أقرّت الحكومة الإسرائيلية أول جزء تشريعي رئيسي في خطة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لإصلاح النظام القانوني في البلاد، وذلك في إطار جزء من خطة أوسع أثارت احتجاجات على مستوى البلاد، وتسببت في انقسام البلاد وأثارت قلق المؤسسة العسكرية القوية ومجتمع الأعمال المؤثر.
وتسعى خطة رئيس الوزراء إلى إلحاق الضعف بالمحكمة العليا في البلاد، ونقل المزيد من الصلاحيات إلى البرلمان. ويقول المؤيدون إن قضاة إسرائيل غير المنتخبين يتمتعون بسلطة مفرطة. في المقابل، يرى المعارضون أن القضاة يضطلعون بدور إشرافي مهم، وأن الخطة ستدفع إسرائيل نحو الحكم الاستبدادي.
ورغم الأجواء المشحونة، يصر حلفاء نتنياهو على المضيّ قدماً في الإصلاحات المقترحة.
لكن لماذا ينقسم البلد على هذا النحو؟
حسب أسئلة طرحها تقرير لـ«أسوشييتد برس»، لطالما كان نتنياهو، الذي تجري محاكمته بتهم فساد، زعيماً مثيراً لحالة من الاستقطاب. وقد تولت حكومته مقاليد السلطة في ديسمبر (كانون الأول)، بعد فوزها بفارق ضئيل في الانتخابات الخامسة في البلاد في أقل من 4 سنوات.
وانعكست هذه الانقسامات على الجدل المثار حول الإصلاحات المقترحة، الممتد عبر خطوط دينية وطبقية وعرقية.
الملاحَظ أن معظم المتظاهرين المناهضين للحكومة ينتمون إلى الطبقة الوسطى الحضرية في إسرائيل، ومن بينهم أطباء وأكاديميون وضباط عسكريون ورجال أعمال.
في المقابل، يميل أنصار نتنياهو للانتماء إلى فئات أكثر فقراً وأشد تديناً، ومن بينهم سكان مستوطنات الضفة الغربية ومناطق نائية. إلى جانب ذلك، هناك الكثير من يهود الطبقة العاملة ينحدرون من أصول شرق أوسطية، ويرون أنفسهم مهمشين من النخبة الأشكنازية أو الأوروبية.
بعد تصويت الكنيست الذي دفع القانون قدماً، الاثنين، دعا نتنياهو إلى توحيد الصفوف والحوار. إلا أن معارضيه رفضوا العرض، ووصفوه بأنه غير صادق وتعهدوا بمواصلة الاحتجاجات.
وكتب ديفيد هوروفيتس، مؤسس موقع «تايمز أوف إسرائيل»: «في اليوم التالي، صحونا على إسرائيل تعاني من خطوط فاصلة لمعارك داخلية، إسرائيل قد تكون في حالة حرب مع نفسها. وحكومة بالتأكيد في حالة حرب مع الكثير من، بل ربما مع معظم، أبناء الشعب».

على الجانب الآخر، أعرب سمشا روثمان، النائب الإسرائيلي الذي قاد مقترح الإصلاح القضائي، عن أمله في أن تتحلى المعارضة بـ«المسؤولية»، وأن تعود إلى المفاوضات. إلا أنه أكد أنه لم ينتهِ من عمله بعد. وقال: «لدينا الأغلبية»، في إشارة إلى الائتلاف البرلماني. وأضاف أن «غالبية الشعب الإسرائيلي لا تزال داعمة للإصلاح».
هل ستتضرر جاهزية العسكريين؟
هدد الآلاف من جنود الاحتياط بالتوقف عن العمل في الخدمة العسكرية الآن بعد إقرار القانون الأول. ويعتمد الجيش بشكل كبير على هؤلاء المتطوعين الاحتياطيين، خصوصاً طياري القوات الجوية وضباط الاستخبارات وأعضاء الوحدات المتخصصة الأخرى.
وحذَّرت قيادات عسكرية حالية وسابقة من أنه إذا نفّذ جنود الاحتياط تهديداتهم، فقد تتعرض قدرة الجيش على العمل في حالات الطوارئ الوطنية للخطر.
وحذر الجنرال هيرزي هاليفي، رئيس هيئة الأركان، من أنه: «إذا لم تتوافر لدينا قوات دفاع قوية وموحدة الصفوف، وإذا لم تشارك أفضل العناصر في الخدمة في جيش الدفاع، لن نكون قادرين أبداً على البقاء بوصفنا دولة في المنطقة».
كيف يؤثر الوضع على علاقة إسرائيل بالولايات المتحدة؟
من خلال الدفع بالتشريع الجديد «دون إجماع سياسي واسع»، تحدى نتنياهو أقرب حليف للبلاد، أي الولايات المتحدة التي تمنح إسرائيل ما يقرب من 4 مليارات دولار من المساعدات العسكرية السنوية، والدعم الدبلوماسي في المحافل الدولية.
وفي تحذير علني نادر الحدوث قبل التصويت، دعا الرئيس جو بايدن، الحكومة الإسرائيلية إلى تأجيل الجلسة، ومحاولة التوصل إلى حل وسط مع المعارضة. وأعرب البيت الأبيض عن أسفه لنتيجة تصويت الاثنين، واصفاً إياها بأنها «مؤسفة».
ويرى محللون أن الخطة المثيرة للجدل يمكن أن تقوّض ما يصفها البَلَدان بشكل روتيني بـ«المصالح والقيم المشتركة».
في هذا الصدد، قال إلون بينكا، القنصل العام الإسرائيلي السابق في نيويورك، إن تجاهل نتنياهو للمخاوف الأميركية «من شأنه الإضرار بعلاقته المضطربة أصلاً مع الرئيس الأميركي».
ويمكن أن يؤدي التصويت كذلك إلى تعميق الخلاف المتزايد بين الحكومة الإسرائيلية المحافظة والجالية اليهودية الأميركية الليبرالية في الجزء الأكبر منها. وأعرب كيانان رئيسيان (اللجنة اليهودية الأميركية، والاتحاد اليهودي لأميركا الشمالية)، عن «خيبة أمل» عميقة تجاه التصويت الذي انعقد (الاثنين).

ماذا يعني هذا للفلسطينيين؟
ينظر الفلسطينيون إلى الاضطرابات التي تعكر صفو إسرائيل، بوصفها «دليلاً على ما يرون أنه نفاق»، قائلين إن احتلال إسرائيل المستمر منذ 56 عاماً للضفة الغربية قوَّض منذ فترة طويلة ديمقراطية إسرائيل.
وقالت إيناس عبد الرازق، المديرة التنفيذية لمعهد فلسطين للدبلوماسية العامة، وهي مجموعة ضغط: «يرى الفلسطينيون في هذا الوضع تناقضاً، ذلك أن الإسرائيليين يقاتلون من أجل الحرية والديمقراطية من خلال مؤسسات تحرم بطبيعتها شعباً بأكمله من الحرية والديمقراطية».
ومع ذلك، حذر بعض السياسيين والمحللين، من أن العواقب المحتملة للتغييرات القضائية لها تأثير أعمق في الضفة الغربية مما قد يعتقده الجمهور، الأمر الذي يقوّض الرقابة الرئيسية على ائتلاف يميني متطرف عاقد العزم على توسيع المستوطنات وزيادة سيطرة إسرائيل على الأراضي المحتلة.
في هذا الصدد، قال الناشط الفلسطيني المخضرم مصطفى البرغوثي: «هذا تطور خطير لنا».
هل ستستمر الاحتجاجات؟
بعد سبعة أشهر من المظاهرات الجماهيرية ضد خطة الإصلاح القضائي، أعلنت حركة الاحتجاج الشعبية أنها لا تنوي التوقف. وقوبل تصويت الاثنين باحتجاجات عنيفة في جميع أنحاء إسرائيل، واشتعلت اشتباكات غير مسبوقة بين المتظاهرين وقوات الشرطة.
في هذا الإطار، أعرب يوهانان بليسنر، رئيس المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، وهو مركز أبحاث في القدس، عن اعتقاده أن «الاحتجاجات ستستمر، خصوصاً أن الحكومة صرّحت بوضوح بأن هذه مجرد مرحلة أولى».
ودعا جوش دريل، المتحدث باسم حركة الاحتجاج، إلى اتخاذ إجراءات جديدة، مثل الامتناع عن دفع الضرائب. كما دعت الولايات المتحدة والجالية اليهودية الأميركية إلى إعادة النظر في الدعم المالي للحكومة الإسرائيلية، والتبرع بدلاً عن ذلك لمجموعات مناصرة للحركة الاحتجاجية.
هل سيعرِّض هذا الوضع الاقتصاد الإسرائيلي للخطر؟
أدى تصويت الاثنين إلى تراجع العملة الإسرائيلية وسوق الأوراق المالية، وتصاعدت تحذيرات من وكالة التصنيف الائتماني «موديز» بشأن «العواقب السلبية» على الاقتصاد.
على الجانب الآخر، رفض نتنياهو ردود الفعل السلبية، ووصفها بأنها «رد مؤقت». وأصر على أنه «عندما يتلاشى الغبار، سيتضح أن الاقتصاد الإسرائيلي قوي للغاية».

ومع ذلك، يعتقد الكثير من الخبراء أن الضرر الذي لحق بالاقتصاد قد يستمر لفترة طويلة، مع احتمال فرار المستثمرين الأجانب، جراء المخاوف من أن القضاء الضعيف قد يفتح الباب أمام الفساد ويضر ببيئة الأعمال.
يبدو التهديد حاداً بشكل خاص في قطاع التكنولوجيا المتقدمة في إسرائيل وهو جزء أساسي من الاقتصاد الوطني. والثلاثاء، غطت كبرى الصحف الإسرائيلية صفحاتها الأولى باللون الأسود. وجاء في الإعلان «يوم أسود للديمقراطية الإسرائيلية».
وعن ذلك، قال ياني سبيتزر، الخبير الاقتصادي في الجامعة العبرية الإسرائيلية، إن أسعار الأسهم الإسرائيلية تخلفت عن المؤشرات العالمية منذ إعلان خطة الإصلاحات. وأضاف أن هذا الاتجاه «لا يمكن تفسيره من خلال تطورات السوق العادية».
وتوقع سبيتزر أن «تتجه إسرائيل إلى أن تصبح دولة متخلفة اقتصادياً تعاني حرباً أهلية».
