لاركن... شاعر أحبه الناس واختلف عليه النقاد

أربعون عاماً على رحيل صاحب «الأقل انخداعاً»

لاركن... شاعر أحبه الناس واختلف عليه النقاد
TT

لاركن... شاعر أحبه الناس واختلف عليه النقاد

لاركن... شاعر أحبه الناس واختلف عليه النقاد

مرت قبل أيام الذكرى الأربعون لرحيل الشاعر الإنجليزي فيليب لاركن عن ثلاث وستين سنة (1922-1985). وهو يعتبر من أحب الشعراء الإنجليز شعبياً، لكن النقد ما زال منقسماً حول شعره، وشخصه أيضاً، كما أن الدراسات النقدية عنه، سلباً وإيجاباً، لم تتوقف منذ رحيله، وهناك دورية منتظمة تحمل اسمه، وكذلك ينتصب تمثال له في كنغستن أبون هول، حيث عمل ومات.

كل هذا الحضور الكبير في المشهد الشعري البريطاني، والعالمي أيضاً، وهو لم يصدر سوى أربع مجموعات شعرية في حياته، ويمكن اعتبارها ثلاثاً، فمجموعته الأولى لم تنل أي اهتمام يذكر، ولم يلفت الانتباه النقدي إلا بعد مجموعته الثانية «الأقل انخداعاً»، التي اعتبرت على نطاق واسع من أهم المجموعات الشعرية الصادرة في سنة 1955.

ومع ذلك، لم يختلف نقاد حول شاعر كما اختلفوا حول لاركن. في كتابه الصادر 2011، «فيليب لاركن: قصائد»، يقول الروائي مارتن آمس، ابن الشاعر والروائي كينغسلي آمس، الذي كان صديقاً حميماً للاركن:

«كانت هناك محاولات للتقليل من مكانة لاركن، لكنه لا يزال هنا، ولا تزال أعماله تُقرأ، ولا يزال عنصرياً وكارهاً للنساء بشكل واضح (وإن لم يكن في القصائد)». وهو محق. فكثيراً ما يحاول الناقد والشاعر توم بولين، مثلاً، تشويه سمعة لاركن الشعرية استناداً إلى عدد قليل من رسائله الخاصة، بينما يرى غراهام هولدرنس أن شعر لاركن «شعر بسيط»، ويذهب أبعد من ذلك معتبراً إياه «شعراً تمثيلياً مستنداً إلى فلسفة الشعر الإنجليزي المميزة: التجريبية».

وبالتالي، يستنتج خطأً أن لاركن «يكتفي برؤية سطح الحياة ومحاكاته، رافضاً التعمق في الفكر أو في بنية لغوية جديدة لاستكشاف أعماق وتعقيدات التجربة أو الكلمات». ويجادل والين بأن لاركن «شاعرٌ مباشر»، لكنه، يناقض كلامه بعد قليل، ناسباً لشعره بعض العناصر الميتافيزيقية الغامضة. وهاجمت جيرمين غرير، الكاتبة «النسوية» الأسترالية، لاركن بشدة بعد نشر رسائله المختارة، قائلة إن شعره «بسيط، وشعبي وعامي»، وإن «الموقف الذي يعبر عنه» معادٍ للفكر، وعنصري، وجنساني، وذو وعي طبقي فاسد».

أما بالنسبة لجيمس وود، فلاركن «سجل صغير للإحباط... بيروقراطي الإحباط»، بينما يعتبره كل من برايان أبليارد وبيتر أكرويد شاعراً إقليمياً.

من جانبه، كتب أندرو دنكان أن لاركن «محبط، بارد، ممل، يفتقر إلى الموهبة الأدبية، ولم ينجح أبداً في كتابة قصيدة جيدة».

يمكن تسمية هذا النقد بـ«نقد السيرة الذاتية»، إذا استخدمنا مصطلح جون أوزبورن، الذي «يفترض أن حقيقة الأدب تكمن في إخلاصه للتجربة المعاشة للكاتب». ويشير أوزبورن أيضاً إلى أنه من بين عشرين إلى ثلاثين كتاباً نقدياً ونحو ستين مقالاً قيّماً عن لاركن، فإن أكثر من تسعين في المائة منها يستخدم منهج السيرة الذاتية.

على مستوى النقد الأدبي، يمكننا تقسيم هذا النقد إلى نوعين رئيسيين: يرى النوع الأول أن لاركن شاعر مفتون بالحرمان والوحدة والخسارة، التي تقترب من العدم أو السلبية على الأقل. ويفشل هذا النقد في رؤية أن الحرمان بالنسبة للاركن، كما قال مرة، هو ما كانت عليه أزهار النرجس بالنسبة لوردزورث. إنه مفروض ذاتياً كوسيلة للتسامي، كما سنبين، والهروب من عالم الاستهلاك، ومحاولة لفصل الفن عن المجتمع، والذات عن الآخرين. إنه ليس نتاجاً لاضطراب نفسي، ولا كراهية للنساء، أو مرض نرجسي أو عدم ارتياح يشعر به تجاه شكله الجسماني، كما يوحي بعض النقاد، بل هو نتاج تأمل في الذات، وفي تدهور مجتمع وثقافة ما بعد الحرب، والشيخوخة والموت.

النوع الثاني من النقد ينظر إلى شعر لاركن على أنه غامض ومتناقض، ويشير إلى وجود «شخصيتين» عند لاركن.

والحقيقة، أن لاركن الناضج لم يختلف جوهرياً عن المراهق والشاب، إذ واصل، بطرق مختلفة، تجربة الطفولة، التي هي «ملل منسي»، كما يقول في قصيدته «قادم». والشعور بالغربة والاغتراب عن العالم الخارجي ميزا الكثير من شعره المبكر واللاحق. في قصيدة تعود إلى عام 1938، كتب لاركن: «شبكة من الضباب العائم فوق الغابة والأرض القفر/ هادئة كالموت/ يتسلل الليل المظلم، ويترك العالم وحيداً»، (الأعمال الكاملة ص 225) أو: «في الخارج، ستلسعك الغابة، تذوب، ثم تعود/ في الداخل، ستحترق الشمعة». (CP الأعمال الكاملة، 233).

وفي عام 1946، بعد ثمان سنوات، كرر المضمون نفسه تقريباً: «أرى أن الجدران قتلت الشمس/ والضوء مات» (الأعمال 12). وبعد ما يقرب من ثلاثين عاماً، عبر عن الشعور نفسه بالوحدة والقلق الوجودي وبالصور نفسها تقريباً: «في دهاليز خاوية، تحترق الأضواء/ كم هي معزولة، مثل الحصن/ الورقة المعدة لكتابة رسائل المنفى إلى الوطن/ (إذا كان الوطن موجوداً) (الأعمال 163)». وعكس هذا الإحساس عندما كتب أن «دي إتش لورنس مهم بالنسبة له مثل شكسبير بالنسبة لكيتس»، لأن الرسالة الحقيقية للورنس هي أن: «كل شخص وحيد... الجميع غير قادرين على فعل أي شيء أكثر من لمس بعضهم البعض».

في هذه الفترة، كان هناك انسجام بين لاركن الشاعر وشخصيته، سواء في الشعر أو النثر. في روايتيه «جل» و«فتاة في الشتاء»، تسحق الشخصيات الرئيسية مشاعر الاغتراب والغربة. في «جل»، يلتحق جون كيمب بأكسفورد للدراسة، لكنه سرعان ما يشعر بالغربة. ملاذه الوحيد كانت غرفته. تدريجياً، تتحول أكسفورد إلى «مدينة وهمية، حتى تُشبه مدينة تي. إس. إليوت في «الأرض اليباب». وفي رواية «فتاة في الشتاء»، نلتقي بكاثرين، وهي لاجئة طردتها الحرب من بلدها. كلا البطلين «يُتركان في حالة استسلام مطلق، بلا مكان يذهبان إليه». كلاهما متردد في البقاء في أي مكان، ربما باستثناء غرفتهما الخاصة، لأنهما لا يستطيعان «إيجاد مكانهما المناسب»، مثل لاركن نفسه، كما يقول في قصيدة «الأماكن، أيها الأحباء»: «لا، لم أجد قط/ المكان الذي يمكن أن أقول عنه/ هذا مكاني المناسب/ سأبقى هنا». (الأعمال، 99)

لا يقصد لاركن هنا بالمكان موقعاً جغرافياً معيّناً. وقد أكد ذلك عندما سُئل عن مدينة هول، حيث عاش لمدة ثلاثين عاماً، في مقابلة مع صحيفة الأوبزرفر عام 1979: «أنا لا أعي حقاً أين أعيش».

يمكن إحالة الخلاف حول شعر وشخصية لاركن إلى سببين رئيسين: السبب الأول أن لاركن كتب شعراً مختلفاً تماماً عن شعر مجايليه منذ مجموعته الثانية «الأقل انخداعاً»، التي برزت فيها السمة الأساسية التي ميزت شعره: اللاانتماء بالمعنى الوجودي. وهي ظاهرة غريبة على الشعر الإنجليزي الذي عرف عموماً بنزعته الواقعية، فلم تزدهر فيه ظاهرة الدادائية ولا السريالية مثلاً كما في الأدب الفرنسي - باستثناء ديفيد غاسكوين الذي عاش لفترة في فرنسا- وذلك لأسباب اجتماعية وثقافية مختلفة لا مجال هنا للخوض فيها. ولعل هذا يفسر عدم وجود دراسات نقدية تتناول هذه الظاهرة، باستثناء كتاب «اللامنتمي» لكولن ويلسون، الذي نُشر عام 1956 وركز فيه فقط على الكُتّاب الأجانب، باستثناء ت. إ. لورانس، مؤلف كتاب «أعمدة الحكمة السبعة»، وهربرت جورج ويلز، الذي عرف بأدب الخيال العلمي.

لم نقرأ في الأدب البريطاني نقداً يتناول لاركن، إنساناً وشاعراً، باعتباره لا منتمٍ، ما عدا بعض الإشارات إلى حياته الشخصية كشخص منعزل وأعزب، وهي إشارات ليست لها أية علاقة بظاهرة اللاانتماء، كتوجه أدبي وفلسفي. إن عدم النظر إليه من هذا المنظور، دفع نقاده إلى اعتبار شعره غامضاً ومتناقضاً، وإلى القول بوجود «لاركنين» أو «جانبين» له. ولكن من خلال النظر إلى لاركن كشاعر وإنسان لا منتمٍ، بالمعنى الوجودي، سنرى أنه كان في انسجام مع نفسه. منذ البداية، كانت لديه آراؤه الوجودية الخاصة فيما يتعلق بالحياة والفن، والذات والآخر، والقلق والاغتراب وحرية الاختيار، كما لو أن جميع أعماله مجرد قصيدة واحدة، يتأمل فيها تلك القضايا الكبرى التي شغلت البشرية في القرن العشرين.

والسبب الثاني، هو موقفه من المرأة، اعتماداً على حياته الخاصة، إذ يرى منتقدوه أنه كان يعاني من عقدة النقص، ومن مظهره الجسدي. لكن بتحليل قصائده، وبعض رسائله الشخصية، سنجد أن مشاكله مع النساء كانت جزءاً من صراعه الأوسع مع الحياة كإنسان لا منتمٍ، وهي تنسجم مع موقفه الوجودي تجاه المجتمع والحياة والالتزام. إنه متردد دائماً، عاجز عن الفعل، بل حتى مجرد رد فعل.

ولهذا السبب، كان يجد مهربه، وعزاءه أيضاً، في عملية التسامي، مستخدماً أنواعاً مختلفة من التقنيات، في قصائده الرئيسية على الأقل، لخلق هذه العملية، التي تساعد الشاعر على تجاوز الأشياء التي يواجهها، والأفكار التي يتأملها، والبيئة المحيطة به، ورفعها إلى مستوى التجريد، حيث نشعر بالسعادة والتحرر من واقعنا الكئيب وتناقضات وجودنا. وهكذا، يبني لاركن عالماً خيالياً، تندمج فيه الذات والموضوع في وحدة واحدة. يستخدم لاركن المواد المادية للواقع، التي يجمعها بوعي، كجسر إلى عالم خيالي، يشعر فيه بالانتماء، ويمكنه أن يقول «هذا مكاني المناسب». لهذا السبب، فإن شعر لاركن يبدو أكثر تعقيداً مما يظنه بعض نقاده، لأنه، أولاً، يعمل على مستويات وجودية مختلفة، وثانياً، بسبب عملية إعادة الخلق والتسامي المتطورة التي يستخدمها في محاولاته لإيجاد إجابات للأسئلة الأساسية التي شغلت عصره، ولا تزال تشغل عصرنا.


مقالات ذات صلة

سنوات جبران الباريسية

ثقافة وفنون سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون،

شاكر نوري
ثقافة وفنون الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة

«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

في كتابها «إسكندرية فين؟.. رحلة تناجرا» الصادر أخيراً عن دار العين للنشر بالقاهرة، لا تنطلق الكاتبة والباحثة المصرية ياسمين عبد الله، في بحثها عن مدينتها

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق أجاثا كريستي تحتسي الشاي على شرفة المدرسة البريطانية لعلوم الآثار في بغداد خلال الخمسينيات (فيسبوك) p-circle 01:43

«ملكة الجريمة» مرَّت من هنا... أجاثا كريستي ورواياتها في العراق ومصر وبلاد الشام

ولدت الكاتبة أجاثا كريستي في مثل هذا التاريخ قبل 136 سنة. اشتهرت برواياتها البوليسية، لكن قلّة تعرف أنها أمضت جزءاً من حياتها متنقّلةً بين البلدان العربية.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط..

د. ماهر شفيق فريد
ثقافة وفنون «ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى

رشا أحمد (القاهرة)

سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية
TT

سنوات جبران الباريسية

سنوات جبران الباريسية

عاش جبران خليل جبران مرحلةً مفصليةً من حياته في العاصمة الفرنسية باريس. ففي الأول من يوليو (تموز) عام 1908، غادر مدينة بوسطن متوجهاً إلى باريس ليدرس الفنون، وذلك بفضل الدعم المالي من راعيته وملهمته الأميركية ماري هاسكل. وشكلت هذه الرحلة المنعطف الأبرز في مسيرته الروحية والفنية، إذ تحول من فنان هاوٍ يعتمد كلياً على موهبته الفطرية، إلى رسام محترف يمتلك رؤية رمزية عميقة. وهناك صقل مهاراته في الرسم بالألوان الباستيلية والزيتية. تشبع جبران بالمدارس الفنية والفلسفية في عاصمة النور؛ فانبهر بلوحات يوجين كارير الرمزية، واكتشف فن ويليام بليك، كما اطلع على أعمال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه التي تركت أثراً بالغاً على كتاباته اللاحقة. ورغم تأكيده على تأثره العميق بالنحات أوغست رودان الذي التقاه ورسم له بورتريه بالقلم الرصاص ضمن سلسلة وجوه لعدة فنانين، إلا أنه لم تجمعهما علاقة شخصية وطيدة.

ما إن وطئت قدما جبران أرض باريس، حتى أُسر بمشهدها الثقافي. واختار السكن في حي مونبارناس الذي كان يُعرف بكونه ملتقى للفنانين والمبدعين، واستقر تحديداً في 14 شارع مين. وهناك، انخرط بشكل مكثف في دراسته؛ فالتحق بـ«مدرسة الفنون الجميلة» وأكاديمية «جوليان» لتعلم أصول الرسم الأكاديمي والنحت وتدريب عينه على المنظور والتشريح. غير أن جبران سرعان ما شعر بالغربة إزاء التعليم الأكاديمي الصارم، فترك الأكاديمية لينتقل لاحقاً إلى أكاديمية «كولاروسي» بحثاً عن بيئة فنية أكثر حريةً وتجريبيةً. في تلك الأجواء، تأثر بشدة برواد الرمزية، لا سيما الرسام الفرنسي أوجين كاريير الذي استلهم منه الأسلوب الضبابي، وتأثر بالعمق الروحي لأعمال ليوناردو دافنشي، كما تدرب على يد النحات العالمي أوغست رودان الذي ترك أثراً مباشراً في تعزيز ثقة جبران بفنه وتطوير رؤيته.

شهدت إقامة جبران نشاطاً مكثفاً؛ فقد شارك في «معرض الربيع» - أكبر تظاهرة فنية آنذاك - بلوحة زيتية عنوانها «الخريف» لفتت انتباه رودان. كما بدأ مشروعه الفني في رسم وجوه كبار أعلام الفكر والأدب، وتُوجت جهوده بدعوته رسمياً لعرض لوحاته في «معرض الاتحاد الدولي للفنون الجميلة». ولم يقتصر إبداعه على الرسم؛ إذ شهدت سنواته الباريسية إصدار كتابه الشهير «الأرواح المتمردة» عام 1908، الذي أحدث ضجة دينية وسياسية واسعة في الشرق.

في وقت لاحق، جاب جبران شوارع لندن بصحبة الكاتب أمين الريحاني، وتقاسما ذكريات الحنين إلى لبنان والانخراط في القضايا الاجتماعية. وفي يونيو (حزيران) 1909، تلقى جبران نبأ وفاة والده، وما خفف من وطأة حزنه إدراكه أن والده باركه قبل رحيله متخلياً عن طباعه الاستبدادية.

حلم يتحقق في «القصر الصغير»

تميزت إقامة جبران بنضج فني كبير، تجلى في رؤيته الرمزية للجسد البشري والطبيعة، وهو التحول الروحي والفلسفي الذي مهد لولادة رائعته الأدبية «النبي» لاحقاً. تُوجت هذه المرحلة بقبول لوحته «الخريف» في معرض الجمعية الوطنية للفنون الجميلة عام 1910، ودعوته للمشاركة بست لوحات في معارض مرموقة أخرى.

«إن من أعز أحلامي هو هذا: في مكان ما، تُعلّق مجموعة من أعمالي، لعلها خمسون أو خمس وسبعون لوحة، معاً في مدينة كبرى، حيث يراها الناس، وربما يحبونها». بهذه الكلمات عبّر جبران عن أعمق أمنياته، وهو الحلم الذي تحقق في الأول من مارس (آذار) عام 2018. فبفضل جهود سينتيا سركيس بيروس (عبر مؤسستها Luxury Limited Edition)، نُظم معرض «حياة جبران» في «القصر الصغير» (Petit Palais) بباريس، تلاه حفل عشاء فخم. سلط المعرض الضوء على النزعة الصوفية في أعماله وشغفه بأسرار الأديان، مجسداً مقولته: «الفن خطوة من المألوف والمعلوم، نحو الخفي والمجهول». وقد رأى هذا الحدث النور بدعم من الراعي أندريه جورج إيليوفيتس، و«لجنة جبران الوطنية» التي ساهمت في إبرازه للعالم كفنان تشكيلي وليس ككاتب فحسب.

التحولات الفنية

كانت باريس نقطة التحول التي نقلت جبران من الهواية إلى الاحتراف الفني، حيث انفتح على آفاق فلسفية أعادت صياغة رؤيته للكون والإنسان. تأثر بالنزعة الصوفية على يد أستاذه في «أكاديمية جوليان» بيير مارسيل بيرونو، وتشرب نظرية «الدفعة الحيوية» للفيلسوف هنري برجسون، وأعاد اكتشاف الرومانسية الفرنسية (روسو وهوغو). كما تأثر بشدة بالنحات أوغست رودان وطريقته الدرامية في تعبير الأجساد، حتى إن رودان شبّهه بالشاعر والفنان البريطاني وليم بليك.

وقد شهدت هذه المرحلة ولادة مجموعة من أبرز أعماله التي عكست نضجه الرمزي والتعبيري، كما في لوحة «الخريف»، وهي عمل زيتي يفيض بالشاعرية والشجن، استخدم فيه جبران درجات الألوان الترابية والدافئة ليعكس ذبول الطبيعة وتداخلها مع المشاعر الإنسانية، مجسداً فكرة الموت البطيء للطبيعة كمقدمة لولادة جديدة. وكذلك في سلسلة «الأرض والأم»، وضمت رسومات منفذة بالفحم والحبر الصيني، تصف أجساداً بشرية عارية وملتفة كالجذور لترمز إلى وحدة الوجود والاتصال الأنطولوجي بالأرض. شكلت هذه الرؤية البصرية الأساس الفني لرسوماته اللاحقة في كتاب «النبي»، وأيضاً في بورتريه الشاعر «أمين الريحاني»، الذي ركز فيه جبران على تصوير الهوية الروحية بدلاً من الملامح الدقيقة، مستخدماً الظلال القوية وضربات الفرشاة العريضة لإبراز عمق التفكير والنزعة المتمردة، مما جعله تجسيداً «للفكر الساكن في الجسد».

نجح جبران في عرض بعض هذه اللوحات في «صالون الفنون الجميلة» (Salon des Beaux-Arts) عام 1910، وهو إنجاز كبير لفنان قادم من الشرق آنذاك.

كانت مقاهي باريس وجسور نهر السين مسرحاً لنقاشات يومية عميقة بين جبران والريحاني حول الفن والدين. وعبر جبران عن ضيقه بالقيود الاجتماعية والدينية في العالم العربي، مبشراً بثورة روحية شكلت النواة الأولى لأفكاره التحررية الصادمة. هناك، اطلع جبران على الفلسفة الحديثة وأفكار نيتشه حول «الإنسان المتفوق»، التي ألهمته كتابة مؤلفات متمردة مثل «المواكب» و«العواصف». كما صقلت حرية العاصمة الفرنسية نزعته الكونية، فبدأ يرى الإنسانية ككل لا يتجزأ، ممهداً لولادة رائعته «النبي».

لعبت ماري هاسكل، مديرة المدرسة الأميركية التي تكبر جبران بأعوام، الدور الأبرز في تمكينه من خوض مغامرته الباريسية. فبفضل إيمانها المطلق بعبقريته الفنية، تحملت كافة نفقات سفره وإقامته؛ إذ تولت دفع تكاليف دراسته في «أكاديمية جوليان»، ووفرت له مخصصات شهرية ثابتة أتاحت له التفرغ الكامل للإبداع بعيداً عن شبح العوز الوشيك.

ذكريات يوسف الحويك

وثّق الفنان اللبناني يوسف الحويك في مذكراته تفاصيل الحياة اليومية لجبران، حيث تشاركا العيش في محترفات متواضعة بحيّ مونبارناس. اقتسم الصديقان قسوة الفقر والقروش القليلة لشراء الخبز وأدوات الرسم، وكان الحويك سنداً لجبران في لحظات كآبته وانعزاله. أما رفيق دربه الحويك، فقد اختار البقاء في باريس لفترة أطول لمتابعة صقل مهاراته في النحت الكلاسيكي قبل عودته لاحقاً إلى لبنان. ورغم الفراق الجغرافي الذي فرضه المحيط الأطلسي، لم ينقطع الرابط الروحي بين الصديقين؛ إذ ظلت رسائلهما المتبادلة تنبض بذكريات أيام الجوع والفن في حي مونبارناس، وهي الصداقة التي توجها الحويك لاحقاً بإصدار كتابه التوثيقي «ذكرياتي مع جبران». تجلى التباين الإبداعي بين الصديقين في طريقة التعامل مع المادة والفكرة؛ فكان جبران يمثل «الرسام الشاعر» الذي يغزل بالفحم والحبر والزيت خطوطاً انسيابية وأجساداً ضبابية تجسد الأفكار الميتافيزيقية بعيداً عن القيود المادية. في المقابل، كان الحويك يمثل «النحات الكلاسيكي» الذي يتعامل مع الصلصال والرخام، باحثاً عن الكتلة، والأبعاد، والتوازن التشريحي، ليركز على الواقعية المحكمة والقوة البدنية للأشكال.

نهاية الرحلة

بحلول خريف عام 1910، شعر جبران أنه استهلك ما يمكن لباريس أن تقدمه له من أدوات تقنية وتيارات فنية، وبات يمتلك الثقة الكاملة في هويته المستقلة بعد مشاركته الناجحة في «صالون الفنون الجميلة».

تزامن هذا النضج الفني مع اشتداد الأزمة المالية؛ فتكاليف الحياة المرتفعة في باريس ورغبة جبران في مساعدة رفاقه جعلت الميزانية تضيق، كما واجهت هاسكل بدورها ضغوطاً مادية في أعمالها التعليمية بأميركا. وبناءً على خطابات صريحة بينهما، اتفق الطرفان على أن الرحلة حققت أهدافها بصقل أدواته. أُضيف إلى ذلك رغبته الملحة في العودة لرعاية شقيقته «ماريانا» التي تُركت وحيدة في بوسطن، وقناعته بأن نيويورك هي الميدان الأرحب لطموحاته. وعليه، أرسلت له هاسكل ثمن تذكرة العودة عبر المحيط الأطلسي، ليغادر باريس في أكتوبر (تشرين الأول) 1910. عاد جبران إلى بوسطن، لكنه لم يبقَ فيها طويلاً؛ إذ سرعان ما انتقل عام 1911 إلى المركز الثقافي الصاخب «نيويورك». هناك، استأجر محترفه الشهير الذي أطلق عليه اسم «الصومعة» (The Hermitage) في شارع غرب العاشر، وهو المكان الذي قضى فيه بقية حياته، وتحوّل إلى ملتقى للمفكرين والمهاجرين العرب، والشاهد الأول على كتابة روائعه الخالدة.

لم تنس فرنسا زيارة صاحب «النبي»، لذلك احتفت بعبقرية جبران إذ أطلقت العاصمة باريس اسمه على مساحة خضراء في الدائرة الخامسة عشرة، ليُعرف بـ«ممشى جبران خليل جبران» (26 رصيف أندريه سيتروين سابقاً). وقد أشاد عمدة الدائرة، السيد فيليب غوجون، بهذا التكريم، معتبراً إياه احتفاءً بواحد من أبرز شخصيات العالم، وتكريماً لجذوره ووطنه لبنان.

لم تنس فرنسا جبران إذ أطلقت باريس اسمه على مساحة خضراء في الدائرة الخامسة عشرة لتعرف بـ«ممشى جبران خليل جبران»


«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة
الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة
TT

«إسكندرية فين؟»... كتاب يستعيد الوجه الأنثوي لعروس المتوسط

الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة
الدكة الأثرية - الإسكندرية القديمة

في كتابها «إسكندرية فين؟.. رحلة تناجرا» الصادر أخيراً عن دار العين للنشر بالقاهرة، لا تنطلق الكاتبة والباحثة المصرية ياسمين عبد الله، في بحثها عن مدينتها الإسكندرية، من نبرة عاطفية تجاه المدينة التي لا تخفي أنها «لا تحبها بالقدر الكافي»، ولا تعرفها خارج النطاق المحدود لتحركاتها اليومية.

إلا أن لقطة متحفية تقود الكاتبة إلى رحلة بحثية مفصلة، حين تستوقفها تماثيل «تناجرا» الصغيرة، المصنوعة من الطين المحروق، التي ازدهرت صناعتها في العصر الهلنستي، وحاكت في هيئاتها الدقيقة سيدات المدن اليونانية بملابسهن وتسريحات شعورهن... تقودها هذه التماثيل إلى تبني منظور جديد لمدينتها؛ فتنتقل من تأمل التماثيل الساكنة خلف الزجاج إلى «تحريكها» عبر سرد بحثي ذاتي، لتتخيل «تناجرا» رفيقات تخرج معها إلى الشوارع، وتقودها بين طبقات الإسكندرية وتاريخها وثقافتها.

ومن هذه المسافة المحايدة، التي لا تخلو من التخييل، تعيد الكاتبة بناء علاقتها بالمدينة، وتستعيد حياة غابت مبانيها وبقي أثرها في الكتب والتماثيل. وبينما تسير الرحلة إلى الوراء مع عقارب التاريخ، تمضي بها في الاتجاه المقابل وجدانياً؛ فكلما ابتعدت صوب الإسكندرية القديمة، اقتربت من مدينتها المعاصرة، لتتحوّل المسافة الأولى إلى مصالحة، ثم إلى شغف كبير بما اختفى من وجوهها، في استدعاء لظلال قسطنطين كفافيس ومدينته التي لا يتركها المرء خلفه، بل تظل تسكنه وتمضي معه أينما مضى.

«تناجرا» أمام «تناجرا»

تعود بداية الرحلة إلى زيارة «المتحف اليوناني الروماني» بالإسكندرية بعد إعادة افتتاحه، حين استوقفت الكاتبة، داخل القسم اليوناني، تماثيل «تناجرا»، التي حملت اسم مدينة في إقليم «بيوتيا» اليوناني بعدما عُثر على أعداد كبيرة منها في مقابر المنطقة خلال القرن التاسع عشر.

اختزنت تلك التماثيل في هيئاتها وثيابها جانباً من حياة النساء وحدود حركتهن داخل المجتمع اليوناني القديم؛ وكانت الإسكندرية أحد المراكز المهمة لصناعتها، فبدت التماثيل أقرب إلى شواهد صغيرة على نساء المدينة اللواتي غبن عن الروايات الكبرى للتاريخ، بينما بقيت ملامحهن وأزياؤهن ووقفاتهن محفوظة في الطين.

وأمام الخزانة شعرت عبد الله بأنها «تناجرا» أخرى؛ فالتماثيل مقيدة بثيابها وأعراف عصرها، بينما قيدت الكاتبة نفسها بإرادتها داخل دائرة محدودة من المدينة، عندئذ تتحوّل «تناجرا» من موضوع أثري إلى قرينة للكاتبة ومرشدة لها، وتتخيلها تطالب بالخروج من أسر خزانة المتحف الأثري إلى فضاء المدينة.

تحمل الكاتبة رفيقتها المتخيلة بين الأزمنة والأماكن، وتمنحها حرية حركة حُرمت منها نساء الإسكندرية القديمة، وفي الوقت نفسه تحرر ذاتها من المسافة التي قيّدت علاقتها بالمدينة المعاصرة.

«الأجورا» وخريطة المدينة

تحضر أنثوية الإسكندرية في الكتاب بوصفها زاوية للنظر إلى التاريخ، فالمؤلفة لا تكتفي بتتبع الملوك والحروب والمنشآت الكبرى، لكنها تبحث عن أثر الحياة اليومية: أين سكنت النساء؟ وما الأماكن التي أتيح لهن دخولها؟ وكيف تحركن في الشوارع والأسواق؟ وماذا تكشف ملابسهن وحليهن وهيئاتهن عن موقعهن داخل المجتمع؟

تصف عبد الله خطتها الأولى بأنها محاولة لـ«تأنيث المدينة»، أي التعرف إلى أماكن وجود النساء وحياتهن في الإسكندرية القديمة. لكن «تناجرا» المتخيلة تتمرد حتى على هذا الإطار؛ فلا تريد أن تظل أسيرة الأماكن التي سمح المجتمع القديم للنساء بدخولها، بل تطلب أن تمضي في المدينة كلها. وهكذا يتجاوز «تأنيث المدينة» مجرد إضافة النساء إلى التاريخ، ليعيد رسم الخريطة من منظور الحركة والغياب والحق في الوجود داخل الفضاء العام. يعزز ذلك أن الكتاب يعتمد على التفاصيل الصغيرة بوصفها منافذ إلى الصورة الكبرى، فتنتقل الكاتبة إلى طبيعة المجتمع وعاداته ومساحات الحرية المتاحة لأفراده.

تحتل فضاءات المدينة مكانةً مركزيةً في الرحلة، في مقدمتها «الأجورا»، السوق والساحة العامة في المدينة اليونانية، تقرأها عبد الله باعتبارها «غرفة المعيشة المركزية» للإسكندرية القديمة؛ مكاناً للتجارة والتجمع والتواصل والاحتفال، يكشف تصميمه أن العمارة لم تكن مباني جامدة، بل مسرح للحاجات والمشاعر الإنسانية.

ومن دلالة «الأجورا» تذهب الكاتبة إلى مصطلح «الأجورا فوبيا»، أو «رُهاب الخلاء» والأماكن العامة والحشود، في تقاطع بين المكان القديم والخبرة النفسية الحديثة، تجمع هذه المقاربة بين التاريخ المعماري والسؤال الإنساني الذي يحرك الكتاب، وهو كيف تؤثر المدينة في حركة ساكنيها وشعورهم بأنفسهم؟ ومن يملك حق التجول فيها، ومن يقف عند حوافها؟

إلى جوار «الأجورا»، يتطرق الكتاب إلى الحمامات والأسواق والبيوت والكرنفالات، وتقرأ الكاتبة الحمامات، مثلاً، بوصفها مساحة أنثوية كاشفة للذوق والحالة الاقتصادية والعادات الاجتماعية، وتتتبع استمرارها مكوناً رئيساً في الإسكندرية بعد الفتح العربي وخلال العصور الإسلامية اللاحقة.

مدينة من الشِعر

لا تقتصر استعادة الإسكندرية على عمرانها، إنما تمتد إلى ثقافتها ومزاجها الفكري والأدبي، ولذلك تستدعي عبد الله المكتبة القديمة والموسيقيين وشعراء المدينة وعلماءها ومعاركهم، لتستعيد من خلال ذلك الإسكندرية بوصفها مركزاً لإنتاج المعرفة والأشكال الأدبية، لا موقعاً للمباني الأثرية فقط.

ومن أبرز الوجوه التي تتوقف أمامها الشاعر كاليماخوس، أحد أبرز المعبّرين عن روح الشعر السكندري. تتبع مسيرته في المكتبة الكبرى، وانحيازه إلى الإيجاز والنبرة الفردية المبتكرة، وصراعه مع أبولونيوس الروديسي المتمسك بالنموذج الملحمي الهومري.

وتكشف هذه المعركة حيوية المجال الثقافي داخل المدينة؛ فالشعراء يتنافسون، والأشكال الأدبية تتغير، والمكتبة لا تختزن النصوص فحسب، بل تسهم في صناعة ذائقة جديدة. ومن المرثية إلى «الإيجراما» الموجزة، يطل المجتمع السكندري بما فيه من حب وحزن ومنافسات بلاطية ومديح للملوك ووصف لمعالم مثل الفنار.

يمتد الكتاب في رصد طبقات الإسكندرية منذ ما قبل تأسيسها، مروراً بحلم الإسكندر الأكبر، الذي تهدي إليه الكاتبة كتابها، ثم مراحل بناء المدينة وتوسعها، والفنار والمكتبة والحي الملكي والمساكن والمرافق والحياة الفكرية والدينية، وصولاً إلى تحولات العصرين الروماني والمسيحي، والفتح العربي وما أعقبه من تغيرات في هوية المدينة. ومن هذه الطبقات تجمع الكاتبة أجزاء مدينة اختفى معظمها تحت الماء أو التراب، وتحاول استعادتها لا بوصفها خريطة أثرية، بقدر ما هي مكان قابل للتخيّل والحياة.

ويكشف الكتاب أنه بخلاف القاهرة، التي ما زالت عصورها ماثلة في شوارعها ومبانيها، لا تقدم الإسكندرية حكايتها مباشرة، وإنما يستلزم الوصول إليها البحث في الكتب وشهادات المؤرخين وبقايا الآثار وأسماء المناطق؛ فهي مدينة لا يُعثر عليها دفعةً واحدةً، بل يعاد تركيبها من الشذرات.

فهكذا، يحمل عنوان «إسكندرية فين؟» سؤالاً يتجاوز البحث عن موضع المدينة القديمة تحت طبقات المدينة الحديثة؛ إنه سؤال عن اللحظة التي فقدت فيها الإسكندرية قدرتها على التعبير عن تاريخها، وعن المسافة بين صورتها الأسطورية وحاضرها، وكذلك عن موقع المدينة داخل وعي أبنائها. فالكاتبة التي بدأت رحلتها من الاعتراف بأنها لا تعرف الإسكندرية ولا تحبها بما يكفي، تكتشف أن المعرفة نفسها قد تكون طريقاً واسعاً للارتباط بها ومحبتها.


الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».