عن منشورات «الاتحاد العام للأدباء والكتاب» في العراق، 2026، صدرت للكاتب جمال العتابي مجموعة قصصية بعنوان «ساق تحدق» في «127» صفحة، تضم 27 قصة قصيرة، تنعكس فيها خبرة العتابي الإبداعية التي تمتد لأكثر من نصف قرن، زاوج فيها بين النقد التشكيلي، والموسيقى، والسرد، وهو ما يفسر الكثافة والعمق البصري في قصصه.
في قصص العتابي هذه، تتحول الذاكرة إلى وسيلة للمقاومة، حيث يوزع الكاتب الأحداث على شكل شذرات دافعاً بالقارئ إلى إعادة تركيبها. يتجلّى هذا في قصة «دليل الهاتف»؛ حيث يعثر البطل «كامل» على دفتر هاتف قديم يتحوّل إلى بوابة لاستعادة تاريخ من الخراب. يقول السارد: «حدق في السجل الذي ظل يبحث عنه طوال تلك المدة التي شهدت موجة من العنف... اضطر بسببها إلى الهرب والإفلات من الجحيم» (المجموعة 5).
تتحول الأرقام الباردة إلى شواهد على حيوات تلاشت. ففي إحدى القصص، يتصل كامل بصديقه «نزار»، فيكتشف أنه أصيب بالشلل وفقد النطق، ومع ذلك يقول نزار: «تحولت إلى نصف رجل الآن... لكن ذاكرتي ما تزال حية» (المجموعة 10). وتختصر هذه اللحظة فكرة المجموعة: «قد ينهار الجسد، لكن الذاكرة تبقى المعقل الأخير لمقاومة الخراب».
وتستمر هذه المقاومة في قصة «بائع الشاي الأخير»، حيث يلتقي الصديقان «حسن وكريم» بعد سنوات من الفراق والقمع، ليكشف كريم أن الخوف جعله ينكر اسمه طويلاً: «كنت أخشى حتى من اسمي يا حسن، صار ظلي يلاحقني». ثم يختم اللقاء بعبارة تفيض بالوجع: «حسن... لو جئت لي غداً، وقلت لي مرحباً كريم مرة، أعدك سأرد... لكن لا تتأخر، فأنا بدأت أنسى شكل الحلم» (ص 32).
لا يتناول العتابي الحرب عبر البيانات العسكرية، بل بوصفها حالة وجودية تتغلغل في حيوات البسطاء. في قصة «ذات صباح»، نعيش حلم الشاب «خالد السلمان» الذي جاء إلى العاصمة ليدرس، وكان يردد بخوف: «أخاف كثيراً... أخاف أموت قبل ما (أوفي) بوعدي لأمي...». لكن حلمه يتبدد بانفجار سيارة مفخخة، وتأتي الصدمة من البرود الإعلامي الذي نقل الكارثة بعبارة: «انتهى الخبر» (ص 19).
وفي قصتي «خط النار»، يرفع الكاتب القناع عن الشعارات السياسية الكبرى التي تحول الحروب إلى مقبرة للفقراء، بينما يجلس صناع القرار خلف مكاتبهم الفارهة، واصفاً أجساد الجنود البسطاء بأنها «تتناثر مثل الطيور الذبيحة» (العتابي 43). وفي «فرصة العمر»، تواجه السلطة الأب بسؤال مخادع: «كيف تقبل تحرم الولد من فرصة العمر في المشاركة لمواجهة العدو؟» (العتابي 45).
وتكتمل المأساة في «إجازة تأجيل الموت»، حيث يقدم الجندي سالم خروفاً رشوةً لضابطه ليشتري أياماً إضافية من الحياة. ويبلغ المشهد ذروته عندما يكتب اسمه باللون الأحمر على ظهر الخروف (ص 53)، فيغدو الخروف معادلاً رمزياً للجندي؛ فكلاهما يُساق إلى الذبح بلا إرادة، ويصبح الاسم المكتوب محاولة أخيرة لإثبات الوجود في مواجهة موتٍ يقترب. وفي قصة «بابا نائم»، تبلغ المفارقة ذروتها عندما تسحب طفلة الغطاء عن جثمان أبيها قائلة: «بابا نائم» (ص 93). وفي «موت جميل»، يفضح الكاتب تجميل القتل بسخرية سوداء؛ إذ توصف الرصاصة بأنها «مغلفة بطبقة ناعمة من مركب زهري» ص 89).
ومن جهة أخرى، تحضر المدينة في المجموعة كائناً حياً يتألم ويشيخ بفعل الحصار؛ إذ تظهر بغداد في «بائع الشاي الأخير»، وهي ترزح تحت وطأة الاغتراب، ويصف الكاتب شارع المتنبي بقوله: «كان شارع المتنبي يتنفس بصعوبة ينوء بثقل الحصار... كانت الكتب كالأشلاء تئن من الجوع معروضة على أرصفة الشارع» (ص 29). إن تشبيه الكتب بالأشلاء يوضح عمق الانهيار الثقافي والاقتصادي.
وفي قصة «أمل في سروال»، يتناول الكاتب التحولات الطبقية عبر سوق الملابس المستعملة (البالة)، حيث «كل قطعة تحمل قصة» (العتابي 48) صاحبها الأول. فيجد المشتري الفقير نفسه مجبراً على ارتداء تاريخ شخص مجهول. وفي مقابل هذا الخراب، يلتفت الكاتب في قصة «فقدان سلسلة» إلى دفء الريف ممثلاً بنهر الغراف ومدرسته القديمة التي «ليست بناية من حجر، إنما روح حية تنبض وسط الطبيعة، على ضفاف نهر لا يعرف التوقف» (ص 100).
يبلغ جمال العتابي ذروة اشتغاله الفني حين يمنح الأشياء والأعضاء المبتورة القدرة على الكلام، فتغدو شخصيات فاعلة تكشف ما عجز الإنسان عن قوله. ففي قصة «ساق تحدق» لا تبقى الساق المبتورة مجرد عضو مفقود، بل تتحول إلى شاهد حي على الخراب العراقي؛ إذ تخاطب الطبيب بقولها: «هذا وطني يتناثر في أبهاء الريح ما بين قتيل في الساحات وبين جريح» (ص 118). بهذا الخطاب تنتقل الساق من أنَّها جزءٌ من الجسد إلى ضمير جمعي يستحضر الوطن الجريح، ثم تستعيد ذكريات الركض وصعود الجبال لتغدو عيناً ساهرة تحدق في بشاعة الحرب وتدين صُنّاعها.
* كاتب عراقيوتتكرر هذه الأنسنة في قصة «لسان يترنح»، إذ لا ينجح القمع في إسكات الحقيقة رغم بتر اللسان: «أنتم تقطعون اللحم، أما الحقيقة فهي تسكن في العظام» (ص 115). وهنا تتحول الإعاقة الجسدية إلى فعل مقاومة، حين يبتكر الناس لغة بديلة، فيغدو مشهد «صار الناس يشيرون بأصابعهم إلى أفواههم المغلقة، ثم إلى قلوبهم» (ص 115) دالاً على أن التواصل الإنساني أوسع من حدود اللغة المنطوقة، وأن الحقيقة تستطيع أن تجد دائماً وسيلة جديدة للتعبير.
ولا يقتصر هذا الحس الإنساني على الإنسان وحده، بل يمتد إلى الكائنات الأخرى. ففي قصة «تيمة كلب» يغدو الكلب رمزاً للوفاء، ويصبح غرس شجرة في مكانه بعد موته فعلاً يحفظ الذاكرة ويقاوم الفناء (ص 115).
أما في قصة «اتحاد النمل»، فإن العتابي يمنح النمل صوتاً أخلاقياً يواجه استعلاء الإنسان، حين يعلن: «لسنا ضدك، لكننا لسنا دونك، نحن نعيش على هذه الأرض كما تعيش... لكن لا نملك حذاءً لنسحق به أحداً» (ص 111).
ومن التقنيات البارزة في المجموعة اعتماد النهايات المفتوحة التي تجعل القارئ مشاركاً في إنتاج الدلالة. ففي قصة «الوردة المجففة» لا يحسم السارد معنى الاحتفاظ بالوردة، بل يتركه معلقاً عبر قوله: «ربما لتحتفظ بالرائحة. وربما لتتذكر أن بعض الرسائل تعرف طريقها، حتى في العتمة» (ص 40). إن تكرار لفظة «ربما» يوسع أفق التأويل، ويمنح المتلقي حرية استكمال المعنى وفق خبرته ووعيه.
وتبلغ هذه التقنية ذروتها في قصة «رفعت الجلسة»؛ إذ لا تنتهي المحاكمة بقرار القاضي، وإنما تنقضها صرخة درويش: «لا... لم ترفع الجلسة، ما زالت مستمرة» (ص 126). وبهذه النهاية يتحول الحكم القضائي إلى محاكمة أخلاقية مفتوحة، ويغدو القارئ طرفاً فيها، مطالباً بإصدار موقفه من الظلم بدل الاكتفاء بمراقبته.
وخلاصة القول: تنحاز مجموعة «ساق تحدق» بوضوح إلى الإنسان المقهور والمهمش؛ فالجندي، وبائع الشاي، والكادح، واليتيم، جميعهم يمثلون وجوهاً لمعاناة واحدة. من خلال المفارقة، والرمز، وأنسنة الأشياء، والنهايات المفتوحة.