موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

ردّاً على مقال «هل مات الناقد الأدبي؟» للطفية الدليمي

رولان بارت
رولان بارت
TT

موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت

وضْع الناقد الأدبي أمام المساءلة خيار يبدو لي صعباً، والتبشير أو الإعلان عن «موته» الرمزي هو موقف يحتاج إلى مراجعة نقدية أيضاً، لأن هذا الناقد ليس بعيداً عن تشكيل هوية المشهد الثقافي الذي تقوض كثير من أبنيته وأطروحاته ومرجعياته، حتى يبدو الحديث عن «موت الناقد» مسوغاً ومقبولاً في التداول.

ما طرحته القاصّة والروائية لطفية الدليمي في عدد جريدة «الشرق الأوسط»، الصادر في 8 يناير (كانون الثاني) 2026، يثير أسئلة مفتوحة عن توصيف موت الناقد، وعن المجاهرة بهذا الموت، مقابل الدعوة إلى حضور القارئ الذي سيملأ فراغات النصّ، بوصفه البديل الأكثر حيوية في تمثيل صانع القوة المعرفية الجديد، أو بوصفه القارئ الفائق، أو القارئ العمدة بتوصيف ريفاتير، وهذه الوظيفة تعني جرّ القراءة إلى رهانات صعبة، لا يمكن ربطها إلا بسياق التاريخ الإشكالي للميتات القديمة التي طرحها نيتشه ورولان بارت وفوكو، وأخيراً رونان ماكدونالد الذي ربط موت الناقد بصعود القارئ غير المتخصص والقريب من وظيفة «المُشغّل الثقافي».

التصريح بموت الناقد لا يعني الحديث عن غيابه، بقدر ما يعني الحديث عن أزمة مساءلة الخطاب النقدي، على المستوى الأكاديمي أو المنهجي، حتى المستوى الآيديولوجي، لأن الناقد سيظل شخصية مشاغبة، في سياق وظيفته، أو في سياق وعيه، وتأهيل دوره في توصيف القراءة يعني توسيع أدواته التي تُعطي لنصّه المجاور حرية فاعلة، وربما طاقة أخرى لمواجهة ما يخفيه المؤلف، خوفاً أو تورية، أو مكراً، وهذا ما يدفع الناقد لأن يكون «خبيثاً» أو فضائحياً، عبر جرّ النص إلى التأويل، وهي محاولة في الذهاب به إلى «فائض المعنى» بتوصيف ريكور، حيث يؤسس عبر هذا الفائض موقفاً قد يتقاطع مع المؤلف الآيديولوجي، ومع تمثلاته ومرجعياته المعرفية والجندرية والتاريخية.

الحديث عن «سلطة الناقد» لا يعني الحديث عن شبح يمكن استئجاره بتوصيف سليم بركات، لكي يدون سيرة مضادة، أو يمارس نوعاً من الاستبداد النقدي، بقدر ما يحضر كون القارئ الفاعل، الذي يدرك أن لعبة القراءة مفتوحة، لكنها ستكون أكثر تعقيداً عبر صناعة نصٍ موازٍ، أو عبر ما تقيمه من حوار مع المؤلف، الحوار الذي يشبه «العصف الذهني» المهيج لحوارات متوالية تتفاعل وتتنامى داخل مجتمع القراءة، لذا لا أحسب أن هذا الناقد سيمارس وظيفة «احتكار المعنى» أو أدلجته، بقدر ما سيكون أركيولوجيّاً يدرك أهمية الحفر في مستويات النص، بعيداً عن أي صلاحية، أو تخويل، وعن أي خرق لخصوصية النص الذي تحرسه الآيديولوجيا، وأحسب أن كثيراً من المؤلفين قد تحولوا إلى نقاد، لأنهم أدركوا أهمية الآخر في القراءة، الآخر الذي يمكن أن ينسلخ عن ذات المؤلف، أو من مرآته ليمارس رقابة أو مراجعة مغايرة للنص المكتوب، أو للذات النرجسية.

السرد وغواية الناقد

القاصة الكبيرة لطفية الدليمي من أكثر الكتّاب الذين انشغل بهم النقد العربي والعراقي، لأهمية وعمق مشغلها السردي، الذي استغرق عوالم غامرة بالصراع النفسي والاجتماعي، وبحيوات عاشت أزماتها الوجودية عبر اشتباكها مع واقع غرائبي، ومع تحولات عميقة في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، فهي لم تكن ساردة جندرية، بقدر ما أنها جعلت قصصها ورواياتها أسئلة فضاءات مفتوحة للقراءة والترميز النفسي والإنثربولوجي، ولا سيما ما يتعلق بشخصية البطل الثقافي - الرجل والمرأة - عبر تمثيل وعيها الحاد إزاء الحرية والحب والسلطة والعنف، وهناك من جعل من سردياتها وثائق لمقاربة «صدمة العراق السياسي» عبر شخصيات جعلت منها الدليمي أقنعة اغترابها، وتعقيدات مأزقها الوجودي، عبر تمثلاتها الرمزية في تاريخ العراق وأزماته الكبرى.

هذه الكشوفات ليست بعيدة عن كشوفات الناقد الذي كان قارئاً استثنائياً، الذي وجد في سرديات الدليمي، مرجعاً لتنشيط «التخيل التاريخي» ولتقويض التاريخ عبر السرد، وربما للكشف عن علاقات تخص النص بالمعرفة والجسد، أو بالاجتماع السياسي، أو بالآيديولوجيا، التي كثيراً ما تتسلل عبر لا وعي المؤلف، ومهمة الناقد تتجلى عبر إثارتها، وليس بالتحوط والتحول إلى كائن مهووس بالأحكام، أو ربما بتأويلات يخشى المؤلف الكشف عنها، لأن النص هو مرآته الشخصية، والناقد هو اللص الذي يتنمر بكشوفات خرق نرجسية المرآة.

عدم مقبولية وظيفة الناقد في «زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّب طويلاً» كما تقول الدليمي، لا يعني عزلاً لمسؤولية الناقد، ولا إحالته لـ«التقاعد الوظيفي»، لأن زمن النص أصبح مكتفياً بذاته، وسلطة القارئ تعمد إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك المعرفي، وممارسة وظيفة سدّ الفراغات وتقبّل صدمة التلقي والتوقع.

أحسب أن هذه المفارقة الوظيفية لا تعني تبادل أدوار، ولا خرقاً لبداهات جعلتها الواقعية النقدية جزءاً من مشروعها، ومن سلطتها ومن مناهجها، بقدر ما أنها أعادت التموضع على وفق تحول القارئ، بوصفه ناقداً، لأن هذا القارئ ليس هامشياً، وحيازته لأدوات القارئ المعرفي تعني أيضاً تبديلاً في عنوانه الإجرائي، وأنه سيكون مشاركاً، ليس في صياغة أخرى للاستبداد النقدي، بل في أن يكون المشارك والمؤوِل الذي يجعل من النص مفتوحاً على قراءات، وعلى مقاربات متعددة، تتجدد مع تجدد تلك القراءات، عبر تعدد مرجعياتها ووسائطها، وعبر مفاهيمها التي تغتني حتماً بالكشوفات الجديدة، ما سيعزز من فاعلية القراءة، بعيداً عن السلطة والآيديولوجيا و«القول الفصل»، كما تذهب الدليمي.

إن تغيّر النصوص، وتنوع اشتغالاتها، وتعدد قراءاتها، وانفتاح سرودها على زمن متشظٍ، لا يبرر عزل الناقد، أو الدعوة إلى إماتته، بقدر ما يعني دعوته لتجديد أدواته، وإلى التخلّص من ذاكرة «الناقد الانطباعي» و«الناقد الآيديولوجي» و«الناقد المسلكي» والانهمام بصياغة «قواعد اشتباك» فاعلة، وحيوية تتسق مع سرعة تشكل وتغاير الأفكار والمناهج، حيث تكون «ديمقراطية التأويل» كما تقول الدليمي سانحة للقبول بالمختلف، ومنافسة المؤلف على حيازة نصوصه التي يتوهم أنه حارسها الوحيد.

ما طرحه رولان بارت عن «موت المؤلف» لا يعني سوى موت المؤلف الآيديولوجي الذي صنعه اليسار التقليدي الستاليني، وأن موته يعني ولادة «النص» الذي يجد في بناه الداخلية ترياقاً للخصب والقوة والاكتفاء، ولأن هذا الموت البنيوي كان خدعة، فإنه سرعان ما تخلى عنه مؤسِّسوه الذين جعلوا من «ما بعد البنيوي» مجالاً لصياغة مفاهيم مضادة، تخصّ الفردانية، و«ما بعد حداثية»، والعودة إلى الكائن المراقب، والعيادي، وصانع الأساطير الصغيرة.

الناقد قد يكون شبيهاً بكائن ميشيل فوكو، الذي يجد هوساً بالرقابة، وبأن النص الذي يكتبه مجالٌ عيادي يحتاج دائماً إلى المشفى، وإلى الجراح كنظير لاستدعاء القارئ والمؤول والباحث الحرّ الذي يجعل من القراءة، أو من القراءات، ممارسة في الحثِّ على التوليد والإغواء والإثارة، وإلى إعادة النظر بسلطة المؤلف ذاته.

موت الناقد... موت القارئ

أجد في هذه الثنائية تلازماً في تغويل إشاعة فكرة الموت الرمزي، وفي زحزحة وظائفهما، لأن موت الناقد أو عزله سيكون باعثاً على موت القارئ الذي يتقنع به، وعلى تجريد النص من مريديه، وتحويل المؤلف إلى كائن مستبد، يروّج لتفوقه، ولسلطته بعيداً عن شغف اللذة التي تستدعي الآخرين إلى ما يحمله النص من إيحاءات، أو من انساق مضمرة، أو من رثاثة لن تكون بعيدة عن المؤلف الذي يرى نفسه وحيداً في المرآة المقعرة، أو المنحنية.

الناقد العمومي ناقد صنعته الصحافة والموضة وأنظمة الاتصال، لكن الناقد المتخصص هو الناقد الذي صنعته «الأكاديميات»، والذي يملك منهجية وفاعلية التجاوز، ويمنح خطابه قوة للتعالي، وللكشف. وأحسب أن من كشف بودلير في «حداثته» وفي نظرته للنص العابر هم النقاد الفاعلون، ومن كشف نيتشه وخرقه الفلسفي هم النقاد الذين خرجوا من زمنه إلى زمن نصوصه، حتى كافكا الذي تحول إلى ساحر سردي كان جزءاً من لعبة النقاد الذين قرأوا نصوصه الغريبة بعد رحيله، بعد أن اتسعت مساحة قراءتها لنقاد آخرين أكثر وعياً بما تحمله من جدة وحساسية وخرق للمألوف السردي.

ما طرحه رونان ماكدونالد في كتابه «موت الناقد» يعيد طرح السؤال حول هوية الناقد، وحول الوعي والصلاحية التي يمكن لهذا الناقد أن يملكها بوصفه قارئاً متعالياً، وليس بوصفه حارساً أو صاحب دكان، بل بوصفه عارفاً بالمقروء، وكاشفاً عن المخبوء، وفاعلاً في تحويل القراءة إلى خطاب مجاور، وإلى دليل يعزز من كشوفات النص، ومن محمولاته المعرفية والجمالية حتى القبحية، كما يقول أصحاب النقد الثقافي.

التسمية لا تهم في هذا السياق، لأنها قد تكون مخادعة، فـ«المشغّل» هو الناقد، و«القارئ العمدة» هو الناقد، ومشغله النقدي لن يكون بعيداً عن النص ومرجعياته، وعن إحالاته التي يتحول الدرس والحفر فيها إلى اجتهاد ثقافي معرفي، له قاموسه ومنهجه، وله أدواته التي تجعله فاعلاً في إثراء النص وفي تأهليه للقراءة الفاعلة.


مقالات ذات صلة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق شكري سرحان في لقطة من فيلم «اللص والكلاب» (الشركة المُنتجة)

اعتراض من أسرة نجيب محفوظ يُعقّد مشروع عمرو سعد لإعادة «اللص والكلاب»

اعترضت أم كلثوم، ابنة الأديب المصري الراحل نجيب محفوظ، على إعلان الفنان عمرو سعد عزمه إعادة تقديم رواية «اللص والكلاب» سينمائياً.

داليا ماهر (القاهرة)
ثقافة وفنون نيليو بيدرمان

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال

توماس روجرز
ثقافة وفنون الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين،

«الشرق الأوسط» (لندن)

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة
TT

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً. قد يكون من الأسهل استيعاب جاذبية النزعة القبلية عند تناول موضوع الصراع بين المريخ والأرض. ويمكن استخدام معاناة عمال مناجم الكويكبات للتأمل في الصراع الطبقي واستغلال العمال دون المساس بتجارب الناس الحقيقية. ومثل أدب الرعب والفانتازيا، يُعدّ الخيال العلمي أدباً يعتمد على الاستعارات الحرفية. في هذا السياق، تُصبح الكائنات الفضائية بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة. قد يكون الكائن الفضائي مسافراً تائهاً من النجوم يسعى يائساً لإنقاذ كوكبه الأم المحتضر، أو غازياً مصمماً على إبادة البشرية، أو كائناً غريباً غامضاً يتحدى طبيعة الواقع، أو ضحية للاستعمار البشري، أو إعادة تصور لبابل القديمة كما تراها الشعوب التي غزتها، أو أي شيء آخر من بين آلاف الاحتمالات. تستكشف العديد من أفضل أعمال الخيال العلمي هذه المواضيع، لتخرج بنتائج مختلفة تماماً، وغالباً ما تكون رائعة. إليكم بعضاً من أعمالنا المفضلة.

«الفجر» لأوكتافيا إي بتلر

تدور أحداث رواية «الفجر»، وهي الأولى في ثلاثية «نسل ليليث» لبتلر، بعد 250 عاماً من حرب نووية دمرت الأرض. وقد أنقذ الأونكالي- وهم جنس فضائي لديه دافع لا يُقهر للتزاوج مع الأنواع الأخرى- البشر القلائل الناجين.

بأسلوبٍ موجزٍ وجميل، يستكشف هذا الكتاب الاستعمار والاستعباد والتنازلات التي قد يفرضها البقاء، والفرح والحزن المختلطين اللذين يرافقان ظهور جيلٍ جديدٍ لم يعد يُنظر إليه بسهولةٍ على أنه بشري. المؤلفة أوكتافيا بتلر بارعة في أدب الخيال العلمي، ورواية «الفجر» تُعدّ من أقوى أعمالها؛ إذ نجحت في جعل الكائنات الفضائية مثيرةً للتعاطف ومرعبةً في آنٍ واحد. إنها قصة عن أول اتصال مع كائنات فضائية، وحكاية عن منزل مسكون، ومقال فلسفي مؤثر بأسلوبٍ قاتم حول طبيعة الوعي والأخطاء التي ارتكبها التطور في خلقنا. وتتحدى الكائنات الفضائية هنا افتراضاتنا حول العلاقة بين الذكاء والوعي الذاتي.

«قصص من حياتك وقصص أخرى» لتيد تشيانغ

يُعدّ تشيانغ من أفضل كتّاب الخيال العلمي المعاصرين، وربما تكون روايته القصيرة «قصة حياتك» أفضل أعماله. هذه الرواية، التي تتصدر المجموعة المذهلة «قصص من حياتك وقصص أخرى» والتي ألهمت فيلم «الوصول»، تبدو أروع في أسلوبها النثري. فكل كلمة وقاعدة نحوية فيها تعكس دقة الفيزياء، وعمق اللغويات، والفلسفة الشعرية لهذه القصة الإنسانية العميقة، والمُحكمة الحبكة. من المعروف أن تعلّم لغة جديدة يُغيّر الدماغ. فماذا قد يتغيّر إذا كانت هذه اللغة هي لغة كائنات فضائية ذات مفهوم مختلف تماماً للزمن؟

«المتحدث باسم الموتى» لأورسون سكوت كارد

يشتهر كارد بروايته «لعبة إندر»، التي تدور حول أطفال مجندين يتدربون على قتال حضارة من الكائنات الفضائية الشبيهة بالحشرات، لكن هذا الجزء الثاني يُعدّ، من بعض النواحي، أفضل. فهو يتمحور حول إندر ويغين، بطل الرواية الأولى في مرحلة المراهقة، وقد أصبح أكثر نضجاً وحكمة. لقد أثقل كاهل إندر شعوره بالذنب، ما جعله قادراً على التريث في إصدار الأحكام المتسرعة، ومنح مساحةً وصوتاً لفهم أعمق. هناك العديد من القصص التي ينشأ فيها الصراع من شخصيات تُنسب دوافع بشرية لسلوكيات الكائنات الفضائية. لكن في هذه القصة، تعكس الأخطاء وسوء الفهم بين البشر وملكة الفورميك والكائنات الفضائية الصغيرة حاجةً أكثر شمولاً إلى التسامح والحقيقة.

«فضائي 3» لبات كاديجان؛ (استناداً إلى سيناريو ويليام جيبسون)

إن الجمع بين اثنين من أعظم الأسماء في أدب «السايبربانك» مع أشهر وحش فضائي في القرن الماضي يجعل من هذا المشروع تحفة فنية. سيناريو جيبسون للفيلم الثالث من سلسلة «Alien» الذي لم يُنتج قط، كما حوّله كاديجان إلى رواية، يُعدّ قصةً آسرةً بحدّ ذاتها، ونظرةً خاطفةً على مسارٍ لم يُسلك في واحدةٍ من أهمّ سلاسل الأفلام في هذا النوع.

«بيرسيركر» لفريد سابيرهاجن

«بيرسيركر» هو الكتاب الأول في سلسلة روايات سابيرهاجن الفضائية الملحمية التي غالباً ما تُهمل ظلماً. يستحقّ هذا الكاتب غزير الإنتاج، الذي توفي عام 2007، أن يُصنّف إلى جانب أسيموف وكلارك وبرادبري كأحد مؤسسي الخيال العلمي الحديث، وهذا الكتاب هو الذي بدأ السلسلة. آلات القتل عديمة العقل ولكنها ماكرة كما تخيّلها عام 1967. للأسف، يبدو عمله أكثر أهمية اليوم. هذا الكتاب متوفر حالياً ككتاب إلكتروني فقط، ولكن يمكن العثور على نسخ ورقية في مكتبات بيع الكتب المستعملة.

«نزهة على جانب الطريق» لأركادي وبوريس ستروغاتسكي؛ (ترجمة أولينا بورماشينكو)

تعدّ رواية «نزهة على جانب الطريق»، بلا منازع أهم أعمال الخيال العلمي السوفياتي الكلاسيكي، وهي رمز فريد للكون المجهول الذي لا يُمكن إدراكه. تدور أحداث هذه الرواية، التي كتبها الأخوان ستروغاتسكي (عالم فيزياء فلكية ومترجم قبل أن يتجها إلى كتابة الروايات)، بعد اتصال غريب وكارثي مع كائنات فضائية، وتتتبع شاباً متمرداً يستكشف ويستغل المنطقة الغريبة التي خلّفها هذا الاتصال، على أمل العثور على آثار فضائية.

إنها قصة عن دوافع الإنسان وإخفاقاته في ظل شيء يتجاوز فهمنا. ولأن هذا وصف دقيق لتجاربنا الحياتية، لا تزال القصة تُؤثر في أجيال بعد نشرها في سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الروايات الكائنات الفضائية هي بمثابة سفن قادرة على حمل شحنات متنوعة

«اليد اليسرى للظلام» لأورسولا ك. لو غوين

لا بدّ لأي قائمة تضمّ أعظم كتّاب الخيال العلمي أن تشمل لو غوين، و«اليد اليسرى للظلام» من بين أفضل أعمالها. يخوض الإنسان الذكر جينلي آي والكائن الفضائي ثنائي الميول الجنسية إسترافين غمار كوكب جليدي معقد وواقعي ومليء بالتحديات، تماماً كأي رواية تجسس لجون لو كاريه. إلى جانب كونها قصة مغامرات آسرة، تُعدّ الرواية استكشافاً عميقاً لما يتبقى بعد أن يتخلى جنسٌ ما عن المفاهيم النمطية للجنس. كانت الرواية مثيرة للجدل عند صدورها، ولا تزال كذلك حتى اليوم.

«العدالة التابعة» لآن ليكي

بينما تُمهّد رواية «العدالة التابعة» لثلاثية ليكي «إمبريال رادش»، إلا أنها تتميز أيضاً بقوتها الخاصة. تدور أحداثها حول سفينة حربية واعية محاصرة في جسد بشري، وهي تتلاعب بتقاليد النوع الاجتماعي، وتستكشف آفاقاً رائعة من خلال تناولها لمفهوم الوعي المشترك (مع ما قد يكون تلميحاً خفياً لمتلازمة كوتارد). في عالم ليكي، تبدأ بعض أغرب الكائنات الفضائية حياتها كبشر، على الأقل جزئياً.

* خدمة «نيويورك تايمز»

وجيمس إس إيه كوري هو الاسم المستعار لدانيال أبراهام وتاي فرانك، مؤلفي سلسلة «ذا إكسبانس» التي قاما بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني.

أحدث رواياتهما بعنوان «إيمان الوحوش».

 


بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية
TT

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة» و«المذهلة»، فيما اعتبرت الناقدة أليس ووكر أنها «صادقة ومؤثرة وشجاعة بشكل غاية في الجمال حيث لغز رابطة الأم والابنة بطرق لم نعرفها من قبل».

وأجمعت مراجعات عديدة أننا أمام نص أشبه بعلبة أحجية صينية معقدة وغامضة ومترابطة بطريقة تكاد تكون أسطورية في بنيتها مثل حكايات شهرزاد الساحرة لكنها أيضاً واقعية للغاية. تروي الرواية، التي ترجمتها إيناس التركي، كيف أنه في عام 1949 اجتمعت أربع نساء صينيات هاجرن حديثاً إلى سان فرانسيسكو لممارسة لعبة «الماه جونغ» واسترجاع ذكريات الماضي وتبادل الأحاديث والثرثرة حتى وقت متأخر من الليل وقد جمعتهن خسارات لا توصف وأمل جديد فأطلقن على أنفسهن اسم «نادي بهجة الحظ».

تستعرض المؤلفة بذكاء وحساسية تلك الذكريات الموجعة والرقيقة في أحيان أخرى، التي تكشف عن قوة هؤلاء النسوة وهموهن وعزيمتهن، وهي أمور تراها بناتهن المولودات في أميركا غير ذات صلة بحياتهن، كما تستعيد البنات بدورهن لحظات محورية من ماضيهن ويعتقدن أن توقعات أمهاتهن أعاقت قدرتهن على مواجهة غموض المستقبل.

تبدو بنية الرواية السردية وأجواؤها العامة بالفعل ذات طابع مؤثر وحميم حيث نرى من خلال الحبكة الدرامية كيف يمكن أن يؤدي ميراث الألم والأسرار غير المعلنة إلى سوء الفهم، وكيف تكون المحبة قادرة على محو الضرر وتحقيق المصالحة على الرغم من كل شيء، وهو ما يفسر ترجمة الرواية إلى أكثر من 35 لغة، ولماذا باعت عدة ملايين من النسخ وتحولت إلى فيلم سينمائي ناجح.

من أجواء الرواية نقرأ:

«أسست والدتي النسخة الخاصة بسان فرانسسيكو من نادي بهجة الحظ علم 1949 قبل عامين من ولادتي، كان هذا هو العام الذي غادرت فيه أمي وأبي الصين ومعهما صندوق جلدي صلب واحد ممتلئ فقط بالفساتين الحريرية الفاخرة. أوضحت أمي لأبي بعد صعودهما على متن القارب أنه لم يكن هناك وقت لحزم أي شيء آخر ومع ذلك تحركت يداه على نحو محموم بين الحرير الزلق بحثاً عن قمصانه القطنية وسراويله الصوفية.

عندما وصلا إلى سان فرانسيسكو جعلها والدي تخفي تلك الملابس اللامعة وظلت ترتدي نفس الفستان الصيني، بني اللون، المنقوش بالمربعات حتى منحتها جمعية الترحيب باللاجئين فستانين مستعملين كلاهما أكبر بكثير من مقاسات النساء الأميركيات. تألفت الجمعية من مجموعة من السيدات المبشرات الأميركيات ذوات الشعر الأشيب من الكنيسة المعمدانية الصينية الأولى وبسبب هداياهن لم يستطع والدايّ تجاهل نصيحة السيدات المسنات العملية لتحسين لغتهما الإنجليزية من خلال دروس مساء أيام الأربعاء ولاحقاً من خلال تدريب صباح أيام السبت.

هكذا التقى والداي بآل شو وآل جونغ وآل سانت كلير، شعرت أمي بأن نساء هذه العائلات كانت لديهن أيضاً مآس لا توصف تركنها وراءهن في الصين وآمال لم يتمكن من التعبير عنها بلغتهن الانجليزية الضعيفة أو على الأقل لاحظت أمي التبلد في وجوه هؤلاء النساء ورأت كيف تحركت أعينهن بسرعة عندما أخبرتهن بفكرتها عن نادي بهجة الحظ.

كان النادي فكرة تذكرتها أمي من أيام زيجتها الأولى قبل مجيء اليابانيين، لهذا السبب أفكر في نادي بهجة الحظ بوصفه قصتها في الصين كانت ترويها لي دائماً عندما تشعر بالملل وعندما لا يكون هناك ما يمكن فعله بعد غسل كل الأطباق ومسح الطاولة ذات السطح الفورميكا مرتين وعندما يجلس أبي ليقرأ الصحيفة ويدخن سجائره واحدة تلو الأخرى مطالباً بعدم إزعاجه».


رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»