قراءات المثقفين المصريين... الرواية والتراث الشعري وأدب البيئة

وليد علاء الدين
وليد علاء الدين
TT

قراءات المثقفين المصريين... الرواية والتراث الشعري وأدب البيئة

وليد علاء الدين
وليد علاء الدين

تنوعت قراءات الأدباء والمثقفين المصريين على مدار عام 2025 ما بين الرواية وسرديات الأدب الأخضر بخاصة في علاقته بالبيئة والطبيعة، مروراً بالشعر والكتب الفكرية ذات الطابع الفلسفي والنقدي.

أسامة علام... دفء الروايات في صقيع الغربة

عاش الكاتب الروائي والقاص أسامة علام تجربة خاصة مع قراءات عام 2025، حيث يقيم في الولايات المتحدة ويعمل طبيباً هناك، فكانت الكتب بالنسبة إليه مصدر دفء وسط صقيع الثلوج الذي بدأ العام به وانتهى معه. ويشير إلى أنه ربما كانت القراءة في عام 2025 هي الوسيلة الأكثر فاعلية لتمضية أوقات مبهجة لشخص وحيد مثله يعيش في مدينة مربكة ومزدحمة كنيويورك، إذ قرأ عشرات الروايات باحثاً عن المؤانسة والتعلم واكتشاف النفوس البشرية.

أسامة علام

ومن تلك الأعمال الروائية؛ «من الظل» لخوان خوسيه مياس، «جسور مقاطعة ماديسون» لروبيرت جيمس والر، «ثلاثية نيويورك» لبول أستر، «ثلاث مرات في الفجر» و«حرير» لألكسندرو باركو، «قبل أن تبرد القهوة» بأجزائها الخمسة لتوشيكازو كاواجوتشي، «العجوز الذي يقرأ الروايات الغرامية» للويس سبولفيدا.

ويلفت إلى رواية «أيام في مكتبة مورساكى لساتوشي ياجيساوا» بعدّها من أكثر الروايات التي تلامس الروح، فهي رواية دافئة عن العلاقات الإنسانية، عن الكتب، وهذا المخلوق العجيب والفاتن المسمى الإنسان. ربما المحرك الأهم في هذه الرواية القصيرة نسبياً ليس أحد أبطالها، وإنما حالة عامة من البراءة المفرطة، بخاصة في العلاقات العاطفية المفاجئة.

هدى حسين

هدى حسين... إعادة اكتشاف سحر القصيدة

وتشير الشاعرة والمترجمة هدى حسين إلى أن هناك أعمالاً لا يتوقف المرء عن قراءتها، فكلما نضج أكثر رأى هذه الأعمال بمنظور مختلف يضيء لوعيه المتجدد فضاءات جديدة متنوعة. ومن بين هذه الأعمال الكتابات الشعرية لجول فيرن، في لغته الأصلية، وهو شاعر فرنسي قديم، وكذلك ترجمة الأستاذ القدير بشير السباعي لكونستانتين كافافي، فهي تجمع بين الآفاق الواسعة لوعي الشاعر والحساسية الدقيقة في الترجمة لوعي المترجم الشاعر المرهف في الأساس.

هناك أيضاً أعمال إيدمون جابيس، وهو شاعر مصري يهودي راحل، أقام في فرنسا وكتب بالفرنسية، وظهر في أشعاره هذا الحنين للوطن بكل تفاصيله على الرغم من تقبله بمرارة اضطراره للهجرة في الخمسينات من القرن الماضي، مع رفضه التام للتجنس بالجنسية الفرنسية، حيث احتفظ بجنسيته المصرية واعتد بها حتى آخر لحظة في عمره.

وترى هدى أنه رغم اتجاه الكثيرين للقراءات العلمية أو الاقتصادية أو التنمية البشرية، «لكنني أجد في الأدب ما يحفظ الإنسان من التبدد وسط أنشطته الدنيوية المختلفة، وإذا كانت الرواية تمنح النفس البشرية التوازن في مواجهة تقلبات الحياة، فإن الشعر هو الحافظ الأمين للروح الإنسانية وجوهرها المتقد».على هذه الخلفية، فإن من أهم الكتب التي أعادت الشاعرة قراءتها في 2025، الكتاب الوحيد الذي جمع أعمال موريس دو جيران، وهو شاعر فرنسي من القرن الثامن عشر، كان مزارعاً بسيطاً، لكن معتقداته الشخصية سرعان ما تبدلت وعاش صراعاً نفسياً حاداً أنتج لنا كتابه الشعري. وينقسم الكتاب إلى قصائد عمودية وقصائد نثر، تتناول الصراع النفسي للكائنات الأسطورية التي من طبيعتها أن تكون نصف إنسان ونصف حيوان، كحورية البحر.

وليد علاء الدين... كالفينو في إخراج مبهج

يقول الشاعر والروائي وليد علاء الدين إنه خصص معظم هذا العام لإعادة قراءة أعمال الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو، وهو أحد أبرز كتَّاب الواقعية الجديدة، عوالمه مصنوعة بخيال مختلف، فقد سبق أن قرأ ترجمات عربية لأعماله، لكنه تحمس لقراءتها بالإنجليزية حين حصل خلال رحلته الأخيرة لإيطاليا على طبعات استعادية تذكارية لأعماله، في إخراج مبهج من تلك النوعية التي تجعل القراءة ممتعة، وبترجمة أقرب إلى الأصل الإيطالي؛ لأن الترجمات العربية عادة تتم عبر لغات وسيطة. ويشير إلى أنه قرأ له خلال هذا العام «الحواديت الإيطالية»، و«المدن غير المرئية»، والطبعة المختصرة من «القصص المصورة الكونية»، و«مسافر في ليلة شتوية».

أما في القراءات العربية فقد تعددت الكتب، كانت الأولوية كما اعتاد منذ سنوات على القراءة المنهجية، أن يقرأ الأعمال الكاملة لكاتب أو أديب أو مفكر اكتملت تجربته، وهو نوع من القراءة الجادة، فوائده تفوق القراءات المتفرقة؛ لذا فقد أنهى خلال 2025 قراءة الأعمال الكاملة لكل من يحيى حقي، ويوسف إدريس.

ومن الروايات المتفرقة التي قرأها وليد علاء الدين خلال العام؛ «أثر النبي» للروائي والشاعر محمد أبو زيد، ولذلك قصة؛ فقد كان من نصيبه أن تكون رفيقته على الطائرة في رحلة العودة من معرض الكويت للكتاب؛ بدأ القراءة بينما الطائرة تستعد للإقلاع، فلم ينتبه إلا على صوت عجلاتها تصافح أرض مطار الوصول. أما لماذا هذا الاستغراق الكامل؟ فلأنها تقترب – في رأيه - من حالة الكمال الفن، أو ما يسمونه في الفن التشكيلي النسبة الذهبية.

عبير عبد الحافظ

عبير عبد الحافظ... سحر كتابات أميركا اللاتينية

تنوعت قراءات المترجمة والأكاديمية، الدكتور عبير عبد الحافظ، ما بين أدب أميركا اللاتينية والأدب الإسباني والأدب العربي الحديث، ومن أبرز الكتب التي قرأتها «إسبانيا في تاريخها» للكاتب والباحث المستشرق الإسباني العلاّمة أميركو كاسترو، وهو من أهم المتخصصين في دراسات إسبانيا التاريخية واللغوية والأدبية.

كما قرأتْ الرواية الكلاسيكية «المكفنَّة» للكاتبة التشيلية ماريا لويسا بومبال، التي تتناول بدايات سرد المرأة والسيرة الذاتية مطلع القرن العشرين في واحد من بلدان أميركا اللاتينية، وكذلك «البحث عن كلينجسور» للكاتب المكسيكي خورخي بولبي، وأيضاً روايته الأخرى «أجزاء من الحرب»، ويعدّ بولبي من أهم الروائيين في أدب أميركا اللاتينية في الوقت الحالي، وترتكز أعماله على تأسيس خط روائي مختلف في الرواية، وتتعرض بشكل رئيسي للجرائم والفساد السياسي في إطار مكسيكي وعالمي، حيث يمزج بولبي ما بين المحلية والحس الإنساني العام في رواياته بشكل عام.

هذه الرواية تبدو للوهلة الأولى من طراز «الرواية السوداء»، فهي تشريح للمجتمع المكسيكي من خلال جريمة يرتكبها مراهقان في مدرسة ثانوية، فيسلط الضوء على تفسخ المجتمع في أميركا اللاتينية من الجهة الاقتصادية والاجتماعية، وأيضاً الفكرة الرئيسية تكاد تكون البحث عن جذور الشر في المجتمع المكسيكي، تحديداً في المناطق الأكثر عوزاً، وأيضاً كمرآة لدول أميركا اللاتينية بشكل عام.

ناهد راحيل

ناهد راحيل... مفاجآت «النقد البيئي»

وجاءت قراءات الناقدة الأكاديمية، الدكتور ناهد راحيل، خلال هذا العام امتداداً مباشراً لانشغال بحثي ومعرفي بمجال النقد البيئي أو الإيكولوجي، بوصفه أحد المسارات النقدية التي تعيد النظر في العلاقة بين الإنسان والطبيعة داخل الخطاب الثقافي والأدبي، فقد أصبحت الأسئلة البيئية اليوم جزءاً لا يتجزأ من فهمنا للأدب المعاصر، لا سيما في ظل تصاعد الأزمات المناخية، وانتشار المرض والأوبئة والكوارث البيئية.

في هذا السياق، توقفت راحيل عند دراسات عربية اهتمت بقضايا النقد البيئي؛ منها كتاب «السرديات الخضراء» للدكتور محمد الشحات، الذي يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال النقد البيئي وتطبيقاته السردية، فلم ينشغل الكتاب باستيراد المفاهيم البيئية الغربية فحسب، بل سعى إلى توطينها نقدياً داخل السياق الثقافي العربي، عبر قراءة واعية لتمثلات البيئة والطبيعة والجسد والمكان في السرد العربي الحديث، وعبر مقاربات تطبيقية تقترح فهماً للسرد بوصفه فضاءً للتفاوض بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، وبين السلطة والمعرفة، وبين التقدم وحدوده الكارثية.

وتوقفت الناقدة الشابة كذلك عند كتاب «السرديات البيئية»، وهو كتاب جماعي أكاديمي من تنسيق وإشراف الدكتور مصطفى رجوان، والدكتور عادل المجداوي، يُعنى بإعادة صياغة المقاربات النقدية للسرد من منظور بيئي، وليس مجرد نقد بيئي تقليدي. وترجع أهمية الكتاب، بجانب الاهتمام بربط السرد الأدبي بالقضايا البيئية المعاصرة، إلى محاولة دمج السرديات البيئية بالسرديات البلاغية، أي قراءة النصوص السردية من خلال علاقاتها البيئية ومقوماتها البلاغية. ومن هنا يقترح الكتاب، عبر دراسات نظرية وتطبيقية وترجمات مختارة، تأسيس ما يمكن تسميته «السرديات البيئية» كمقاربة نقدية قادرة على تفكيك العلاقات المعقدة بين السرد والسلطة والمعرفة والفضاء الطبيعي.

علي قطب

علي قطب... بين محفوظ وطه حسين

ويصنف الروائي والباحث الشاب علي قطب القراءة بعدّها فعلاً متعدد التجليات، التي منها العودة إلى الجذور والبحث عن هؤلاء الذين ملأوا عقولنا وقلوبنا بالأفكار والمشاعر. وجاءت 2025 لتكون سنة إعادة قراءة بعض الأعمال الكبرى التي تمثل مشاريع ثقافية رائدة وعميقة، فقراءاته لنجيب محفوظ مستمرة، وأسفرت عن كتاب «الغناء والطرب في أدب نجيب محفوظ – قراءة نقدية ومعجم»، كما يستمر قطب في قراءة طه حسين صاحب المشروع المتكامل، فقد درس التراث وناقش معاصريه، كما قدم لنا رؤيته المستقبلية أيضاً عندما كتب عن «مستقبل الثقافة في مصر».

وتعمق علي قطب في قراءة «ثلاثية الأمالي» لخيري شلبي، المكونة من «أولنا الورق»، «ثانينا الكومي»، «ثالثنا الورق»، وهي ملحمة شعبية شديدة الإمتاع وتغوص في أعماق الروح المصرية، وتعد عملاً شديد الخصوصية يجمع بين الحداثة وتقاليد السرد التراثي.


مقالات ذات صلة

الكتابة في زمن الحرب

ثقافة وفنون الكتابة في زمن الحرب

الكتابة في زمن الحرب

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً...

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي

خالد الغنامي
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي