الصفقة الإيرانية-الأميركية لتبادل السجناء تترقب تحويل الأموال

أبحرت السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس باتان» في البحر الأحمر الثلاثاء الماضي (أ.ب)
أبحرت السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس باتان» في البحر الأحمر الثلاثاء الماضي (أ.ب)
TT

الصفقة الإيرانية-الأميركية لتبادل السجناء تترقب تحويل الأموال

أبحرت السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس باتان» في البحر الأحمر الثلاثاء الماضي (أ.ب)
أبحرت السفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس باتان» في البحر الأحمر الثلاثاء الماضي (أ.ب)

نقلت محطة «سي إن إن» عن مسؤول أميركي مطلع على المفاوضات الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، للتوصل إلى اتفاق على صفقة لإطلاق سراح 5 أميركيين محتجزين في إيران، أن وفوداً من البلدين اجتمعت في فنادق منفصلة في الدوحة، «بعضها على مرأى من بعض، ولكن ليس على مرمى البصر».

وقال المسؤول إن أياً من المحادثات المتقطعة التي جرت على مدار أكثر من عام لم تتم في اجتماعات وجهاً لوجه، في فنادق العاصمة القطرية.

وبدلاً من ذلك، كان الدبلوماسيون القطريون يتنقلون ذهاباً وإياباً في محاولة محمومة للتوصل إلى اتفاق لا يزال بعيد المنال بينهما. وكانت المحادثات غير المباشرة جزءاً من عملية استمرت عامين، وأدت إلى الاتفاق الذي تم الإعلان عنه هذا الأسبوع، وهو ما قد يعد اختراقاً دبلوماسياً محتملاً بين الخصمين اللدودين اللذين لا يتحدث أحدهما إلى الآخر.

ويوم الخميس، أسفرت تلك الجهود المكثفة عن أولى بوادر الاتفاق، عندما أفرجت إيران عن 4 أميركيين كانوا محتجزين في سجن إيفين سيئ السمعة، ونقلتهم إلى الإقامة الجبرية، مع سجين أميركي خامس يخضع للإقامة الجبرية أيضاً.

ونقلت «سي إن إن» عن مصادر مطلعة أن واشنطن رفضت المبادرات العلنية للتعامل مباشرة مع طهران بشأن هذه المسألة.

وتعامل المسؤولون الأميركيون مع المفاوضات على أساس أنه «لا توجد ضمانات» مع الإيرانيين. لكن عندما بدت الأمور وكأنها تسير على ما يرام، بدأت حكومة الولايات المتحدة في التواصل مع الكونغرس وأسر المحتجزين الأميركيين.

وبحسب المحطة، لم يدرك الجانب الأميركي أن الخطة كانت قيد التنفيذ، إلا قبل يومين من نقل المحتجزين إلى الإقامة الجبرية. وقال المصدر المطلع إن الولايات المتحدة كان لديها يوم الأربعاء «ما يبدو أنه معلومات ملموسة» بأن الخطوة الأولى في الصفقة، لنقل الأميركيين الأربعة من السجن، ستُتخذ يوم الخميس.

وقال المسؤول الأميركي إنه يوم الخميس كان المسؤولون الأميركيون على اتصال مباشر بالسفير السويسري في إيران للحصول على آخر المستجدات بشأن التقدم على الأرض. وترعى سويسرا المصالح الأميركية في إيران منذ 4 عقود.

مسار طويل لتحويل الأموال

ووصف المسار إلى الأمام الآن بأنه عملية تدريجية، حيث يؤكد المسؤولون الأميركيون أن المفاوضات غير المباشرة مستمرة وحساسة. وأحد مكونات الصفقة هو تبادل الأسرى المتوقع بين الولايات المتحدة وإيران، والآخر يتضمن إتاحة تحويل 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في حساب مقيد في كوريا الجنوبية، بسهولة أكبر، لـ«التجارة غير الخاضعة للعقوبات» للسلع مثل المواد الغذائية والأدوية، عن طريق نقلها إلى حسابات مقيدة في قطر.

وبحسب «سي إن إن»، قالت المصادر إن الأموال جاءت من مبيعات النفط التي تم السماح بها ووضعها في حسابات تم إنشاؤها في ظل إدارة ترمب.

وقالت مصادر مطلعة على الاتفاق إن عملية تحويل الأموال إلى قطر من المرجح أن تستغرق ما بين 30 و45 يوماً، وإن الأموال ستنقل عبر سويسرا قبل أن تصل إلى قطر.

وبحسب وكالة «أسوشييتدبرس»، فإن استغراق عملية تحويل الأموال هذا الوقت الطويل يعود إلى أن إيران لا تريد تجميد الأصول بالوون الكوري الجنوبي، الأقل قابلية للتحويل من اليورو أو الدولار.

ويقول المسؤولون الأميركيون إنه في حين أن كوريا الجنوبية توافق على هذا التحويل، فإنها تشعر بالقلق من أن تحويل 6 أو 7 مليارات دولار من الوون إلى عملات أخرى في وقت واحد، سيؤثر سلباً على سعر صرف عملتها والاقتصاد.

ولهذا تمضي كوريا الجنوبية ببطء، حيث تقوم بتحويل مبالغ أصغر من الأصول المجمدة لتحويلها في نهاية المطاف إلى البنك المركزي في قطر. بالإضافة إلى ذلك، وخلال تحويل الأموال، يتعين عليها تجنب المساس بالنظام المالي الأميركي لعدم التعرض للعقوبات الأميركية. لهذا فقد تم ترتيب سلسلة معقدة ستستغرق وقتاً طويلاً من التحويلات من خلال بنوك الدولة الثالثة.

وقال المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي، جون كيربي، الجمعة: «لقد عملنا بشكل مكثف مع الكوريين الجنوبيين في هذا الشأن، ولا يوجد عائق أمام حركة الحساب من كوريا الجنوبية إلى قطر».

كيربي خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، 17 يوليو الماضي (رويترز)

وفيما تصف إدارة بايدن عملية الوصول إلى هذه النقطة، مع الهدف النهائي المتمثل في تأمين إطلاق سراح الأميركيين، بأنها طريق طويلة، نقلت «سي إن إن» عن تلك المصادر أن إعادة الأميركيين إلى الوطن كانت أولوية منذ بداية ولاية الرئيس بايدن.

6 أم 16 مليار دولار

غير أن خبراء متخصصين في الشأن الإيراني، انتقدوا تلك الادعاءات، متهمين إدارة بايدن بأنها تقدم مليارات الدولارات لدعم أنشطة إيران. وقال ريتشارد غولدبرغ، نائب رئيس مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات على منصة «إكس» (تويتر سابقاً)، إن «المليارات هي لدعم مجموعة واسعة من الأنشطة غير المشروعة، والانتهاء من بناء منشأة جديدة محصنة تحت الأرض، و(ترسيخ) وصولها حالة العتبة النووية. إيران لا تتخلى عن أي شيء وتكسب كل شيء. هذا ليس تهدئة من أجل التهدئة، إنه كارثة». ورفض في تغريدة أخرى أن يكون المبلغ الذي سيتم الإفراج عنه هو فقط 6 مليارات دولار. وقال: «هناك بالفعل 10 مليارات دولار تم نقلها من العراق إلى عمان. لذا في الواقع نحن عند 16 مليار دولار الآن. لن يعلق أحد في صندوق النقد الدولي على مبلغ 7 مليارات دولار. هل ذهبت إلى إيران بالفعل؟». وتابع: «وزير الخارجية الإيراني كان في اليابان هذا الأسبوع، وطلب 3 مليارات دولار».

وقال هنري روم، الباحث المتخصص في الشأن الإيراني في معهد واشنطن، في تغريدات على منصة «إكس»: «صفقة خفض إيران لمخزوناتها من اليورانيوم بنسبة 60 هي خطوة بناءة في تنفيذ التفاهمات الأميركية الإيرانية التي تم التوصل إليها في عمان».

وأضاف روم: «سبتمبر (أيلول) سيكون رقصة دبلوماسية دقيقة. الوكالة الدولية للطاقة الذرية سوف تؤكد في تقريرها هذا الخفض في (فوردو) وتعاونها مع المراقبين. جميعها مهمة لتقييم الحالة العامة لخفض التصعيد. على أي حال، من شبه المؤكد أن التقرير سيكون خالياً من اللوم».

وتوقع روم أن تستخدم طهران التقدم الدبلوماسي لمحاولة تحويل الضغط الاجتماعي قبيل الذكرى السنوية لاندلاع الاحتجاجات الشعبية بعد وفاة الشابة مهسا أميني التي أوقفتها شرطة الأخلاق بدعوى «سوء الحجاب».

سببان وراء الصفقة

ورغم ذلك، يرى بعض المراقبين أن احتمال التوصل إلى الاتفاق، قد يكون وراءه سببان رئيسيان؛ محاولة إيران تجنب العقوبات التي يمكن أن يفرضها اجتماع مجلس خبراء وكالة الطاقة الذرية في اجتماعه المقبل، عبر خفضها «الطوعي» لمخزونها من اليورانيوم المخصب، بحسب ما ذكرته صحيفة «وول ستريت جورنال».

والسبب الثاني، الحشد العسكري الأميركي غير المسبوق منذ مدة طويلة، في مياه الخليج، وهو ما عدّ رسالة «حازمة» لطهران.

ووجّهت القوات الأميركية وحلفاؤها الغربيون، السبت، تحذيراً جديداً لسفن الشحن التي تعبر مضيق هرمز الاستراتيجي بالابتعاد قدر الإمكان عن المياه الإقليمية الإيرانية لتجنب الاستيلاء عليها، وهو ما عد تحذيراً صارخاً، وسط التوترات بين إيران والولايات المتحدة، على الرغم من المفاوضات الجارية وفقاً لوكالة «أسوشييتدبرس».

وقال تيموثي هوكينز، المتحدث باسم الأسطول الأميركي الخامس، الذي تم تعزيزه في الآونة الأخيرة بقوات ومعدات إضافية، إن مجموعة بحرية مدعومة من الولايات المتحدة «تقوم بإخطار البحارة الإقليميين بالاحتياطات المناسبة لتقليل أخطار الاستيلاء، على أساس التوترات الإقليمية الحالية، التي نسعى إلى خفضها». ونصح السفن بالعبور بعيداً عن المياه الإقليمية الإيرانية قدر الإمكان.


مقالات ذات صلة

واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

شؤون إقليمية شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)

واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

لوّحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران بعد أيام من فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية ومنعها من تصدير النفط.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث يتحدث بينما يستمع إليه الأدميرال براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية خلال مؤتمر صحافي بالبنتاغون في أرلينغتون بولاية فيرجينيا 16 أبريل 2026 (أ.ف.ب) p-circle 00:30

الجيش الأميركي يلوّح بضرب محطات الكهرباء والطاقة الإيرانية

أكد وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الخميس، أنّ الولايات المتحدة ستواصل منع كل السفن من بلوغ الموانئ الإيرانية، أو الخروج منها «ما دام لزم الأمر».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ طائرات تنطلق من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

الجيش الأميركي يوسّع حصار إيران ليشمل شحنات بضائع مهربة

قال سلاح البحرية الأميركية في بيان، الخميس، إن الجيش وسّع الحصار البحري المفروض على إيران، ليشمل شحنات البضائع المهربة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الخليج علم الإمارات (الشرق الأوسط)

الإمارات تحتج لدى العراق على «هجمات انطلقت من أراضيه»

استدعت وزارة الخارجية الإماراتية القائم بأعمال السفارة العراقية، وسلّمته مذكرة احتجاج عبّرت فيها عن إدانتها واستنكارها لما وصفته بـ«الاعتداءات الإرهابية».

«الشرق الأوسط» (أبوظبي)
شؤون إقليمية علم إيراني يظهر بالقرب من مبنى سكني تضرر جراء غارة جوية على طهران (رويترز) p-circle

تقرير: إيران تُعيد تأهيل منصات إطلاق صواريخ مدفونة وسط هدنة هشة

في ظلّ هدنة مؤقتة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تكشف المعطيات الميدانية عن سباق خفي لإعادة ترتيب القدرات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
TT

نتنياهو: جيشنا سيبقى في جنوب لبنان ضمن منطقة أمنية بعمق 10 كم

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مراسم إحياء ذكرى يوم الهولوكوست السنوي في نصب ياد فاشيم التذكاري للهولوكوست بالقدس 14 أبريل 2026 (أ.ب)

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الخميس، إن وقف إطلاق النار مع لبنان يمثل فرصة لـ«سلام تاريخي»، مشدداً على مطلبه بنزع سلاح «حزب الله» كشرط مسبق لأي اتفاق. وصرّح نتنياهو: «لدينا فرصة للتوصل إلى اتفاق سلام تاريخي مع لبنان»، موضحاً أن القوات الإسرائيلية «ستبقى في الجنوب (اللبناني) ضِمن منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات».

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد أعلن، الخميس، أن نتنياهو والرئيس اللبناني جوزيف عون اتفقا على وقف لإطلاق النار لمدة عشرة أيام يبدأ الخميس عند الساعة 21:00 بتوقيت غرينتش، مشيراً إلى أن هذا الاتفاق «سيشمل (حزب الله)» المدعوم من إيران.


ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
TT

ترمب: واشنطن وطهران قريبتان جداً من التوصل إلى اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في حديقة البيت الأبيض (أ.ب)

أعلن الرئيس الاميركي دونالد ترمب، الخميس، أن الولايات المتحدة وإيران «قريبتان جدا» من التوصل إلى اتفاق، وأنه يدرس إمكان زيارة باكستان لتوقيع هذا الاتفاق.

وقال للصحافيين في البيت الأبيض إن طهران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، في وقت يدرس البلدان إجراء جولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.

وصرح ترمب قبيل توجهه الى لاس فيغاس «نحن قريبون جدًا من إبرام اتفاق مع إيران». وأضاف «كان علينا التأكد من أن إيران لن تحوز ابدا السلاح النووي... لقد وافقوا تماما على ذلك. لقد وافقوا على كل شيء تقريبًا، لذا إذا قبلوا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات (مجددا)، فسيكون هناك فرق».

وسُئل هل سيتوجه إلى باكستان لتوقيع الاتفاق، فأجاب «قد أذهب، نعم. إذا تم توقيع الاتفاق في إسلام آباد، قد أذهب».

وأشاد الرئيس الأميركي برئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وقائد الجيش عاصم منير، لقيامهما بجهود الوساطة مع إيران.

وأكد أن إيران وافقت على تسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب، والذي يشكل نقطة خلاف رئيسية بين الجانبين، موضحا «وافقوا على إعادة الغبار النووي إلينا»، مستخدما هذا التعبير للإشارة إلى مخزون اليورانيوم المخصّب الذي تقول الولايات المتحدة إنه يمكن استخدامه في تصنيع أسلحة نووية.

وأكمل: «لدينا تصريح، تصريح ‌قوي للغاية بأنهم لن يملكوا ⁠أسلحة ⁠نووية لمدة تزيد عن 20 عاما».

وجزم بأن «الحصار الأميركي لمضيق هرمز صامد على نحو جيد»، وفق ما أوردته وكالة «رويترز».

وتطرّق الرئيس الأميركي إلى إعلانه هدنة 10 أيام بين إسرائيل ولبنان، موضحاً أن وقف إطلاق النار «سيشمل (حزب الله)».

وتناول موضوع السجال الكلامي مع الفاتيكان بقوله إن «على البابا ليو أن يدرك أن إيران تشكل تهديداً للعالم».


دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
TT

دعوات إصلاحية في إيران لدعم المفاوضات وسط تباين داخلي

خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)
خاتمي خلال مراسم الذكرى السابعة لوفاة حليفه الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في طهران الشهر الماضي (جماران)

نقلت صحف إصلاحية، الخميس، عن الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي دعوته إلى دعم مسار المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، بوساطة باكستانية، وتثبيت «المكاسب التي حققتها إيران بعد الحرب»، معتبراً أن البلاد باتت في موقع يتيح لها السعي إلى «سلام مستدام» رغم صعوبة المرحلة.

وقال خاتمي، خلال اجتماع مع مستشاريه، إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، بعد أربعين يوماً من القتال والهجمات المكثفة على الموارد البشرية والعسكرية والاقتصادية والعلمية، أدخلت البلاد في «مرحلة جديدة»، مضيفاً أن هذا الواقع لا يمكن فهمه أو التعامل معه بالأدوات الذهنية والافتراضات السابقة.

وأضاف أن إيران، «بفضل المدافعين الشجعان وتضحيات الشعب الواعي»، تمكنت من إحباط ما وصفه بـ«حلم إسقاط نظامها السياسي واستقلالها ووحدة أراضيها وحضارتها التاريخية»، مضيفاً أن «الصمود» وضعها في «موقع عزة» يجعل الوصول إلى «سلام دائم»، رغم تعقيداته، «ليس بعيد المنال».

وشدّد خاتمي على أن السلام المستدام هو «الوجه الآخر للدفاع الشامل»، لكنه أكثر تعقيداً من الميدان العسكري، موضحاً أن السلام لا يقتصر على غياب الحرب، بل يحتاج إلى «حوارات حقيقية، ومفاوضات ذكية، واتفاقات معقولة». وقال إن الحوار في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وعلى المستويين الداخلي والخارجي، يمثل بدوره شكلاً من أشكال الدفاع الفعال.

وأشار إلى أن مؤسسات الدولة والحكومة بدأت بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، مضيفاً أن «الأركان القانونية في البلاد شرعت في إجراءات مهمة، وأجرت المفاوضات اللازمة»، ومعتبراً أن «على الجميع أن يساعدوا في إنجاح هذه الجهود».

ورأى خاتمي أن الحرب أظهرت بوضوح مواقف القوى والتيارات من مسألة السلام، ومنحت صورة أوضح عن الجهات الداعمة له والجهات المنخرطة في تأجيج الحرب. كما قال إن مفكرين ومراكز أبحاث ووسائل إعلام وحكومات عدة باتت تتحدث بوضوح عن فشل الاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية القائمة على الحرب والتصعيد.

وأضاف أن تراجع هذا النهج، إلى جانب التأثير المتزايد للحرب على الاقتصاد العالمي، وضع إيران في موقع يمكنها من امتلاك هامش أوسع بعد الحرب، ليس في إدارة المواجهة فقط، بل أيضاً في الإسهام في تثبيت سلام إقليمي ودولي.

وأعرب خاتمي عن اعتقاده أن البلاد دخلت مرحلة «أكثر حساسية»، تستوجب «تجنب الاندفاع والتطرف، والعمل على تثبيت النجاحات العسكرية والسياسية الراهنة»، فضلاً عن قراءة دقيقة لاحتياجات المجتمع ومتطلبات ما بعد الحرب والتحولات الاقتصادية والسياسية الدولية.

ودعا إلى التوجه نحو مستقبل يبعد شبح الحرب والتهديد عن إيران، ويتيح مشاركة جميع المواطنين، وخصوصاً النخب والمفكرين والشرائح المختلفة، في إعادة بناء البلاد على أسس الحرية والاستقلال والازدهار.

وشدّد خاتمي على أن دعم المفاوضات يمثل أولوية في هذه المرحلة، وأن الحفاظ على المكاسب الحالية يمر عبر إدارة هادئة وعقلانية للمرحلة المقبلة، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية مستقرة.

الحفاظ على السرية

وعكست الصحف الإيرانية الصادرة، الخميس، تبايناً في مقاربة ملف الحرب والمفاوضات مع الولايات المتحدة، بين دعوات إلى الحفاظ على السرية، واعتبار فشل محادثات إسلام آباد موقفاً أفضل من التوصل إلى اتفاق، وانتقادات لضعف إدارة المعلومات الموجهة إلى الرأي العام.

وكتب حسين شريعتمداري، رئيس تحرير صحيفة «كيهان»، أن جميع الأنظمة الحاكمة «لديها أسرار وخفايا لا يمكن كشفها ويجب أن تبقى مخفية»، معتبراً أن حجب بعض المعلومات لا يعني استبعاد الناس، بل يهدف إلى إبقاء أسرار الدولة بعيداً عن الخصوم ومنعهم من القيام بردود فعل استباقية.

وأضاف أن إجابة المسؤولين المعنيين بالحرب على بعض الأسئلة قد تؤدي إلى «كشف أسرار البلاد وتسبب مشكلات للنظام»، مشيراً إلى أن بعض القرارات قد تستند إلى «حسابات دقيقة وواقعية» لا يمكن إعلانها.

أما صحيفة «قدس»، التابعة لهيئة «آستان قدس رضوي» الخاضعة لمكتب المرشد الإيراني، فرأت أن فشل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بدا «أفضل من أي اتفاق»، معتبرة أن الوفد الإيراني واجه «المطالب المفرطة» للجانب الأميركي وتمسك بمصالح البلاد.

وقالت الصحيفة إن إيران «لا تملك خياراً سوى إثبات وجودها وفرضه بقوة»، مضيفة أن ذلك لا يتحقق إلا عبر «المقاومة والاستعداد للمواجهة وتحميل العدو التكلفة». كما اعتبرت أن المفاوضات لا ينبغي أن تستهدف إنهاء النزاع، بل إدارة الصراع وتثبيت الوقائع والضغط المتبادل.

على الضفة الأخرى، انتقدت صحيفة «خراسان»، القريبة من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، طريقة إدارة المعلومات المرتبطة بالمفاوضات، مشيرة إلى وجود فجوة واضحة بين السلطات والرأي العام.

وقالت إن المشكلة الأساسية ليست في معارضة المجتمع لقرارات النظام، بل في «نقص المعلومات»، مضيفة أن المواطنين الذين أظهروا دعماً خلال «40 ليلة» ينتظرون معلومات دقيقة وسريعة، لا مجرد بيانات عامة.

وحذرت الصحيفة من أن الفراغ المعلوماتي يمكن أن يتحول سريعاً إلى قلق، ثم إلى فقدان للثقة إذا لم يعالج في الوقت المناسب، مشددة على ضرورة بناء رواية إعلامية واضحة للمفاوضات، تتولاها جهة واحدة تتمتع بالمصداقية والسرعة والخبرة الإعلامية، مع رسائل مفهومة وتوقيت واضح.

«تراجع واشنطن»

ورأت صحيفة «فرهيختغان»، المقربة من علي أكبر ولايتي، أن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران تحمل دلالات تتجاوز الوساطة المباشرة بين واشنطن وطهران.

وبحسب الصحيفة، فإن منير بات، منذ إقصاء عمران خان، صاحب الدور الأبرز في إدارة الملفات الكبرى في باكستان، ولا سيما تلك المرتبطة بالتوازنات الدولية وانعكاسات التنافس بين الصين والولايات المتحدة على بلاده. ومن هذا المنطلق، فسّرت الصحيفة تحركه نحو طهران بوصفه جزءاً من موقع باكستان داخل هذا التنافس، وليس استجابة ظرفية فقط للأزمة الإيرانية - الأميركية.

وأضافت الصحيفة أن اختيار باكستان لتولي الوساطة بعد تراجع أدوار وسطاء إقليميين سابقين، مثل عُمان وقطر، يعكس تحولاً في بيئة التفاوض فرضته الحرب، كما يعكس، في تقديرها، صعوداً نسبياً للموقع الصيني في إدارة التوازنات الإقليمية، في مقابل تراجع هامش الحركة الأميركي.

وأشارت إلى أن إسلام آباد تحركت خلال الحرب في خط أقرب إلى بكين، سواء في مواقفها المعلنة أو في قبولها استضافة المفاوضات.

وفي هذا السياق، اعتبرت «فرهيختغان» أن مجرد عودة عاصم منير إلى طهران بعد جولة إسلام آباد تمثل، في أحد أوجهها، مؤشراً إلى «تراجع واشنطن» عن لهجة الإنذار التي حملها نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس، إذ كان قد قدم المقترح الأميركي عند مغادرته باكستان على أنه «العرض النهائي»، وأن على إيران قبوله أو رفضه.

وترى الصحيفة أن دخول منير مجدداً على خط الوساطة بعد ذلك يعني عملياً أن باب التفاوض لم يغلق، وأن الولايات المتحدة عادت إلى البحث عن مخرج عبر الوسيط الباكستاني، بما يوحي، من وجهة نظرها، بأن الضغط العسكري والحصار البحري لم يحققا حسماً سريعاً، وأن واشنطن اضطرت إلى العودة إلى مسار المراجعة والاتصال.