الفوضى العارمة التي تجتاح إسرائيل طيلة اليوم (الثلاثاء)، والتي تم خلالها إغلاق جميع الشوارع المركزية بين المدن، والإضراب عن العمل في آلاف المرافق الاقتصادية، وتشويش العمل في المواني البحرية ومطار بن غوريون الدولي، وما نتج عقب ذلك من صدامات مع الشرطة، هي عملياً قصة «صراخ على قدر الوجع».
فالحكومة اليمينية التي بدأت في سن قوانين خطتها القانونية، وتبدو مصممة عليها رغم المعارضة الواسعة، باتت في نظر المعارضة السياسية والشعبية حكومة انقلابية، ترمي إلى تغيير منظومة الحكم وتقويض الجهاز القضائي. واعتبرت الأمر «إطاحة بالديمقراطية وتحويل إسرائيل إلى ديكتاتورية». وقررت وقف ذلك بكل قوة.
هذه المعارضة تطلق على رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، صفة «الضَّغيط»، أي الذي لا يفهم إلا لغة القوة. فمن يضغط عليه أكثر يحقق مطالب أكثر. ويعتقدون بأنه في قرارة نفسه ينفذ سياسة لا تلائم عقيدته السياسية، ولكنه يسير في هذا التلم مضطراً.

أسير التطرف
ويعتبرونه أسيراً بأيدي المتطرفين؛ ليس فقط في حكومته والمتمثلين في الوزيرين بتسليل سموترتش وإيتمار بن غفير فحسب؛ بل داخل حزبه، «الليكود». فهناك أيضاً يوجد متطرفون متعصبون، بعضهم قادم من المستوطنات مباشرة، وبعضهم الآخر يعيش في إسرائيل نفسها، ويحملون أفكاراً لا تختلف عن بن غفير.
وحتى لو أراد نتنياهو مقاومتهم، فإنه لا يستطيع، فبفضلهم هو رئيس حكومة اليوم. ولولاهم لكان نتنياهو قد فقد كرسيه منذ زمن، وجلس في قفص الاتهام في المحكمة؛ حيث لا تزال جارية محاكمته بتهم الفساد.
أمس، الاثنين، خلال المداولات التي جرت في «الكنيست»، حول طرح مشروع القانون الذي يقلص ذريعة «عدم المعقولية» في تعيينات الحكومة، تناقل النواب اقتراحاً بأن يقيل نتنياهو حزبَي سموترتش وبن غفير، ويستبدل بهما حزب بيني غانتس. يتوقف عندها تنفيذ الخطة الحكومية، وتتوقف حملة الاحتجاج.

ويقال إن مصدر هذا الاقتراح هو واشنطن، فالأميركيون يريدون رؤية حكومة أخرى في إسرائيل. وفقط قبل يومين، اعتبرها الرئيس جو بايدن «أكثر حكومة متطرفة منذ عهد غولدا مئير». والسفير الأميركي توماس نايدز الذي وصلت المظاهرات إلى مقره، حذر من خروج قطار إسرائيل عن سكة الحديد. وقال: «نحن نصد هجوم من ينتقدنا على سياستنا المؤيدة لإسرائيل، بالقول إننا نفعل ذلك لأن إسرائيل ديمقراطية؛ فلا تتخلوا عن هذه القيم».

لكن المشكلة أن غانتس لا يثق بنتنياهو، فقد سبق أن انضم إلى حكومته: «ولكنه كان يشعر بأنه يعيش في عش أفاعٍ». لم يلسعه نتنياهو فحسب؛ بل مرَّر عيشته، وحاول إذلاله وتصفيته كقائد سياسي جاء من أعلى منصب عسكري (رئيس أركان الجيش ووزير الدفاع)، وجعله خرقة بين يديه. لذلك لا يجد غانتس وبقية قادة المعارضة الآخرين سبيلاً إلا بالكفاح لإسقاط الحكومة، أو حملها على ضب خطتها، والتوجه إلى تفاهمات معها.
وفي الوقت الحاضر، يستفيد غانتس وحزبه كثيراً من هذا الموقف، فالجمهور الإسرائيلي يشعر بالتعب من الصراعات الداخلية، ويخشى أن تتدهور إلى حرب أهلية، ويريد من يدعو إلى تفاهمات. وينعكس ذلك في استطلاعات الرأي التي تشير جميعها إلى أن نتنياهو سيسقط، وغانتس سيصبح رئيس حكومة حال إجراء انتخابات جديدة، ولهذا يصر نتنياهو وحلفاؤه على خطتهم. ومع أنهم جلبوا إلى «الكنيست» حالياً قانوناً واحداً من مجموع 180 قانوناً حول الخطة، فإنها ترمي في نهاية المطاف إلى وضع أسس تضمن بقاء اليمين في الحكم.
إسقاط شعبي
بالمقابل، يدرك المحتجون أهداف اليمين، ويعتقدون بأن الحل الوحيد هو في إسقاط نتنياهو. وبما أنه يتمتع بأكثرية 64 مقعداً (من مجموع 120)، وليس سهلاً أبداً إسقاطه برلمانياً، قرروا إسقاطه شعبياً. وكشف الجنرال دان حالوتس، الرئيس الأسبق لأركان الجيش الإسرائيلي، أن الاجتماع الأول لقادة الاحتجاج عقد في منتصف شهر ديسمبر (كانون الأول)، حال اطلاعهم على الاتفاقيات الائتلافية، أي قبل أن تتشكل الحكومة بأسبوعين: «رأينا الخطر منذ اللحظة الأولى»؛ حسب تصريح للقناة «12» التلفزيونية (الاثنين). ثم بدأت مظاهرات الاحتجاج، أسبوعاً تلو الآخر حتى اليوم (27 أسبوعاً). وكانت تلك مظاهرات سلمية تماماً ومنظمة بشكل خارق، وشارك فيها ما يزيد على ربع مليون شخص.

ومع أن الحكومة جلبت قانوناً واحداً من أصل 180، فقد قرروا التصعيد والخروج بكل قوة إلى الشارع. الهدف الأول هو: «استعادة العافية»؛ حيث إن المظاهرات تراجعت في الشهور الأخيرة. والهدف الثاني هو بث الرعب في صفوف الحكومة ولدى رئيسها. فهو في نظرهم ليس مخادعاً وحسب، وليس منجراً وراء المتطرفين فحسب؛ بل هو أساس التطرف المعني بضرب الجهاز القضائي.
وهو من جهته ينظر إلى قيادة الاحتجاج بالعداء نفسه، فهو يعتقد أن بإمكانه التفاهم مع واحد مثل غانتس وحتى لبيد؛ لكنه يعتبر قادة الاحتجاج «مجموعة خطيرة من المتطرفين». لذلك يسعى لكسرهم مثلما يسعون لكسره. وما بين هذا وذاك، يلتهب الشارع الإسرائيلي، ويبدو الفرقاء كمن يلعبون بالنار، أكثر مما يديرون صراعاً سياسياً وعقائدياً.

