إلياس خوري كاتباً قصة البطل الذي يموت

ومكرَّماً في الذكرى الأولى لرحيله

رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة
رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة
TT

إلياس خوري كاتباً قصة البطل الذي يموت

رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة
رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة

«يوم إلياس خوري» في المكتبة الوطنية اللبنانية كان عامراً بالمحبة للأديب، حيث تحلَّق الأحبة والعائلة والأصدقاء والقراء، لإحياء الذكرى الأولى لرحيله، بالكلمة والموسيقى والأغنية والصورة، والتكريمان بالجملة.

فقد سلم رئيس الوزراء نواف سلام عائلة الفقيد وسام الأرز الوطني الذي منحه إياه رئيس الجمهورية، قائلاً: «أتشرف بتسليم هذا الوسام إلى عائلة إلياس، التي هي أيضاً عائلتي».

كما أعلن نائب رئيس الجامعة الأميركية في بيروت «تخصيص جائزة سنوية بادر إلى تأسيسها أصدقاء الكاتب الراحل إلى متفوق أو متفوقة في الأدب.

وأعلن رئيس بلدية بيروت إبراهيم زيدان، بدوره، تكريم إلياس خوري بإطلاق اسمه على المكتبة العامة في بيروت.

وكانت فاتحة الكلمات مع ابنة الروائي الراحل، المخرجة عبلة خوري التي تحدثت بكلمة مقتضبة عن مشاعر الشوق والفقد، وكم من مرة خطر لها أن تتصل به، وكأنه لا يزال موجوداً، وكيف لها أن تختار صوره لهذه الاحتفالية ولا يكون مشاركاً في اختيارها. أما السؤال اللافت الذي طرحه عدد من المتحدثين، فهو عما سيكون رأيه في الأحداث الأخيرة في غزة، وما يتدحرج من متغيرات؟

وشدد وزير الثقافة غسان سلامة في كلمته على قيمة الحرية بشكل خاص عند إلياس خوري. قال: «ثمة جيل أبصر النور في منتصف القرن العشرين. تجنب ذلك الجيل دوماً، لا السقطات ولا الهفوات ولا الخيبات. لكن بإمكانه أن يعتز ويفتخر، بهوسٍ أصابه وطبع ذلك الجيل حتى اليوم. وهو هوس بالحرية، الذي جعل ذلك الجيل يفكّك قيود الطائفية السياسية ويتعامى عنها ويتجاوزها، وهو ينظر إلى الجيل الحالي الغائر بالطائفية ويقول: ماذا حصل له؟ لقد خرجنا من ذلك القيد، فلماذا ترجعون إليه؟».

أضاف سلامة أن خوري «بسبب هوسه بالحرية تبنّى قضية فلسطين عن قناعة، وعن اعتقاد بأن للحق يوماً كما اليوم، وعن قناعة بأنه من حق لبنان أن تكون هناك دولة فلسطين، ومن حق المنطقة ألّا تجد استقراراً إن لم يكن للفلسطينيين حق تقرير المصير. وبسبب ولعه بالحرية، فإن ذلك الجيل لم يقبل يوماً باستمرار التسلط في بلداننا العربية، لذلك صفّق لكل انتفاضة ديمقراطية في كلّ بلد عربي».

وفي جلسة أولى أدارها الباحث ماهر جرار، تحدث نقيب المهندسين السابق جاد ثابت عن صديقه إلياس متعدد القدرات والأبعاد والاهتمامات، مستذكراً محطاته معه: جولة في أسواق بيروت المدمرة بعد الحرب، وكيف أنهما شعرا بأن قلبها لا يزال ينبض، ولا بد من إنقاذها بالحفاظ على ما تبقى من ذاكرة المدينة، وقادا مع آخرين حملة ضد الهدم وتغيير الملامح. وفي جولة أخرى اصطحب ثابت إلياس خوري إلى أحياء وأسواق طرابلس القديمة التي تدور فيها أحداث من روايته «سينالكول». كما تحدث عن علاقة الروائي الخاصة ببيروت التي كان يعتقد أنها «عالم لا يشبه أي عالم آخر، فكل وجع مهما بلغ يخفي في جوفه أغنية. إنها الحياة حين تضحك بفم مكسور».

المخرج محمد علي الأتاسي الذي عرف إلياس خوري في التسعينات، وكتب تحت إدارته في ملحق «النهار»، كانت له شهادته حيث استذكر بعض محطاته معه. وتحدث عن رمزية التفاح لديه، واستخدامه لليمون بوصفه استعارة في أحد مقاطع روايته «باب الشمس»، وعن بطلها يونس الذي يقول: «يجب أن نأكل كل برتقال العالم ونكسر الحائط»، رافضاً الاحتفاظ بليمون فلسطين الذي جاءت به أم حسن من هناك، وارتأت أن تخبئه، لأنه هو فلسطين، هو الوطن.

وجه مختلف من وجوه إلياس خوري اطلع عليه الحضور، من الفنان البصري، المخرج ربيع مروة، خصوصاً أولئك القراء الذين لا يعرفون منه إلا بُعده الروائي، ألا وهو دوره في «مسرح بيروت» الذي ضخ فيه الحياة بعد توقف الحرب، وفتحه للشباب، كما سعى لأن يعيد مسرحيين مخضرمين مثل ريمون جبارة وروجيه عساف إلى الخشبة، وكان له ما أراد، وكذلك اهتمامه بكتابة نصوص مسرحية، وإن كان مُقلّاً.

كما تحدث ربيع مروة عن الاحتضان الذي لقيه من إلياس خوري، حين عرض عليه أن يحول جزءاً من روايته «رحلة غاندي الصغير» إلى مسرحية وكان لا يزال مبتدئاً. «لم يكن داعماً فقط، بل ترك لنا مطلق الحرية أن نتصرف بالنص، ونفعل ما نشاء».

جلسة ثانية أدارها عقل العويط ضمت رفيف صيداوي ولطيف زيتوني وعبدو وازن

تلت الاستراحة الموسيقية الغنائية مع الفنانة ريما خشيش، جلسة نقاش لأعمال إلياس خوري، وانطباعات حولها في جلسة أدارها الشاعر والناقد عقل العويط، والذي تساءل عمن يكون حقاً إلياس خوري، وإن كان بمقدورنا أن نعثر عليه في شخصياته: في كمال الذي يعيش هواجس الانتماء، أو في الذات الممزقة لآدم حنون في رواية «أولاد الغيتو»، أم هو يونس في «باب الشمس»، أم الشاهد الصامت خليل أحمد جابر؟ و«هل يتماهى خوري مع بطل (يالو) السرياني الذي يكتب اعترافاته تحت التعذيب، ثم يعاود كتابتها وسردها دون أن يروي الحقية كاملة؟ وتسهل يختفي خلفه». وتساءل: «كيف يكون ألم خوري الأخير هو الرواية التي يجب أن تكتب وتقرأ؟» وذكّر العويط أن إلياس خوري آمن بأن الرواية بمجرد نشرها لا تعود ملكاً لمؤلفها، بل للعلاقات التي يبنيها القراء مع شخصيات الرواية. وإذا كان الفرق بين الكاتب وشخصيات الرواية هو أن الكاتب يموت، أي يكمل بالموت، فإن الشخصيات تبقى حية، لأنها تتجدد بالقراءة.

وهكذا تجدد حضور الشخصيات من خلال دراسة نقدية قدمتها الدكتورة رفيف صيداوي التي اعتبرت أن خوري «شكل علامةً مميزة في الرواية اللبنانية والعربية بسياقاتها الجديدة، قطعت نهائياً مع صراع الخير والشر وحمولاته الواقعية الفجة، هو الذي تعدى عدد رواياته الاثنَتيْ عشرة رواية، وكأنها نص واحد مُحور عن رؤيتهِ لواقعٍ لبناني وفلسطيني وعربي، تجري أحداثه ووقائعه بعكس ما كان يجدر بها أن تجري». كما لفتت صيداوي إلى توالد الحكايات وتواليها عند خوري «حيث لكل شخصيةٍ زمنُها الخاص وحيثيتُها وحكاياتُها التي تَرفد الخطابَ الروائي، بالاستناد إلى أسلوبٍ سردي يُحاكي الأسلوبَ العربي القديم، المتمثل بإدراج قصةٍ ما داخل قصة أخرى على غرار قصصِ وحكاياتِ (ألف ليلة وليلة) ونمطِها الحكائي، مُشتغلاً على تجاوُرِها أحياناً وتقاطُعِها أحياناً أُخر بطُرقٍ فنية مختلفة».

بينما لفت الباحث الدكتور لطيف زيتوني إلى أن فعل النضال عند إلياس خوري جاء مدفوعاً بشعور من يكره اللامبالاة، ويكره الظلم. هو شعور أقرب إلى ثورة داخلية، أخلاقية.

رغم أنه كتب عن فلسطين الكثير، ذكر د. زيتوني أنه «لم يكتب كأصحاب الأرض الذين يحكون عن وطن وهوية وانتماء إلى قرى نزحوا منها، لا تزال تحمل ذكرياتهم وحكاياتهم وعظام أجدادهم. لم يكتب عن فلسطين، وإنما عن الفلسطينيين. تعزز ذلك نتيجة تواصله الطويل مع الناس في المخيمات ليجمع الحكايات ويحولها إلى روايات. كل ذلك ربطه خوري لا بالقضية وحدها، بل بالجماعة الفلسطينية والشخصيات. كانت علاقته بالفلسطينيين كجماعة مظلومة مقهورة ومقتلعة». يقول د. زيتوني إن «باب الشمس» شكلت منعطفاً في الكتابة عن القضية، بعدها «صارت الروايات حكايات اللاجئين، صارت ذاكرة جمعها من أفواه العجائز، وشكلت لوناً روائياً جديداً، اعتمده المؤلف في كل رواياته اللاحقة، وصولاً إلى أولاد (الغيتو)».

ميزة إلياس خوري أنه «تنبه إلى أننا شعوب بلا ذاكرة لا ندون الأحداث وإنما نتركها تُتداول شفاهياً وتضيع ملامحها. لم يدون اللبنانيون أحداث 1840 ولا 1860 ولا أحداث الاستقلال ولا حرب 1975، اقتصرت الكتابة على وجهات النظر الرسمية والأحزاب والطوائف والدول المشاركة فيها. وبقيت وجهات نظر الناس على اختلاف تجاربهم حكايات شفهية».

وقدم الشاعر والناقد الزميل عبدو وازن قراءة مؤثرة لما كتبه إلياس خوري من مقالات خلال 14 شهراً من المرض، متحرياً موقفه من الموت والألم والدين. في تلك المقالات التي أملاها على ابنته عبلة فيض من المشاعر والرؤى، لهذا يتساءل وازن: «لو قدّر للروائي إلياس خوري أن يقاوم المرض وينتصر على الموت، فهل كان له أن يكتب هذا الاختبار الممض والقاسي. هذه التجربة التي خاضها بعينين مفتوحتين وعقلٍ حاد لكن بجسد مريض كاد أن يصبح في الفترة الأخيرة طيف جسد. هي من أقسى التجارب التي يواجهها الإنسان»، معتبراً أن «جبهة المحاربة هذه من أشد الجبهات عنفاً. فهو وحده يقاوم هنا داخل السرير فارغ اليدين منهكاً». فقد كان في هذه المعركة أقرب إلى أيوب الذي استوحى اسمه في روايات له، كما في مسرحيته «مذكرات أيوب» الشهيرة التي أخرجها روجيه عساف.

كتب خوري: «ضربني ألم لا قدرة للإنسان على تحمله، فصرت أطلب المورفين من الممرض، ثم طلبت الموت، ثم غبت عن الوعي. لحظة من لحظات الوجع المستديم على طريق جلجلته الأخيرة وقد خضع لست عمليات جراحية أعمل فيها الجراحون مباضعهم في منطقة وعرة من جسمه». وقال وازن شارحاً أن إلياس رغم ذلك «ظلّ في حالة من الرجاء، ظلّ يصرّ على الأمل والحب الذي صار ندّ الألم الذي يمهد للانتصار عليه، كما أملى على عبلة حرفياً».

وهدية ثمينة لمن حضر هذا اللقاء حول ذكرى إلياس خوري كتيب «الورقة البيضاء» الذي وُزع على الحضور، ويضم الفصل الأول من «رواية الربيع» التي كان يخطها خوري في البدايات، ونشر هذا الجزء منها في مجلة «مواقف» عام 1980.

لكن الخبر السعيد أن روايتين غير مكتملتين وُجدتا بين أوراق الراحل «رواية الربيع»، وأخرى لاحقة أنجز منها تسعة فصول.

يكتب في «الورقة البيضاء»: «البطل يموت، يجب أن يموت البطل في النهاية حتى يبقى بطلاً. هل تستطيع أن تتخيل بطلاً لا يموت، يصبح كهلاً ويفقد ذاكرته ويبول على نفسه في الفراش... مستحيل... يجب أن يموت البطل... إذن، فالقصة صارت جاهزة. إنها قصة بطل يموت».


مقالات ذات صلة

حفلات الزفاف الأعلى سعراً... أحدها بلغ مليار دولار

يوميات الشرق حفلات الزفاف الأعلى تكلفةً في التاريخ (وكالات)

حفلات الزفاف الأعلى سعراً... أحدها بلغ مليار دولار

يأتي الصيف وتأتي معه حفلات الزفاف. منهم من يحتفل ببساطة فيما يختار آخرون البذخ عنواناً. فأي أعراس كانت الأغلى عبر التاريخ؟

كريستين حبيب (بيروت)
رياضة سعودية هدف السباق إلى إحياء روح الإبحار السعودي (الشرق الأوسط)

ساحل أملج يتزين بسباق «البحر الأحمر كلاسيك» للإبحار الشراعي

أُقيم سباق «البحر الأحمر كلاسيك» للإبحار الشراعي، الذي نظَّمته شركة «54» العالمية للرياضة والترفيه، بالتعاون مع شركة «البحر الأحمر العالمية»، والمجتمع المحلي.

«الشرق الأوسط» (أملج)
يوميات الشرق شاب يفاجئ شريكته بعرض الزواج في ساحة تروكاديرو بالقرب من برج إيفل بمناسبة عيد الحب (أ.ف.ب)

«عيد الحب» يغزو شوارع العالم... فكيف بدأ؟ وإلى ماذا يرمز؟ (صور)

تتزين الشوارع في معظم المدن والبلدات بالورود الحمراء و«الدباديب» اللطيفة والبالونات التي تتضمن شعارات مليئة بالمشاعر وعبارات الحب

تمارا جمال الدين (بيروت)

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

> تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.