وزير يتهم نتنياهو وباراك بقتل «أوسلو»... مع نشر بروتوكول جلسة إقراره

رابين وبيرس شككا في نيات عرفات وأوصيا بالاستمرار

أرشيفية لجلسة الحكومة الإسرائيلية التي أقرت اتفاقيات أوسلو (مكتب الصحافة الحكومي)
أرشيفية لجلسة الحكومة الإسرائيلية التي أقرت اتفاقيات أوسلو (مكتب الصحافة الحكومي)
TT

وزير يتهم نتنياهو وباراك بقتل «أوسلو»... مع نشر بروتوكول جلسة إقراره

أرشيفية لجلسة الحكومة الإسرائيلية التي أقرت اتفاقيات أوسلو (مكتب الصحافة الحكومي)
أرشيفية لجلسة الحكومة الإسرائيلية التي أقرت اتفاقيات أوسلو (مكتب الصحافة الحكومي)

سمح أرشيف الدولة في إسرائيل، بنشر محضر الاجتماع التاريخي لحكومة إسحاق رابين، والذي تمت فيه المصادقة على اتفاقيات أوسلو، وسط شكوك كبيرة حيال نيات الرئيس الفلسطيني، ياسر عرفات، وصرح حاييم رامون، الذي كان وزيرا للصحة في تلك الحكومة قبل 30 عاما، بأن مقتل اتفاقيات أوسلو وانفجار الانتفاضة الثانية، عمليا، هما بسبب إيهود باراك وبنيامين نتنياهو.

وقال رامون، إن البروتوكول يبين بشكل واضح، أن باراك، الذي كان في ذلك الوقت رئيسا لأركان الجيش، عارض اتفاقيات أوسلو منذ اللحظة الأولى. وعندما صار وزيرا للداخلية فيما بعد صوت ضد القسم الثاني من هذه الاتفاقيات. وعندما صار رئيسا للحكومة عام 1999 وحضر كامب ديفيد تسبب في مأساة، إذ خرج بتصريحات أنه «لا يوجد شريك فلسطيني لعملية سلام».

وأما نتنياهو، فقد صرح «سوف نوقف عملية (أوسلو)، ولدينا القدرة على إيقافها»، ثم عندما انتخب رئيسا للحكومة عام 1996، قضى على ما تبقى من أوسلو بالممارسات على الأرض. وأكد رامون أنه لو لم يتم اغتيال رابين عام 1995، ومضت إسرائيل على طريقته التي اتسمت بالتقدم في المسار السلمي، بحذر رغم تزايد الشكوك، «لما انفجرت الانتفاضة الثانية ولربما كانت أوسلو تكللت بالنجاح».

نشطاء «السلام الآن» الإسرائيليون بميدان إسحاق رابين بتل أبيب مطالبين باستقالة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بعد خمس سنوات من توقيع اتفاقيات أوسلو (غيتي)

وانضم إلى رامون، في هذه التقييمات، عدد آخر من السياسيين الإسرائيليين الباقين على قيد الحياة ممن كانوا وزراء في تلك الفترة، مثل أبرهام بايجا شوحط، وزير المالية، وميخا حريش، وزير التجارة والصناعة، وعوزي برعام، وزير السياحة، وأجمعوا على أن أوسلو كانت مغامرة كبيرة بالنسبة لإسرائيل، لكنها حملت في طياتها أيضا «فرصة تاريخية تمت إضاعتها لاحقا».

المصافحة التاريخية برعاية الرئيس كلينتون بين ياسر عرفات وإسحاق رابين بعد اتفاق أوسلو بواشنطن 13 سبتمبر 1993 (غيتي)

يذكر أن جلسة الحكومة التي أقرت فيها هذه الاتفاقيات عقدت في مثل هذا اليوم قبل 30 عاما، 30 أغسطس (آب) 1993، برئاسة رابين. وقد بقي بروتوكول تلك الجلسة المؤلف من 80 صفحة «سريا للغاية» طيلة هذه المدة. وفقط الآن سمحت الحكومة بنشر مقاطع واسعة منه، وأبقت على أجزاء معينة من النص محظورة «لأسباب تتعلق بأمن الدولة»، ولا يمكن أن تنشر إلا بعد 20 أو 60 عامًا.

مخاوف من السلاح

ويكشف المحضر أنه من بين أعضاء الحكومة الـ18 في ذلك الوقت، صوت 16 لصالح الموافقة على اتفاقات أوسلو وامتنع اثنان عن التصويت: أرييه درعي، الذي كان وزيرا للداخلية عن حزب «شاس» لليهود الشرقيين المتدينين، وشمعون شطريت، الذي كان وزيرا للقضاء عن حزب «العمل». وكلاهما أكد أنهما تأثرا سلبا من الشكوك الأمنية التي أبداها رابين وباراك وحتى شمعون بيرس، وزير الخارجية، حول هذه الاتفاقيات، فقد تحدث ثلاثتهم عن مخاوف من تسليم أسلحة لجهاز الأمن الفلسطيني، ومن عمليات تقوم بها حركة حماس التي تعارض أي عملية سلام.

ويتضح من البروتوكول أنه في بداية الجلسة قال رابين «هذا ليس اتفاقا بسيطا. كل اتفاق حكم ذاتي معقد بسبب الظروف ليس في صياغته، ولكن في طريقة تنفيذه. وهو يترجم على أرض الواقع في واقع معقد، ويتضمن أيضا صيغا غير لطيفة. ولكن علينا أن نرى جميع المكونات المختلفة في رؤية أكثر شمولية».

وأضاف: «بالنسبة لي، هذا اختبار لقدرة العناصر المؤيدة للسلام التي تدعم منظمة التحرير الفلسطينية على التعامل مع حركة حماس الرافضة. ليس هناك يقين. فقط الجيش الإسرائيلي موجود وهناك إغلاق على غزة من كل الاتجاهات».

وقال وزير الإسكان، بنيامين بن أليعيزر، وهو جنرال سابق، إن هزيمة حماس ممكنة «فإذا تمكن ملك الأردن من هزيمة حماس وتيارها، فإن منظمة التحرير الفلسطينية ستكون قادرة على ذلك أيضاً».

شاب فلسطيني برام الله يرمي حجراً على دوريات الجنود الإسرائيليين في سبتمبر 2002 في ذكرى الانتفاضة الثانية (غيتي)

الشرطة لعرفات والأسلحة لحماس

وأيد وزير الخارجية، بيرس، كلام بن أليعيزر بقوله: «هناك التزام صريح عند التوقيع على إعلان المبادئ بأن يصدر عرفات إعلاناً عن وقف الإرهاب». ويضيف بيرس الذي يعتبر الأكثر عملا في سبيل الاتفاق: «أعتقد أنه في حال أعطوا عرفات الأسلحة، وأعطوه الشرطة، سيكون قادرا. انظروا إلى الوضع السخيف الذي نعيشه: من منظمة التحرير الفلسطينية تأخذون الشرطة، بينما تتركون الأسلحة لحماس. لنفترض أن ما يريده زعيم حماس تحقق واختفت منظمة التحرير في البحر، مع من سنتحدث وسنتفاوض؟».

ثم يؤكد بيرس أنه يجب تجنب إخلاء المستوطنات. وقال «من المتفق عليه أن المستوطنات ستبقى كما هي حتى في قطاع غزة... ولن يتم تدمير أي مستوطنة».

في هذه اللحظة، يتدخل رئيس أركان الجيش باراك في الحديث، ويقول: «في القراءة الأولى للاتفاقات من حيث المبدأ، ألاحظ وجود مشاكل خطيرة للغاية في تنفيذ العنصر الأمني، في منطقة غزة، وفي أريحا أكثر من غزة. إن ما يرد من كلام عن حسن النية وكفاءة الشرطة الفلسطينية ليست سوى فرضيات (...). وفيما يتعلق بجهاز الاستخبارات الذي سينشئه الفلسطينيون، فإن الاتفاقيات تنص على تعاون محدود للغاية معه. كما تنص الاتفاقيات على أن العناصر المتطرفة بين الفلسطينيين ستحاول نسف الاتفاق، والأمر نفسه سيحصل في المجتمع الإسرائيلي» (قبل يوم من تلك الجلسة، ألقيت قنبلة صوت على منزل الوزير درعي. وقال وزير الشرطة: «الأجواء تشير إلى إمكانية تدفق الدماء»).

واختتم رابين الجلسة قائلا: «لقد ناقشت مع رئيس الأركان، إيهود باراك، التبعات الأمنية لشكل من أشكال الحكم الذاتي (بسلطة قضائية ودون سلطة قضائية). إنه لمن الضروري إقامة شراكة مع الفلسطينيين، في حين أنه من غير المعروف على وجه اليقين كيف سيتصرفون في السيطرة. تخيل أننا نترك غزة أولاً، أعتقد أننا سنفعل ذلك على مراحل. أنا متأكد من أن مدينة غزة ستكون الأولى. ربما سنبدأ بمخيمات اللاجئين. سيتعين علينا المضي قدماً على مراحل لنرى ما إذا كان (الفلسطينيون) سيسيطرون على السلطة أم لا ومن سيتولى السلطة. سيكون لديك بعد ذلك مجال للتعرف على هؤلاء القادة والتحدث معهم».

يذكر أن بيرس وقع على اتفاقيات أوسلو بعد أسبوعين من هذه الجلسة مع الرئيس الفلسطيني الحالي محمود عباس في 13 سبتمبر 1993 في حديقة البيت الأبيض، وبحضور رابين وعرفات، وتحت رعاية الرئيس الأميركي بيل كلينتون الذي دفع كليهما إلى المصافحة التاريخية الشهيرة.


مقالات ذات صلة

إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

المشرق العربي الجيش الإسرائيلي خلال مداهمة عسكرية في حي كفر عقب جنوب مدينة رام الله يوم الاثنين (أ.ف.ب)

إسرائيل تحجب أموال المقاصة عن الفلسطينيين... وأزمة السلطة تتعمق

قرر وزير المالية الإسرائيلي، بتسلئيل سموتريتش، عدم تحويل أي أموال من العوائد الضريبية (المقاصة) التابعة للسلطة الفلسطينية لهذا الشهر في تعميق للأزمة المستمرة.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي فلسطينيون بغزة يبكون على جثامين مدنيين سقطوا في غارة إسرائيلية شمال القطاع يوم الأحد (د.ب.أ)

«فتح» تهيمن على نتائج المحليات وتراها «استفتاءً» على نهجها

أظهرت نتائج الانتخابات المحلية الفلسطينية التي أجريت في الضفة، هيمنة لمرشحي حركة «فتح» على معظم المجالس البلدية، بينما غاب الحسم للمنافسة في دير البلح وسط غزة.

كفاح زبون (رام الله) «الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي الرئيس عباس يدلي بصوته في الانتخابات المحلية الفلسطينية في رام الله السبت (الرئاسة الفلسطينية)

انتخابات محلية فلسطينية... «بروفة» النظام السياسي الجديد

الفلسطينيون ينتخبون في أول انتخابات منذ الحرب وتكتسب أهميتها في أنها شملت جزئياً قطاع غزة وتستجيب لمطالب إصلاح وتؤسس لنظام سياسي جديد.

كفاح زبون (رام الله)
المشرق العربي عرب البرغوثي نجل القيادي الفلسطيني مروان البرغوثي خلال مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) p-circle

عرب البرغوثي: والدي مروان يمكنه قيادة «تجديد ديمقراطي» في فلسطين

لا يزال مروان البرغوثي، رغم مُضيّ 24 عاماً على اعتقاله، يشكّل رمزاً جامعاً للشعب الفلسطيني وقضيّته، كما يقول نجله عرب، في مقابلة مع «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص صبي فلسطيني يمر قرب لافتات لمرشحي الانتخابات المحلية في دير البلح بوسط غزة الثلاثاء (أ.ف.ب) p-circle 02:00

خاص غزة تستعد لأول انتخابات محلية منذ عقدين

تشهد مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أول انتخابات محلية على مستوى القطاع منذ عقدين تقريباً؛ في مشهد انتخابي ينطلق السبت، بالتزامن مع الضفة الغربية.

«الشرق الأوسط» (غزة)

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
TT

يهود متشددون يقتحمون منزل قائد الشرطة العسكرية بإسرائيل رفضا للتجنيد

 محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)
محتج من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد يحمل لافتة أثناء احتجاجه مع آخرين ضد التجنيد الإجباري (ا.ف.ب)

اقتحمت مجموعة محتجين من اليهود المتشددين الرافضين للتجنيد منزل قائد الشرطة العسكرية الإسرائيلية الثلاثاء، واعتصموا في حديقته احتجاجا على إجراءات لمعاقبة من يرفضون الاستجابة لاستدعاءات التجنيد.

ويأتي ذلك بعدما أمرت المحكمة العليا الإسرائيلية الأحد الدولة بوقف المزايا المالية الممنوحة لليهود المتشددين الذين يتجنبون الخدمة العسكرية، وبالشروع في ملاحقات جنائية بحقهم.

وأثار التحرك إدانات غاضبة من القيادات العسكرية والسياسية.

وأظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي عشرات من الرجال المتشددين يهتفون داخل حديقة منزل قائد الشرطة العسكرية يوفال يمين في عسقلان، بينما كان داخل المنزل مع عائلته، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية.

وقال رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو «أدين بشدة الهجوم الوحشي والعنيف على رئيس الشرطة العسكرية، وأطالب باتخاذ إجراءات حازمة بحق الضالعين».

من جهته، ندّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بـ«الاقتحام المتعمّد» لمنزل يمين «في وقت كانت عائلته داخله»، معتبرا أن أي محاولة للمساس بأفراد الأجهزة الأمنية تمثّل «تجاوزا لخط أحمر».

ويتمتع اليهود المتشددون منذ قيام إسرائيل عام 1948 بإعفاء من الخدمة العسكرية الإلزامية شرط التفرغ للدراسية الدينية.

لكن المحكمة العليا طعنت مرارا في هذا الاستثناء خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى حكم صدر في 2024 يُلزم الحكومة تجنيدهم.

غير أن نتانياهو يعتمد على دعم الأحزاب المتشددة للبقاء في السلطة، ما دفعه إلى معارضة إنهاء هذا الإعفاء.

ويمثل الحريديم 14 في المائة من السكان اليهود في إسرائيل، ومنهم 66 ألف رجل في سن الخدمة العسكرية.

ومع الحكم الأخير، تأمر المحكمة عمليا بوقف الإعانات التي تتيح لليهود المتشددين تخفيضات على الضرائب المحلية ووسائل النقل العامة ورعاية الأطفال.


الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)
TT

الرئيس الإسرائيلي يدعو لمحادثات تمهّد للنظر في عفو عن نتنياهو

بنيامين نتنياهو (رويترز)
بنيامين نتنياهو (رويترز)

دعا الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ محامي رئيس الوزراء والادعاء العام إلى اجتماع في مقر إقامته، بحسب ما أعلن مكتبه الثلاثاء، في وقت يدرس طلب عفو في إطار محاكمات الفساد الجارية بحق بنيامين نتنياهو.

ويواجه نتنياهو اتهامات في قضيتين بمحاولة الحصول على تغطية إعلامية إيجابية من وسائل إعلام إسرائيلية، إضافة إلى قضية ثالثة يُتّهم فيها بتلقي أكثر من 260 ألف دولار في شكل هدايا فاخرة من مليارديرات مقابل خدمات سياسية. وقد أُسقطت عنه تهمة رابعة بالفساد.

وقالت المستشارة القانونية للرئيس ميخال تسوك-شافير في رسالة إلى الأطراف إن هرتسوغ «يرى أنه قبل ممارسة صلاحياته في ما يتعلق بالطلب المقدّم بشأن رئيس الوزراء، ينبغي بذل كل جهد لعقد محادثات بين الأطراف للتوصل إلى تفاهمات».

ووجّهت الرسالة إلى محامي نتنياهو عميت حداد، والمدعية العامة غالي بهاراف-ميارا، والمدعي العام للدولة عميت آيسمان، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

ويعدّ نتنياهو الذي نفي مرارا ارتكاب أي مخالفات، أول رئيس وزراء إسرائيلي في منصبه يمثل أمام القضاء بتهم فساد. ولطالما وصف الإجراءات القضائية التي بدأت عام 2019 بأنها «محاكمة سياسية».

وأوضح مكتب هرتسوغ أن هذه المحادثات تشكّل «مجرد خطوة تمهيدية قبل أن ينظر الرئيس في استخدام صلاحية العفو».

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد تطرق إلى القضية مباشرة في خطاب أمام الكنيست في أكتوبر (تشرين الأول)، داعيا هرتسوغ إلى منحه العفو. وأرسل لاحقا رسالة رسمية يطلب فيها العفو عن نتنياهو، أعقبها طلب رسمي من محامي الأخير.

واستؤنفت محاكمة نتنياهو قبل أسبوعين بعد رفع القيود الطارئة التي فُرضت خلال الحرب مع إيران.


«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
TT

«الحرس الثوري» يستحوذ على سلطة الحرب ويضعف دور المرشد

إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)
إيرانيون يمرون أمام ملصق للمرشد مجتبى خامنئي في طهران الثلاثاء (إ.ب.أ)

بعد شهرين من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تعد إيران تملك حاكماً واحداً غير منازع في قمة السلطة، في قطيعة مفاجئة عن إرث الماضي قد تدفع طهران إلى مزيد من التصلب، بينما تدرس استئناف المحادثات مع واشنطن.

منذ تأسيسها عام 1979، دارت المؤسسة الحاكمة في فلك مرشد يملك السلطة النهائية في كل القضايا الرئيسية للدولة، لكن مقتل المرشد علي خامنئي في اليوم الأول من الحرب، وصعود نجله الجريح مجتبى، أدخلا البلاد في نظام مختلف يهيمن عليه قادة «الحرس الثوري»، ويتسم بغياب مرجعية حاسمة وذات سلطة نافذة لاتخاذ القرار، حسب تحليل لوكالة «رويترز».

ولا يزال مجتبى خامنئي في قمة النظام، لكن 3 مصادر مطلعة على المداولات الداخلية قالت إن دوره يقتصر إلى حد كبير على إضفاء الشرعية على القرارات التي يتخذها جنرالاته، لا إصدار التوجيهات بنفسه.

ويقول مسؤولون ومحللون إيرانيون إن ضغوط الحرب أدت إلى تركيز السلطة في دائرة داخلية أضيق من المحافظين المتشددين، متجذرة في المجلس الأعلى للأمن القومي، ومكتب المرشد، و«الحرس الثوري»، الذي بات يهيمن على الاستراتيجية العسكرية والقرارات السياسية الرئيسية.

وقال مسؤول حكومي باكستاني كبير أُطلع على محادثات السلام بين إيران والولايات المتحدة التي تتوسط فيها إسلام آباد: «الإيرانيون بطيئون بشكل مؤلم في ردودهم». وأضاف: «يبدو أنه لا توجد هيكل قيادي واحدة لاتخاذ القرار. أحياناً يستغرق الأمر يومين أو 3 أيام كي يردوا».

عراقجي يستقبل قائد الجيش الباكستاني عاصم منير في طهران الأسبوع الماضي

وقال محللون إن العقبة أمام التوصل إلى اتفاق ليست الصراعات الداخلية في طهران، بل الفجوة بين ما تستعد واشنطن لتقديمه، وما كان «الحرس الثوري» المتشدد مستعداً لقبوله.

وكان وزير الخارجية عباس عراقجي الوجه الدبلوماسي لإيران في المحادثات مع الولايات المتحدة، وانضم إليه أخيراً رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قيادي في «الحرس الثوري» ورئيس بلدية طهران سابقاً ومرشح رئاسي، وقد برز خلال الحرب بوصفه قناة رئيسية بين النخب السياسية والأمنية والدينية في إيران.

لكن على الأرض، كان المحاور المركزي هو قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي، وفق مصدر باكستاني ومصدرين إيرانيين، الشخصية المحورية في إيران، بما في ذلك في الليلة التي أُعلن فيها وقف إطلاق النار.

ولم يظهر مجتبى علناً حتى الآن. وقال مصدران مقربان منه إنه يتواصل من خلال مساعديه بـ«الحرس الثوري» أو عبر اتصالات صوتية محدودة بسبب قيود أمنية، وأصيب مجتبى بجروح بالغة في ساقه خلال الموجة الأولى من الغارات الإسرائيلية والأميركية على إيران، والتي قُتل فيها والده وعدد من أقاربه.

ولم ترد وزارة الخارجية الإيرانية بعد على طلب للتعليق على ما أثاره هذا المقال. ونفى مسؤولون إيرانيون في السابق وجود أي انقسامات بشأن المفاوضات مع الولايات المتحدة.

في قبضة قادة عسكريين

قدّمت إيران، الاثنين، مقترحاً جديداً إلى واشنطن، ويقول مسؤولون إيرانيون كبار إنه يتصور محادثات مرحلية، مع تنحية الملف النووي جانباً في البداية إلى أن تنتهي الحرب، وتُحل الخلافات بشأن الملاحة في الخليج العربي. وتصر واشنطن على ضرورة معالجة الملف النووي منذ البداية.

وقال آلان آير، الخبير في الشؤون الإيرانية والدبلوماسي الأميركي السابق، إن «أياً من الطرفين لا يريد التفاوض»، مضيفاً أن كلاً منهما يعتقد أن الوقت كفيل بإضعاف الطرف الآخر؛ إيران عبر ورقة الضغط في هرمز، وواشنطن عبر الضغط الاقتصادي والحصار.

وقال آير إن أياً من الطرفين لا يستطيع، في الوقت الراهن، أن يبدي مرونة؛ فـ«الحرس الثوري» حذر من الظهور بمظهر الضعف أمام واشنطن، بينما يواجه الرئيس دونالد ترمب ضغوط انتخابات التجديد النصفي، ولا يملك هامشاً كبيراً للمرونة من دون تكلفة سياسية.

وأضاف آير الذي شارك بالمفاوضات النووية خلال إدارة باراك أوباما من كثب: «بالنسبة إلى الطرفين، ستُفسر المرونة على أنها ضعف».

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

ولا يعكس هذا الحذر ضغوط اللحظة الراهنة فقط، بل الطريقة التي تمارس بها السلطة الآن داخل إيران. ورغم أن مجتبى هو رسمياً صاحب السلطة النهائية في إيران، فإنه، بحسب مطلعين، شخصية تصادق أكثر مما تقود؛ فهو يقر نتائج صيغت عبر توافق مؤسسي، ولا يفرض سلطته. ويقول هؤلاء إن السلطة الفعلية انتقلت إلى قيادة حرب موحدة تتمحور حول المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورفعت شخصيات متشددة، مثل المفاوض النووي السابق سعيد جليلي ومجموعة من النواب الراديكاليين، حضورها عبر خطاب حاد خلال الحرب، لكنها تفتقر إلى النفوذ المؤسسي اللازم لتعطيل القرارات أو تشكيل النتائج.

ويدين مجتبى بصعوده إلى «الحرس الثوري»، الذي همّش البراغماتيين ودعمه بوصفه حارساً موثوقاً به لأجندته المتشددة. وتقول مصادر مطلعة على دوائر صنع القرار الداخلية في البلاد لـ«رويترز» إن ازدياد هيمنة «الحرس الثوري»، الذي تعزز أصلاً بفعل الحرب، يشير إلى سياسة خارجية أكثر عدوانية وقمع داخلي أشد.

ويرى «الحرس الثوري» مدفوعاً بالتوجه الآيديولوجي الثوري ورؤية أمنية في المقام الأول، أن مهمته تتمثل في الحفاظ على الجمهورية الإسلامية في الداخل مع إظهار الردع في الخارج.

وهذه الرؤية، التي غالباً ما يتقاسمها متشددون في القضاء والمؤسسة الحاكمة، تعطي الأولوية لسيطرة مركزية صارمة ومقاومة الضغوط الغربية، خصوصاً في السياسة النووية ونفوذ إيران الإقليمي.

السلطة بيد القطاع الأمني

وقالت المصادر المقربة من دائرة الحكم أن آيديولوجيا «الحرس الثوري» تشكل في الواقع الاستراتيجية الرئيسية؛ إذ تبقى عملية صنع القرار راسخة في يده. وأضافت المصادر أنه مع دخول البلاد في حالة حرب ورحيل خامنئي، لا يملك أي طرف داخل النظام القوة أو النطاق لمقاومة ما يراه «الحرس الثوري»، حتى لو أراد ذلك.

ولم يعد الخيار أمام القيادة الإيرانية بين سياسة معتدلة وأخرى متشددة، بل بين التشدد وما هو أشد تشدداً. وقال مصدران إيرانيان قريبان من دوائر السلطة إن فصيلاً صغيراً قد يدفع باتجاه الذهاب أبعد، لكن «الحرس الثوري» أبقى هذا الاندفاع حتى الآن تحت السيطرة.

ويمثل هذا التحول إعادة ترتيب حاسمة للسلطة، من أولوية رجال الدين إلى هيمنة القطاع الأمني. وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأميركي السابق: «انتقلنا من سلطة رجال الدين إلى السلطة العسكرية... إلى نفوذ (الحرس الثوري). هكذا تحكم إيران».

إيرانية تسير بجانب نموذج رمزي لصاروخ «خيبر شكن» الباليستي في طهران الاثنين (رويترز)

وقال أليكس فاتانكا، الزميل البارز في معهد الشرق الأوسط، إن اختلافات في الرأي موجودة، لكن صنع القرار تركز حول المؤسسات الأمنية، مع قيام مجتبى بدور شخصية جامعة مركزية، لا صاحب قرار منفرد.

ورغم الضغط العسكري والاقتصادي المستمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تُظهر إيران أي مؤشرات إلى التصدع أو الاستسلام بعد نحو 9 أسابيع من الحرب

وأشار ميلر أيضاً إلى أنه لا توجد أدلة على وجود انقسامات جوهرية داخل النظام أو معارضة ذات مغزى في الشوارع.

ويشير هذا التماسك إلى أن القيادة باتت في يد «الحرس الثوري» والأجهزة الأمنية، التي تبدو كأنها تقود الحرب بدلاً من مجرد تنفيذ عمليات قتالية. وقال ميلر إن توافقاً استراتيجياً برز داخل النظام: تجنب العودة إلى حرب شاملة، والحفاظ على أوراق الضغط، خصوصاً في مضيق هرمز، والخروج من الصراع أقوى سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.