«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر

تعكس مرايا طفولته وعشقه للسفر والأمكنة

«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر
TT

«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر

«أزهار من بئر زاهر الغافري»... حوارات «ناقصة» في الشعر

يضم كتاب «أزهار من بئر زاهر الغافري» حوارات مطولة وشاملة مع الشاعر العماني الذي رحل عن عالمنا في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أجراها معه الشاعر والصحافي اللبناني إسكندر حبش، تتناول بشكل بانورامي آراء الغافري في الشعر والثقافة، فضلاً عن تجربته الحياتية وترحاله واغترابه الدائمين بين المغرب وبغداد وباريس ونيويورك ولندن والسويد، ليصبح شاعر القلق واللاطمأنينة، الذي ترك بصمة في شعر الحداثة بسلطنة عمان والخليج.

ويشير حبش في تقديمه للكتاب الصادر ضمن سلسلة «كتاب نزوى» إلى أن «ثمة ما هو محزن في هذا العمل، لأنه يصدر اليوم بعيداً عن زاهر الذي غادرنا وترك هذا النص بين أيدينا منذ أن بدأنا العمل عليه في بداية عام 2023»، معتبراً أن ما يضمه من حوارات هي ناقصة بالضرورة، لأن الشاعر لم يقل كل ما عنده ولأنه أيضاً لم يستطع أن يلقي النظرة الأخيرة على ما دونه، وإن كان أوكل هذه المهمة الأخيرة إلى شريكة حياته الفنانة التشكيلية أثمار عباس التي رغبت في أن تصدر هذه الكلمات بمثابة تحية لذكراه.

أسطورة المكان الأول

يستعيد زاهر مكان الميلاد الأول في «الجزيرة الخضراء» حيث ولد في زنجبار كبقعة تشبه الحلم من ناحية الغابة والماء والمراكب والصيادين والنوارس، هو مكان الأم والجد والجدة من جهة الأم، وهو في الوقت نفسه مكان اللعب وتسلق الأشجار وشرب مياه الآبار وتناول لذيذ الفواكه. تجلى هذا المكان في مجموعته «أزهار في البئر»، وبقي المكان معه حتى الخامسة أو السادسة من عمره، لتبدأ بعد ذلك رحلته الكبرى عبر المحيط الهندي التي استغرقت شهراً أو أكثر عبر سفينة، قبل أن يصل إلى مسقط.

ويعتبر الغافري أن القرى الريفية الجبلية في عمان هي مكانه الأول أيضاً، حيث أصبحت أسطورة المكان أكثر سطوعاً، ابتداء من هيئة معلم القرآن وانتهاء بالملابس الملونة للصبايا العمانيات، بالإضافة إلى نمط العيش المختلف كلياً عن «الجزيرة الخضراء»، فهنا سمع لأول مرة عن «الأموات المسحورين» الذين يتجولون فوق أعالي الجبال.

وبرأي الغافري، أن الشاعر لا يمكن أن يتخلى عن طفولته، فهي إحساس بالشفافية وطريقة نظر إلى العالم بعين مختلفة. هذا ما يجعل من الاثنين؛ الطفولة والشعر، متلازمين.

وفيما يتعلق بفكرة «المشروع الشعري»، يقول إن مشروعه هو إنجاز نصوص وقصائد تكون قريبة أو وثيقة الصلة بالمبتكرات والتحولات التي يقوم بها شعرياً، بمعنى آخر هو لا يكتب قصائد متفرقة لا يجمعها شيء، يكتب بعفوية ورهافة بحيث لا تبعد قصيدته عن الأخرى بمسافات ضوئية. يكتب عن الحب والغياب والموت والحنين والسفر والترحال والمدن والأمكنة، كل هذا يدخل في إطار لغة يريدها أن تكون حية كما يعيشها، كل مجموعة شعرية تختلف عن الأخرى، لكن بينها خيط رفيع يربط القصائد بعضها ببعض.

التجربة العراقية

بدأ الغافري الكتابة في عمان بنصوص تقليدية، لم يبدأ الكتابة الحديثة إلا بعد ذهابه إلى بغداد التي كانت آنذاك، أواخر الستينات وبداية السبعينات، مركزاً مهماً خصوصاً في الشعر. وكانت النقاشات في المقاهي أو الحانات على أشدها. بعد قراءات متعددة في الشعر والقصة والرواية والفلسفة، نشر نصوصاً في مجلة «ألف باء» الأسبوعية، التي كان على رأسها الشاعر فاضل العزاوي، والكاتب الروائي جمعة اللامي.

كان مجايلوه فيما يسمى بجيل السبعينات، كمصطلح إجرائي، أمثال كمال سبتي وخزعل الماجدي وهاشم شفيق وشاكر لعيبي وخالد المعالي، وحينها فكّر في نشر أول مجموعة شعرية له، ثم بعد ذلك ألغى المشروع من جذوره. كانت تجربة العراق هي الأكثر تأثيراً، ليس على صعيد الكتابة الجديدة فقط، وإنما على حياته أيضاً. في العراق وجد نفسه حراً بعيداً عن الإكراهات العائلية والقبلية، كان كمن يسبح في نهر جديد وفي أمكنة جديدة ومختلفة حتى على صعيد اللغة المحكية لأنه أصبح يتحدث المحكية العراقية إلى درجة أنسته المحكية العمانية، إذ بعد مضي 10 سنوات عندما عاد إلى عمان كان أصدقاؤه يطلقون عليه «زاهر العراقي».

يقول: «كان خروجي من عُمان في اتجاه بغداد أشبه بفداء الأم لابنها، لو لم تمت أمي في مرحلة مبكرة لما خرجت من عُمان ولما عرفت المصير الذي كان ينتظرني. أخذني أبي إلى دبي في نهاية عام 1967 حيث كان يقيم أخي الأكبر البكر، في ذلك الوقت كانت دبي واحة مطلة على البحر والصحراء. مكثت عند أخي عدة شهور، وكانت لأخي علاقات واسعة في مصر والعراق ولبنان وفلسطين، فدبّر لي منحة دراسية كان يقدمها العراق للطلبة العرب من ليبيا واليمن وعمان والجزائر».

من باريس إلى نيويورك

يشير زاهر إلى أنه نادراً ما يكتب نصاً شعرياً دفعة واحدة، فهو يكتب في الليل أو ساعات الفجر الأولى وعندما يقتنع بالنص يتركه لمدة أسبوع تقريباً ثم يعود إليه. وهنا يقوم بالتعديل: «أضيف إليه صورة شعرية أو مقطعاً وأحذف أيضاً وعندما يكتمل النص أتركه أيضاً وأعود إليه لاحقاً، فإذا اقتنعت به نهائياً أتركه في الورق كما هو دون تبديل. طبعاً هذا الأمر بحاجة إلى مراسٍ أو قلْ ممارسة مستمرة».

ويشير إلى أن ديوان «هذيان نابليون» مثلاً أخذ منه عاماً كاملاً، وهو عبارة عن قصيدة طويلة تشكل كتاباً وصدرت عن دار «خطوط وظلال» في الأردن. على أي حال تأتي الكتابة وتختمر وفق المزاج الرائق والحالة النفسية أو عندما تحس أن في داخلك بئراً من اللهب، على حد تعبيره.

طفولة الشاعر طريقة نظر إلى العالم بعين مختلفة

وحول إقامته في باريس، يوضح أن ذلك كان في عام 1977، حيث إن النظام العراقي البعثي في ذلك الوقت لم يسمح له بدخول الجامعة، فما كان منه بعد تهديد مباشر لشخصه، سوى أن حجز طائرة إلى باريس وكان الجواز العماني وقتها يملك صلاحية الدخول إلى فرنسا من دون تأشيرة. لم يمكث في باريس وقتها كثيراً، ولكن عاد إليها بعد سنة، ليس في باريس وحدها، ولكن في مدن فرنسية أخرى. واستمرت إقامته في باريس منذ عام 1983 لـ3 سنوات، خلال هذه الفترة تعرف على شعراء وكتّاب، بدءاً من السوريالي عبد القادر الجنابي، وليس انتهاء بكاظم جهاد. وقتها كانت باريس «مغرية ومثيرة»، سكن في شقة قرب قوس النصر، وكانت الحياة «رخية»، خصوصاً أن باريس تشتهر بالمقاهي والمطاعم والحانات والسينما والمسرح. كان قد تخرج في قسم الفلسفة في المغرب في عام 1982، وأفادته فرنسا حينها، حيث نشر كراساً شعرياً في عام 1984 بعنوان «أظلاف بيضاء». قام عبد القادر الجنابي بتعريفه إلى فنان فرنسي هو جاك بنوا، الذي قال عنه عراب السورياليين أندريه بروتون: «لقد حقّق جاك بنوا وصية المركيز دو ساد لأنه رسمه».

وحول ملابسات إقامته في نيويورك ما يقرب من 10 سنوات، يقول إن الأمر بدا وكأنه «حلم يقظة». كان جالساً في مقهى أمام المحيط الأطلسي في طنجة حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. كان ذلك في عام 1987، وحدث أن أتت نسمة كأنها تحاول أن ترشده إلى مكان أو بالأحرى إلى مكانين نيويورك أو نيو أورليانز. ولأن له صديقاً في نيويورك فقد فضّلها وودّع المغرب ومدينة طنجة وسافر إلى مسقط ليمكث أسبوعين ثم ركب طائرة وفي جيبه 200 دولار فقط. «كانت رحلة ليلية وطويلة، وصلت في العاشرة صباحاً وأخذت سيارة أجرة إلى بيت صديقي العماني الذي رحّب به بحفاوة ثم قال لي: استرح لديّ درس في الجامعة القريبة من هنا وسأعود».يحكي زاهر بقية ما حدث قائلاً: «كنت أعرف أن البيت يقع في جادة أمستردام المحاذي لشارع بروداوي. فتحت لي نيويورك ذراعيها، هنا المكتبات، المسارح، السينما، الموسيقى، الأوبرا، موسيقى الجاز والبلوز، الغاليرهات الفنية والمتاحف، متحف الفن الحديث، متحف المتروبوليتان، متحف غوغنهام. سوهو التي تعج بالحانات والمطاعم والفنانين. إنه أمر مذهل. لم أرَ الجرائم التي يتم التحدث عنها كثيراً سوى مرتين، على مدى 10 سنوات. هكذا أحسست أن نيويورك على وفاق معي حياتياً وثقافياً، هناك أمكنة ومدن تشعرك بوجودها كثيفاً ومليئاً، ونيويورك واحدة من هذه المدن».


مقالات ذات صلة

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

ثقافة وفنون الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

الليطاني... حارس الذاكرة والأسطورة التي تجاهلها الشعراء

لم تكن الأنهار على امتداد العصور مجرد تفصيل عابر في حياة البشر، ولا كانت مجاريها مجرد ناقل للمياه، من مساقطها الأم إلى مصباتها البحرية...

شوقي بزيع
ثقافة وفنون شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر

يمثل كتاب «شعرية الأنساق الثقافية في الشعر العربي المعاصر» للناقد والأكاديمي والشاعر الأردني د.عبد الرحيم مراشدة، محاولة نقدية للربط بين جماليات الشعر وعمقه

«الشرق الأوسط» (عمّان)
ثقافة وفنون الشاعر محمد عفيفي مطر

عودة جائزة محمد عفيفي مطر للشعراء العرب

عقدت الدورة الأولى لجائزة مطر في عام 2017 برئاسة الناقد الراحل الدكتور شاكر عبد الحميد

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث.

شوقي بزيع
يوميات الشرق قد تعود الكلمات إلى أصحابها بعد سنوات طويلة (إنستغرام)

كتبت قصيدة عن ابنها... فوجدها في ورقة امتحانه بعد 7 سنوات!

الشاعرة الآيرلندية إميلي كولن كانت على موعد مع مفاجأة غير متوقَّعة...

«الشرق الأوسط» (لندن)

الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟

ألبيير كامو
ألبيير كامو
TT

الصيف الحارق... كيف انعكس في نصوص كتاب فرنسيين؟

ألبيير كامو
ألبيير كامو

في هذا الصيف، تتصاعد درجات الحرارة في عواصم القارة العجوز إلى مستويات كانت حتى وقت قريب تُعدّ استثناءً، فتنبثق من ثنايا الذاكرة تلك النصوص الأدبية الكبرى التي سبقت العلماء إلى تشخيص ما يجري، وسبقت المتنبئين الجويين إلى إدراك حقيقة ساطعة: الحرارة، حين تبلغ حدّ الجحيم، لا تُغيّر المناخ وحده، بل تُغيّر الإنسان من الداخل.

ومن أهمّ سرديات القيظ ما كتبته الروائية جورج صاند في الخامس عشر من سبتمبر (أيلول) عام 1870، في قرية «نوهان» الصغيرة وسط فرنسا. لم تكن صاند في رحلة، ولم تكن تكتب رواية، بل كانت تُدوّن ما تراه بعيون لا تكاد تُصدّق ما ترى. الكاتبة التي أدهشت أوروبا بإنتاجها الروائي الهائل وجرأتها الاجتماعية غير المسبوقة، وقفت أمام صيف لم تعرفه فرنسا من قبل، فكتبت في «يوميات مسافر في زمن الحرب» هذه المقاطع التي نشرتها مجلة «رفيو دو دو موند»: «صيف لم أره قط، ولم أكن أظنّه ممكناً في مناخنا المعتدل: أيام كان فيها الزئبق في الظل يرتفع إلى خمس وأربعين درجة، لا بقعة عشب، لا زهرة واحدة في مطلع يوليو (تموز)، الأشجار تصفرّ وتسقط أوراقها، والأرض المتشققة تنفتح كأنها تريد أن تبتلعنا، والفزع من نقص الماء يتعاظم يوماً بعد يوم...».

وما يجعل هذا المقطع أكثر من مجرد شهادة مناخية هو ما يليه في يومياتها: «الحديث عن عطش الفلاحين الذين لا يجدون ما يسقون به مواشيهم، عن الأوبئة التي تنتشر في المناطق الريفية، عن الحرائق التي تلتهم ما أبقت عليه الشمس».

فصاند لا تصف مشهداً طبيعياً، بل تُؤرّخ لانهيار نظام كامل: نظام الحياة الريفية الفرنسية حين تتخلى عنها السماء. وقد وصفت ذلك كله بعبارة أشدّ قسوةً من أي تقرير علمي، فهو في نظرها «مظهر من مشاهد نهاية العالم».

ولأن هذا الوصف صدر من قلم جورج صاند، ولأن فرنسا كانت تخوض في الوقت ذاته حرباً مهلكة ضد بروسيا، فإن الطبيعة والتاريخ يتشابكان في يومياتها تشابكاً يجعل القيظ يبدو عقاباً كونياً لا ظاهرة عارضة.

وبعد صاند بسبعة وسبعين عاماً، فتح ألبير كامو نافذة أخرى على الحرارة، لكنها نافذة تطلّ هذه المرة على البحر الأبيض المتوسط. ففي روايته «الغريب» الصادرة عام 1942، يرتكب مورسو جريمته على شاطئ جزائري تحت وطأة شمس لا تعرف الرحمة، وما يجعل هذا المشهد علامةً في تاريخ الرواية الحديثة هو أن الشمس ليست فيه خلفيةً موصوفة بل فاعل درامي بامتياز: فهي التي تدفع الحدث نحو ذروته، وهي التي يُحاسَب عليها البطل أمام القضاء. حيث يكتب كامو ما يلي: «بدا لي الرمل المحموم أحمر قانياً، وكنا نتقدم بخطى متساوية نحو العرب، وكانت المسافة الفاصلة بيننا تتقلّص باطراد..» في هذا المقطع الموجز يختزل كامو فلسفةً بأكملها.

فيكتور جيستان

فالشمس ليست رمزاً يُقرأ من خارج النص، بل حضور شبه جسدي، كائن ذو إرادة، وهذا ما يجعل مورسو ضحيةً قبل أن يكون جانياً. وحين تسأله المحكمة لماذا أطلق النار؟ يُجيب في لحظة صدق: «بسبب الشمس». والجواب طبعاً هراءٌ في منطق القانون، لكنه يحمل عمق الحقيقة في فلسفة كامو: العالم لا يُفسَّر، والحرارة لا تُحاكَم. وفي مجموعته التأملية «أعراس» التي أصدرها عام 1936، يمنحنا كامو الوجه الآخر لهذه الشمس ذاتها: «الشمس الجزائرية التي تبسط الإنسان على الأرض وتجعله يشعر بأنه جزء من شيء أكبر منه، حرارة تصالح لا حرارة تقتل». وبين الكتابين يقيم كامو على حدّ السكين: فالشمس يمكن أن تكون نعمة ويمكن أن تكون لعنة، وما الذي يُقرّر أيّهما هي؟ الإنسان نفسه، في لحظة اختياره الكبرى.

أما لويس فرديناند سيلين، فقد اختار للحرارة وجهاً لا مراوغة فيه ولا شاعرية. ففي ملحمته الروائية «السفر إلى آخر الليل» الصادرة عام 1932، تسكن الحرارة النص منذ أولى صفحاته: باريس تخلو من بشرها في يوم صيفي «بسبب الحرارة»، وفي هذه الجملة العابرة يُقيم سيلين برنامجه السردي بأكمله.

فالحرارة عنده ليست موضوعاً يُعالَج، بل بيئة تُصنع داخلها الكوارث. وحين يصف بطله فيردينان بارداموا تجربته في أفريقيا الاستعمارية، يصنّف الحرارة المدارية بين أعداء الحياة الكبار، بكلمات قاطعة وجافَّة تُعدّد العذابات دون أن تطلب تعاطفاً. وفي «موت بالتقسيط» الصادر عام 1936، يذهب سيلين خطوةً أبعد نحو رؤية الجسد البشري كمادة قابلة للاحتراق.

جورج صاند

فالحرارة عنده لا تُؤرَّخ ولا تُحلَّل فلسفياً، بل تُعاش على مستوى الأحشاء، وتُترجَم في لغة خشنة لاهثة تبدو في ذاتها منسوجةً تحت شمس لا تعرف الرأفة. وما يُميّز سيلين عن صاند وكامو هو أنه يُجرّد الحرارة من أي بُعد شاعري: فعنده هي سجنٌ إضافي يُضاف إلى سجون الفقر والحرب والمرض، تلك السجون التي يتحمّلها صغار الناس دون أن يُسمع لهم صراخ.

وفي المشهد الأدبي الفرنسي المعاصر، يأتي فيكتور جيستان ليُثبت أن هذا التقليد لم يختفِ، بل تجدّد وتعمّق. ففي روايته «الحرارة» الصادرة عام 2019 عن دار نشر «فلاماريون»، والتي لاقت استحسان النقاد ورُشّحت لعدة جوائز، يضع بطله الشاب «ليونار» في مخيم صيفي شاطئي يعجّ بالأجساد والضجيج. هناك يكتشف جسداً ميتاً ويُقرّر، في لحظة ذعر صامت إخفاء ما رأى.

والحرارة في هذه الرواية ليست ديكوراً بل طاقة خام تُذيب الحدود بين المسموح والمحظور، بين ما نفعله وما نُقرّ بفعله. إذ قال جيستان، في أحد حواراته، إن غايته كانت «جعل الاختناق الأخلاقي يمرّ عبر الجسد»، بحيث تفضح الحرارة ما يعجز الوعي عن تسميته.

وهنا تلتقي روايته مع السلسلة الأدبية الكاملة التي سبقته: فمن يوميات صاند إلى رواية كامو إلى ملحمة سيلين، يوجد وعيٌ مشترك عميق بأن الصيف المحترق ليس فصلاً في التقويم بل اختبارا وجودي؛ مساحة تسقط فيها الحواجز المصطنعة، وينكشف فيها الإنسان على حقيقته، مشرِّفة كانت أم مُخزية.

ولعلّ ما يجعل هذه النصوص مجتمعةً أكثر من مجرد أعمال تجمعها صدفة موضوع، هو أنها تُقدّم، كلٌّ في طريقتها، إجابةً عن سؤال يطرحه اليوم المناخيون والفلاسفة والمواطنون العاديون على حدٍّ سواء: ما الذي يفعله القيظ بالروح البشرية؟

وصفت جورج صاند القيظ الذي طال فرنسا عام 1870 بأنه «نهاية العالم»، وجعل كامو الشمس شاهدةً على جريمة


معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية
TT

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

معركة الشعر مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية

أن يُقحِمَ المرءُ الشعر في قلب المعركة الوجودية الكبرى التي يخوضها الإنسان مع التاريخ والذاكرة والمكان والهوية، فذلك عمل لا ينهض به سوى بشر قدّوا من قماشة خاصة: شعراء يصغون إلى ارتعاشات اللغة، مدجّجين بأدوات النقد الأدبي، أو نقاد تعايشوا مع الشعر تطبيقياً ونظرياً. عند هذي التخوم، يقف فاضل السلطاني، في كتابه «الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة عند تجارب أربعة شعراء معاصرين - دار التكوين عام 2025»، مستنداً إلى كونه شاعراً وناقداً، ليتولى، مُجلياً، ذلك الربط الصعيب.

في صفحات الكتاب تغدو القصيدة أبعد بكثير من بناء لغوي أو ممارسة جمالية، فكأنها أداة معرفة، ونهج في مجابهة العالم، ووليمة فكرية.

يقرأ السلطاني ديريك والكوت (1930 - 2017) - شاعر ومسرحي من سانت لوسيا/ الكاريبي، حائز «نوبل» في الأدب لعام 1992، وبيرناردين إيفارستو (مواليد 1959) - كاتبة وأكاديمية بريطانية من أصل نيجيري تُوجِّت بجائزة بوكر الدولية لعام 2019 -، ولي هاروود (1939 - 2015) - شاعر بريطاني بارز -، وفرانك أوهارا (1926 - 1966) - شاعر وناقد فني أميركي من أبرز أقطاب «مدرسة نيويورك» - بوصفهم شعراء يقفون عند مفارق حضارية متوترة: استعمار ترك أثره في اللغة والاسم والأجساد، وحداثة زعزعت المكان والزمان، وما بعد حداثة دفعت اليومي الصغير إلى واجهة المعنى.

قيمة المقالات الثلاث التي يضمها الكتاب متأتية من قدرتها على تحويل الشعر إلى مختبر فلسفي بكل ما في الكلمة من معنى. فالسلطاني يتعامل مع النصوص الشعرية بوصفها وقائع فكرية حية، تكشف عن اشتباك الذات الهشّة مع قوى هائلة: الإمبراطورية، والذاكرة، والمدينة، والفضاء، والجسد، والأشياء. ولذلك تأتي قراءته أقرب إلى إقامة طويلة داخل القصيدة، متنقلاً بين النظرية والتأويل، وبين باشلار ولوفيفر ودورين ماسي، وبين ما بعد الاستعمار وجماليات المكان، وبين تحولات اللغة وأسئلة الذات. هذا الاشتغال يمنح الكتاب إيقاعاً معرفياً خاصاً يساءل الشعر من داخله، وفي الوقت نفسه يفتحه مشرعاً على حقول التاريخ، والفلسفة، والاجتماع، والجماليات.

في الفصل الأول، يقارب السلطاني ملحمة «أوميروس» لوالكوت ورواية «لارا» الشعرية لإيفارستو من زاوية الهوية الهجينة التي تتخلق في صدام الأعراق والتواريخ واللغات. عند إيفارستو، تتحرَّك الذات داخل ذاكرة عائلية ممتدة، تبحث عن جذورها بين بريطانيا ونيجيريا وأوروبا والبرازيل، وتعيد بناء نفسها عبر الإنصات إلى سلسلة الأسلاف. الهوية لديها عمل ترميمي، وشخصي، وحميم، ينطلق من الجرح الأسري كي يبلغ معنى اجتماعياً أوسع، فالذات الهجينة تئن تحت حاجتها إلى أن ترى نفسها في مرآة ماضيها، وأن تمنح تشتتها شكلاً قابلاً للسرد.

أما والكوت فيذهب أبعد في معركته ليقف أمام الفكرة الأوروبية عن التاريخ، ويعيد مساءلتها من موقع كاريبي تشكّل من الرّكام، والاقتلاع، والعبودية، والهجرات، وتداخل الأعراق. شخصياته تتحرَّك بين الجزر وأفريقيا وأوروبا وأميركا، وتبحث عن اسم ضائع، وجذور مقطوعة، ومعنى يمنح الوجود شرعية روحية. في قراءة السلطاني، تصبح الذاكرة عند والكوت مجالاً لإعادة بناء ما هشمه التاريخ، ووسيلة لاسترداد الذات من قبضة السرديّة الاستعمارية. العبارة المكثفة التي يلتقطها الكتاب، حين يصير أخيل «ذاكرته»، تزيح النقاب عن جوهر هذه الرؤية للإنسان ليس بوصفه كتلة بيولوجية تمشي في الحاضر، بل بوصفه تاريخاً مستعاداً، واسماً مسترداً، وجرحاً عميقاً ينقلب وعياً.

تتقاطع مقالات الكتاب على رؤية الهوية كمادة جدلية وعملية مستمرة. فهي عند هؤلاء الشعراء معبر، ومواجهة، وتفاعل دائم بين الذاكرة والحاضر، وبين الأصل والتحول، وبين الذات كما تراها نفسها والذات كما صاغها الآخر، فلا تظهر كجوهر صاف مغلق، وإنما كطاقة تشكّل دائمة، تولد من الاختلاط، وتتغذى على التوتر، وتكبر في الاشتباك. وتلك واحدة من أهم نقاط قوة قراءة السلطاني الذي يبتعد عن الرثاء السهل لفكرة الجذر المفقود، ويتجه إلى فهم الجذر بوصفه حركة، وبحثاً، ووعياً يكتسب نضجه من قدرته على حمل التناقض.

في الفصل الثاني، ينتقل الكتاب إلى تجربة هاروود عبر ثنائية «المكان والفضاء»، الذي يقرأه الكاتب بوصفه شاعراً تتحرك قصيدته بين الانفتاح والانغلاق، والحاضر والماضي، والحركة والسكون، والدّاخل والخارج. المكان في بدايات هذا الشاعر الذي ارتبط بحركة إحياء الشعر البريطاني وتأثر بمدرسة نيويورك يبدو حسياً، ملموساً، مشبعاً بالأشياء والمشاهد، ثم يتطور تدريجياً إلى فضاء ذهني، حيث تصبح القصيدة ميداناً لتجربة أكثر تعقيداً: عن كيف يسكن الإنسان العالم، وكيف يتحوَّل البيت إلى ذاكرة، وكيف ينتج المجتمع فضاءه، وكيف تكشف المدينة الحديثة عن اغترابها حين تهدم معالمها وتعيد تشكيل الناس وفق منطق القوة والرأسمال.

استدعاء السلطاني لباشلار ولوفيفر وماسي يمنح هذا الفصل عمقاً استثنائياً. فالمكان عند باشلار مأوى للخيال والذاكرة، والفضاء عند لوفيفر نتاج اجتماعي وسياسي، وعند ماسي مجال مفتوح لتزامن القصص وتعددها. عبر هذه الإضاءات، لا تعود قصيدة هاروود وصفاً لمنظر أو انتقالاً بين مدن بقدر ما هي اختبار لعلاقة الإنسان بما حوله. فحين يستقر الشاعر في الريف بعد تقلب عبر المنافي القلقة، يصبح المكان مصالحة داخلية، فتتراجع أشباح الغربة، وتتبلسم جروح الترحال، وتتدفق رغبة عميقة في أن يكون الإنسان هناك، في جسد واحد، وعينين في علاقة توحد مع التراب والضوء والحقول. عند هذه اللحظة، يقترب الشعر من درجة الحكمة الهادئة: الوجود يحتاج إلى مكان يصدّقه، والمكان يحتاج إلى لغة تجعله مأهولاً بالمعنى.

أما الفصل الثالث، المخصص لأوهارا، فيمثل ذروة أخرى في الكتاب تنقل التأمل من قضايا الهوية والمكان إلى جماليات اليومي والأشياء الصغيرة. السلطاني يقرأ الشاعر الأميركي خارج التصنيف المريح والمباشر الذي يحصره في مدرسة نيويورك، ويمنحه خصوصيته بوصفه مبدعاً اقترف جريمة جعل الحياة اليومية مادة شعرية كاملة. فنجان القهوة، والشوارع، والشطائر، وأضواء النيون، ووجبة الغداء، والوجوه العابرة، والجريدة اليومية، والأشياء التي تبدو عادية جداً، كلها تدخل عند أوهارا في نسيج القصيدة بوصفها إشارات إلى امتلاء العالم. إنّه يتجرأ على أن يهبط بالشعر إلى الشارع كي يرفعه من جديد إلى مستوى الوجود، وفي ذلك لا يقوم بتجميل العادي، وإنما يستدعي طاقته الداخلية. الأشياء في شعره لا تحتاج إلى نبل خارجي كي تصير مادّة شعريّة، إذ حضورها الفيزيائي نفسه يحمل دلالة، وصلابتها اليومية تمنحها قدرة على مقاومة الفراغ. وهكذا تتأسس «جماليات الأشياء الصغيرة» التي يحتفي بها السلطاني: الشعر قادر على أن يمكن القارئ من رؤية ما اعتاد الآخرون تجاوزه، وأن يعيد إلى العين دهشتها الأولى. في هذه الرؤية، يصبح اليومي ميداناً فلسفياً، والتفاصيل العابرة علامات على وحدة الحياة والموت، والسرعة وهدوء التأمل، والمدينة والفرد، والعادي والرفيع السامي.

اللافت في الكتاب أنَّ السلطاني يتعامل مع الشعراء الأربعة بتجاربهم المتباعدة كأسماء متجاورة ومسارات متداخلة في سؤال واحد: كيف يستطيع الشعر أن يقارع العالم ويفهمه؟ والكوت وإيفارستو يبارزان التاريخ من جانب الذاكرة والهوية، وهاروود يشتبك مع الاغتراب على جبهة المكان والفضاء، بينما أوهارا يحارب البلادة الحديثة من بوابة الأشياء الصغيرة وإيقاع الحياة اليومية. وفي كل حالة، تتحوَّل القصيدة إلى وسيلة مقاومة معرفية تعيد تنظيم الحساسية الإنسانية تجاه تجربة العيش برمتها.

تقرأ الكتاب فتحضر في الذهن فكرة الشعر كوليمة تنعش القلب: تجربة مشاركة، وتذوق، وإصغاء، وانفتاح على طبقات متعددة من المعنى. كتاب يقدِّم الشعر بهذه الروح، كمائدة تغص بما لذّ وطاب من عناقيد التاريخ والفلسفة والذاكرة والجمال، لا شكّ يغري بالتورط في علاقة أكثر عمقاً مع الأدب. فالقصيدة الجيدة، كما توحي النصوص الثلاثة، تمنح قارءها زاداً فكرياً وروحياً في آن، لأنها تعطي الألم شكلاً، والضياع اتجاهاً، والتفاصيل العابرة مقاماً في الوعي.

تتمظهر قوة المراجعة النقدية لدى السلطاني في ميلها إلى التوازن. فهو يشتبك مع الحداثة وما بعدها والإرث الكولونيالي ونظريات المكان واللغة، من موقع يقظ يبتعد عن الانفعال الآيديولوجي الجاهز، فلا يختزل الشعر في السياسة أو يفصله عن التاريخ، ويضعه، في المقابل، قيد منطقة أكثر خصوبة، يكون الفعل الجمالي فيها ممراً لإدراك العالم. وهذا ما يجعل الكتاب جديراً بالقراءة، إذ يعبر بالشعراء وعملهم من صرامة التحليل النقدي الأكاديميّ إلى فضاء تصبح فيه القصيدة تجربة إنسانية كاملة، تواجه الكسر، وتستعيد المعنى، وتؤسس للإنسان قدرة أوسع على تجرّع غموض المصير، وقلق الوجود.

«الإرث الكولونيالي والحداثة وما بعد الحداثة» قراءة عميقة في الشعر بوصفه فناً للنجاة المعرفية. فالهوية فيه ليست معطى نهائياً، والمكان ليس خلفية محايدة، واليومي ليس سطحاً فارغاً، وكل شيء يتحول داخل القصيدة إلى سؤال: الاسم، والبيت، والمدينة، والعبودية، والمنفى، وأضواء الطرقات، وعلبة القهوة، والبحر، والذاكرة. بهذا الاتساع، وبهذه الجرأة، يصبح الشعر ساحة لمواجهة العالم عبر فهمه، ووسيلة لإعادة بناء الذات وسط العنف التاريخي وتحولات الأزمنة.


هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

الفنان في مرسمه
الفنان في مرسمه
TT

هورفن أندرسون ينقب بالفرشاة في الذاكرة الكاريبية

الفنان في مرسمه
الفنان في مرسمه

ليست فكرة مثيرة أن يستمر فنان في رسم صالون حلاقة باعتباره مصدر إلهام جمالي على مدار خمسة عشر عاماً. وليس متوقعاً أن تكون لوحات تلك المرحلة مدهشة وذات قيمة فنية عالية. لكن تجربة هورفن أندرسون الذي ولد عام 1965 في برمنغهام البريطانية في عائلة مهاجرة من جامايكا تبطل تلك الشكوك من خلال إزاحة ذلك المكان من موقعه الواقعي لتصنع منه عالماً يتجرد من غاياته العملية ويكون بمثابة مسرح يُعاد رسمه بنية استكشاف أنماط مختلفة من الرسم، يتنقل الرسام من خلالها بين التشخيص والتجريد مندفعاً بقوة في اتجاه رسم الموضوعات التقليدية كالطبيعة الصامتة والمناظر الطبيعية والبورتريه. منذ عام 2006 رسم هورفن أندرسون عشرات اللوحات التي صور من خلالها محل الحلاقة، بل إنه أقام معرضاً بعنوان «لوحات الصالون» متخذاً من ذلك المشهد العادي وسيلة للتنقيب في الذاكرة الكاريبية بحثاً عن عناصر الهوية التي تصلح أن تكون معياراً للانتماء الوطني.

انطلق أندرسون في تلك السلسلة من واقعة عاشها في طفولته ورافقته باعتبارها مؤشراً على الاختلاف في الهوية والانتماء. فلأن الحلاقين البيض في بريطانيا كانوا يترددون في قصّ شعر السود كان المهاجرون الكاريبيون في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يقصّون شعر بعضهم بعضاً في المنازل. ذلك ما جعله ينظر إلى صالون الحلاقة المؤقت الذي كان والده يتردد عليه باعتباره الفضاء الذي يعيده إلى بيته الحقيقي الذي يقع في مكان بعيد. سيكون من الخطأ النظر إلى رسوم تلك المرحلة الأساسية في تجربة الرسام الذي رُشح عام 2017 لنيل جائزة تيرنر من جهة وصفية. فالجمالية القلقة وغير المستقرة تكشف عن نزعة الرسام في الانضمام إلى ذلك العالم باعتباره زبوناً ولكنه الزبون الذي يعتبر حضوره هناك علامة اختلافه. يعيده الصالون إلى البيت وهو بيت قد يكون متخيلاً غير أنه قد يكون موجوداً هناك، في جامايكا.

عالم وهمي يقيم على ضفتين

يضم المعرض الذي يقيمه تيت بريتان لهورفن أندرسون أكثر من 80 لوحة وهو أشبه بمعرض استعادي يغطي مسيرته الفنية بأكملها، من أيام دراسته وحتى لوحات جديدة لم تُعرض من قبل. في المعرض يكشف أندرسون عن انخراطه العميق في تقاليد الرسم البريطاني للمناظر الطبيعية. غير أن ذلك لا يتعارض مع استعادته لصور أفراد عائلته وتجارب من شبابه وأماكن ذات أهمية شخصية وثقافية مثل صالون الحلاقة. ومن خلال إعادة النظر في عناصر معينة وأحياناً دمج موقع مع آخر، يتناول أندرسون عدم موثوقية الذاكرة والتوتر المحيط بالتراث الثقافي.

بطريقة أو بأخرى يضفي نقاد الفن على رسوم أندرسون طابعاً تجريدياً. في عدد من لوحاته رسم صالون الحلاقة من غير زبائن فبدا كما لو أنه قد رسم حياة صامتة. المرايا فيها تستدعي عالماً وهمياً. وهو عالم غني بالألوان. بالنسبة للفنان يشكل ذلك العالم فضاء يصل الانتماء بالشتات. «لقد ولدت هنا كما لو أنني ولدت هناك» بين بريطانيا والكاريبي هناك مسافة جمال متشنج يحتمل في الوقت نفسه عدم التوافق. تلك مسافة يمكن التحقق منها تجريدياً. يرسم هورفن أندرسون بقوة انتمائه إلى مكانين. كل واحد منهما يلقنه لغة مختلفة. قد يبدو حكماً جاهزاً إذا ما قلنا إن الفنان الذي صارت أعماله منذ أكثر من عشر سنوات تُباع في المزادات بملايين الجنيهات الإسترلينية يوزع اهتمامه من خلال موضوعاته بين الانتماء والشتات. ذلك حكم سريع ومبتسر لا يخلص إلى روح التجربة الفنية.

صحيح أن أندرسون وُلد في بريطانيا وصحيح أن طريقته في الرسم متصلة بتقاليد الرسم البريطاني فهو في عدد من أعماله يقف قريباً من تجربة الفنان الراحل ديفيد هوكني على سبيل المثال غير أن الصحيح أيضاً هو أن فنه يطرح أسئلة وجودية متوترة لا تخص هوية المكان وحده، بل وأيضا هوية بشر، يفكرون بلغة ويحلمون بلغة أخرى. هوية لا يمنع الواقع بصلابته تمركز أطياف أسطورية فيها.

تلك الكرة هي قمر سقط من السماء

«عادةً ما تُركّز لوحاته على حالة مزاجية مُعينة أو وقت مُحدد من اليوم أو زاوية مُعينة أو منزل مُعين. ولكن يبقى دائماً حاضراً التفكير في مكان آخر». تقول الناقدة هايس مور. ذلك يعني أن طابعاً رمزياً يخترق لوحات أندرسون من الداخل كما لو أن هناك صوتاً يُسمع بلغة أخرى ليوسع من حدود التجربة البصرية. ما تراه بشكل مباشر ليس هو الحقيقة كلها. هناك حقائق غاطسة لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق التأمل المفعم بالأسئلة.

في لوحته «مراقبة الكرة» التي تعود لعام 1997 تقف مجموعة من الصبية على رقعة عشبية بجوار بحيرة. السماء زرقاء ضبابية والماء فيروزي زاهٍ. يتناقض اللون الأخضر أسفلهم وهم يديرون ظهورهم للمشاهد مع الحصى الداكن خلفهم مما يعزلهم فيما يشبه جزيرة استوائية خاصة بهم. ذلك مشهد سيعود أندرسون إليه في لوحات أخرى بعد أكثر من عشر سنين في محاولة منه لتحويل صورة فوتوغرافية التقطها عام 1983 في حديقة هاندسوورث المهملة في برمنغهام إلى رؤية مشحونة عاطفياً لمدينته الأم ومنطقة الكاريبي، موطن عائلته الأصلي. في واحدة من تلك اللوحات التي يعود تاريخ رسمها إلى سنة (2010) يسترجع الرسام المشهد نفسه غير أن أشجار الكاريبي تهيمن هذه المرة على الأفق وقد خفت بريقها المعتاد بفعل درجات اللون الرمادي. يقترح الرسام هنا معادلة صعبة غير أنها محتملة على المستوى النفسي. أن يرى المرء مكاناً فيما يذهب خياله إلى مكان آخر.

يعلق أندرسون على تلك التجربة «بسبب موقع الكرة في منتصف الصورة، وسط البركة بدا وكأن القمر قد سقط من السماء» لا يخرج الرسام في تصوره بعيداً عن مفهوم الصورة باعتبارها لعبة ذهنية. ما لا تراه العين المباشرة منها تقوم الذاكرة بتخزينه لكي يُعاد إنتاجه في أوقات لاحقة. ببساطة يمكن القول إن هورفين أندرسون يتنقل بخفة بين شواطئ الأطلسي والكاريبي. ذلك ما برع في فعله.

المعرض يغطي مسيرة أندرسون بأكملها من أيام دراسته حتى لوحات جديدة لم تُعرض من قبل

الحنين إلى مكان جرى تدميره

يقول هورفن أندرسون: «أحاول فهم عصرنا». الرسام الذي يُقدم اليوم باعتباره واحداً من أهم الرسامين البريطانيين يضع مفهوم العصر تحت مطرقة تأويل ملتبس. ففي تعليقه على لوحاته القديمة التي سعى من خلالها لتجسيد مهاراته في تجسيد قدرته على هضم عناصر التقليد الفني البريطاني قال: «كنت دائماً في الخارج» وهو ما يمكن فهمه على نحو مزدوج، أي خارج صالون الحلاقة الذي يضم رجالاً سود البشرة وخارج الذات التي ورثت الذكريات لا باعتبارها عقيدة اختلاف حسب، بل وأيضاً كونها تمثل مزاجاً يحلق بحساسية جمالية لا تحتويها تقاليد الرسم المتاحة.

يُعرف أندرسون في المقام الأول رسام مناظر طبيعية وغالباً ما يصوّر منطقة الكاريبي وبريطانيا كما لو أن إحداهما تكمل الأخرى وليس الشيء نفسه. جزء أساس من عالمه إنما يكمن في التلويح بضياعه. ذلك شعورٌ يُمكن أن يتفهمه المهاجرون من غير أن يربك سعيهم في اتجاه الاندماج في مجتمعاتهم الجديدة. يصف أندرسون أعماله بأنها تدور حول «السفر». ولكنها تسمية مضللة تنطوي على إخفاء المعنى الحقيقي من أجل أن يكون ككل شيء مريحاً. ولكن الحقيقة لا تقف عند حدود الهجرة الجسدية بكل ما تحمله من أعباء نفسية ثقيلة، بل تتعداها إلى تاريخ العبودية الذي لم يكن أندرسون جزءاً من مخلفاته غير أن ملامح ذلك التاريخ بسبب عمق معانيه تنطبع بقوة على سلوك أفراد لم يكونوا من ضحاياه. تنفعنا رسوم هورفن أندرسون في فهم علاقة المهاجر بتراثه الثقافي الذي هو بالنسبة للرسام ليس مجموعة الرموز والعلامات التشكيلية ولا تقاليد الصناعات الشعبية، بل هو ذلك الإنسان المقتلع الذي يحن إلى مكان جرى تدميره.