«الرواية السعودية» تستعرض عنفوانها في الحيّ الثقافي بقطر

انطلاق فعاليات مهرجان «كتارا» للرواية العربية 2025

اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)
اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)
TT

«الرواية السعودية» تستعرض عنفوانها في الحيّ الثقافي بقطر

اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)
اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)

ضمن فعاليات الدورة الـ11 لمهرجان «كتارا» للرواية العربية، الذي يُقام حالياً في العاصمة القطرية الدوحة، بدأت أولى فعاليات الاحتفاء بالرواية السعودية، بمناسبة اختيارها «ضيف شرف» الدورة الحالية للجائزة، بإقامة ندوة حوارية عن الرواية السعودية.

وبمناسبة اختباره «شخصية العام»، افتتح في مهرجان «كتارا» للرواية العربية معرض يروي سيرة ومسيرة الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي، ويتضمن المعرض، إلى جانب سيرة الأديب الذاتية، مقتبسات من مؤلفاته التي تربو على 70 كتاباً في مجالات الأدب والشعر والفكر والتنمية.

وافتتح في «كتارا» معرض «رحلة في الرواية السعودية من التأسيس إلى العالمية»، الذي يستعرض المحطات البارزة في تاريخ الرواية السعودية منذ بداية رحلتها في منتصف القرن العشرين، وفي السنوات التالية للبدايات انتقلت من مرحلة التوثيق الاجتماعي إلى مرحلة النضج الفني. ووثّق المعرض للرواية النسائية السعودية، التي تعود بداياتها الأولى إلى سميرة خاشقجي. كما تناول المعرض تجربة الرواية السعودية مع الدراما، كما وثّق المعرض الجوائز التي حقّقتها الرواية السعودية في المحافل العربية والدولية، ما عزّز من حضورها وأكّد قيمتها الفنية، وتطرق لمستقبل الرواية السعودية.

جائزة «كتارا»

وبعد افتتاحه لفعاليات مهرجان كتارا للرواية العربية، قال الدكتور خالد بن إبراهيم السليطي، المدير العام للمؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا»، إن جائزة «كتارا» للرواية العربية حققت العديد من الإنجازات خلال 11 عاماً، حيث رسّخت مكانتها كأهم منصة عربية تحتفي بفن الرواية، وتعزز حضوره على المستويين الإقليمي والدولي.

وأشار إلى أن الجائزة شهدت إقبالاً متزايداً من الكتاب والمبدعين، وأسهمت في إيصال الصوت السردي العربي إلى العالمية من خلال اعتماد اليونسكو للأسبوع العالمي للرواية خلال الفترة من 13 إلى 19 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، بناء على اقتراح من المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا»، دعمته المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم (الألكسو)، ووزراء الثقافة العرب.

وأكّد أن هذه الدورة من مهرجان كتارا للرواية العربية تعدّ استثنائية بكل المقاييس، مع دخول الجائزة عقدها الثاني، لأن لجنة الجائزة اعتمدت مبادرات ومشاريع جديدة سيتم الإعلان عنها ضمن فعاليات المهرجان في دورته الحالية.

ومن جانبه، أكّد السيد خالد عبد الرحيم السيد، مدير إدارة الفعاليات والشؤون الثقافية بكتارا، أن هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية تميزت بعدد المشاركات في منافساتها التي بلغت 1900 مشاركة، إلى جانب تنوع فعالياتها ومشاريعها وأنشطتها، بالإضافة إلى تميز معرض كتارا للكتاب، الذي يشارك فيه 103 من الناشرين وأصحاب المكتبات.

وأوضح أن مجمل المشاركات في جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الحادية عشرة، بلغ أكثر من 17 ألف مشاركة، وبلغ عدد الفائزين بجوائزها 183 فائزاً، وبلغت إصداراتها 253 إصداراً باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، حيث استطاعت «كتارا» أن تكون محطة جديدة في تاريخ الرواية العربية، وأن تكرس للرواية «حق التكريم».

المشاركون في ندوة «الرواية السعودية... النشأة والتطور» كل من الدكتور معجب العدواني ومحمد المزيني والدكتورة جميلة العبيدي وأدارها محمد العامري (الشرق الأوسط)

الرواية السعودية

وكانت أولى فعاليات الاحتفاء بالرواية السعودية بمناسبة اختيارها «ضيف شرف»، إقامة ندوة بعنوان: «الرواية السعودية... النشأة والتطور» تحدث فيها كل من: الدكتور معجب العدواني الأكاديمي والناقد الأدبي، والروائي والإعلامي محمد المزيني، والدكتورة جميلة العبيدي الأكاديمية والناقدة، وأدارها الناقد محمد العامري.

واستعرض المتحدثون مسيرة الرواية السعودية، مع التطرق لأبرز الروايات البارزة في كل محطة من محطاتها، التي توجت مشوارها الذي يقترب من 100 عام بحصد جوائز إقليمية وعالمية.

فقد تناول الدكتور معجب العدواني المسارات المهيمنة على الكتابة الروائية السعودية، ابتداء من بواكيرها، وتأثير الشعر على الراوية، وملامح الرواية التاريخية، وتفاعل السيرة الذاتية وتناميها.

مسارات الرواية السعودية

وأشار العدواني إلى وجود 3 مسارات هيمنت على الكتابة الروائية السعودية. هي: المسار الشعري، والتاريخي، والسيرة الذاتية.

مضيفاً أن المسار الشعري تنامى ووصل إلى مرحلة متطورة وحديثة، حيث بدأت به الرواية السعودية عام 1930 من خلال رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري، وكانت الأعمال في البدايات لشعراء أحبوا ممارسة الكتابة الروائية، وهو أول مساس بين الشعر والرواية، وقد امتد وتواصل حتى التسعينات، حتى إن النقاد الذين مارسوا نقدهم الحداثي ركّزوا على الكتابات الروائية ذات الصيغة الشعرية... ومع التسعينات، بدأ بعض الكتّاب يمارسون التجريب في السرد، مثل عبده خال ويوسف المحيميد، ورجاء عالم، التي اتصفت بعض أعمالها بلغة شعرية، ثم وجدنا شعراء تحوّلوا للكتابة الروائية، أبرزهم غازي القصيبي، حيث عرف روائياً كما عرف شاعراً، ومنهم عواض العصيمي كما في روايته «أو... على مرمى الصحراء... في الخلف»، وكذلك الروائي محمد علوان كما في روايته «سقف الكفاية» وأحمد أبو دهمان.

فيما يحضر المسار التاريخي في العديد من الأعمال الأدبية، كما أن السيرة الذاتية حافظت على حضور واسع في تجارب العديد من الروائيين السعوديين، وقال إن هناك روايات سعودية بدأت تكتب بصيغة التخييل التاريخي، كأن يختار الكاتب حدثاً محدداً ثم يضيف إليه جانباً إبداعياً كبيراً، مثل رواية «جدة 915 هـ» لسعيد السريحي، أو كتابة رواية تاريخية بلا تخييل، مثل «ضباعة العامرية» لعبد العزيز محمد الفيصل، حيث يكون السارد في الرواية التاريخية مقيداً بحضور التاريخ.

وبشأن مسار «السيرة الذاتية»، رأى العدواني أن نماذج هذا المسار بدت واضحة في رواية «طريق الحرير» لرجاء عالم، وكذلك «شقة الحرية» لغازي القصيبي.

السياق التاريخي للرواية السعودية

وقال الروائي محمد مزيني إن الرواية السعودية ليست بمنأى عن التأثر بالمحيطات العربية المتنوعة، فمنذ دخول مفهوم الرواية ببعده الفني الحديث، الذي قدحت شرارته رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، مع تحفظ يوسف القعيد على هذا الإطلاق، وهناك تطلع الكتاب السعوديين لخوض غمار هذه التجربة العربية الحديثة التي اجتاحت العالم العربي عبر روّاد الرواية العربية المصريين تحديداً، ولقرب الحجاز من مصر، وأسبقية أهله بالتعليم، فقد استهلت الرواية السعودية مسيرتها بصدور رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري في عام 1930، وتعدّ هذه الرواية تاريخياً سابقة لأول رواية أصدرها نجيب محفوظ بعنوان «عبث الأقدار» عام 1939، وقد يكون للعيب الفني في رواية «التوأمان»، التي تؤرخ للرواية السعودية، دور في عدم انتشارها بشكل جيد.

ولاحظ مزيني أن هناك اتفاقاً بين النقاد والدارسين على أن رواية «ثمن التضحية» لحامد دمنهوري، الصادرة عام 1959، هي المؤسسة لمرحلة التأسيس الفني للرواية السعودية، ثم جاء إبراهيم الناصر الحميدان لينفخ في صورة الرواية السعودية روحاً جديدة تقوم على أسس الفن الروائي الحديث من خلال روايتيه «ثقب في رداء الليل» 1961، و«سفينة الموتى» 1969.

مشيراً إلى أنه في عام 1977 صدرت أول رواية لعبد الله جمعان بعنوان «القصاص»، ثم رواية غالب حمزة أبو الفرج «الشياطين الحمر»، وعدد من روايات عبد الرحمن منيف ذات البعد القومي، حيث تعكس روايات السبعينات عموماً علاقة الرجل بالمرأة، وتكوين الأسرة، وما يلحق بها من أزمات تقع المرأة عادة فريستها في محاولة للدفاع عنها، ويحلو لبعض النقاد وصم هذه المرحلة بالضعف الفني.

لكن المزيني يشير إلى تأخر ظهور الرواية النسائية إلى أوائل الستينات الميلادية، وذلك لعوامل كثيرة متشابكة، لعل من أهمها تأخر تعليم المرأة مقارنة بالرجل، والقيود الاجتماعية والدينية المفروضة على المرأة، ما أخّر الرواية النسائية زهاء 3 عقود، افتتحتها سميرة خاشقجي، ولحقت بها هدى الرشيد، وهند باغفار، اللائي صدرت أعمالهن الروائية في فترة الستينات والسبعينات الميلادية.

والملاحظ هنا أن كل هذه الروايات النسائية تدور أحداثها خارج السعودية، ما يشي بأن روائيات تلك الفترة هن نتاج خارجي تعليماً وثقافةً، إلى أن كتبت عائشة زاهر أحمد روايتها «بسمة من بحيرات الدموع» التي أصدرتها عام 1979، لتعيد النسب الروائي النسائي السعودي إلى مجتمعه الطبيعي.

وعن مرحلة النضج التي وصلت إليها الرواية السعودية، يشير مزيني إلى رواية «فيضة الرعد» التي ألفها عبد الحفيظ الشمري، واعتبرت فاتحة للمرحلة الحديثة الثانية في تاريخ الرواية السعودية، التي دشّنت فنياً برواية «رائحة الفحم» لعبد العزيز الصقعبي، ليدخل منافساً قوياً لأسماء سابقة له في هذا المضمار، مثل: غازي القصيبي، وعبده خال، وتركي الحمد، وعلي والدميني، وهي أسماء جاءت بروايات تقترب من الذات.

الأدب النسائي السعودي من الهامش إلى المركز

وأكّدت الأكاديمية السعودية الدكتورة جميلة العبيدي، أهمية «النظر إلى الأدب النسائي السعودي من زاوية الوعي السردي، لأن السرد كان دائماً الأداة التي استخدمها الإنسان ليحمي وجوده من التبعثر، والمرأة الكاتبة استخدمته لتستعيد موقعها في التاريخ عبر إعادة تعريف علاقتها باللغة والزمن والمجتمع».

وقالت إنه «في بدايات هذا الأدب، كانت اللغة تُستخدم كدرعٍ دفاعية، وكأن الكاتبة تكتب من وراء جدار، تخشى أن يرفضها الخطاب السائد أو يصادر صوتها (...) والكتابة تشبه النجاة أكثر مما تشبه المعرفة. لكن مع تحوّل الزمن الثقافي والاجتماعي في المملكة، ومع نضج التعليم وظهور جيلٍ جديدٍ من الكاتبات الواعيات، تغيّر موقع الذات من الهامش إلى المركز، ومن الدفاع إلى الفعل، ومن البوح إلى التأويل».

وقالت الدكتورة العبيدي إن المرأة السعودية بدأت «تنظر إلى النص، لا باعتباره سجلاً للحياة، بل باعتباره مختبراً للوعي. أصبحت القصة والرواية وسيلةً لتفكيك ما هو راسخ في الذهن الجمعي، وتحليل أنماط الخطاب التي تحدد صورة المرأة في المجتمع، وكيف تُنتج هذه الخطابات دلالاتها، وتشرعن ما يُقبل وما يُرفض. هنا تحوّل النص من مرآةٍ للواقع إلى أداةٍ لقراءة الواقع وتغييره».

وأضافت: «من أبرز ملامح هذا التحول أن المكان والزمان لم يعودا إطارين صامتين للأحداث، بل تحولا إلى كيانين فاعلين في تشكيل المعنى».

وقدّمت الدكتورة جميلة العبيدي نماذج لدراسة التحويل في روايات المرأة السعودية: «ففي رواية (طوق الحمام) لرجاء عالم، على سبيل المثال، تتحول مكة إلى كائنٍ حيٍّ يتحدث بذاكرته، تتجاور فيه القداسة واليومي، والماضي والمستقبل. فالمدينة هنا ليست مجرد مسرحٍ للوقائع، بل هي شخصية رئيسة في النص، تروي تحوّلاتها وتعبّر عن صراعها بين الثابت والمتحوّل».

كما لاحظت أنه «في رواية (جاهلية) لليلى الجهني، تتبدّى اللغة ذاتها كموضوعٍ للنقد، حيث تُفكّك الكاتبة الخطاب الذي يفرض تعريفاتٍ جاهزة للمرأة، وتُظهر كيف يمكن للمفردة الواحدة أن تكون سجناً أو أفقاً، تبعاً لمن يملك حقّ النطق بها».

أما في «رواية (بنات الرياض) فقد أعيد تعريف علاقة الكاتبة بالقارئ، حيث انكسر الحاجز التقليدي بين الراوي والمتلقي، ليصبح النص فضاءً حوارياً مفتوحاً، تتوزع فيه السلطة بين الكاتب والقارئ، ويُنتج المعنى عبر التفاعل لا التلقّي».

وفي ختام ورقتها، أكّدت الدكتورة العبيدي أن الأدب السعودي أصبح «وثيقة ثقافية تشهد على تحوّل الهوية الوطنية بأكملها؛ من الانغلاق إلى الانفتاح، ومن الصوت الواحد إلى التعدد، ومن التلقّي إلى المشاركة».


مقالات ذات صلة

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

يوميات الشرق استعان مخرجا الفيلم بأرشيفهما الخاص (الشركة المنتجة)

«عصافير الحرب» يوثق قصة حب صحافي سوري وزميلته اللبنانية

يذهب فيلم «عصافير الحرب» إلى منطقة مختلفة داخل عالم الوثائقي، منطقة لا تُعنى بتقديم إجابات جاهزة بقدر ما تطرح تجربة حياتية بكل تناقضاتها.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق عُرض الفيلم في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية (الشركة المنتجة)

أنكور هودا: «العِجل البديل» يوثق تحولات الأرياف في الهند

قال المخرج الهندي أنكور هودا إن فيلمه الأول «العِجل البديل» لم يولد من فكرة سينمائية جاهزة بقدر ما تشكَّل من تجربة شخصية حميمة.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق تنقل مخرج الفيلم مع البطل ليوثق رحلته في الكشف عن ماضي والده (الشركة المنتجة)

«حيوات أبي»... يستعيد ماضي صحافي نرويجي تورط في التجسس لأميركا

قال المخرج النرويجي ماغنوس سكاتفولد إن فكرة فيلمه الوثائقي «حيوات أبي» بدأت عندما أخبره أحد زملائه بأن لديه شكوكاً قديمة تتعلق بحياة والده.

أحمد عدلي (القاهرة)
يوميات الشرق احتفالية خاصة بمئوية يوسف شاهين (مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية)

نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» للعرض بـ«الأقصر السينمائي»

ينفرد مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية في حفل افتتاح دورته الـ15 بعرض نسخة نادرة من فيلم «النيل والحياة» ليوسف شاهين.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق المخرج الدنماركي مع والدته خلال تصوير الفيلم (الشركة المنتجة)

بوي دام: «بيريتا» يوثق عودة أمي للمسرح بعد إصابتها بألزهايمر

قال المخرج الدنماركي بوي دام إن فكرة فيلمه الوثائقي «بيريتا» جاءت من تجربة شخصية عميقة عاشها مع والدته الممثلة المسرحية بيريتا موهر.

أحمد عدلي (القاهرة)

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط
TT

جنون الشعر أو شعر الجنون


محمد الماغوط
محمد الماغوط

بدايةً سوف أخاطر بالأطروحة التالية، وأقول: بما أن الشعر الحديث تحرَّر من الوزن والقافية، فإنه أصبح مجبراً على التعويض عن ذلك بشيء آخر. بما أنه حرم القراء العرب وغير العرب من متعة الوزن والقافية وكل الطرب العظيم الناتج عنهما، فإنه مضطر لافتراع صور شاذة غير مألوفة، لكي يكفّر عن ذنبه. إنه مضطر لاختراع مجازات إبداعية خارقة تعوِّض عن كل ذلك حتى من خلال لغة نثرية، ولكن ملتهبة أو متشظية في كل الاتجاهات. هذا ما نلاحظه في شعر الحداثة الفرنسية، أي شعر بودلير ورامبو وملارميه ولوتريامون والسرياليين. وهذا ما نجده أيضاً في شعر الحداثة العربية، أي شعر أدونيس ومحمد الماغوط وأنسي الحاج وسواهم من الرواد. كلهم اخترعوا مجازات غريبة شاذة، ولكن ممتعة وناجحة جداً، بغية التعويض عن متعة الشعر العمودي الذي حرمونا منه بعد أن تركوه وهجروه وملوا منه. أو قل إن التاريخ العربي ذاته هو الذي تعب من حاله، ويئس، ووصل إلى الجدار المسدود. ولذلك ليس من المبالغة القول إن أهم خاصية للحداثة الشعرية (فرنسية كانت أم عربية) هي النزعة اللامنطقية والعبثية واللامعقولية. وهي نزعة مرفوضة في كل مجال آخر، ما عدا الشعر.

لوتريامون

هل تريدون أمثلة على ذلك؟ لنستمع إلى هذا المقطع من محمد الماغوط:

«سئمتك أيها الشعر... أيها الجيفة الخالدة!».

للوهلة الأولى قد نشعر بانزعاج شديد لأنه شبه الشعر بالجيفة. فالشعر بالنسبة لنا هو المثال الأعلى الوردي السماوي الأبعد ما يكون عن الجيفة المرعبة. ولولا أنه أضاف كلمة الخالدة لكان بيته الشعري قد فشل تماماً، وأسقط في يده ويدنا. بمعنى آخر لولاها لكانت الشحنة الشعرية لم تنقدح ولم تحصل أبداً. ولكنا اعتبرنا الماغوط شاعراً فاشلاً، بل ورديئاً من الدرجة العاشرة.

وهذا يثبت صحة أطروحة الناقد الفرنسي جان كوهين الذي أتيحت لي مقابلته في باريس يوماً ما أيام زمان... وهو في رأيي أهم ناقد نفذ إلى أعماق الشعر، إلى كيمياء اللغة الشعرية حيث تغلغل إلى سر أسرارها. انظروا كتابيه: «بنية اللغة الشعرية»، ثم «اللغة العليا»، أي لغة الشعر، أي اللغة التي تعلو ولا يُعلى عليها. ماذا تقول أطروحته الشهيرة؟ إنها تقول لنا ما معناه: الشعر يبتدئ أولاً بخرق نظام اللغة المعتاد. الشعر يبتدئ أولاً بانتهاك منطقية المعنى وتمزيقها بشكل فج وصادم ومزعج ولا مسؤول. الشعر هو اغتصاب بالمعنى الحرفي للكلمة: أي اغتصاب منتظم ومقصود لمعاني اللغة العادية التي نعرفها. ولكنه في الحركة الثانية يخفف من حدة هذا الانتهاك أو الاغتصاب عن طريق إضافة كلمة أخرى تقلص منه أو تخفف منه، وبالتالي تعزينا وتواسينا وتقنعنا. وهذا ما فعله الماغوط عندما أضاف كلمة «الخالدة» بعد الجيفة. وهذا يعني أنه شاعر حقيقي. ولكن المؤسف هو أن العديد من شعراء الحداثة العربية لا يستطيعون تقليص الانتهاك اللغوي الحاصل. إنهم ينتهكون المعاني ويغتصبونها على مدار الساعة ظانين أنهم كتبوا شعراً. ولكنها انتهاكات مجانية فاشلة لا تعطي أي نتيجة. ولا تؤدي إلى انقداح اللغة الشعرية أو الشحنات الشعرية. وبالتالي فهناك انتهاكات وانتهاكات. هناك اغتصابات واغتصابات. هناك انتهاكات عبقرية مقنعة تقفز بك إلى أعلى السماوات، وهناك انتهاكات فاشلة ومجانية لا تحرك فيك ساكناً. بمعنى آخر، فإنها عاجزة عن قدح الشرارة الشعرية. لا داعي لضرب الأمثلة لأن عشرات الدواوين مليئة بهذه المجازات الميتة. ولذلك قلت لأحدهم مرة: رجاء لا تُهدِني ديوانك الجديد، ولا حتى القديم. رجاء ارحمني وأشفق عليّ. إني في حالة يُرثى لها. إني أكره الشعر كره النجوس.

أعود إلى الماغوط لكي أستشهد بهذا المقطع من قصيدة «في رثاء السياب»:

«ولكن أي وطن هو الذي

يجرفه الكنَّاسون مع القمامات

في آخر الليل؟

تشبث بموتك أيها المغفل

ودافع عنه بالحجارة والأسنان والمخالب

فما الذي تريد أن تراه؟

وعكازك أصبح بيد الوطن

أيها التعس في حياته وفي موته

قبرك البطيء كالسلحفاة

لن يبلغ الجنة أبداً».

ظاهرياً يبدو وكأن الماغوط يهجو السياب ويقرّعه، بل ويشن عليه حملة شعواء. ما هذا الرثاء؟ ما هذه الفضيحة؟ ولكن في الواقع هذا أجمل رثاء وأقوى رثاء، لأنه استخدم لغة جنونية ومجازات اعتباطية وصوراً عبثية. وأنتج قصيدة شعرية حقيقية. وهذا هو المهم في نهاية المطاف. لو أنه رثاه على الطريقة التقليدية التراثية والمعاني المنطقية المحترمة الموزونة لماتت القصيدة في أرضها، ولفقدت مفعولها تماماً.

لننتقل الآن إلى الشعر الفرنسي. وأنا حياتي كلها متوزّعة بشكل متراوح بين الآداب الفرنسية والآداب العربية تماماً مثل طه حسين. (اسمحوا لي بهذه الفخفخة الفارغة). من المعلوم أن غيوم أبولينير كان هو الرائد الذي مهَّد الطريق للسرياليين. بل وكلمة سريالية بالذات مِن اختراعه، أو قُلْ من اختراع جيراردو نيرفال قبله. وقد كتب عام 1908 قصيدة نثرية جنونية ما قرأتها مرة وإلا كدتُ أموت من الضحك، تماماً كما حصل لي مع الماغوط، وربما أكثر؛ ما قرأتها مرة إلا وكدت أموت من الفرح والانشراح والابتهاج. أكاد أقوم وأقعد وأعيش كل حالاتي. لنستمع إليها فوراً:

«كان فحم السماء قريباً جداً إلى درجة أني خفت من اضطرابه ولهبه. وكان على وشك أن يحرقني... كانت هناك حيوانات متنافرة... وكانت هناك أشجار ورد تدفن كرمة العريشة التي تثقلها عناقيد من الأقمار. وخرجت من عنق القرد سياط اللهب التي تزهر العالم... وعشرون خياطاً أعمى جاءوا بغية تفصيل وتخييط حجاب موجه لتغطية حجر اليمان الأسمر. وقدتهم أنا شخصياً القهقرى.

وفي المساء راحت الأشجار تطير، وأصبحت القرود جامدة لا تتحرك، ووجدت نفسي أضعافاً مضاعفة. والقطيع الذي كنتُه جلس على شاطئ البحر... وهذا السيف روى عطشي... ثم استقبلني مائة بحار واقتادوني إلى قصر وقتلوني تسعاً وتسعين مرة»... إلخ.

ما هذا العبث؟ ما هذا الجنون؟ ما هذا الشعر؟ ربما قال قائل: يا أخي أين هو المنطق في هذه القصيدة؟ أين هو العقل المتماسك؟ ولكن هل الشعر بحاجة إلى منطق وعقل متماسك أم أنه بحاجة إلى العكس تماماً؟ هكذا نجد أن ما يبدو سلبياً للوهلة الأولى يتحول إلى ميزة إيجابية خارقة. تكاد تقول: يعيش الشعر، يموت الشعر!

ولكن جنون الشعر لا يبلغ ذروته العليا إلا عند ذلك الوحش الهائل المدعو لوتريامون. لقد تجاوز رامبو بأضعاف مضاعفة من حيث الانتهاكات والاغتصابات والاقتحامات. هناك مقاطع عديدة لا أستطيع ذكرها من «أناشيد مالدورور». ولو قطعوا رأسي لن أذكر منها حرفاً واحداً. وأصلاً لا يمكن أن تُنشر. ولكني سأخاطر بهذا المقطع:

«عقدتُ حلفاً مع الساقطات بغية زرع الفوضى في العائلات. أتذكر جيداً الليلة التي سبقت هذا التحالف الشيطاني الخطر. رأيت أمامي قبراً. سمعت دودة ساطعة كبيرة بحجم منزل تقول لي: سوف أخبرك. اقرأ هذا النقش. هذا الأمر الأعلى ليس صادراً عني. رأيت أمامي نوراً وهَّاجاً ساطعاً بلون الدم. أمامه اصطكت أفكاكي وسقطت ذراعاي هامدتين. سمعت صوتاً ينتشر في الهواء حتى الأفق. اتكأت على جدار متهدم لأني كنت على وشك السقوط. قرأت النقش أمامي: هنا يرقد طفل مات مسلولاً. تعرفون الآن لماذا مات. لا تترحموا عليه، ولا تصلوا من أجله»... إلخ.


بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله
TT

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

بيكاسو... فتنة المسرح التي ألهمته أجمل أعماله

ثمة شيء مثير خفي في فن بابلو بيكاسو (1881 - 1973) هو ما يدفع بالمتاحف العالمية لإقامة معارض سنوية لأعماله. وبغض النظر عن المنطلقات النظرية لمنسقي تلك المعارض والتي يحاولون من خلالها صنع مناسبات، لكي تتخطى المتاحف أزماتها المالية من خلال الإقبال الجماهيري فإن رؤية واحدة من لوحات بيكاسو تكفي لكي تكون سبباً لمتعة جمالية لا توصف. ومنها على سبيل المثال الوقوف أمام لوحة البهلوان التي ضمها المعرض المقام حالياً في «تيت موديرن» بلندن تحت عنوان «مسرح بيكاسو». في تلك اللوحة التي رُسمت عام 1930 والمُعارة من متحف بيكاسو في باريس، يتحوَّل جسدٌ بلا جنس مُحدد إلى لغزٍ مُعقَّد، ساقٌ تنبت في الظهر، رأسٌ مُغلق العينين، ساقٌ أخرى مُستقرة على الأرض، متوازنة بذراعٍ تعمل يدها كقدم، بينما تنحني الذراع الأخرى، بقبضةٍ مُحكمة، كذيل. بهذه الطريقة، قلب بيكاسو الإنسان رأساً على عقب، وشوَّهه بشكلٍ لا يُمكن التعرف عليه، ومع ذلك جعله أكثر جاذبيةً وإنسانيةً وعاطفية. المخترع وهو اللقب الذي رافقه لم يكن مقتنعاً بطريقة النظر التقليدية إلى صورة الإنسان كما هو. ذلك ما دفعه إلى اختراع صور جديدة تتناسب مع وظيفة الإنسان وتنسجم مع مزاجه وتعبِّر عن حالته الروحية، باعتباره لغزاً يمكن النظر إليه من جهات مختلفة وإعادة تشكيله كما لو أنه لم يتخذ هيئته النهائية بعد. من بين كل فناني الحداثة الفنية في القرن العشرين انفرد ابن مالقة بتلك الصفة المتوحشة التي تذكر بولعه بمصارعة الثيران، ذلك التقليد الإسباني الذي اعتبره بيكاسو فناً واستحضره في لوحاته.

سليل فنانين مسرحوا العالم

لم يعتمد منسقو المعرض سياقاً زمنياً يمكن أن يُهتدى به تاريخياً. فكرتهم عن بيكاسو باعتباره رجل مسرح أيضاً كانت هي الأساس. وهي ليست فكرة جديدة. هناك معرضان سبقا هذا المعرض كان الغرض منهما تسليط الضوء على تلك العلاقة التي بدأت عام 1917 يوم صمم الرسام الشاب ستارة وأزياء وديكورات باليه كتبه صديقه الشاعر جان كوكتو وأخرجه الروسي دياغيليف. الأول أقيم عام 1960 وكان بيكاسو يومها حياً والثاني في فرانكفورت عام 2006. وإذا ما كان صاحب غورنيكا قد استمر في عمله المباشر في المسرح وبالأخص في العروض الراقصة فإن نقاد الفن الذين تخصصوا بفنه يصرون على أنه كان مسرحياً في تصويره للمشاهد في أعماله الكبرى. كان كما يقولون يتخيل مسرحاً تجري عليه الوقائع التي يصورها ويتخذون من «غورنيكا» و«حرب كوريا» و«الراقصات الثلاث» وأعمال كبيرة وصغيرة أخرى أمثلة على صحة نظريتهم التي تقول «إن بيكاسو كان يرسم وعينه على المسرح» وفي العودة إلى سيرته التي تتخللها طريقته في تصفية حساباته مع الفنانين الذين أُعجب وتأثر بهم يمكن القول إن البعد المسرحي في أعمالهم لم يفُتْه، فقرر أن يتفوق عليهم جميعاً، وتلك هي عادته التي انتبه إليها رسامان ارتبط بهما بصداقة عميقة هما هنري روسو وجورج براك اللذان كانا يخفيان أعمالهما الجديدة عنه خشية أن يلتهمها. في علاقته بالمسرح حاول بيكاسو أن يتفوق على الرسام الانطباعي تولوز لوتريك مثلاً الذي كان ملهى الطاحونة الحمراء مسرحاً لفنه وحياته معاً.

الشقاء الإنساني في صورة

لا أتذكر عدد المرات التي رأيت فيها «المرأة الباكية» اللوحة التي رسمها بيكاسو عام 1937 وهي السنة نفسها التي رسم فيها رائعته «غورنيكا». وعلى الرغم من أنها لوحة صغيرة ولا يخرج موضوعها عن نطاق كونه صورة شخصية لدورا مار، المصورة وصديقة الفنان في تلك المرحلة فإنها لا تقل قيمة من غورنيكا على المستويين التاريخي والفني. الحزن الذي تنطوي عليه تلك اللوحة يختزل قوة الفتك التي ظهرت في اللوحة الشهيرة التي وضعت البلدة الإسبانية التي قصفها النازيون على خريطة الشقاء الإنساني. ولأن جلب غورنيكا باعتبارها محاولة لمسرحة حدث مأساوي إلى لندن لتكون جزءاً من المعرض كان صعباً فقد حلَّت «المرأة الباكية» محلها كونها قرينتها الأكثر قرباً. وكما أرى فإن ذلك الاستبدال عبر عن ذكاء منسقي المعرض وهم يسعون إلى تقديم الجوانب المختلفة لبانوراما بيكاسو التي أحاط من خلالها العالم مسرحياً. لقد حوَّل الرجل الذي أحدث انقلاباً جذرياً في الرؤية الفنية منذ لوحته «فتيات أفنينون» التي رسمها عام 1907 العالم مسرحاً، وهو ما سيلقي بظلاله على الاحتفالات المتكررة بعبقريته. وقد يكون مفيداً هنا أن أقول إن الوقوف أمام لوحة «المرأة الباكية» يمكنه أن يعطينا فكرة مهمة مزدوجة عن قيمة بيكاسو على المستويين الفني والإنساني. فمن جهة تقنية يمكن اعتبار تلك اللوحة واحدة من أهم اللوحات التي أعلنت الحداثة الفنية فيها عن واحدة من أهم لحظات قطيعتها مع الماضي من خلال ابتكار طريقة جديدة في النظر إلى الوجه البشري. في الوقت نفسه فإن قوة التعبير عن الشقاء الإنساني التي انطوت عليها اللوحة ستكون دائماً بمثابة النافذة الخيالية التي ما كان لها أن تُفتح لولا بيكاسو.

سر بيكاسو في غموضه

«جمال آسر وغموض لا ينفد» هما قطبا المعادلة التي لا تزال تضع بابلو بيكاسو في مكانة لا ينافسه عليها أحد باستثناء فنسنت فان غوخ على مستوى جذب الجمهور إلى معارضه الاستعادية العالمية التي لم يترك منسقوها مرحلة من مراحله الأسلوبية المتعددة إلا وسلطوا عليها الضوء، وهو ما يكشف عن غنى تجربته الفنية والإنسانية التي استطاع بعبقرية موهبته الاستثنائية أن يغوص من خلالها في عمق المعاني الخالدة للحياة.

ولأن بيكاسو رسم كل شيء فإن فنه لا يعد مرآة لعصره فحسب، بل اتسع أيضاً للأسئلة التي تتعلق بمسألة علاقة المتلقي بالعمل الفني وهي علاقة شائكة تتعرض للكثير من الانقلابات التي يتحكم بها مزاج العصر. وهنا بالضبط يكمن سر مقاومة أعمال بيكاسو من خلال عدم تعرضها لاهتزازات معادلة القديم والجديد. فن بيكاسو جديد دائماً لأن مبدعه نجا من التنميط المدرسي من خلال تجدده المرتبط بأصالة شخصية لا علاقة لها بما يجري من حوله.

في معرض «مسرح بيكاسو» هناك لوحات تعود إلى مراحل وأزمنة مختلفة. المرحلة الزرقاء التي ترتبط بالسنوات الأولى من القرن العشرين وهي السنوات التي قضاها بيكاسو في باريس جائعاً. المرحلة التكعيبية التي بدأت عام 1912. وأخيراً مرحلة ثلاثينات القرن العشرين التي أثمرت عن لوحته الشهيرة غورنيكا. تلك مرحلة خصبة كان بيكاسو فيها غزير الإنتاج متعدد الأساليب والموضوعات، وهو ما أغرى المتاحف العالمية بأن تخصها بغير معرض استعادي كبير، منها ذلك المعرض الضخم الذي أقامه تيت موديرن عام 2018.

إعادة النظر في الشكل البشري

واحدة من أجمل المفارقات التي تتعلق بسيرة بابلو بيكاسو أن شهرته تفوق شهرة أعماله، بضمنها غورنيكا. في المقابل فإن لوحة موناليزا التي تحل ملايين البشر في باريس سنوياً من أجل رؤيتها هي أكثر شهرة من رسامها ليوناردو دافنشي التي يدين له الرسم في القرون الخمس الأخيرة بالكثير من الكشوفات التقنية والأسلوبية.

«مسرح بيكاسو» الذي يُحتفى به الآن هو جزيئة من عالم الفنان الذي ألهمته صلته بفلسفة وعلوم عصره التفكير بصرياً بما لا يُرى من شخصية الإنسان، فكان ذلك دافعاً لإعادة النظر في الشكل البشري لا كما يُرى في الواقع بل كما هو عليه في حقيقة جوهره. حين رسم لوحته لشهيرة «فتيات أفنيون» عام 1907 صار ذلك الشارع الصغير في برشلونة مسرحاً للأفكار المتدفقة التي مزجت الرغبة في إعادة النظر في المفاهيم الاجتماعية السائدة بالتحولات الأسلوبية التي كان على الرسم الحديث أن يخوض مغامرتها في ظل تبدُّل طريقة النظر العلمية إلى الإنسان.


رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية
TT

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

رواية «مكان اسمه كميت» لنجم والي بالألمانية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «سيثيسيون فيرلاغ» الألمانية السويسرية المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العالمي الحديث، ترجمة لرواية «مكان اسمه كميت» للروائي العراقي نجم والي، التي أنجزتها المترجمة الألمانية إيمكه آلف فين. الرواية التي صدرت طبعتها الأولى عن دار شرقيات القاهرة 1997 وطبعتها الثانية عن دار الرافدين في بغداد - كان بيروت عام 2018، وهي تاسع رواية تصدر له مترجمة إلى الألمانية.

وتدور أحداث الرواية في المنتصف الثاني من أعوام السبعينات.

عشية الحرب العراقية الإيرانية، في أواخر صيف عام 1980، ينفصل صالح سلطان، مدرس التاريخ والشاعر البالغ من العمر ثلاثين عاماً، عن زوجته، وهي ناشطة شيوعية سابقة، ويغادر بغداد هرباً من السجن. كان يأمل في بدء حياة جديدة في البلدة الصغيرة «كميت»، الواقعة جنوب العراق. وعندما يقع في غرام الطالبة الجميلة ماجدة، ذات التسعة عشر عاماً، التي انضم شقيقها رعد إلى صفوف الأنصار الشيوعيين، تبدأ رحلته المحفوفة بالمخاطر كخصم لعصام محمود، حاكم كميت المستبد، الذي يرغب هو الآخر في ماجدة.

الفتاة الشابة تنجذب إلى الرجلين؛ إلى صالح لكونه ضعيفاً، حساساً، مثقفاً، وكئيباً، يذكرها بأخيها الهارب رعد، وإلى عصام لأنه يمثل تحدياً مثيراً للاهتمام، وحماية لأهلها من التعرض للملاحقة.

كانت ذكريات طفولته الجميلة مع جدته، ماتينراد، التي لا تزال تعيش في كميت وتكسب رزقها من صناعة العباءات، هي ما قادت صالح سلطان إلى تلك الناحية النائية، ورغم أنه لم ينضم إلى حزب البعث، فقد وقّع على تعهدٍ بالابتعاد عن السياسة في الريف. إلا أن كميت لم تعد ملاذاً ريفياً هادئاً، كما ظن صالح، بل أصبحت أشبه بدولة بوليسية مصغرة يحكمها عصام ماهود.

وسبق أن صدرت ترجمة فرنسية للرواية نفسها عام 1999 أنجزتها المستعربة الفرنسية ماريانا، وستصدر ترجمتها إلى الانجليزية التي أنجزها المترجم وليم هيتشنيز العام المقبل.