«الرواية السعودية» تستعرض عنفوانها في الحيّ الثقافي بقطر

انطلاق فعاليات مهرجان «كتارا» للرواية العربية 2025

اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)
اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)
TT

«الرواية السعودية» تستعرض عنفوانها في الحيّ الثقافي بقطر

اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)
اختار مهرجان «كتارا» للرواية العربية في قطر «الرواية السعودية» «ضيف شرف» والأديب والدبلوماسي الراحل الدكتور غازي القصيبي «شخصية العام» للدورة الحالية من المهرجان (تصوير: ميرزا الخويلدي)

ضمن فعاليات الدورة الـ11 لمهرجان «كتارا» للرواية العربية، الذي يُقام حالياً في العاصمة القطرية الدوحة، بدأت أولى فعاليات الاحتفاء بالرواية السعودية، بمناسبة اختيارها «ضيف شرف» الدورة الحالية للجائزة، بإقامة ندوة حوارية عن الرواية السعودية.

وبمناسبة اختباره «شخصية العام»، افتتح في مهرجان «كتارا» للرواية العربية معرض يروي سيرة ومسيرة الأديب والدبلوماسي الراحل غازي القصيبي، ويتضمن المعرض، إلى جانب سيرة الأديب الذاتية، مقتبسات من مؤلفاته التي تربو على 70 كتاباً في مجالات الأدب والشعر والفكر والتنمية.

وافتتح في «كتارا» معرض «رحلة في الرواية السعودية من التأسيس إلى العالمية»، الذي يستعرض المحطات البارزة في تاريخ الرواية السعودية منذ بداية رحلتها في منتصف القرن العشرين، وفي السنوات التالية للبدايات انتقلت من مرحلة التوثيق الاجتماعي إلى مرحلة النضج الفني. ووثّق المعرض للرواية النسائية السعودية، التي تعود بداياتها الأولى إلى سميرة خاشقجي. كما تناول المعرض تجربة الرواية السعودية مع الدراما، كما وثّق المعرض الجوائز التي حقّقتها الرواية السعودية في المحافل العربية والدولية، ما عزّز من حضورها وأكّد قيمتها الفنية، وتطرق لمستقبل الرواية السعودية.

جائزة «كتارا»

وبعد افتتاحه لفعاليات مهرجان كتارا للرواية العربية، قال الدكتور خالد بن إبراهيم السليطي، المدير العام للمؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا»، إن جائزة «كتارا» للرواية العربية حققت العديد من الإنجازات خلال 11 عاماً، حيث رسّخت مكانتها كأهم منصة عربية تحتفي بفن الرواية، وتعزز حضوره على المستويين الإقليمي والدولي.

وأشار إلى أن الجائزة شهدت إقبالاً متزايداً من الكتاب والمبدعين، وأسهمت في إيصال الصوت السردي العربي إلى العالمية من خلال اعتماد اليونسكو للأسبوع العالمي للرواية خلال الفترة من 13 إلى 19 أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، بناء على اقتراح من المؤسسة العامة للحي الثقافي «كتارا»، دعمته المنظمة العربية للثقافة والتربية والعلوم (الألكسو)، ووزراء الثقافة العرب.

وأكّد أن هذه الدورة من مهرجان كتارا للرواية العربية تعدّ استثنائية بكل المقاييس، مع دخول الجائزة عقدها الثاني، لأن لجنة الجائزة اعتمدت مبادرات ومشاريع جديدة سيتم الإعلان عنها ضمن فعاليات المهرجان في دورته الحالية.

ومن جانبه، أكّد السيد خالد عبد الرحيم السيد، مدير إدارة الفعاليات والشؤون الثقافية بكتارا، أن هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية تميزت بعدد المشاركات في منافساتها التي بلغت 1900 مشاركة، إلى جانب تنوع فعالياتها ومشاريعها وأنشطتها، بالإضافة إلى تميز معرض كتارا للكتاب، الذي يشارك فيه 103 من الناشرين وأصحاب المكتبات.

وأوضح أن مجمل المشاركات في جائزة كتارا للرواية العربية في دورتها الحادية عشرة، بلغ أكثر من 17 ألف مشاركة، وبلغ عدد الفائزين بجوائزها 183 فائزاً، وبلغت إصداراتها 253 إصداراً باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، حيث استطاعت «كتارا» أن تكون محطة جديدة في تاريخ الرواية العربية، وأن تكرس للرواية «حق التكريم».

المشاركون في ندوة «الرواية السعودية... النشأة والتطور» كل من الدكتور معجب العدواني ومحمد المزيني والدكتورة جميلة العبيدي وأدارها محمد العامري (الشرق الأوسط)

الرواية السعودية

وكانت أولى فعاليات الاحتفاء بالرواية السعودية بمناسبة اختيارها «ضيف شرف»، إقامة ندوة بعنوان: «الرواية السعودية... النشأة والتطور» تحدث فيها كل من: الدكتور معجب العدواني الأكاديمي والناقد الأدبي، والروائي والإعلامي محمد المزيني، والدكتورة جميلة العبيدي الأكاديمية والناقدة، وأدارها الناقد محمد العامري.

واستعرض المتحدثون مسيرة الرواية السعودية، مع التطرق لأبرز الروايات البارزة في كل محطة من محطاتها، التي توجت مشوارها الذي يقترب من 100 عام بحصد جوائز إقليمية وعالمية.

فقد تناول الدكتور معجب العدواني المسارات المهيمنة على الكتابة الروائية السعودية، ابتداء من بواكيرها، وتأثير الشعر على الراوية، وملامح الرواية التاريخية، وتفاعل السيرة الذاتية وتناميها.

مسارات الرواية السعودية

وأشار العدواني إلى وجود 3 مسارات هيمنت على الكتابة الروائية السعودية. هي: المسار الشعري، والتاريخي، والسيرة الذاتية.

مضيفاً أن المسار الشعري تنامى ووصل إلى مرحلة متطورة وحديثة، حيث بدأت به الرواية السعودية عام 1930 من خلال رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري، وكانت الأعمال في البدايات لشعراء أحبوا ممارسة الكتابة الروائية، وهو أول مساس بين الشعر والرواية، وقد امتد وتواصل حتى التسعينات، حتى إن النقاد الذين مارسوا نقدهم الحداثي ركّزوا على الكتابات الروائية ذات الصيغة الشعرية... ومع التسعينات، بدأ بعض الكتّاب يمارسون التجريب في السرد، مثل عبده خال ويوسف المحيميد، ورجاء عالم، التي اتصفت بعض أعمالها بلغة شعرية، ثم وجدنا شعراء تحوّلوا للكتابة الروائية، أبرزهم غازي القصيبي، حيث عرف روائياً كما عرف شاعراً، ومنهم عواض العصيمي كما في روايته «أو... على مرمى الصحراء... في الخلف»، وكذلك الروائي محمد علوان كما في روايته «سقف الكفاية» وأحمد أبو دهمان.

فيما يحضر المسار التاريخي في العديد من الأعمال الأدبية، كما أن السيرة الذاتية حافظت على حضور واسع في تجارب العديد من الروائيين السعوديين، وقال إن هناك روايات سعودية بدأت تكتب بصيغة التخييل التاريخي، كأن يختار الكاتب حدثاً محدداً ثم يضيف إليه جانباً إبداعياً كبيراً، مثل رواية «جدة 915 هـ» لسعيد السريحي، أو كتابة رواية تاريخية بلا تخييل، مثل «ضباعة العامرية» لعبد العزيز محمد الفيصل، حيث يكون السارد في الرواية التاريخية مقيداً بحضور التاريخ.

وبشأن مسار «السيرة الذاتية»، رأى العدواني أن نماذج هذا المسار بدت واضحة في رواية «طريق الحرير» لرجاء عالم، وكذلك «شقة الحرية» لغازي القصيبي.

السياق التاريخي للرواية السعودية

وقال الروائي محمد مزيني إن الرواية السعودية ليست بمنأى عن التأثر بالمحيطات العربية المتنوعة، فمنذ دخول مفهوم الرواية ببعده الفني الحديث، الذي قدحت شرارته رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل، مع تحفظ يوسف القعيد على هذا الإطلاق، وهناك تطلع الكتاب السعوديين لخوض غمار هذه التجربة العربية الحديثة التي اجتاحت العالم العربي عبر روّاد الرواية العربية المصريين تحديداً، ولقرب الحجاز من مصر، وأسبقية أهله بالتعليم، فقد استهلت الرواية السعودية مسيرتها بصدور رواية «التوأمان» لعبد القدوس الأنصاري في عام 1930، وتعدّ هذه الرواية تاريخياً سابقة لأول رواية أصدرها نجيب محفوظ بعنوان «عبث الأقدار» عام 1939، وقد يكون للعيب الفني في رواية «التوأمان»، التي تؤرخ للرواية السعودية، دور في عدم انتشارها بشكل جيد.

ولاحظ مزيني أن هناك اتفاقاً بين النقاد والدارسين على أن رواية «ثمن التضحية» لحامد دمنهوري، الصادرة عام 1959، هي المؤسسة لمرحلة التأسيس الفني للرواية السعودية، ثم جاء إبراهيم الناصر الحميدان لينفخ في صورة الرواية السعودية روحاً جديدة تقوم على أسس الفن الروائي الحديث من خلال روايتيه «ثقب في رداء الليل» 1961، و«سفينة الموتى» 1969.

مشيراً إلى أنه في عام 1977 صدرت أول رواية لعبد الله جمعان بعنوان «القصاص»، ثم رواية غالب حمزة أبو الفرج «الشياطين الحمر»، وعدد من روايات عبد الرحمن منيف ذات البعد القومي، حيث تعكس روايات السبعينات عموماً علاقة الرجل بالمرأة، وتكوين الأسرة، وما يلحق بها من أزمات تقع المرأة عادة فريستها في محاولة للدفاع عنها، ويحلو لبعض النقاد وصم هذه المرحلة بالضعف الفني.

لكن المزيني يشير إلى تأخر ظهور الرواية النسائية إلى أوائل الستينات الميلادية، وذلك لعوامل كثيرة متشابكة، لعل من أهمها تأخر تعليم المرأة مقارنة بالرجل، والقيود الاجتماعية والدينية المفروضة على المرأة، ما أخّر الرواية النسائية زهاء 3 عقود، افتتحتها سميرة خاشقجي، ولحقت بها هدى الرشيد، وهند باغفار، اللائي صدرت أعمالهن الروائية في فترة الستينات والسبعينات الميلادية.

والملاحظ هنا أن كل هذه الروايات النسائية تدور أحداثها خارج السعودية، ما يشي بأن روائيات تلك الفترة هن نتاج خارجي تعليماً وثقافةً، إلى أن كتبت عائشة زاهر أحمد روايتها «بسمة من بحيرات الدموع» التي أصدرتها عام 1979، لتعيد النسب الروائي النسائي السعودي إلى مجتمعه الطبيعي.

وعن مرحلة النضج التي وصلت إليها الرواية السعودية، يشير مزيني إلى رواية «فيضة الرعد» التي ألفها عبد الحفيظ الشمري، واعتبرت فاتحة للمرحلة الحديثة الثانية في تاريخ الرواية السعودية، التي دشّنت فنياً برواية «رائحة الفحم» لعبد العزيز الصقعبي، ليدخل منافساً قوياً لأسماء سابقة له في هذا المضمار، مثل: غازي القصيبي، وعبده خال، وتركي الحمد، وعلي والدميني، وهي أسماء جاءت بروايات تقترب من الذات.

الأدب النسائي السعودي من الهامش إلى المركز

وأكّدت الأكاديمية السعودية الدكتورة جميلة العبيدي، أهمية «النظر إلى الأدب النسائي السعودي من زاوية الوعي السردي، لأن السرد كان دائماً الأداة التي استخدمها الإنسان ليحمي وجوده من التبعثر، والمرأة الكاتبة استخدمته لتستعيد موقعها في التاريخ عبر إعادة تعريف علاقتها باللغة والزمن والمجتمع».

وقالت إنه «في بدايات هذا الأدب، كانت اللغة تُستخدم كدرعٍ دفاعية، وكأن الكاتبة تكتب من وراء جدار، تخشى أن يرفضها الخطاب السائد أو يصادر صوتها (...) والكتابة تشبه النجاة أكثر مما تشبه المعرفة. لكن مع تحوّل الزمن الثقافي والاجتماعي في المملكة، ومع نضج التعليم وظهور جيلٍ جديدٍ من الكاتبات الواعيات، تغيّر موقع الذات من الهامش إلى المركز، ومن الدفاع إلى الفعل، ومن البوح إلى التأويل».

وقالت الدكتورة العبيدي إن المرأة السعودية بدأت «تنظر إلى النص، لا باعتباره سجلاً للحياة، بل باعتباره مختبراً للوعي. أصبحت القصة والرواية وسيلةً لتفكيك ما هو راسخ في الذهن الجمعي، وتحليل أنماط الخطاب التي تحدد صورة المرأة في المجتمع، وكيف تُنتج هذه الخطابات دلالاتها، وتشرعن ما يُقبل وما يُرفض. هنا تحوّل النص من مرآةٍ للواقع إلى أداةٍ لقراءة الواقع وتغييره».

وأضافت: «من أبرز ملامح هذا التحول أن المكان والزمان لم يعودا إطارين صامتين للأحداث، بل تحولا إلى كيانين فاعلين في تشكيل المعنى».

وقدّمت الدكتورة جميلة العبيدي نماذج لدراسة التحويل في روايات المرأة السعودية: «ففي رواية (طوق الحمام) لرجاء عالم، على سبيل المثال، تتحول مكة إلى كائنٍ حيٍّ يتحدث بذاكرته، تتجاور فيه القداسة واليومي، والماضي والمستقبل. فالمدينة هنا ليست مجرد مسرحٍ للوقائع، بل هي شخصية رئيسة في النص، تروي تحوّلاتها وتعبّر عن صراعها بين الثابت والمتحوّل».

كما لاحظت أنه «في رواية (جاهلية) لليلى الجهني، تتبدّى اللغة ذاتها كموضوعٍ للنقد، حيث تُفكّك الكاتبة الخطاب الذي يفرض تعريفاتٍ جاهزة للمرأة، وتُظهر كيف يمكن للمفردة الواحدة أن تكون سجناً أو أفقاً، تبعاً لمن يملك حقّ النطق بها».

أما في «رواية (بنات الرياض) فقد أعيد تعريف علاقة الكاتبة بالقارئ، حيث انكسر الحاجز التقليدي بين الراوي والمتلقي، ليصبح النص فضاءً حوارياً مفتوحاً، تتوزع فيه السلطة بين الكاتب والقارئ، ويُنتج المعنى عبر التفاعل لا التلقّي».

وفي ختام ورقتها، أكّدت الدكتورة العبيدي أن الأدب السعودي أصبح «وثيقة ثقافية تشهد على تحوّل الهوية الوطنية بأكملها؛ من الانغلاق إلى الانفتاح، ومن الصوت الواحد إلى التعدد، ومن التلقّي إلى المشاركة».


مقالات ذات صلة

فيلمان من السعودية ومصر يتقاسمان جوائز «مالمو للسينما العربية»

يوميات الشرق بطلة فيلم «هجرة» السعودي تتسلم جوائزه (مهرجان مالمو)

فيلمان من السعودية ومصر يتقاسمان جوائز «مالمو للسينما العربية»

تقاسم الفيلمان المصري «كولونيا» والسعودي «هجرة» صدارة جوائز الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، بعدما حصدا 5 جوائز في حفل الختام.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق مشهد من فيلم «أحضان وقضبان» (إدارة المهرجان)

«الأصوات السويدية»... أفلام جديدة تبحث عن الذات

عكست الأفلام المعروضة ضمن برنامج «الأصوات السويدية» للأفلام القصيرة في النسخة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، نبرة إنسانية.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق قدم صناع الأفلام عروضاً لمشاريعهم الجديدة (مهرجان مالمو)

تجارب سينمائية عربية تبحث عن الدعم في «مالمو»

عكست مشاريع الأفلام الروائية الطويلة في مرحلة التطوير التي قدمت ضمن «أيام مالمو لصناعة السينما» ملامح موجة سينمائية عربية تنشغل بما هو أبعد من حكاية تقليدية.

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق يهدف الفيلم لتعريف الأطفال بقضية اللجوء - (الشركة المنتجة)

«اللجوء إلى المدرسة» يتعاطف مع أوضاع اللاجئين في أوروبا

احتضنت الدورة الـ16 من مهرجان «مالمو للسينما العربية»، عرض فيلم الرسوم المتحركة «اللجوء إلى المدرسة».

أحمد عدلي (مالمو (السويد))
يوميات الشرق رائد السينما السعودية عبد الله المحيسن (مهرجان مالمو للسينما العربية)

عبد الله المحيسن: والدي اعترف بي فنياً بعد «اغتيال مدينة»

اختار المخرج عبد الله المحيسن أن يكون محامياً للمجتمع، مدافعاً عن قضايا الإنسان من خلال السينما.

أحمد عدلي (مالمو (السويد) )

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
TT

3 ألواح من قصر الحير الشرقي

ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية
ثلاثة ألواح أموية من موقع قصر الحير الشرقي في البادية السورية

كشفت أعمال التنقيب المتواصلة فيما يُعرف بـ«قصور البادية» خلال القرن الماضي عن فن تصويري أموي مدني، راسخ ومتنوّع، تعدّدت شواهده في ميادين الرسم والنحت والنقش. تتواصل هذه الاكتشافات في زمننا، وأحدثها ثلاثة ألواح مستطيلة منجزة بتقنية الجص الجيري المنحوت، عثرت عليها بعثة سورية سويسرية مشتركة بين 2009 و2010 وسط أطلال موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية وأضخمها في البادية السورية.

وصل أحد هذه الألواح بشكل كامل، بخلاف اللوحين الآخرين اللذين فقدا جزءاً من عناصرهما، غير أن ما سلم من مكوّناتهما يسمح بتحديد التأليف الأصلي الخاص بكلّ منهما. تتبنّى هذه الأعمال الفنية تقنية النقش الناتئ، وتتبع طرازاً فنياً جامعاً، تتضح خصائصه الأسلوبية عند دراسة ملامح تكوينها. يبلغ طول اللوح الكامل 66 سنتيمتراً، وعرضه 49,5 سنتيمتر، ويحدّه إطار بسيط يخلو من أي حلة زخرفية. يحتلّ وسط التأليف فارس يمتطي جواده، حاملاً طيراً كبيراً. تخرج الصورة عن النسق الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الواقعي، وتحلّ في قالب يغلب عليه طابع يجمع بين التحوير والتجريد.

يظهر الرأس والصدر في وضعية المواجهة، وتظهر الساق اليسرى في وضعية جانبية. الوجه بيضاوي، وتتمثّل ملامحه بعينين واسعتين مائلتين فارغتين تخلوان من بؤبؤيهما، وأنف مستطيل ينسلّ من بين وسطهما، وثغر صغير يخرقه شقّ أفقي غائر يفصل بين شفتيه، وذقن مقوّس تكسوه لحية تتصل بشارب عريض. الأنف والحاجبان على نتوء، والشارب واللحية محدّدان بشبكة من الخطوط العمودية المتوازية تمثّل شعيراتهما. يرتدي هذا الفارس بزة تتألف من قطعة واحدة، تكسوها شبكة من الخطوط المتقاطعة، ويعتمر قبة مدبّبة تبدو أشبه بخوذة، تزيّنها كذلك شبكة مماثلة. نراه رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه صدره، قابضاً بيده على لجام حصانه، وفي حركة موازية، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، حاملاً فوق يده طيراً ضخماً يتدلّى من الأعلى إلى الأسفل.

يصعب تحديد فصيلة هذا الطير، والأرجح أنه صقر. جناحاه مبسوطان ومتلاصقان، وريشهما شبكة من الخطوط المقوّسة. صدره عريض، وريشه شبكة من الخطوط المتقاطعة. ذيله مثلث، وتكسوه خطوط مثلثة. قائمتاه ظاهرتان، وتحدّهما مخالب تحطّ فوق يد الفارس المرفوعة. رأسه صغير، قمّته تلامس خوذة صاحبه، وهو في وضعية جانبية، ومنقاره مدبّب.

يحتلّ الحصان مساحة النصف الأسفل من الصورة، وهو في وضعية جانبية، ويبدو ذيله الطويل متدلياً من خلفه، وتُظهر قائمتاه الخلفيتان حركة بسيطة، مع تقدّم القائمة اليمنى نحو الأمام. في المقابل، تبدو القائمة الأمامية اليسرى مستقيمة وثابتة، وتغيب نظيرتها اليسرى من خلفها بشكل كامل. يحني هذا الحصان رأسه، وتبدو أذناه مدبّبتين على شكل مثلثين متساويين، وعينه لوزة واسعة فارغة، وشدقه شق عمودي غائر. يعلو وسط الظهر سرج عريض، مع شريط يلتف من حوله، تزين طرفه الخلفي أربع كتل دائرية تتدلّى بشكل متناسق. يقابل هذا الشريط الطويل شريط صغير ينعقد فوق الرأس على شكل مثلث تزينه خطوط متوازية.

يحضر الفارس على صهوة حصانه وسط حلة زخرفية نباتية قوامها سعفة كبيرة مقوّسة تحدّها خمس وريقات متوازية من جهة، وغصن مورق يرتفع عمودياً من الجهة الأخرى، تحدّه وريقات صغيرة. تكتمل هذه الحلة بظهور وريقة بيضاوية ضخمة تمتد أفقياً بين قوائم الحصان، في وسط القسم الأسفل من تأليف الصورة.

يقابل هذا اللوح لوح يتبع صياغة فنية مماثلة، غير أنه يبدو أكبر حجماً؛ إذ يبلغ طوله 78,5 سنتيمتر، وعرضه 53.5 سنتيمتر، ويمثّل امرأة تقف في وضعية المواجهة تحت قوس يستقرّ فوق عمودين يعلو كلا منهما تاج، وفقاً لتأليف معروف يُعرف باسم «قوس المجد». الوجه بيضاوي، وتعلوه كتلة من الشعر الكثيف تنعقد نحو الخلف، وفقاً لمثال أنثوي خاص تميّز به الفن التصويري الأموي. العينان لوزيتان واسعتان، ويتوسّط كلا منهما بؤبؤ غائر. الأنف رفيع ومستقيم، والثغر يقتصر على شق أفقي بسيط. العنق قصيرة وشبه غائبة، ويحدّها في الأسفل عقد ينعقد من حول أعلى الكتفين على شكل شريط عريض. ترفع هذه المرأة المكتنزة يديها نحو صدرها، وتتزيّن بسوار عريض يلتف فوق مفصل كوع ذراعها اليمنى. نراها منتصبة وسط سعفتين مورقتين تنعقدان من حول قوس المجد الذي يكلّل هامتها.

النصف الأسفل من الصورة زخرفي بامتياز، وقوامه شبكة من الزهور المحوّرة هندسياً، وكلّ منها زهرة منبسطة تحوّلت بتلاتها المجرّدة إلى تقاسيم هندسية. تماثل هذه الشبكة المتقنة المشربيات، وتبدو كأنها تمثّل مقصورة تقف وسطها هذه المرأة التي خصّص لها هذا اللوح الأموي البديع.

عُثر على هذا اللوح، كما على لوح الفارس، خلال عام 2009. وعُثر في العام التالي على اللوح الثالث، ويمثّل رجلاً يقف وسط إطار مشابه. فقد هذا النقش الناتئ جزءاً كبيراً من مكوّناته، وطوله 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. يحضر في وسط التأليف رجل بقي من رأسه الجزء الأيسر من وجهه وذقنه. يتمثّل هذا الجزء من الوجه بعين واسعة يتوسطها بؤبؤ، ويتمثّل الذقن بلحية طويلة تعلوها شعيرات طويلة مرصوفة كأسنان المشط. يحلّ هذا الوجه فوق قامة ترتدي لباساً تزينه شبكة من الخطوط المتقاطعة، تماثل تلك التي تزين رداء الفارس ذي الصقر.

سقط الجزء الأيسر من هذه القامة، وما بقي من الجزء الأيمن يكشف عن ذراع تمتد نحو الصدر، تمسك بيدها سيفاً ينسدل عمودياً بين الساقين في وسط الصورة، وفقاً لقالب نموذجي معروف، ارتبط في المقام الأوّل بتصوير الملوك الساسانيين. ضاعت الحلة الزينية التي تشكل خلفية لهذا اللوح، وبقيت منها وريقتان جانبيتان تظهران حول الذراع اليمنى الخاصة بهذا الرجل الملتحي. تماثل هاتان الورقتان الوريقات التي تظهر على لوح الفارس ولوح المرأة، مما يوحي بأنهما تشكّلان جزءاً من حلة نباتية تتبع النسق المعتمد في صياغة هذه الألواح.

في الخلاصة، يتّضح أن هذه الشواهد الثلاثة خرجت من محترف واحد، وتكوّن مجموعة صغيرة، تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي. ينهل هذا الفن من مناهل الفن المتوسطي الذي جمع بين التقاليد الرومانية والفارسية، ويتجلّى في قوالب مبتكرة، تشكّل امتداداً للطرز المحلية التي سادت في القرون الميلادية الأولى.

خرجت الشواهد الثلاثة من محترف واحد وتكوّن مجموعة صغيرة تُشكّل غصناً من أغصان شجرة الفن التصويري الأموي


روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».