قراءات المثقفين المصريين... الرواية والتراث الشعري وأدب البيئة

وليد علاء الدين
وليد علاء الدين
TT

قراءات المثقفين المصريين... الرواية والتراث الشعري وأدب البيئة

وليد علاء الدين
وليد علاء الدين

تنوعت قراءات الأدباء والمثقفين المصريين على مدار عام 2025 ما بين الرواية وسرديات الأدب الأخضر بخاصة في علاقته بالبيئة والطبيعة، مروراً بالشعر والكتب الفكرية ذات الطابع الفلسفي والنقدي.

أسامة علام... دفء الروايات في صقيع الغربة

عاش الكاتب الروائي والقاص أسامة علام تجربة خاصة مع قراءات عام 2025، حيث يقيم في الولايات المتحدة ويعمل طبيباً هناك، فكانت الكتب بالنسبة إليه مصدر دفء وسط صقيع الثلوج الذي بدأ العام به وانتهى معه. ويشير إلى أنه ربما كانت القراءة في عام 2025 هي الوسيلة الأكثر فاعلية لتمضية أوقات مبهجة لشخص وحيد مثله يعيش في مدينة مربكة ومزدحمة كنيويورك، إذ قرأ عشرات الروايات باحثاً عن المؤانسة والتعلم واكتشاف النفوس البشرية.

أسامة علام

ومن تلك الأعمال الروائية؛ «من الظل» لخوان خوسيه مياس، «جسور مقاطعة ماديسون» لروبيرت جيمس والر، «ثلاثية نيويورك» لبول أستر، «ثلاث مرات في الفجر» و«حرير» لألكسندرو باركو، «قبل أن تبرد القهوة» بأجزائها الخمسة لتوشيكازو كاواجوتشي، «العجوز الذي يقرأ الروايات الغرامية» للويس سبولفيدا.

ويلفت إلى رواية «أيام في مكتبة مورساكى لساتوشي ياجيساوا» بعدّها من أكثر الروايات التي تلامس الروح، فهي رواية دافئة عن العلاقات الإنسانية، عن الكتب، وهذا المخلوق العجيب والفاتن المسمى الإنسان. ربما المحرك الأهم في هذه الرواية القصيرة نسبياً ليس أحد أبطالها، وإنما حالة عامة من البراءة المفرطة، بخاصة في العلاقات العاطفية المفاجئة.

هدى حسين

هدى حسين... إعادة اكتشاف سحر القصيدة

وتشير الشاعرة والمترجمة هدى حسين إلى أن هناك أعمالاً لا يتوقف المرء عن قراءتها، فكلما نضج أكثر رأى هذه الأعمال بمنظور مختلف يضيء لوعيه المتجدد فضاءات جديدة متنوعة. ومن بين هذه الأعمال الكتابات الشعرية لجول فيرن، في لغته الأصلية، وهو شاعر فرنسي قديم، وكذلك ترجمة الأستاذ القدير بشير السباعي لكونستانتين كافافي، فهي تجمع بين الآفاق الواسعة لوعي الشاعر والحساسية الدقيقة في الترجمة لوعي المترجم الشاعر المرهف في الأساس.

هناك أيضاً أعمال إيدمون جابيس، وهو شاعر مصري يهودي راحل، أقام في فرنسا وكتب بالفرنسية، وظهر في أشعاره هذا الحنين للوطن بكل تفاصيله على الرغم من تقبله بمرارة اضطراره للهجرة في الخمسينات من القرن الماضي، مع رفضه التام للتجنس بالجنسية الفرنسية، حيث احتفظ بجنسيته المصرية واعتد بها حتى آخر لحظة في عمره.

وترى هدى أنه رغم اتجاه الكثيرين للقراءات العلمية أو الاقتصادية أو التنمية البشرية، «لكنني أجد في الأدب ما يحفظ الإنسان من التبدد وسط أنشطته الدنيوية المختلفة، وإذا كانت الرواية تمنح النفس البشرية التوازن في مواجهة تقلبات الحياة، فإن الشعر هو الحافظ الأمين للروح الإنسانية وجوهرها المتقد».على هذه الخلفية، فإن من أهم الكتب التي أعادت الشاعرة قراءتها في 2025، الكتاب الوحيد الذي جمع أعمال موريس دو جيران، وهو شاعر فرنسي من القرن الثامن عشر، كان مزارعاً بسيطاً، لكن معتقداته الشخصية سرعان ما تبدلت وعاش صراعاً نفسياً حاداً أنتج لنا كتابه الشعري. وينقسم الكتاب إلى قصائد عمودية وقصائد نثر، تتناول الصراع النفسي للكائنات الأسطورية التي من طبيعتها أن تكون نصف إنسان ونصف حيوان، كحورية البحر.

وليد علاء الدين... كالفينو في إخراج مبهج

يقول الشاعر والروائي وليد علاء الدين إنه خصص معظم هذا العام لإعادة قراءة أعمال الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو، وهو أحد أبرز كتَّاب الواقعية الجديدة، عوالمه مصنوعة بخيال مختلف، فقد سبق أن قرأ ترجمات عربية لأعماله، لكنه تحمس لقراءتها بالإنجليزية حين حصل خلال رحلته الأخيرة لإيطاليا على طبعات استعادية تذكارية لأعماله، في إخراج مبهج من تلك النوعية التي تجعل القراءة ممتعة، وبترجمة أقرب إلى الأصل الإيطالي؛ لأن الترجمات العربية عادة تتم عبر لغات وسيطة. ويشير إلى أنه قرأ له خلال هذا العام «الحواديت الإيطالية»، و«المدن غير المرئية»، والطبعة المختصرة من «القصص المصورة الكونية»، و«مسافر في ليلة شتوية».

أما في القراءات العربية فقد تعددت الكتب، كانت الأولوية كما اعتاد منذ سنوات على القراءة المنهجية، أن يقرأ الأعمال الكاملة لكاتب أو أديب أو مفكر اكتملت تجربته، وهو نوع من القراءة الجادة، فوائده تفوق القراءات المتفرقة؛ لذا فقد أنهى خلال 2025 قراءة الأعمال الكاملة لكل من يحيى حقي، ويوسف إدريس.

ومن الروايات المتفرقة التي قرأها وليد علاء الدين خلال العام؛ «أثر النبي» للروائي والشاعر محمد أبو زيد، ولذلك قصة؛ فقد كان من نصيبه أن تكون رفيقته على الطائرة في رحلة العودة من معرض الكويت للكتاب؛ بدأ القراءة بينما الطائرة تستعد للإقلاع، فلم ينتبه إلا على صوت عجلاتها تصافح أرض مطار الوصول. أما لماذا هذا الاستغراق الكامل؟ فلأنها تقترب – في رأيه - من حالة الكمال الفن، أو ما يسمونه في الفن التشكيلي النسبة الذهبية.

عبير عبد الحافظ

عبير عبد الحافظ... سحر كتابات أميركا اللاتينية

تنوعت قراءات المترجمة والأكاديمية، الدكتور عبير عبد الحافظ، ما بين أدب أميركا اللاتينية والأدب الإسباني والأدب العربي الحديث، ومن أبرز الكتب التي قرأتها «إسبانيا في تاريخها» للكاتب والباحث المستشرق الإسباني العلاّمة أميركو كاسترو، وهو من أهم المتخصصين في دراسات إسبانيا التاريخية واللغوية والأدبية.

كما قرأتْ الرواية الكلاسيكية «المكفنَّة» للكاتبة التشيلية ماريا لويسا بومبال، التي تتناول بدايات سرد المرأة والسيرة الذاتية مطلع القرن العشرين في واحد من بلدان أميركا اللاتينية، وكذلك «البحث عن كلينجسور» للكاتب المكسيكي خورخي بولبي، وأيضاً روايته الأخرى «أجزاء من الحرب»، ويعدّ بولبي من أهم الروائيين في أدب أميركا اللاتينية في الوقت الحالي، وترتكز أعماله على تأسيس خط روائي مختلف في الرواية، وتتعرض بشكل رئيسي للجرائم والفساد السياسي في إطار مكسيكي وعالمي، حيث يمزج بولبي ما بين المحلية والحس الإنساني العام في رواياته بشكل عام.

هذه الرواية تبدو للوهلة الأولى من طراز «الرواية السوداء»، فهي تشريح للمجتمع المكسيكي من خلال جريمة يرتكبها مراهقان في مدرسة ثانوية، فيسلط الضوء على تفسخ المجتمع في أميركا اللاتينية من الجهة الاقتصادية والاجتماعية، وأيضاً الفكرة الرئيسية تكاد تكون البحث عن جذور الشر في المجتمع المكسيكي، تحديداً في المناطق الأكثر عوزاً، وأيضاً كمرآة لدول أميركا اللاتينية بشكل عام.

ناهد راحيل

ناهد راحيل... مفاجآت «النقد البيئي»

وجاءت قراءات الناقدة الأكاديمية، الدكتور ناهد راحيل، خلال هذا العام امتداداً مباشراً لانشغال بحثي ومعرفي بمجال النقد البيئي أو الإيكولوجي، بوصفه أحد المسارات النقدية التي تعيد النظر في العلاقة بين الإنسان والطبيعة داخل الخطاب الثقافي والأدبي، فقد أصبحت الأسئلة البيئية اليوم جزءاً لا يتجزأ من فهمنا للأدب المعاصر، لا سيما في ظل تصاعد الأزمات المناخية، وانتشار المرض والأوبئة والكوارث البيئية.

في هذا السياق، توقفت راحيل عند دراسات عربية اهتمت بقضايا النقد البيئي؛ منها كتاب «السرديات الخضراء» للدكتور محمد الشحات، الذي يمثل إضافة نوعية للمكتبة العربية في مجال النقد البيئي وتطبيقاته السردية، فلم ينشغل الكتاب باستيراد المفاهيم البيئية الغربية فحسب، بل سعى إلى توطينها نقدياً داخل السياق الثقافي العربي، عبر قراءة واعية لتمثلات البيئة والطبيعة والجسد والمكان في السرد العربي الحديث، وعبر مقاربات تطبيقية تقترح فهماً للسرد بوصفه فضاءً للتفاوض بين الإنسان ومحيطه الطبيعي، وبين السلطة والمعرفة، وبين التقدم وحدوده الكارثية.

وتوقفت الناقدة الشابة كذلك عند كتاب «السرديات البيئية»، وهو كتاب جماعي أكاديمي من تنسيق وإشراف الدكتور مصطفى رجوان، والدكتور عادل المجداوي، يُعنى بإعادة صياغة المقاربات النقدية للسرد من منظور بيئي، وليس مجرد نقد بيئي تقليدي. وترجع أهمية الكتاب، بجانب الاهتمام بربط السرد الأدبي بالقضايا البيئية المعاصرة، إلى محاولة دمج السرديات البيئية بالسرديات البلاغية، أي قراءة النصوص السردية من خلال علاقاتها البيئية ومقوماتها البلاغية. ومن هنا يقترح الكتاب، عبر دراسات نظرية وتطبيقية وترجمات مختارة، تأسيس ما يمكن تسميته «السرديات البيئية» كمقاربة نقدية قادرة على تفكيك العلاقات المعقدة بين السرد والسلطة والمعرفة والفضاء الطبيعي.

علي قطب

علي قطب... بين محفوظ وطه حسين

ويصنف الروائي والباحث الشاب علي قطب القراءة بعدّها فعلاً متعدد التجليات، التي منها العودة إلى الجذور والبحث عن هؤلاء الذين ملأوا عقولنا وقلوبنا بالأفكار والمشاعر. وجاءت 2025 لتكون سنة إعادة قراءة بعض الأعمال الكبرى التي تمثل مشاريع ثقافية رائدة وعميقة، فقراءاته لنجيب محفوظ مستمرة، وأسفرت عن كتاب «الغناء والطرب في أدب نجيب محفوظ – قراءة نقدية ومعجم»، كما يستمر قطب في قراءة طه حسين صاحب المشروع المتكامل، فقد درس التراث وناقش معاصريه، كما قدم لنا رؤيته المستقبلية أيضاً عندما كتب عن «مستقبل الثقافة في مصر».

وتعمق علي قطب في قراءة «ثلاثية الأمالي» لخيري شلبي، المكونة من «أولنا الورق»، «ثانينا الكومي»، «ثالثنا الورق»، وهي ملحمة شعبية شديدة الإمتاع وتغوص في أعماق الروح المصرية، وتعد عملاً شديد الخصوصية يجمع بين الحداثة وتقاليد السرد التراثي.


مقالات ذات صلة

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

ثقافة وفنون تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة

حمزة عليوي
ثقافة وفنون «الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

كشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة

رشا أحمد (القاهرة)
ثقافة وفنون سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني

«الشرق الأوسط» (بيروت)
ثقافة وفنون 
محمد الماغوط

جنون الشعر أو شعر الجنون

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر.

هاشم صالح
ثقافة وفنون بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله.

فاروق يوسف

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية
TT

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

المشهد الأخير للزعيم المقتول عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون ظل سنوات طويلة هو الموضوع السردي المعلن، أو المُشار إليه ضمناً في روايات عراقية كثيرة كانت أنموذجاً لإشكالية الذاكرة والنسيان. وقد نتحدث باطمئنان، ربما، عما يمكن تسميته بـ«رواية الزعيم». وليس القصد هنا بتوصيف «الزعيم» ما يمكن أن نجده من توصيفات إيجابية، بكائية في حالات كثيرة، أو مادحة أو متحسرة على مشهد «الإعدام» لـ«الزعيم المحبوب»، إنما تتقصَّد رواية «الزعيم» إنتاج صور «رمزية» للزعيم المقتول غدراً. تدخل في هذا التوصيف روايات وقصص كثيرة لا يُظهر بعضها تعاطفاً مع مشهد الزعيم المقتول. أشهرها رواية فؤاد التكرلي الشهيرة «الرجع البعيد» التي لا تتردد الشخصيات فيها من السخرية من حكم الزعيم، بل وتتداول «أوصافاً» تحقيرية بحقه مثل صفة «الخبل» أو «المخبل» وغيرها، ولا تُظهر تعاطفاً مع مصيره وتعمد لتحميله مسؤولية مصرع بطلها الرئيس «مدحت».

هذه الصور المختلفة حافظت على حضورها وفاعليتها حتى ظهرت «صورة» مضادة، كلياً، تختص بمشهد الملك الضحية نسميها، هنا، بـ«نصوص» فيصل. وما بين «الرواية» و«النصوص» ثمة وظائف مختلفة للذاكرة واستعمالات متضاربة، بل ومتناحرة للنسيان.

منطق سردي

أيَّا كان موقف عالم الرواية، بالضد من الزعيم، أو مناصراً له، أو حتى محايداً، فإن هناك منطقاً سردياً لا تتراجع عنه الرواية، ولا تشكِّك به، يمكن اختصاره بأن السرد يقاوم، بضراوة، النسيان. نحن، هنا، إزاء رغبة عارمة بتذكُّر كل شيء، بما فيها التفاصيل الجزئية مما يهمله السرد غالباً. وقد أقول إن إحدى الخصائص السردية الأساسية في هذا النوع من الرواية هي الرغبة المتجذرة في استعادة العوالم المنسية، وقد نقول المقصية، أو المطرودة، بتعمُّد، غالباً، ويجري الإقصاء كذلك لكل التأويلات السياسية والثقافية، بل وحتى الصياغات اللسانية الدالة على ما جرى استبعاده من العالم الروائي.

في «الرجع البعيد: 1980»، مثلاً، وهي الرواية الأساسية في مدونة الكاتب العراقي فؤاد التكرلي، وقد تعلَّقت عوالمها بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي، نقرأ الإصرار على قول الحكاية كلها بتفاصيلها المختلفة. أفكر، هنا، بالحوارات المصاغة باللهجة البغدادية، الخاصة، ربما بمناطق بغداد القديمة، كما في باب الشيخ وما يتصل بها. تترك الرواية لشخصياتها أن تعبر عن نفسها، رفضاً أو قبولاً، لموجهات السرد المتحكمة، وأهمها حكاية الحاكم نفسه.

وفي هذا الصدد فإننا نسمع أصوات العجائز في الطابق العلوي، مثلما نقرأ الأشياء والشخصيات عبر صوت الصغيرة سناء. ثمة عالم كامل بصياغات نهائية يجري تقديمه لنا عبر تقنية الراوي المراقب الذي يسمح للشخصيات بالكلام والتفكير المتفق أو المخالف له، أو لسيد البيت وحاكمه. ومنه، مثلاً، المشهد الحواري الجامع بين مدحت وحسين، ثمة استعادة مربكة، وربما، غير مسوَّغة لتفاصيل حكائية تضطرب بينهما: حسين، زوج مديحة، المخمور دائماً، لا يجد ما يقوله لمدحت، الشاب المقبل على حياة كاملة، سوى أنه يغرق في سرد غير مترابط عن عوالم مختلقة، فيما يكفي مدحت بالاستماع له حتى يزجره غاضباً؛ فالأصل أن حسين غارق بعوالمه الخمرية المتداخلة مع سردية الزعيم. تنتهي عوالم الرواية بمشهد أخير يخبرنا عن مصرع مدحت باضطرابات صبيحة الثامن من فبراير (شباط) عام 1963، حين جرى الانقلاب البعثي على حكم عبد الكريم قاسم، فيما يبقى حسين حياً وراغباً بكتابة مذكراته.

فهل كان هذا شأن عوالم السرد في رواية «زعيم» سابقة مثل رواية «المخاض: 1974» لغائب طعمة فرمان؟ أفكر أن عوالم المخاض قد ضبطت إيقاعها سرديتان أساسيان، هما: سردية العودة، وسردية الذاكرة. لكن «الزعيم» يظل هو نفسه حاكم السرد وممثله الأوحد، ربما. يعود كريم داود لبلاده، بعد سنوات التشرد، ليستعيد بيته «وطنه» وعائلته «حكايته»، فلا يجد سوى «الزعيم» وحكاياته الوحيدة؛ فلا بيت، ولا عائلة، هناك رغبة باستعادة المفقودات والبحث عنها. إنه منطق السرد التشردي الذي يدفع بكريم إلى التجوال عميقاً في بغداد القديمة. لكن الرواية لا تخفي التزامها بمنطق حكاية الزعيم؛ فهو الناظم الأساسي للقصة كلها. وفي أثناء ذلك نستعيد عالماً كاملاً بأمكنته وسياقاتها الكلامية المختلفة عن بعض.

ثمّ إن رواية الزعيم تحافظ، حتى في زمن شيطنة الزعيم ذاته، على منطقها الأساسي بصفتها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا شأن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة: 2024» لعلي بدر الطامحة لأن تكون جزءاً من ثلاثية روائية عراقية تُعيد قراءة التاريخ. في رواية بدر تُستعاد العوالم العراقية كلها بتضادها واختلافها فيما يظل «الزعيم» وقصصه الناظم الرئيس للرواية. وفي المحصلة فإن الذاكرة تؤدي دوراً مركزياً في تقدم الرواية واطرادها، وتعمل بصيغة أرشيف ضخم للأحداث والعوالم المتصارعة.

«نصوص فيصل»: عظة النسيان غير المجدية

لحظة الملك فيصل الثاني، الذي قتل في 14 يوليو (تموز) 1958، هي عظة سردية أساسية في الرواية العراقية الأحدث. وهي تفارق رواية الزعيم مفارقة أبدية على كل الأصعدة. فلا صورة تراجيدية لزعيم مقتول وسط رفاقه الخلص، ولا أرشيف يُستعاد، بل ليس هناك حتى حياة وعوالم تكتمل أمامنا. ثمة، إذاً، استعمالات متفردة لمقولات النسيان. وهذا، ربما، هو السياق الطبيعي لرواية ما بعد الحداثة؛ فهي رواية النسيان غير المجدي؛ حيث الاقتصاد بكل شيء، بالحكاية ذاتها، بحياة تمر أمامنا سريعاً كما لو أنها «شذرة» سرية. أفكر، هنا، بمعنى الاحتمال بصفته أحد تجليات النسيان الكبرى، وهو كذلك في الصياغة السردية للرواية بصفتها نصاً مبشراً بمدونة فيصل التأسيسية. أتحدث عن رواية «1958: حياة محتملة لعارف البغدادي: 2018»، لضياء الخالدي، وهي رواية مميزة حقاً، وسبق لي أن كتبت عنها مقالة نشرتها «الشرق الأوسط» الغراء في سنة سابقة. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، فيما يؤدي النسيان دوراً مركزياً في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. ولأن النسيان قضية لا تخص فرداً بعينه وهي ليست خياراً جماعياً بعيداً عما تقبل به المؤسسة الحاكمة للسرد فإن الاحتمال هو الاقتراح المقبول.

فلا أحد ينسى برغبته؛ فالذاكرة هي حكايات وقصص؛ فكيف، إذاً، يتحقَّق النسيان هنا؟ تقترح الرواية صياغة معقولة تتجنب إشكالية التصادم بين سلطة الذاكرة والنسيان باعتماد حكاية مقترحة يجري فيها تعديل «نسيان» أساسي للحكاية الأصلية؛ فبدلاً من المضي مع الأصل الحكائي لسردية الحدث المركزي عام 1958 نجد أن الرواية تُبقي الأصل كما هو وتحافظ، بنسيان ما حصل، على الشخصيات الأساسية من دون تصادم؛ فالزعيم «قاسم» لا يقوم بتمرد عسكري على العائلة المالكة، إنما يجري الإبلاغ عن «المتأمرين» على العائلة ونظام حكامها ويُعدمون. هذه الصيغة المعدَّلة هي إحدى مواعظ النسيان المؤجلة لأجل أن تمضي الرواية بعالمها المتخيل. وفي هذا الصدد لا يكون من شأن رواية «حياة محتملة» أن تقترح تاريخاً، أو تُعيد تأسيس أو تخيل عوالم جديدة، إنها تقترح النسيان حلاً وجودياً لإشكالية الذاكرة المستعصية في تخيل عوالم رواية الزعيم.

وقد يفسر اقتراح النسيان خلو الرواية من الحياة المحتدمة باندفاعاتها الكبرى لشخصيات تطمح أو تكسل أو حتى تؤجل كل شيء وتمارس سردية الصمت المقاوم.

تكرر رواية «ساعة في جيب الملك» للكاتبة العراقية المتمرسة ميسلون هادي المنتمية لجيل أدبي سابق، الصياغة المتفجعة لمصرع الملك، ولكن بلا سرديات خاصة لصورة الملك الشاب المخذول. وهي بهذا إنما تستعيد سردية الزعيم وروايته المتشكِّلة على فجائعية مقتله. وقد نلاحظ أنها تستعيد منطق الراوي المراقب كذلك، فيما سنجد «نصوص فيصل» اللاحقة ستتخلى عن منطق «الراوي المراقب» وتعتمد تقنية «الراوي العليم». لماذا؟ لأن النسيان تفرضه سلطة أساسية يمكنها أن تفرض على مجتمع الرواية. لكن رواية ميسلون هادي ستحافظ على تيمة أساسية في نصوص فيصل، وهي «التقشف» و«الاقتصاد» البليغ في إنشاء العالم السردي للرواية. فلا حكاية أساسية تتولى الرواية عرضها. نحن إزاء حوارات موسعة بين نساء بغداديات كن، وما زلن، ربما، على صلة مؤكدة وحميمية بعالم «فيصل». وفي الحقيقة فإن التقشف هو أحد اللوازم الأساسية لسلطة النسيان؛ فالأصل أن الرواية تقترح «النسيان» بصفته إجراءً أساسياً لمعالجة مشكلة وجودية.

لكن رواية «الزعيم: خرائط وأسلحة» لعلي بدر تعيد «بناء» أو لنقل «تقدِّم» حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة. وهذه مفارقة كلية؛ فهذه الرواية سجَّلت تحُّكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف، وهو أحد تجليات الذاكرة المتسلطة. هذا سبب رئيس لاكتمالية حكاية فيصل؛ فلا سلطة للنسيان، إنما تستعيد الذاكرة الحكاية كلها من منطق سلطة الأرشيف وتعيد، من ثمَّ، منح «النسيان» وظيفة بنائية جديدة في حكاية «الزعيم». نحن، هنا، إزاء عوالم فيصل الأخيرة؛ إذ يجري استعادة كل شيء من منطق «بناء» حكاية فيصل نفسه، فنعرف مصيره، ومن قتله، وأين دُفن، وأمور أساسية تجاهلتها نصوص فيصل الأساسية. لكن حكاية فيصل المعاد بناؤها هي من بعض عالم الزعيم المفقود. وقد يكون علينا أن ننتظر صدور الأجزاء الأخرى لثلاثية «بدر» لنفهم أكثر؛ هل كانت رواية الزعيم بصدد «كتابة» تاريخية متخيلة عن الزعيم ذاته، أم أنها «خدعة» جديدة لكتَّاب نصوص فيصل؟


«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج
TT

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

«الإمتاع والمؤانسة»... تفاصيل حزينة لكتاب مبهج

يكشف كل من الكاتب والمؤرخ المصري أحمد أمين، والباحث أحمد زين، في مقدمة الكتاب الشهير «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيان التوحيدي عن مفارقة حزينة تتمثل في حالة البؤس والشقاء التي انتابت المؤلف وسعى للتخلص منها عبر تأليف عدد من المؤلفات منها هذا الكتاب، إلا أنه فشل في تحقيق غرضه رغم الطابع المبهج الذي يشير إليه العمل، وزاد يأسه حتى أنه حاول التخلص من أعماله بحرقها في أواخر حياته ونجا الكتاب من تلك المحاولة بأعجوبة.

نشأ التوحيدي يتيماً في بغداد حيث عاش في الفترة من 922 حتى 1023 ميلادية، وفق أغلب المصادر التاريخية، وهو فيلسوف وأديب موسوعي، يُعد من أبرز أعلام القرن الرابع الهجري، عمل في الوراقة، واشتهر بـ«فيلسوف الأدباء وأديب الفلاسفة»، كما امتاز بأسلوب أدبي رفيع وعمق فكري ومسحة صوفية، لكنه عاش حياة شقية مليئة بالصراعات التي انتهت بوفاته وحيداً بعد أن أحرق كتبه.

كما يذكر محققا الكتاب، الذي صدرت منه طبعة جديدة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ظل طيلة حياته يجاهد ويكافح في التأليف واحتراف الوراقة والنسخ وجوب الأقطار حيث يقصد الأمراء والوزراء لعلهم يكافئون علمه وأدبه، فلم يحظ من وراء ذلك بطائل وعاش كما يقول في بعض كتبه على نحو أربعين درهماً، مع أنه، كما يقول، رأى كل من حوله من العلماء والشعراء يحظون من الأمراء بالمال الكثير والحظ الوافر وليس أكثرهم يدانيه علماً أو يجاريه أدباً.

قصد التوحيدي العديد من أصحاب الجاه والسلطان في عصره مثل ابن العميد وابن عباد وابن شاهاويه وابن سعدان وأبي الوفا المهندس وغيرهم، ومدح وأطرى وبكى واشتكى وهدد وأوعد فما نفعه مدحه ولا ذمه ولا إطراؤه ولا هجاؤه في التخفيف مما عاناه رغم عطائه الأدبي الكبير. ولعل أقوم كتبه وأنفعها وأمتعها كتابه «الإمتاع والمؤانسة» الذي يقع في ثلاثة أجزاء.

يذكر المحققان أن أبا الوفاء المهندس كان صديقاً لأبي حيان وللوزير أبي عبد الله العارض فقرب أبو الوفاء أبا حيان من الوزير ووصله به ومدحه عنده حتى جعل الوزير أبا حيان من سماره فسامره سبعاً وثلاثين ليلة، كان يحادثه فيها ويطرح الوزير عليه أسئلة في مسائل مختلفة فيجيب عنها أبو حيان، ثم طلب أبو الوفاء من أبي حيان أن يقص عليه كل ما دار بينه وبين الوزير من حديث وذكره بفضله عليه في وصلة بالوزير مع أنه، أي أبا حيان، ليس أهلاً لمصاحبة الوزراء لقبح هيئته وسوء عادته وقلة مرونته وتواضع ملبسه، لدرجة أنه هدده إن هو لم يفعل سيغض عنه ويستوحش منه ويوقع به عقوبته وينزل الأذى به.

أجابه أبو حيان ونزل على حكمه وفضل أن يدون ذلك في كتاب يشتمل على كل ما دار بينه وبين الوزير من دقيق وجليل وحلو ومر فوافق أبو الوفاء على ذلك ونصحه بأن يتوخى الحق في تضاعيفه وأثنائه، والصدق في إيرداه، وأن يطنب فيما يستوجب الإطناب، ويصرح في موضع التصريح، فكان من ذلك كتاب «الإمتاع والمؤانسة».

قسم أبو حيان كتابه إلى ليالٍ، فكان يدون في كل ليلة ما دار فيها بينه وبين الوزير على طريقة «قال لي وسألني» و«قلت له وأجبته» وكان الذي يقترح الموضوع دائماً هو الوزير وأبو حيان يجيب عما يُقترح، فإذا أجاب أبو حيان على نحو أثار فكراً ومسائل عند الوزير فيستطرد إليها ويسأله عنها.

وأحياناً يتخذ الكلام شكل حوار، فأبو حيان مثلاً يروي عن الفيلسوف اليوناني ديوجانيس أنه سُئل متى تطيب الدنيا، فقال: «إذا تفلسف ملوكها وملك فلاسفتها»، فلم يرض الوزير عن هذا، وقال إن الفلسفة لا تصح لمن رفض الدنيا وفرغ نفسه للدار الآخرة فكيف يكون الملك رافضاً للدنيا وهو محتاج إلى سياسة أهلها والقيام عليها باجتلاب مصالحها ونفي مفاسدها، وأطال في ذلك.

موضوعات الكتاب متنوعة تنوعاً ظريفاً؛ لا تخضع لترتيب ولا تبويب إنما تخضع لخطرات العقل وطيران الخيال وشجون الحديث، حتى لنجد في الكتاب مسائل من كل علم وفن وأدب وفلسفة وحيوان وأخلاق وطبيعة وبلاغة وتفسير وحديث وغناء ولغة وسياسة وتحليل شخصيات فلاسفة العصر وأدبائه وعلمائه وتصوير للعادات وأحاديث المجالس وغير ذلك مما يطول شرحه.

وقد خاف أبو حيان من بعض ما ورد في الكتاب، حيث إنه في حديثه مع الوزير عاب أشخاصاً من رجالات الدولة الذين يستطيعون إيذاءه ، فرجا أبا الوفاء أن يحفظ هذا الكتاب سراً فقال: «وأنا أسألك ثانية على طريق التوكيد كما سألتك على طريق الاقتراح أن تكون هذه الرسالة مصونة من عيون الحاسدين العيابين بعيدة عن تناول أيدي المفسدين المنافسين فليس كل قائل يسلم ولا كل سامع ينصف»، وقد أنجز أبو حيان وعده وأرسل إليه الجزء الثاني على يد غلامه «فائق» أيضاً، ثم أرسل إليه الجزء الثالث وهو الأخير وقال في أوله:«أرسلت إليك الجزأين الأول والثاني وهذا الجزء وهو الثالث قد ألقيت فيه كل ما في النفس من جد وهزل وغث وسمين وشاحب ونضير وفكاهة وأدب واحتجاج واعتذار، ولأنه آخر الكتاب ختمته برسالة وصلتها بكلام في خاص أمري».

ويعلق المحققان بأنه أياً ما كان، فالكتاب ممتع مؤنس كاسمه يلقي الضوء كثيراً على العراق في النصف الثاني من القرن الرابع، فهو يتعرض لكثير من الشؤون الاجتماعية في ثنايا حديثه فيصف الأمراء والوزراء ومجالسهم كابن عباد وابن العميد وابن سعدان ومحاسنهم ومساوئهم، ويصف العلماء ويحلل شخصياتهم وما كان يدور في مجالسهم من حديث وجدال وخصومة وشراب، ويصف النزاع بين المناطقة والنحويين كالمناظرة الممتعة التي جرت بين أبي سعيد السيرافي ومتى بن يونس القنائي في المفاضلة بين المنطق اليوناني والنحو العربي، ورأي العلماء في الشعوبية والمفاضلة بين الأمم.

يكشف الكتاب عن أسلوب أبي حيان الأدبي الراقي كما عهدناه في كل كتاباته، يحب الازدواج ويطيل في البيان ويحتذي حذو الجاحظ في الإطناب والإطالة في تصوير الفكرة وتوليد المعاني منها حتى لا يدع لقائل بعده قولاً، ولكن عاب أسلوبه في هذا الكتاب تعرضه كثيراً لمسائل فلسفية عميقة قد عزّت على البيان ودقت عن الإيضاح، لكنه حين يخرج عن هذه الموضوعات الدقيقة إلى موضوعات أدبية كوصف فقره وبؤسه أو وصف للكرم وفوائده أو وصف للسان والبيان، جرى قلمه وسال سيله وأجاد وأبدع.


سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد
TT

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد

صدر حديثاً عن دار نوفل - هاشيت أنطوان كتاب «على خشبة الحياة»، وهو سيرة المسرحي اللبناني رفيق علي أحمد، «الذي استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني»، كما جاء في كلمة الناشر. يقع الكتاب في 356 صفحة، وفيه نقرأ عن أبرز المحطات في حياته منذ طفولته في الريف الجنوبي، ثم مجيئه إلى بيروت لدراسة المسرح في الجامعة اللبنانية وانطلاقه في عالم المسرح.

جاء في كلمة الناشر: «يُعدّ رفيق علي أحمد واحداً من أبرز أعمدة المسرح اللبناني المعاصر، وفناناً استطاع أن يحوّل الخشبة مساحةً حيّة للسرد الإنساني والوطني. على امتداد مسيرته الفنية، كرّس حضوره كممثل استثنائي يتميّز بقدرته الفريدة على مزج الأداء التمثيلي بالتجربة الحياتية، مقدّماً أعمالاً مسرحية تنبض بالذاكرة الجماعية وتعكس تحولات المجتمع اللبناني وتعقيداته.

تميّز بأسلوب مسرحي خاص يجمع بين الحسّ الحكواتي والاحتراف الأدائي، فنجح في تقديم عروض مسرحية منفردة تركت أثراً عميقاً لدى الجمهور والنقّاد على حدّ سواء، حيث استطاع أن ينقل تفاصيل الإنسان اللبناني وهمومه اليومية بلغة فنية صادقة وقريبة من المتلقي. ولم يقتصر تأثيره على الساحة اللبنانية، بل امتد حضوره إلى المسارح العربية، حيث شكّل نموذجاً للمسرح الملتزم الذي يجمع بين البعدين الفني والإنساني. في سيرته المسرحية هذه، يفتح رفيق علي أحمد نافذة على تجربته الإبداعية والشخصية، مستعرضاً رحلته في تحويل التجربة الفردية خطاباً فنياً جامعاً ومسيرته مع المسرح بوصفها فعل مقاومة ثقافية وذاكرة حيّة، كاشفاً عن كواليس عمله المسرحي الشخصي، ومانحاً القارئ المهتم بالمسرح اللبناني والعربي شهادةً عن عصرٍ كامل برموزه من زملاء المهنة، والمدارس المسرحية التي انتموا إليها؛ ليكون الكتاب بذلك مرجعاً مهماً لكلّ مهتم بالمسرح، بالإضافة إلى كونه شهادة فنية وإنسانية توثّق مسيرة أحد أبرز الأصوات المسرحية التي أسهمت في صياغة هوية المسرح اللبناني والعربي المعاصر».

وتميّز رفيق علي أحمد بأعماله المونودرامية وبمشاركاته في مسرح «الحكواتي»، واشتهر في لبنان والعالم العربي حيث عرضت مسرحياته في مهرجانات عدة، عربية، وكذلك في بعض المدن الأوروبية والأميركية، وحاز الكثير من الجوائز عن أعماله المسرحية والدرامية، من ضمنها جائزة أفضل ممثل في مهرجان قرطاج الدولي للمسرح.