هل تعيد الثقافة الرقمية تشكيل الجغرافيا السياسية؟

جبهة إسرائيلية «ثامنة» لاحتواء خوارزميات الغضب

هل تعيد الثقافة الرقمية تشكيل الجغرافيا السياسية؟
TT

هل تعيد الثقافة الرقمية تشكيل الجغرافيا السياسية؟

هل تعيد الثقافة الرقمية تشكيل الجغرافيا السياسية؟

شكل سقوط الحكومة البلغارية قبل أيام، عقب استقالة رئيس الوزراء روزين جيليازكوف، نقطة ارتكاز إضافية في فهم شكل مستجد من التحولات الاجتماعية العالمية. فالحدث في الخاصرة الأوروبيّة جاء تتويجاً لسلسلة مترابطة من الهزات السياسية التي ضربت خلال عامنا الحالي جنوب آسيا وعمق القارة الأفريقية ليصل تالياً إلى البر الأوروبي، مشكّلاً ما يمكن الزعم بأنه ظاهرة عالمية موحدة يقودها «الجيل زد»، خلافاً للنظريات الاجتماعية التقليدية التي وصفت هذا الجيل (مواليد 1997 - 2012) بالهشاشة النفسية وقصر مدى الانتباه بسبب إدمان «تيك توك» ووسائل التواصل الاجتماعي الأخرى.

العالم على بوابة الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين أمام مشهد يُعيد فيه هؤلاء الشبان - الذين نشأوا في ظل أزمات اقتصادية طاحنة وانهيار للعقود الاجتماعية، ولم يعد لديهم وهم الإصلاح التدريجي الذي آمن به آباؤهم - تعريف مفاهيم السلطة والشرعية والعدالة، مستخدمين البنية التحتية الرقمية ساحةً رئيسية للفعل العام، ونسق تحرك سياسي وثقافي جديد؛ ما دفع دولاً قلقة مثل إسرائيل إلى تدشين ما أسمته «الجبهة الثامنة» لمحاولة هندسة عقول هذا الجيل تقنياً بعد أن عجزت عن إقناعه سردياً.

الحراك الشبابي في جنوب وجنوب شرق آسيا جاء ليملأ الفراغ الذي خلفته القوى التقليدية. في دول مثل بنغلاديش، سريلانكا، نيبال وإندونيسيا، غابت التيارات اليسارية والتقدمية المنظمة عن المشهد، سواء بسبب التصفية التاريخية كما حدث في إندونيسيا، أو الانغماس في الفساد كما في نيبال، أو التآكل بسبب النزعات القومية في سريلانكا. في ظل هذا الغياب للقنوات السياسية المعتادة تحولت منصات التواصل الاجتماعي مثل «تيك توك» و«إنستغرام» في هذه المجتمعات «نظام تشغيل» بديلاً للحياة السياسية، وتجاوز الشبان بواسطتها مرحلة التنسيق الميداني إلى مرحلة فرض سردية بصرية على الحدث. فبدلاً من الصور الصحافية التقليدية، تناقلت وكالات الأنباء لقطات ومقاطع فيديو منقولة عن وسائل التواصل الاجتماعي لمتظاهرين يحتلون غرف نوم الرؤساء أو يقتحمون المقار الحكومية؛ ما أسس لقواعد اشتباك بصرية جديدة. هذه المشاهد قرئت بوصفها تحذيراً في الكثير من العواصم عن سقوط آت لهيبة السلطات التقليدية أمام غضب الجوع والبطالة عند الأجيال الجديدة، وتهديداً وجودياً للأنظمة السياسية القائمة.

في القارة الأفريقية، بدا أن هذه التحولات اكتسبت زخماً إضافياً بفضل العامل الديموغرافي، حيث بمتوسط عمر يبلغ 19 عاماً تمتلك القارة كتلة حرجة من الشباب الجاهز للانفجار السياسي. وكشفت الأحداث الأخيرة في كينيا، مدغشقر والمغرب عن ديناميكيات جديدة للاقتصاد السياسي لغضب الجيل الطالع هناك. إذ يعمل أغلب هؤلاء الشباب في قطاعات غير رسمية؛ ما يحررهم من سطوة الدولة البيروقراطية وقدرتها على الابتزاز الوظيفي. وتميزت هذه التحركات بـلا مركزية مطلقة، حيث غياب القيادة الهرمية جعل من المستحيل على الأجهزة الأمنية إجهاض الحراك عبر اعتقال الرؤوس؛ لأن الجميع قادة ميدانيون يمتلكون أدوات البث والتوثيق. وعززت هذه الحالة شعوراً معولماً بـالتضامن الرقمي، حيث يستلهم الشبان عبر الحدود تكتيكاتهم وشجاعتهم من نجاحات أقرانهم في الدول الأخرى.

لم تقتصر الحراكات على دول الجنوب في العالم الثالث، بل قدمت بلغاريا - أفقر دول الاتحاد الأوروبي - دليلاً آخر على فاعلية نهج السياسة الشبكية. فرغم أن «الجيل زد» يشكل نسبة محدودة من السكان، نجح الشباب البلغاري في كسر حالة مديدة من الجمود السياسي التي فرضت 7 انتخابات في 4 سنوات، وانتقل عبر تحويل منصات الترفيه قنواتٍ للتثقيف والتعبئة السياسية من خانة اللامبالاة إلى خانة الفاعل المرجح. لقد أثبتت الحالة البلغارية بشكل حاسم أن القدرة على الحشد الرقمي المكثف يمكنها إسقاط حكومات حتى في قلب أوروبا، متجاوزة بذلك القنوات الحزبية والبرلمانية التقليدية التي أصابها التكلس والشلل.

ثمة قوى كثيرة استشعرت الخطر من هذا النموذج الجديد، وتحديداً إسرائيل، التي قررت، في مواجهة انهيار التأييد العالمي لها بسبب حرب الإبادة في غزة، الانتقال من نموذج البروباغاندا التقليدية إلى هندسة البنية التحتية للمعلومات، وهو ما توّج بإعلان رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو فتح «الجبهة الثامنة» التي تركز كلياً على الفضاء الرقمي.

ولإسرائيل أن تقلق بالفعل، فقد كشفت البيانات عن أن المحتوى المؤيد لفلسطين على منصة «تيك توك» وحدها يتفوق بفارق هائل (17 ضعفاً) عن المحتوى المؤيد لإسرائيل؛ ما انعكس تحولات جذرية في نظرة الجيل الجديد لمشروع الدولة العبرية مقارنة بجيل آبائهم.

ولمواجهة هذا «الطوفان الرقمي»، اعتمدت تل أبيب حزمة استراتيجيات تقنية ومالية مكثفة لاستعادة زمام المبادرة الافتراضية، بما في ذلك التعاقد مع شركات متخصصة لضخ محتوى مصمم خصيصاً لاختراق وعي «الجيل زد»، ودفع مبالغ طائلة للمؤثرين لتبني الرواية الرسمية الإسرائيلية، وإنشاء محتوى يهدف إلى التأثير على مخرجات نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي.

ولعل الأخطر في هذا السياق هو التوجه نحو السيطرة على المنصة ذاتها. يُعدّ الدفع باتجاه استحواذ تحالف يقوده لاري إليسون (مؤسس عملاق التكنولوجيا «أوراكل» المزود الرئيسي لخدمات البيانات والمراقبة للأجهزة الأمنية وأحد كبار المانحين للجيش الإسرائيلي) على عمليات «تيك توك» في الولايات المتحدة، خطوة استراتيجية تهدف إلى امتلاك مفاتيح الخوارزمية. تمثل رؤية إليسون القائمة على المراقبة الشاملة وتحليل البيانات لضمان «حسن السلوك» تحولاً نحو عسكرة الفضاء الرقمي على نحو يتيح تحويل المنصات من ساحات للتعبير الحر إلى أدوات للضبط والمراقبة، بما يكفل وأد الروايات المعارضة قبل انتشارها.

هذه التطورات تضعنا أمام مفترق طرق تاريخي. إذ ثبت أن «الجيل زد»، من آسيا إلى أوروبا مروراً بأفريقيا، يمتلك القدرة على تفكيك الأنظمة القديمة وتجاوز الحدود الجغرافية لبناء تضامن عالمي. في المقابل، تسعى التحالفات بين الحكومات وشركات التكنولوجيا الكبرى إلى إعادة هندسة الإنترنت ليصبح أداةً للسيطرة والتحكم في تدفق المعلومات، وتفريغ وسائل التواصل الاجتماعي من إمكاناتها في دحض السرديات الاستعمارية وتعرية «الحقائق» المصنعة.

ولذلك؛ فإن التحدي الجوهري القادم للحراكات الشبابية لم يعد مقتصراً على قدرتها في تحويل «ثورة الغضب» الرقمية إلى مؤسسات سياسية مستدامة تملأ الفراغ بعد سقوط الحكومات، وتمنع انزلاق بلادها نحو الفوضى أو عودة الديكتاتوريات بأقنعة جديدة، بل تعداه إلى الفضاء السيبيري، حيث سيحتدم الصراع بين من يملك الحق في رواية القصة، ومن يملك القدرة على حجبها.

إنها لحظة فاصلة: فإما أن ينجح شبان الجيل الجديد في ابتكار نظام سياسي جديد لا مركزي يتناسب مع ثقافتهم الرقمية، أو تنجح استراتيجية «الجبهة الثامنة» في تحويل هواتفهم الذكية من أدوات للتحرر والفعل السياسي إلى أجهزة تعقب وتوجيه، ليعيشوا في ديكتاتورية خوارزمية ناعمة، يختارون فيها ما يشاهدون، لكنهم لا يختارون ما يُعرض عليهم.


مقالات ذات صلة

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

ثقافة وفنون معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

أن يُقحِمَ المرءُ الشعر في قلب المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها الإنسان مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية، فذلك عمل لا ينهض به سوى بشر قدّوا من قماشة خاصة:

ندى حطيط
ثقافة وفنون الفنان في مرسمه

هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

ليست فكرة مثيرة أن يستمر فنان في رسم صالون حلاقة باعتباره مصدر إلهام جمالي على مدار خمسة عشر عاماً.

فاروق يوسف
ثقافة وفنون سحر الحب الأول في رواية ألمانية

سحر الحب الأول في رواية ألمانية

تقوم الفكرة الرئيسية في رواية «الأرض الصلبة» للكاتب الألماني بينيدكيت ويلز، ترجمة زهراء باحكيم، على قوة الحب الأول وما يكتنفه من سحر ودهشة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

«علوم السرديات» و«الأقلمة الشعرية» لنادية هناوي

تذهب الباحثة والناقدة نادية هناوي إلى أن علوم السرديات ما بعد الكلاسيكية المستحدثة فيما قبل وخلال العقدين المنصرمين من الألفية الحالية كثيرة ومتشعبة

«الشرق الأوسط» (بغداد)
كتب بول أوستر و سيري هوستفدت

أرملة بول أوستر تستحضر 44 عاماً من الحب والكتابة المشتركة

«أنا حيّة... زوجي بول أوستر ميّت» بهذه الجملة الصارمة، تفتح سيري هوستفدت مذكراتها «حكايات شبح»، الصادرة عن دار نشر «غاليمار» 2026.

أنيسة مخالدي (باريس)

مهرجان البندقية يمنح كلوني «الأسد الذهبي» احتفاءً بمسيرته الحافلة

نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني (أ.ب)
نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني (أ.ب)
TT

مهرجان البندقية يمنح كلوني «الأسد الذهبي» احتفاءً بمسيرته الحافلة

نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني (أ.ب)
نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني (أ.ب)

أعلن منظمو مهرجان البندقية السينمائي، الاثنين، منح نجم «هوليوود» والمخرج الأميركي جورج كلوني جائزة «الأسد الذهبي» تقديراً لمجمل مسيرته الفنية خلال دورة هذا العام من المهرجان، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وكلوني (65 عاماً) من الوجوه المألوفة في المهرجان، وشارك فيه لأول مرة في 1998 بفيلم «آوت أوف سايت».

وشهد مهرجان البندقية العام الماضي العرض الأول لفيلم «جاي كيلي»، أحدث أعمال كلوني الحائز جائزتي أوسكار، كما سار إلى جانب براد بيت على السجادة الحمراء خلال العرض العالمي الأول لفيلمهما «وولفز» في 2024.

وأخرج كلوني أفلام «سابوربيكون» و«ذي آيدز أوف مارش» و«غود نايت آند غود لاك»، وعُرضت جميعها للمرة الأولى في مهرجان البندقية.

ومن أبرز مشاركاته الأخرى فيلم «غرافيتي» الذي افتتح المهرجان في 2013، وكذلك أفلام «ذا مين هو ستير آت غوتس» في 2009، و«بيرن أفتر ريدينغ» في 2008، و«مايكل كلايتون» في 2007، و«إنتولرابل كرولتي» في 2003.

وقال كلوني في بيان نشره المهرجان: «عشت لحظات استثنائية كثيرة في البندقية. إنه بلا شك مهرجاني المفضل، ويشرفني كثيراً الحصول على جائزة الأسد الذهبي. وربما يعني ذلك أيضاً أنني تقدمت في السن، لكنني سأقبل بذلك».

وصعد كلوني إلى النجومية بفضل المسلسل الدرامي «إي.آر» الذي تدور أحداثه في طوارئ مستشفى، وعُرض في تسعينات القرن الماضي. واحتفل بزواجه من أمل كلوني في حفل شهد حضور كوكبة من كبار النجوم في البندقية أيضاً في 2014.

وقال المدير الفني للمهرجان ألبرتو باربيرا: «بجمعه بين التمثيل والإخراج والإنتاج، أصبح جورج كلوني فناناً متكاملاً يتمتع بكاريزما ولديه شغف وإبداع أصيل... حوَّل مسيرته الكبيرة إلى واحدة من أبرز قصص النجاح في السينما المعاصرة».

وستنطلق الدورة الثالثة والثمانون لمهرجان البندقية السينمائي في الفترة من الثاني إلى 12 سبتمبر (أيلول)، على أن تُعلَن قائمة الأفلام المشاركة في وقت لاحق من هذا الشهر.


«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة

«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة
TT

«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة

«القافلة» تناقش تحديات النشر العربي... وتعيد الزهاوي إلى الواجهة

يحتوي العدد الجديد من مجلة «القافلة»، الثقافية التي تُصدرها شركة «أرامكو السعودية»؛ كبرى شركات النفط العالمية، على محتوى ثقافي ومعرفي، يتضمن عدداً من المقالات والملفات الثقافية والعلمية.

ويتتبع عدد «يوليو (تموز) - أغسطس (آب)» مسيرة الفكر الإنساني وتطوره ومشكلاته؛ من مسألة «التزوير» بوصفه اعتداءً على الثقة يمتد إلى العملات والأدوية والأعمال الفنية والسلع الفاخرة والأخبار الرقمية، وصولاً إلى مشكلات صناعة النشر؛ القضية التي باتت مؤرّقة لكل من دخل إلى مجال النشر مؤلفاً أو ناشراً.

وفي هذا العدد، أعلنت «القافلة» عن إطلاق منصة «القافلة بودكاست»، في خطوة جديدة تهدف إلى توسيع حضورها الرقمي، وإتاحة محتواها الثقافي والمعرفي عبر قنوات رقمية متنوعة تناسب جمهورها؛ فعبر برنامجيها «صوت القافلة» و«بورتريه»، يمكن الاستماع إلى مجموعة مختارة من مقالاتها، بما يمنح القراء فرصة الوصول إلى محتوى المجلة والاستفادة منه عبر الوسائط المختلفة.

مشاكل صناعة النشر

في قضية العدد، تتناول «القافلة» مسألة «صناعة النشر» وتحدياتها، رغم ازدهارها الكمي، وتبحث عن سبل تطويرها؛ فصناعة النشر تتطلّب معالجة العقبات التي تعيق نموها وفاعليتها الثقافية، لتتحوّل إلى صناعة مجدية اقتصاديّاً على جميع الفاعلين فيها.

وشارك في هذا الملف 3 كتّاب؛ هم: أحمد السماري، ومعجب الشمري، وأحمد شوقي علي.

فتحت عنوان: «صناعة النشر بين منطق السوق ورسالة الثقافة»، قال أحمد السماري، إنه خلال العقدين الأخيرين، شهدت صناعة النشر العربية توسعاً ملحوظاً من حيث عدد دور النشر، وكثافة الإصدارات، لكن المقارنة بين دور النشر العربية ونظيراتها الغربية تكشف عن فجوة واضحة في آليات العمل الاحترافي؛ ففي بيئة نشر متقدمة، لا تقتصر وظيفة الناشر على تلقي مخطوط وطباعته كتاباً ثم توزيعه كيفما اتفق؛ إذ إن العملية تبدأ من قراءة المخطوط وتقييمه، ثم تحريره، ثمّ بناء خطة متكاملة لإطلاقه، تتضمن الحملات الإعلامية والندوات والتوقيعات والتواصل مع النقاد والصحافة والمنصات الثقافية، كما تحضر الوكيل الأدبي بوصفه عنصراً رئيسياً في حماية الكاتب والتفاوض نيابة عنه، وإدارة حقوقه الفكرية والتجارية.

وتحدث عن غياب الوكيل الأدبي وغياب المعايير الاحترافية، وقال: «في الدول العربية، لا يزال الوكيل الأدبي غائباً أو محدود التأثير؛ لأن العائد الذي يحصل عليه الكاتب لا يسمح بتمويل عمل الوكيل الذي يتقاضى أجره نسبة من حقوق الكاتب، ولذلك يجد الكاتب نفسه وحيداً أمام دار النشر: يفاوض، ويوقّع».

وأيضاً لاحظ السماري أنه لا يمكن فهم أزمة النشر العربية بعيداً عن ضيق السوق القرائية أصلاً، فعدد القراء في الدول العربية، قياساً بعدد السكان، لا يزال محدوداً، وهو ما ينعكس مباشرة على حجم المبيعات والعوائد المالية، ثمّ على مستوى الخدمات التي تقدمها دور النشر.

لينتهي الكاتب إلى أن صناعة النشر العربية تحتاج اليوم إلى مراجعة شاملة تتجاوز الحنين الثقافي أو الشكوى التقليدية؛ فالمطلوب هو بناء منظومة متكاملة تبدأ من تحديث التشريعات المتعلقة بحقوق المؤلف، وتطوير العقود بما يحقق العدالة لأطراف الصناعة، وتفعيل دور الجمعيات والاتحادات المهنية، ورفع مستوى الشفافية والاحترافية. كما أن النهوض الحقيقي لا يتحقق دون توسيع قاعدة القراءة نفسها؛ لأن صناعة الكتاب لا تعيش بالكتابة وحدها، وإنما تحتاج إلى قارئ حقيقي ومستدام.

وفي الملف ذاته، وتحت عنوان: «الرقمنة لم تعد ترفاً»، كتب معجب الشمري: «يتمثل وجه آخر من الأزمة في طريقة تقديم الكتاب نفسه، فبعض دور النشر ما زال يتعامل معه بوصفه منتجاً ساكناً يكفي طرحه في السوق لينال حظه، في حين أن العالم تغير جذرياً. اليوم، يعيش القارئ محاصراً بمنافسة شرسة: منصات رقمية، وفيديوهات قصيرة، وألعاب تفاعلية، ومحتوى لحظي متدفق؛ فلم يعد كافياً أن تتقن طباعة كتاب جيد، ثم ننتظر أن يجد طريقه وحده إلى أيدي القراء. يُضاف إلى ذلك أزمة القدرة الشرائية في عدد من الدول العربية التي تعصف بها الضغوط الاقتصادية».

وتحت عنوان: «العدالة الواجبة بين ثلاثة ورابعهم القارئ»، كتب أحمد شوقي علي، متسائلاً: «كيف يسعر الكتاب؟»، قائلاً: «هناك فجوة ضخمة بين تكلفة النسخة الواحدة من الكتاب وسعر إتاحته للجمهور، الذي قد يتجاوز 3 أضعاف التكلفة الأصلية. لكن أسباب هذه الفجوة تتضح عند النظر إلى القسمة المالية الكلاسيكية بين أطراف الصناعة: إذ تقدر حقوق المؤلف بنحو من 10 في المائة إلى 15 في المائة، من سعر الغلاف، وتصل فعلياً إلى 18 في المائة، أو 12 في المائة بعد التخفيضات، في حين يحصل الناشر على حصة تراوح بين 40 و50 في المائة، ليتبقى لديه هامش ربح صافٍ يقارب 10 أو 15 في المائة بعد حسم تكاليف الطباعة والإنتاج، وفي المقابل، تذهب النسبة المتبقية التي تعادل من 40 إلى 50 في المائة من سعر الغلاف إلى الموزعين وتجار التجزئة، ولا يتوقف اختلال هذه المنظومة عند لحظة توقيع العقد أو تسلم الطبعة، وإنما يمتد ليكون التوزيع هو العقدة الكبرى التي تعطل وصول الكتاب إلى القارئ، ويتفق كثير من الناشرين العرب على أن تكلفة الشحن واللوجستيات وهشاشة شبكات التوزيع، تجعل الكتاب العربي أسيراً لمسارات قصيرة ومكلفة».

ويكمل قائلاً: «في المقابل، يجد الناشر نفسه تحت وطأة تغطية تكلفة الإنتاج والمصروفات التشغيلية، وهو ما يدفعه غالباً إلى تقليص حصة المؤلف، ويضاف إلى ذلك كله الارتفاع الحاد في تكلفة مدخلات الإنتاج، ففي بيئة تعتمد كلياً على استيراد الورق والأحبار، يصبح ارتفاع أسعار الكتب انعكاساً حتمياً لتكلفة الإنتاج وتراجع أعداد الطبعات، وليس بالضرورة رغبة في مضاعفة هوامش الربح».

ويلاحظ الكاتب أنه نتيجة لهذه التحديات الإنتاجية، تكشف الأرقام والبيانات عن هشاشة البنية التحتية لصناعة النشر العربي؛ إذ يوضح رئيس اتحاد الناشرين العرب محمد رشاد، أن إجمالي العناوين المنشورة في الدول العربية بأسرها لا يتجاوز 80 ألف عنوان سنوياً، مقابل 100 ألف عنوان في تركيا وحدها، وهو رقم لا يتناسب مع كتلة سكانية تتجاوز 400 مليون نسمة. كما تراجعت أعداد النسخ المطبوعة للإصدار الواحد، وفقاً له؛ لتراوح بين 50 و1000 نسخة في حدها الأقصى، ومما يفاقم هذه الهشاشة غياب الدعم الحكومي الممنهج، وضعف الميزانيات المخصصة للتزويد والشراء المؤسسي من قبل المكتبات العامة والجامعية.

الزهاوي: شاعر التنوع الثقافي

يضمّ هذا العدد من «القافلة» مقالاً يتضمن سيرة الشاعر العراقي جميل صدقي الزهاوي (1863 - 1936م)، بوصفه أحد روّاد التجديد الفكري والشعري، حيث يُعدّ الزهاوي أحد العلمين الشعريين مع معروف الرصافي في سنوات القرن العشرين الأولى، وهو الرجل الذي تباينت فيه آراء النقاد، وطالما لخصّ الزهاوي مواقف معاصريه منه، بقوله: «كنت في صباي اسمى (المجنون) لحركاتي غير المألوفة، وفي شبابي (الطائش) لنزعتي إلى الطرب، وفي كهولتي (الجريء) لمقاومتي الاستبداد، وفي شيخوختي (الزنديق) لمجاهرتي بآرائي الفلسفية»، وهو ما بيّن غربته عن عصره وزمنه وانفراده بالتعمق والتأمل.

كتب المقال حاتم الصكر، وفيه يؤكد نسبة الزهاوي إلى قبيلة «بابان» الكردية، متحدثاً عن تقييم معاصريه ونقاده، حيث رأوا أنه شاعر جدلي، وقد تفاوتت آراؤهم في أشعاره وأفكاره ومواقفه؛ «ذلك أنه تحرر من الأحكام المسبقة، وأبدى آراءه صريحة في تحرر الفرد والمجتمع، وفي النظر إلى الشعر والحياة والحرية».

ويضيف الكاتب أنه على الرغم من أن الزهاوي ينحدر من أسرة كردية؛ فقد جعلت منه الثقافة العربية، والوظائف التي شغلها، مثالاً لملتقى لغات وآداب مختلفة؛ فكان يحسن إلى جانب العربية، كلاً من الكردية والتركية والفارسية، ويكتب فيها ويترجم عنها. هذا التنوع في ثقافة الزهاوي وحياته، وتبدل أماكن إقامته ومهنه، انعكس في أشعاره ومواقفه، فوجدناه يكتب النثر المسترسل من دون أي ولع بالمحسنات السطحية، مثل السجع المكلف الفاقد للضرورة الدلالية والإيقاعية، وهو ما كان معاصروه التقليديون من الإحيائيين يختمون به فقرات نثرهم الفني.

وعن رأي الزهاوي في الشعر، يقول الكاتب: «كان مفهومه لماهية الشعر متقدماً قياساً إلى سياقات عصره؛ فهو لا يراه ذلك الكلام الموزون المقفى الدال على معنى كما جرى تعريفه تقليدياً؛ بل يربطه جمالياً بالشعور والتعبير الصادق، وبالشكل المناسب فنياً عمّا يحسّ به الشاعر:

ما الشعر إلا شعوري جئتُ أعرضه

فانقدْهُ نقداً شريفاً غير ذي دخلِ

الشعرُ ما عاش دهراً بعد قائلهِ

وسار يجري على الأفواه كالمثلِ

والشعرُ ما اهتزَّ منه روح سامعه

كمن تكهرب من سلك على غفلِ

يا شعرُ إنك أحلامي التي حسنتْ

وأنت ذكرى شبابي الناعم الخَضِلِ».

ويذكر الكاتب أن الزهاوي كان مناصراً للمرأة، داعياً إلى إنصافها اجتماعياً وثقافياً، ومطالباً بحقها في التعلم والمساواة الاجتماعية، كما عرف عنه تقديسه للتعلم وجعل ذلك جزءاً من رسالته. وفي مكان آخر من مسيرته، كان مدافعاً عن استقلال العراق وحريته بعد عقود من الانتداب والاحتلال، فلم يتوانَ عن مقارعة المستعمرين والمحتلين للبلاد العربية:

على كل عودٍ صاحبٌ وخليلُ

وفي كل بيتٍ رئةٍ وعويلُ

كأنّ وجوه القوم فوق جذوعهم

نجومُ سماءٍ في الصباح أفولُ

التزوير: اعتداء على الثقة

يفتح العدد الجديد من «القافلة» ملف التزوير، معتبراً أنه يمثل طيفاً واسعاً يبدأ من الجناية الواضحة، ويمر بالاحتيال الاقتصادي والثقافي، وينتهي عند أسئلة الإنسان عن الصدق والصورة والحقيقة. ولذا، هو في معظم صوره فعل جرمي واضح، تعاقب عليه القوانين وفقاً لخطورته ونتائجه؛ لأن النسخة الكاذبة يمكنها أن تهدم نظاماً كاملاً من الثقة.

يقول المقال: «العملة المزيفة تهدد قيمة النقد الوطني، والدواء المزيف يهدد الحياة، والوثيقة المزيفة تهدد العدالة والإدارة، والسلعة المزيفة تهدد الاقتصاد وحقوق الملكية، والعمل الفني المزيف يعتدي على التاريخ والذاكرة، والخبر المزيف يضرب وعي الناس وقدرتهم على الحكم، وأخطر ما فيه أنه لا يسرق الشيء فقط؛ بل يسرق أيضاً قدرتنا على تصديق الأشياء».

ويضيف: «يعيش التزوير، في جانب منه، في الأزقة الخلفية أو الورش السرية، ولكن ما إن تنتقل مخرجاته إلى العلن، حتى ترى بعضها يختال أمامنا في الأسواق الكبرى والمتاحف، ويتسلل إلى الصيدليات والمنصات الرقمية وشاشات التلفزيون».

ويكمل: «عمر التزوير من عمر الحضارات؛ إذ عثر علماء الآثار في مصر على حبيبات من الخزف، تعود إلى الألف الثاني قبل الميلاد، مطلية باللون الأزرق لاستخدامها في الحلي بديلة عن الفيروز الثمين، ومنذ ذلك الحين، وفي كل مرة أنتجت حضارة ما شيئاً ثميناً، نشأ في الظل من يعمل على تصنيع شيء يشبهه».


الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟

ألبيير كامو
ألبيير كامو
TT

الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟

ألبيير كامو
ألبيير كامو

في هذا الصيف، تتصاعد درجات الحرارة في عواصم القارة العجوز إلى مستويات كانت حتى وقت قريب تُعدّ استثناءً، فتنبثق من ثنايا الذاكرة تلك النصوص الأدبية الكبرى التي سبقت العلماء إلى تشخيص ما يجري، وسبقت المتنبئين الجويين إلى إدراك حقيقة ساطعة: الحرارة، حين تبلغ حدّ الجحيم، لا تُغيّر المناخ وحده، بل تُغيّر الإنسان من الداخل.

ومن أهمّ سرديات القيظ ما كتبته الروائية جورج صاند في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول) عام 1870، في قرية «نوهان» الصغيرة وسط فرنسا. لم تكن صاند في رحلة، ولم تكن تكتب رواية، بل كانت تُدوّن ما تراه بعيون لا تكاد تُصدّق ما ترى. الكاتبة التي أدهشت أوروبا بإنتاجها الروائي الهائل وجرأتها الاجتماعية غير المسبوقة، وقفت أمام صيف لم تعرفه فرنسا من قبل، فكتبت في «يوميات مسافر في زمن الحرب» هذه المقاطع التي نشرتها مجلة «رفيو دو دو موند»: «صيف لم أره قط، ولم أكن أظنّه ممكناً في مناخنا المعتدل: أيام كان فيها الزئبق في الظل يرتفع إلى خمس وأربعين درجة، لا بقعة عشب، لا زهرة واحدة في مطلع يوليو (تموز)، الأشجار تصفرّ وتسقط أوراقها، والأرض المتشققة تنفتح كأنها تريد أن تبتلعنا، والفزع من نقص الماء يتعاظم يوماً بعد يوم...».

وما يجعل هذا المقطع أكثر من مجرد شهادة مناخية هو ما يليه في يومياتها: «الحديث عن عطش الفلاحين الذين لا يجدون ما يسقون به مواشيهم، عن الأوبئة التي تنتشر في المناطق الريفية، عن الحرائق التي تلتهم ما أبقت عليه الشمس».

فصاند لا تصف مشهداً طبيعياً، بل تُؤرّخ لانهيار نظام كامل: نظام الحياة الريفية الفرنسية حين تتخلى عنها السماء. وقد وصفت ذلك كله بعبارة أشدّ قسوةً من أي تقرير علمي، فهو في نظرها «مظهر من مشاهد نهاية العالم».

ولأن هذا الوصف صدر من قلم جورج صاند، ولأن فرنسا كانت تخوض في الوقت ذاته حرباً مهلكة ضد بروسيا، فإن الطبيعة والتاريخ يتشابكان في يومياتها تشابكاً يجعل القيظ يبدو عقاباً كونياً لا ظاهرة عارضة.

وبعد صاند بسبعة وسبعين عاماً، فتح ألبير كامو نافذة أخرى على الحرارة، لكنها نافذة تطلّ هذه المرة على البحر الأبيض المتوسط. ففي روايته «الغريب» الصادرة عام 1942، يرتكب مورسو جريمته على شاطئ جزائري تحت وطأة شمس لا تعرف الرحمة، وما يجعل هذا المشهد علامةً في تاريخ الرواية الحديثة هو أن الشمس ليست فيه خلفيةً موصوفة بل فاعل درامي بامتياز: فهي التي تدفع الحدث نحو ذروته، وهي التي يُحاسَب عليها البطل أمام القضاء. حيث يكتب كامو ما يلي: «بدا لي الرمل المحموم أحمر قانياً، وكنا نتقدم بخطى متساوية نحو العرب، وكانت المسافة الفاصلة بيننا تتقلّص باطراد..» في هذا المقطع الموجز يختزل كامو فلسفةً بأكملها.

فيكتور جيستان

فالشمس ليست رمزاً يُقرأ من خارج النص، بل حضور شبه جسدي، كائن ذو إرادة، وهذا ما يجعل مورسو ضحيةً قبل أن يكون جانياً. وحين تسأله المحكمة لماذا أطلق النار؟ يُجيب في لحظة صدق: «بسبب الشمس». والجواب طبعاً هراءٌ في منطق القانون، لكنه يحمل عمق الحقيقة في فلسفة كامو: العالم لا يُفسَّر، والحرارة لا تُحاكَم. وفي مجموعته التأملية «أعراس» التي أصدرها عام 1936، يمنحنا كامو الوجه الآخر لهذه الشمس ذاتها: «الشمس الجزائرية التي تبسط الإنسان على الأرض وتجعله يشعر بأنه جزء من شيء أكبر منه، حرارة تصالح لا حرارة تقتل». وبين الكتابين يقيم كامو على حدّ السكين: فالشمس يمكن أن تكون نعمة ويمكن أن تكون لعنة، وما الذي يُقرّر أيّهما هي؟ الإنسان نفسه، في لحظة اختياره الكبرى.

أما لويس فرديناند سيلين، فقد اختار للحرارة وجهاً لا مراوغة فيه ولا شاعرية. ففي ملحمته الروائية «السفر إلى آخر الليل» الصادرة عام 1932، تسكن الحرارة النص منذ أولى صفحاته: باريس تخلو من بشرها في يوم صيفي «بسبب الحرارة»، وفي هذه الجملة العابرة يُقيم سيلين برنامجه السردي بأكمله.

فالحرارة عنده ليست موضوعاً يُعالَج، بل بيئة تُصنع داخلها الكوارث. وحين يصف بطله فيردينان بارداموا تجربته في أفريقيا الاستعمارية، يصنّف الحرارة المدارية بين أعداء الحياة الكبار، بكلمات قاطعة وجافَّة تُعدّد العذابات دون أن تطلب تعاطفاً. وفي «موت بالتقسيط» الصادر عام 1936، يذهب سيلين خطوةً أبعد نحو رؤية الجسد البشري كمادة قابلة للاحتراق.

جورج صاند

فالحرارة عنده لا تُؤرَّخ ولا تُحلَّل فلسفياً، بل تُعاش على مستوى الأحشاء، وتُترجَم في لغة خشنة لاهثة تبدو في ذاتها منسوجةً تحت شمس لا تعرف الرأفة. وما يُميّز سيلين عن صاند وكامو هو أنه يُجرّد الحرارة من أي بُعد شاعري: فعنده هي سجنٌ إضافي يُضاف إلى سجون الفقر والحرب والمرض، تلك السجون التي يتحمّلها صغار الناس دون أن يُسمع لهم صراخ.

وفي المشهد الأدبي الفرنسي المعاصر، يأتي فيكتور جيستان ليُثبت أن هذا التقليد لم يختفِ، بل تجدّد وتعمّق. ففي روايته «الحرارة» الصادرة عام 2019 عن دار نشر «فلاماريون»، والتي لاقت استحسان النقاد ورُشّحت لعدة جوائز، يضع بطله الشاب «ليونار» في مخيم صيفي شاطئي يعجّ بالأجساد والضجيج. هناك يكتشف جسداً ميتاً ويُقرّر، في لحظة ذعر صامت إخفاء ما رأى.

والحرارة في هذه الرواية ليست ديكوراً بل طاقة خام تُذيب الحدود بين المسموح والمحظور، بين ما نفعله وما نُقرّ بفعله. إذ قال جيستان، في أحد حواراته، إن غايته كانت «جعل الاختناق الأخلاقي يمرّ عبر الجسد»، بحيث تفضح الحرارة ما يعجز الوعي عن تسميته.

وهنا تلتقي روايته مع السلسلة الأدبية الكاملة التي سبقته: فمن يوميات صاند إلى رواية كامو إلى ملحمة سيلين، يوجد وعيٌ مشترك عميق بأن الصيف المحترق ليس فصلاً في التقويم بل اختبارا وجودي؛ مساحة تسقط فيها الحواجز المصطنعة، وينكشف فيها الإنسان على حقيقته، مشرِّفة كانت أم مُخزية.

ولعلّ ما يجعل هذه النصوص مجتمعةً أكثر من مجرد أعمال تجمعها صدفة موضوع، هو أنها تُقدّم، كلٌّ في طريقتها، إجابةً عن سؤال يطرحه اليوم المناخيون والفلاسفة والمواطنون العاديون على حدٍّ سواء: ما الذي يفعله القيظ بالروح البشرية؟

وصفت جورج صاند القيظ الذي طال فرنسا عام 1870 بأنه «نهاية العالم»، وجعل كامو الشمس شاهدةً على جريمة