحق بها على أن 18 عاماً هو الحد الأدنى للمشاركة المباشرة في الأعمال العدائية، رغم أن إيران وقَّعت عليه ولم تصدق عليه.

وقال إسفلد إن المسؤولين الضالعين في هذه السياسة «يُعرضون الأطفال لخطر أذى جسيم لا يمكن إصلاحه، ويُعرِّضون أنفسهم لخطر المسؤولية الجنائية»، مضيفاً أن القادة الذين لا يوقفون هذه الممارسة «لا يمكنهم الادعاء أنهم يكترثون لأطفال إيران».

Your Premium trial has ended