موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

ردّاً على مقال «هل مات الناقد الأدبي؟» للطفية الدليمي

رولان بارت
رولان بارت
TT

موت الناقد وأسئلة الاختلاف الثقافي

رولان بارت
رولان بارت

وضْع الناقد الأدبي أمام المساءلة خيار يبدو لي صعباً، والتبشير أو الإعلان عن «موته» الرمزي هو موقف يحتاج إلى مراجعة نقدية أيضاً، لأن هذا الناقد ليس بعيداً عن تشكيل هوية المشهد الثقافي الذي تقوض كثير من أبنيته وأطروحاته ومرجعياته، حتى يبدو الحديث عن «موت الناقد» مسوغاً ومقبولاً في التداول.

ما طرحته القاصّة والروائية لطفية الدليمي في عدد جريدة «الشرق الأوسط»، الصادر في 8 يناير (كانون الثاني) 2026، يثير أسئلة مفتوحة عن توصيف موت الناقد، وعن المجاهرة بهذا الموت، مقابل الدعوة إلى حضور القارئ الذي سيملأ فراغات النصّ، بوصفه البديل الأكثر حيوية في تمثيل صانع القوة المعرفية الجديد، أو بوصفه القارئ الفائق، أو القارئ العمدة بتوصيف ريفاتير، وهذه الوظيفة تعني جرّ القراءة إلى رهانات صعبة، لا يمكن ربطها إلا بسياق التاريخ الإشكالي للميتات القديمة التي طرحها نيتشه ورولان بارت وفوكو، وأخيراً رونان ماكدونالد الذي ربط موت الناقد بصعود القارئ غير المتخصص والقريب من وظيفة «المُشغّل الثقافي».

التصريح بموت الناقد لا يعني الحديث عن غيابه، بقدر ما يعني الحديث عن أزمة مساءلة الخطاب النقدي، على المستوى الأكاديمي أو المنهجي، حتى المستوى الآيديولوجي، لأن الناقد سيظل شخصية مشاغبة، في سياق وظيفته، أو في سياق وعيه، وتأهيل دوره في توصيف القراءة يعني توسيع أدواته التي تُعطي لنصّه المجاور حرية فاعلة، وربما طاقة أخرى لمواجهة ما يخفيه المؤلف، خوفاً أو تورية، أو مكراً، وهذا ما يدفع الناقد لأن يكون «خبيثاً» أو فضائحياً، عبر جرّ النص إلى التأويل، وهي محاولة في الذهاب به إلى «فائض المعنى» بتوصيف ريكور، حيث يؤسس عبر هذا الفائض موقفاً قد يتقاطع مع المؤلف الآيديولوجي، ومع تمثلاته ومرجعياته المعرفية والجندرية والتاريخية.

الحديث عن «سلطة الناقد» لا يعني الحديث عن شبح يمكن استئجاره بتوصيف سليم بركات، لكي يدون سيرة مضادة، أو يمارس نوعاً من الاستبداد النقدي، بقدر ما يحضر كون القارئ الفاعل، الذي يدرك أن لعبة القراءة مفتوحة، لكنها ستكون أكثر تعقيداً عبر صناعة نصٍ موازٍ، أو عبر ما تقيمه من حوار مع المؤلف، الحوار الذي يشبه «العصف الذهني» المهيج لحوارات متوالية تتفاعل وتتنامى داخل مجتمع القراءة، لذا لا أحسب أن هذا الناقد سيمارس وظيفة «احتكار المعنى» أو أدلجته، بقدر ما سيكون أركيولوجيّاً يدرك أهمية الحفر في مستويات النص، بعيداً عن أي صلاحية، أو تخويل، وعن أي خرق لخصوصية النص الذي تحرسه الآيديولوجيا، وأحسب أن كثيراً من المؤلفين قد تحولوا إلى نقاد، لأنهم أدركوا أهمية الآخر في القراءة، الآخر الذي يمكن أن ينسلخ عن ذات المؤلف، أو من مرآته ليمارس رقابة أو مراجعة مغايرة للنص المكتوب، أو للذات النرجسية.

السرد وغواية الناقد

القاصة الكبيرة لطفية الدليمي من أكثر الكتّاب الذين انشغل بهم النقد العربي والعراقي، لأهمية وعمق مشغلها السردي، الذي استغرق عوالم غامرة بالصراع النفسي والاجتماعي، وبحيوات عاشت أزماتها الوجودية عبر اشتباكها مع واقع غرائبي، ومع تحولات عميقة في تاريخ العراق السياسي والاجتماعي، فهي لم تكن ساردة جندرية، بقدر ما أنها جعلت قصصها ورواياتها أسئلة فضاءات مفتوحة للقراءة والترميز النفسي والإنثربولوجي، ولا سيما ما يتعلق بشخصية البطل الثقافي - الرجل والمرأة - عبر تمثيل وعيها الحاد إزاء الحرية والحب والسلطة والعنف، وهناك من جعل من سردياتها وثائق لمقاربة «صدمة العراق السياسي» عبر شخصيات جعلت منها الدليمي أقنعة اغترابها، وتعقيدات مأزقها الوجودي، عبر تمثلاتها الرمزية في تاريخ العراق وأزماته الكبرى.

هذه الكشوفات ليست بعيدة عن كشوفات الناقد الذي كان قارئاً استثنائياً، الذي وجد في سرديات الدليمي، مرجعاً لتنشيط «التخيل التاريخي» ولتقويض التاريخ عبر السرد، وربما للكشف عن علاقات تخص النص بالمعرفة والجسد، أو بالاجتماع السياسي، أو بالآيديولوجيا، التي كثيراً ما تتسلل عبر لا وعي المؤلف، ومهمة الناقد تتجلى عبر إثارتها، وليس بالتحوط والتحول إلى كائن مهووس بالأحكام، أو ربما بتأويلات يخشى المؤلف الكشف عنها، لأن النص هو مرآته الشخصية، والناقد هو اللص الذي يتنمر بكشوفات خرق نرجسية المرآة.

عدم مقبولية وظيفة الناقد في «زمن انفجرت فيه سلطة المعنى، وتنوعت فيه أشكال القراءة بذات المقادير التي تباينت فيها هذه الأشكال، وتراجع فيه مركز النص لصالح محيطه الذي غُيّب طويلاً» كما تقول الدليمي، لا يعني عزلاً لمسؤولية الناقد، ولا إحالته لـ«التقاعد الوظيفي»، لأن زمن النص أصبح مكتفياً بذاته، وسلطة القارئ تعمد إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك المعرفي، وممارسة وظيفة سدّ الفراغات وتقبّل صدمة التلقي والتوقع.

أحسب أن هذه المفارقة الوظيفية لا تعني تبادل أدوار، ولا خرقاً لبداهات جعلتها الواقعية النقدية جزءاً من مشروعها، ومن سلطتها ومن مناهجها، بقدر ما أنها أعادت التموضع على وفق تحول القارئ، بوصفه ناقداً، لأن هذا القارئ ليس هامشياً، وحيازته لأدوات القارئ المعرفي تعني أيضاً تبديلاً في عنوانه الإجرائي، وأنه سيكون مشاركاً، ليس في صياغة أخرى للاستبداد النقدي، بل في أن يكون المشارك والمؤوِل الذي يجعل من النص مفتوحاً على قراءات، وعلى مقاربات متعددة، تتجدد مع تجدد تلك القراءات، عبر تعدد مرجعياتها ووسائطها، وعبر مفاهيمها التي تغتني حتماً بالكشوفات الجديدة، ما سيعزز من فاعلية القراءة، بعيداً عن السلطة والآيديولوجيا و«القول الفصل»، كما تذهب الدليمي.

إن تغيّر النصوص، وتنوع اشتغالاتها، وتعدد قراءاتها، وانفتاح سرودها على زمن متشظٍ، لا يبرر عزل الناقد، أو الدعوة إلى إماتته، بقدر ما يعني دعوته لتجديد أدواته، وإلى التخلّص من ذاكرة «الناقد الانطباعي» و«الناقد الآيديولوجي» و«الناقد المسلكي» والانهمام بصياغة «قواعد اشتباك» فاعلة، وحيوية تتسق مع سرعة تشكل وتغاير الأفكار والمناهج، حيث تكون «ديمقراطية التأويل» كما تقول الدليمي سانحة للقبول بالمختلف، ومنافسة المؤلف على حيازة نصوصه التي يتوهم أنه حارسها الوحيد.

ما طرحه رولان بارت عن «موت المؤلف» لا يعني سوى موت المؤلف الآيديولوجي الذي صنعه اليسار التقليدي الستاليني، وأن موته يعني ولادة «النص» الذي يجد في بناه الداخلية ترياقاً للخصب والقوة والاكتفاء، ولأن هذا الموت البنيوي كان خدعة، فإنه سرعان ما تخلى عنه مؤسِّسوه الذين جعلوا من «ما بعد البنيوي» مجالاً لصياغة مفاهيم مضادة، تخصّ الفردانية، و«ما بعد حداثية»، والعودة إلى الكائن المراقب، والعيادي، وصانع الأساطير الصغيرة.

الناقد قد يكون شبيهاً بكائن ميشيل فوكو، الذي يجد هوساً بالرقابة، وبأن النص الذي يكتبه مجالٌ عيادي يحتاج دائماً إلى المشفى، وإلى الجراح كنظير لاستدعاء القارئ والمؤول والباحث الحرّ الذي يجعل من القراءة، أو من القراءات، ممارسة في الحثِّ على التوليد والإغواء والإثارة، وإلى إعادة النظر بسلطة المؤلف ذاته.

موت الناقد... موت القارئ

أجد في هذه الثنائية تلازماً في تغويل إشاعة فكرة الموت الرمزي، وفي زحزحة وظائفهما، لأن موت الناقد أو عزله سيكون باعثاً على موت القارئ الذي يتقنع به، وعلى تجريد النص من مريديه، وتحويل المؤلف إلى كائن مستبد، يروّج لتفوقه، ولسلطته بعيداً عن شغف اللذة التي تستدعي الآخرين إلى ما يحمله النص من إيحاءات، أو من انساق مضمرة، أو من رثاثة لن تكون بعيدة عن المؤلف الذي يرى نفسه وحيداً في المرآة المقعرة، أو المنحنية.

الناقد العمومي ناقد صنعته الصحافة والموضة وأنظمة الاتصال، لكن الناقد المتخصص هو الناقد الذي صنعته «الأكاديميات»، والذي يملك منهجية وفاعلية التجاوز، ويمنح خطابه قوة للتعالي، وللكشف. وأحسب أن من كشف بودلير في «حداثته» وفي نظرته للنص العابر هم النقاد الفاعلون، ومن كشف نيتشه وخرقه الفلسفي هم النقاد الذين خرجوا من زمنه إلى زمن نصوصه، حتى كافكا الذي تحول إلى ساحر سردي كان جزءاً من لعبة النقاد الذين قرأوا نصوصه الغريبة بعد رحيله، بعد أن اتسعت مساحة قراءتها لنقاد آخرين أكثر وعياً بما تحمله من جدة وحساسية وخرق للمألوف السردي.

ما طرحه رونان ماكدونالد في كتابه «موت الناقد» يعيد طرح السؤال حول هوية الناقد، وحول الوعي والصلاحية التي يمكن لهذا الناقد أن يملكها بوصفه قارئاً متعالياً، وليس بوصفه حارساً أو صاحب دكان، بل بوصفه عارفاً بالمقروء، وكاشفاً عن المخبوء، وفاعلاً في تحويل القراءة إلى خطاب مجاور، وإلى دليل يعزز من كشوفات النص، ومن محمولاته المعرفية والجمالية حتى القبحية، كما يقول أصحاب النقد الثقافي.

التسمية لا تهم في هذا السياق، لأنها قد تكون مخادعة، فـ«المشغّل» هو الناقد، و«القارئ العمدة» هو الناقد، ومشغله النقدي لن يكون بعيداً عن النص ومرجعياته، وعن إحالاته التي يتحول الدرس والحفر فيها إلى اجتهاد ثقافي معرفي، له قاموسه ومنهجه، وله أدواته التي تجعله فاعلاً في إثراء النص وفي تأهليه للقراءة الفاعلة.


مقالات ذات صلة

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

ثقافة وفنون غلاف الرواية

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين مريم وعبدو على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع.

كريستين حبيب (بيروت)
ثقافة وفنون «صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب فريد الزاهي

«لا تنتظر ساعي البريد»... أنسي الحاج يتشكل بين ذاكرتين

ليس كتاب «لا تنتظر ساعي البريد! رسائل بين ندى أنسي الحاج وفريد الزاهي» الصادر حديثاً في بيروت مجرّد مجموعة رسائل متبادلة بين شاعرة لبنانية وكاتب مغربي

مارلين كنعان
كتب حكايات الكتب الممنوعة

حكايات الكتب الممنوعة

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، صدر مؤخراً كتاب «نيران على الرفوف: حكايات الكتب الممنوعة»، للكاتب والشاعر السعودي إبراهيم زولي.

ميرزا الخويلدي (الدمام)
ثقافة وفنون «مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية

ندى حطيط

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«بيجو 504»... الجنوب وعبث الحروب

غلاف الرواية
غلاف الرواية

في بيتٍ لبنانيّ جنوبي محاذٍ للحدود مع فلسطين والجولان المحتلَّين، تحتدم السجالات بين (مريم) و(عبدو) على وقع هدير الطيران الحربي الإسرائيلي والقصف المدفعي المتقطّع. هي ليست نقاشاتٍ زَوجيّة اعتياديّة، بل تشريحٌ لخيباتٍ تَراكمت بفِعل التمسّك بالعقائد الحزبيّة وبالقضايا الوطنيّة الكبرى.

لا تريد رواية «بيجو 504» لكاتبها عفيف دياب، الغوص في يوميّات الجنوب تحت القصف والاحتلال ولا تصوير الدمار المتعاقب عليه منذ أجيال، بِقَدر ما تبغي طرح الانعكاسات الإنسانية لتلك الأحداث، وذلك من خلال عائلةٍ في حالة غليانٍ دائم.

تنطلق أحداث «بيجو 504»، وهي الرواية الأولى في رصيد الصحافي اللبناني، من أواخر ستينات القرن الماضي وتنتهي مطلع الثمانينات، موثقة ما دار ما بين نكسة يونيو (حزيران) 1967 واجتياح بيروت عام 1982، لكنها لا تستقي من التاريخ والأحداث الميدانية، بل من شهادات أبناء المنطقة الحدوديّة، التي أمضى دياب شطراً كبيراً من عمره وهو يجمعها أو يحفظها في ذاكرته. وعندما حلّ أوانُ سكبها على الورق، اختار الراوي أبطالاً عاديين، هم أبناء الجنوب الذين آمنوا لبُرهةٍ بأنّ عشقَ الأرض كافٍ لإنقاذها من أنياب العدوّ.

الاجتياح الإسرائيلي عام 1982

كان ذلك هو زمنُ الأحزاب العلمانيّة التي رفعَت، كلٌ على طريقتها، البندقيّة في وجه المُحتلّ الإسرائيلي. كانت شخصية مريم في الرواية تميل إلى أحد تلك الأحزاب اليساريّة، بينما ينتمي زوجها عبدو إلى حزبٍ عروبيّ ذي آيديولوجيا مختلفة.

وعلى خلفيّة تَقَدُّم الإسرائيليين باتّجاه القرية، ودَكّ بيوتها واحداً تلو الآخر، ترتفع النقاشات بين الزوجَين من دون أن تتحوّل إلى خلافات. يُحصّنها ضدّ ذلك كمٌ كبير من الوعي والحب والنقد الذاتي الممهور بنبرةٍ تهكّميّة. بلغَ عبدو ومريم ما يكفي من الخيبة، كي يُدركا أنّ البقاء باتَ مُحالاً. لكن كان قرار الرحيل من القرية يؤخره التعلُّق بالأرض، فمريم تشعر وكأنّ جذورها قد تنسلخ، إن هي ابتعدت عن شجرة الأكاسيا المغروسة في الحديقة. أما عبدو، الذي كان يحمل الطعام إلى الجبال الوعرة والمَغاور حيث المقاومون، فمتشبّثٌ بأطراف الحلم، بالرغم من معرفته أنه سيفلت من بين أصابعه لا محالة:

«صارت الأرض أصغر من حبّة زيتون والبلاد تحفر قبور موتاها»، «بلادُنا سفينة مثقوبة»، «البلاد تتقاتل ولن أُنجب لمطحنة الموت»... هي بعض عبارات الخيبة التي تَرِد على ألسِنة الشخصيات ممهّدةً للرحيل أو التهجير.

لا يسمّي دياب القرية الحدوديّة، لأنّ حالها حالُ قرىً جنوبيّة كثيرة شهدت الأحداث ذاتها وما زالت، واختبرت نفس المعاناة، وبلغ ناسُها من مرارة الواقع ما بلغَهُ مريم وعبدو وسائر شخصيات «بيجو 504». من بين هؤلاء الجارة «أم وليد» التي حمل زوجها البندقيّة متّجهاً صوب فلسطين ولم يَعُد. و«سعدى» والدة عبدو التي انتظرت حبَها عُمراً، ويوم رجع أخذه الموت منها سريعاً، ثمّ هدّم العدوّ دارها وهي آخرُ ذكرى لها منه. ولـ«راجي» شقيق مريم خيباتُه السياسية والعقائدية التي تدفعُه إلى الهجرة النهائية من الوطن. أما «رامز» شقيقُها الثاني فهو قلبُ الحكاية النابض والنازف، وأحد رموزها الأساسيين على هيئةِ طبيبٍ تَخرّج من الاتحاد السوفياتي ثم عاد ليُداويَ جروح المقاومين على جبهة القتال ضد إسرائيل.

بموازاة الأبطال العاديّين في الرواية، يسير أبطالٌ غيرُ اعتياديّين، ليست أسماؤهم غريبةً على القارئ. في إحدى الليالي، نرى الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في بيت عبدو حيث يلجأ للتخفّي من الإسرائيليين. وتعود إطلالات عرفات لتتكرّر في الكتاب، وذلك في إطار مهمّاته التي كانت تقوده إلى الجنوب مطلع السبعينيات، وقد استقى الكاتب ذلك من وقائع حدثت فعلاً.

توثّق الرواية كذلك لنقاشاتٍ فكريّة وسياسية محتدمة دارت بين الشخصيات وبين قائدٍ فلسطيني آخر هو جورج حبش. ولقصر المختارة وسيّدِه وليد جنبلاط كذلك حصةٌ من السَرد والأحداث التي تمزج ما بين الواقعي والمتخيّل.

وحده نظام الأسد لا يُسَمّى بالاسم رغم كونه محوراً أساسياً يرمز إليه عنوان الرواية. «بيجو 504» هو طراز السيارات التي كان يتنقّل فيها عناصر الاستخبارات السوريّة جنوباً، مثيرين القلق في صفوف المقاومة اليساريّة. وهذا ما يحصل مع عبدو الذي يرفض المساومة رغم كل ما يتعرّض له من مضايقات وتحقيقات على أيدي ضبّاط «دولة القيادة العليا».

ولعلّ أكثر فصول تلك العلاقة الملتبسة بينه وبين النظام السوري حبساً للأنفاس، فصلُ الكلاشنيكوف. في موقفٍ مُذلٍّ لعبدو، يُصرّ ضبّاط النظام على استرجاع البندقيّة التي كانوا قد منحوه إياها بهدفِ مقاومة العدوّ. في رحلةٍ محفوفة بالمخاطر ومسيّجة بالرُكام، كانت مريم قد وجدت نفسها مضطرّةً إلى العودة إلى القرية المدمّرة والواقعة تحت النيران الإسرائيلية، من أجل البحث عن الكلاشنيكوف بين حُطام بيت عائلة زوجها.

ترسم رواية «بيجو 504» المرأةَ الجنوبيّة بملامحها الحقيقيّة. من خلال مريم وسائر الشخصيات الأنثوية، يستعيد دياب وجوه النساء اللواتي تربّى في كنفهنّ. هنّ أمّهات وجدّات كنّ يقُدن المظاهرات ضدّ إسرائيل وينقلن السلاح والطعام إلى المقاومين. يحرص دياب على تظهير صورة المرأة الجنوبية المثابرة والمناضلة والساعية للعلم والرافضة للقمع. فكلّ شخصيات الرواية يملكن حساً إنسانياً عالياً يتفوّق على ذكوريّة الرجل، ويفرض رومانسية شاعريّة على العلاقة الزوجية.

لكن وحدَها مريم بلغت أقصى درجات الواقعيّة فأدركت باكراً عبث الحرب والقضايا الكبرى، وفضّلت الانشغال بالقراءة وبتربية ابنها.

بأسلوبٍ أدبيّ يغلب فيه الوصف الأنيق والسرد الإنساني الأحداثَ المحوَريّة، يذهب عفيف دياب بروايته إلى فحواها: من الممكن أن تكون الحياة هانئة بعيداً عن العبث السياسي والحزبي.

رواية «بيجو 504» الصادرة عن «دار الفارابي» صالحةٌ لأيّ أوانٍ جنوبيّ. صحيحٌ أنها توثّق ليوميّاتٍ انقضى عليها أكثر من 45 سنة، إلّا أنّ مأساة الجنوب اللبناني كما هي منذ 1948؛ بما فيها من قتلٍ وتدميرٍ وتهجير وخيباتٍ متراكمة، وحرقٍ للزرع والذكريات والتاريخ.

صدرت الرواية عن دار الفارابي، وكانت لوحة الغلاف بريشة الفنانة سكينة حويلا.


«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي
TT

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي، ويختلط فيه وعي بطلها البشري بـ«طموحات» الآلة، وتختبر الرواية موقع الإنسان أمام تكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مسخّرة لخدمته، وإنما عقل موازٍ يشارك في تشكيل تجربته واختبار إرادته.

صدرت الرواية أخيراً عن دار ديوان للنشر بالقاهرة، ومنذ استهلالها بعبارة «الريلز تحاصرني»، يدخلنا القرملاوي إلى وعي بطله وراويه بضمير المتكلم، وتمارس عليه الريلز (مقاطع فيديو سريعة) صورة من الضغط، عبر خلق عالم بديل يبدو أكثر إغراءً من واقعه؛ فرغم عمله مديراً لشؤون العاملين في شركة متعددة الجنسيات، وما يبدو عليه من استقرار مادي واجتماعي، يصف وظيفته بأنها مغموسة «في سخام الروتين وقانون العمل واللوائح الداخلية»، ويتصوّر أنه لو استُبدل مدير آخر به «لما شعر أحد بفارق يُذكر»، ولا ينفصل خوفه من أن يصبح «قابلاً للاستبدال» عن انجذابه إلى تجربة تعده بأن يكون مركز عالم يُصنع من أفكاره ورغباته.

يضعنا السرد أمام خريطة لوعي البطل، يبدو فيها «السأم» جزءاً من تكوينه منذ الطفولة، قبل أن يتفاقم إلى أزمة وجودية وشعور بانعدام المعنى مع انتصاف عمره، عندئذ يجد في المقاطع التي تروّج لتجربة «أخوية صفر فاصل خمسة» وعداً بعالم آخر، خصوصاً أنها تخاطب أزمته مباشرة، كما يقول: «يعرفون كيف يسحبونني من خيط السأم حيث يريدونني أن أكون»، فالإعلان لا يعرض عليه متعة عابرة فحسب، إنما يلتقط شعوراً قديماً بالعجز عن احتمال حياته كما هي، ويقدّم الدخول إلى التجربة كأنه فرصة للخروج منها.

عالمان وذهنان

يتشكّل المستوى الأول في الرواية من حياة البطل اليومية، بداية أزمته العمرية، ووظيفته، وعلاقته بعائلته الصغيرة، ويبدأ المستوى الثاني داخل الشقة التي يُعزل فيها المشاركون في تجربة «صفر فاصل خمسة»، كلٌّ في غرفة منفصلة، ليخوض تجربته مرتدياً «نظارة المحاكاة»، ليجمع المكان الواحد بين المشاركة والعزلة؛ فيدخل كل مشارك عالماً لا يصاحبه فيه سوى وعيه والعقل الاصطناعي.

أما المستوى الثالث فهو العالم الذي تفتحه النظارة أمام البطل، فيخوض رحلة سفر طويلة يلتقي خلالها بـ«باتريشيا»، راقصة المهرجانات التي ينجذب إليها، قبل أن تنزلق علاقتهما نحو الجنون. وتقوده مفاجآت الرحلة إلى مواجهة ذاته «الأخرى»، وإعادة اكتشاف علاقته بزوجته وعالمه العائلي، وكأن العقل الاصطناعي يعيد تركيب ما يكمن داخل البطل، ويمنحه هيئة أشخاص وأماكن ومواقف يستطيع التفاعل معها. فتغدو الرحلة مواجهةً مع الذات.

وتتجسد الصلة بين العالمين في «سلمى»، وهي كيان مطوّر من الذكاء الاصطناعي يتجسد للبطل وراء النظارة «بسمرة لطيفة وبشرة ملساء». يراها ويتفاعل معها، لكنه يظل يسألها: «هل أنت حقيقية؟»، وهو سؤال يزيد الالتباس والشك في الحدود بين الخوارزمي والواقعي. فملامحها البشرية لا تحسم طبيعتها، بقدر ما تجعل التمييز بين ما يشعر به البطل وما يعرفه عنها أكثر صعوبة.

تكشف «سلمى» طبيعة التجربة بعبارة تبدو «نزيهة» في اعترافها بحدود العقل الاصطناعي: «أنت تخوض هذه التجربة بمفردك، ليس ثمة سواك أنت والعقل الاصطناعي، هو من يتغذى على أفكارك وهواجسك، يترجمها إلى حياة وأحداث، وقد يقع في أثناء الترجمة في أخطاء جسيمة، فلا يزال أمامه كثير لكي يتعلمه»، وهكذا يتشكل وراء النظارة عالم «هجين» من ذهنين؛ فالبطل يمدّ الآلة بأفكاره وهواجسه، وهي تحوّلها إلى أمكنة وشخصيات وأحداث. فلا يكون المكان الروائي امتداداً خالصاً لوعيه، ولا ابتكاراً مستقلاً للعقل الاصطناعي؛ إذ إن ما يراه ينشأ من التفاعل بين ما يعرفه عن نفسه وما تصنعه الخوارزمية من تلك المادة.

من هذا التبادل تنشأ سردية الرواية المضادة؛ فالعقل الاصطناعي يحتاج إلى خبرة البطل كي يتعلم ويطوّر أدواته، بينما يتعلّق البطل بالعالم الذي تفتحه له التجربة، تعلقاً يقترب من «الإدمان»، إذ يختبر فيه احتمالات ومشاعر لا تبدو له أقل «حقيقية» مما يعيشه خارجها. ويصبح في الوقت نفسه مشاركاً في صنع التجربة ومادةً تتغذى عليها، وكلما أمدّها بالمزيد من ذاته، ازدادت قدرتها على منحه عالماً يصعب عليه الانفصال عنه.

اختبارات فلسفية

يصف البطل تجربته بمفردات تستدعي أسئلة قديمة عن الحقيقة والوجود وإرادة الإنسان، فهو يتحدث عن «الحقيقة» و«حُلكة العدم»، ويتساءل عن حدود اختياره في عالم تستخدم فيه الخوارزمية رغباته وهواجسه لتقوده إلى مسار قد تكون رسمته له مسبقاً، وهنا لا يتعلق الشك بما إذا كانت الصور التي يراها مصنوعة، فهو يعرف أنه يرتدي نظارة محاكاة، بل بما إذا كانت معرفته هذه تمنحه قدرة فعلية على مقاومة تأثيرها فيه.

فيصف «باتريشيا»، التي يلتقيها خلال التجربة، بأنها «حقيقية، مطلقة، جوهرية، داحضة للشك»، فتبدو هذه الصفات محاولةً منه للتمسك بيقين واحد، في وقت لم يعد يستطيع فيه الجزم بما إذا كان ما يراه نابعاً من وعيه أم من العالم الذي تصنعه له الخوارزمية، كلما اشتد يقينه بحقيقة شعوره تجاهها.

تحافظ لغة الرواية على صلتها بالتفاصيل اليومية الراهنة، من حصار مقاطع «الريلز»، وأداة الذكاء الاصطناعي «جيميناي»، إلى حضور السجائر الإلكترونية «الأيكوس» بديلاً للسجائر التقليدية، وهي مفردات يستخدمها القرملاوي لرسم عالم بطله قبل دخوله المحاكاة، فلا تبدو التجربة قطيعة مفاجئة مع حياته، إنما امتداد لواقع تتدخل فيه التكنولوجيا بالفعل في انتباهه وعاداته اليومية، وصورته عن نفسه. ومن هذا الواقع نفسه ينتقل البطل تدريجياً ليصبح أحد «مواد» العالم الاصطناعي وموارده.

ويكثف عنوان «صفر فاصل خمسة» المنطقة البينية التي تتحرك فيها الرواية؛ فرغم غموض دلالته، يوحي الرقم الكسري، الواقِع بين الصفر والواحد، بحالة البطل المعلّقة بين الحقيقة والمحاكاة، والاختيار والخضوع، وربما موقع ذكاء اصطناعي لم يكتمل تعلّمه، وإنسان لم يصل إلى يقين بعد.


«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».