إلياس خوري كاتباً قصة البطل الذي يموت

ومكرَّماً في الذكرى الأولى لرحيله

رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة
رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة
TT

إلياس خوري كاتباً قصة البطل الذي يموت

رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة
رئيس الوزراء نواف سلام مسلماً وسام الأرز لابنة خوري وزوجته بحضور وزير الثقافة

«يوم إلياس خوري» في المكتبة الوطنية اللبنانية كان عامراً بالمحبة للأديب، حيث تحلَّق الأحبة والعائلة والأصدقاء والقراء، لإحياء الذكرى الأولى لرحيله، بالكلمة والموسيقى والأغنية والصورة، والتكريمان بالجملة.

فقد سلم رئيس الوزراء نواف سلام عائلة الفقيد وسام الأرز الوطني الذي منحه إياه رئيس الجمهورية، قائلاً: «أتشرف بتسليم هذا الوسام إلى عائلة إلياس، التي هي أيضاً عائلتي».

كما أعلن نائب رئيس الجامعة الأميركية في بيروت «تخصيص جائزة سنوية بادر إلى تأسيسها أصدقاء الكاتب الراحل إلى متفوق أو متفوقة في الأدب.

وأعلن رئيس بلدية بيروت إبراهيم زيدان، بدوره، تكريم إلياس خوري بإطلاق اسمه على المكتبة العامة في بيروت.

وكانت فاتحة الكلمات مع ابنة الروائي الراحل، المخرجة عبلة خوري التي تحدثت بكلمة مقتضبة عن مشاعر الشوق والفقد، وكم من مرة خطر لها أن تتصل به، وكأنه لا يزال موجوداً، وكيف لها أن تختار صوره لهذه الاحتفالية ولا يكون مشاركاً في اختيارها. أما السؤال اللافت الذي طرحه عدد من المتحدثين، فهو عما سيكون رأيه في الأحداث الأخيرة في غزة، وما يتدحرج من متغيرات؟

وشدد وزير الثقافة غسان سلامة في كلمته على قيمة الحرية بشكل خاص عند إلياس خوري. قال: «ثمة جيل أبصر النور في منتصف القرن العشرين. تجنب ذلك الجيل دوماً، لا السقطات ولا الهفوات ولا الخيبات. لكن بإمكانه أن يعتز ويفتخر، بهوسٍ أصابه وطبع ذلك الجيل حتى اليوم. وهو هوس بالحرية، الذي جعل ذلك الجيل يفكّك قيود الطائفية السياسية ويتعامى عنها ويتجاوزها، وهو ينظر إلى الجيل الحالي الغائر بالطائفية ويقول: ماذا حصل له؟ لقد خرجنا من ذلك القيد، فلماذا ترجعون إليه؟».

أضاف سلامة أن خوري «بسبب هوسه بالحرية تبنّى قضية فلسطين عن قناعة، وعن اعتقاد بأن للحق يوماً كما اليوم، وعن قناعة بأنه من حق لبنان أن تكون هناك دولة فلسطين، ومن حق المنطقة ألّا تجد استقراراً إن لم يكن للفلسطينيين حق تقرير المصير. وبسبب ولعه بالحرية، فإن ذلك الجيل لم يقبل يوماً باستمرار التسلط في بلداننا العربية، لذلك صفّق لكل انتفاضة ديمقراطية في كلّ بلد عربي».

وفي جلسة أولى أدارها الباحث ماهر جرار، تحدث نقيب المهندسين السابق جاد ثابت عن صديقه إلياس متعدد القدرات والأبعاد والاهتمامات، مستذكراً محطاته معه: جولة في أسواق بيروت المدمرة بعد الحرب، وكيف أنهما شعرا بأن قلبها لا يزال ينبض، ولا بد من إنقاذها بالحفاظ على ما تبقى من ذاكرة المدينة، وقادا مع آخرين حملة ضد الهدم وتغيير الملامح. وفي جولة أخرى اصطحب ثابت إلياس خوري إلى أحياء وأسواق طرابلس القديمة التي تدور فيها أحداث من روايته «سينالكول». كما تحدث عن علاقة الروائي الخاصة ببيروت التي كان يعتقد أنها «عالم لا يشبه أي عالم آخر، فكل وجع مهما بلغ يخفي في جوفه أغنية. إنها الحياة حين تضحك بفم مكسور».

المخرج محمد علي الأتاسي الذي عرف إلياس خوري في التسعينات، وكتب تحت إدارته في ملحق «النهار»، كانت له شهادته حيث استذكر بعض محطاته معه. وتحدث عن رمزية التفاح لديه، واستخدامه لليمون بوصفه استعارة في أحد مقاطع روايته «باب الشمس»، وعن بطلها يونس الذي يقول: «يجب أن نأكل كل برتقال العالم ونكسر الحائط»، رافضاً الاحتفاظ بليمون فلسطين الذي جاءت به أم حسن من هناك، وارتأت أن تخبئه، لأنه هو فلسطين، هو الوطن.

وجه مختلف من وجوه إلياس خوري اطلع عليه الحضور، من الفنان البصري، المخرج ربيع مروة، خصوصاً أولئك القراء الذين لا يعرفون منه إلا بُعده الروائي، ألا وهو دوره في «مسرح بيروت» الذي ضخ فيه الحياة بعد توقف الحرب، وفتحه للشباب، كما سعى لأن يعيد مسرحيين مخضرمين مثل ريمون جبارة وروجيه عساف إلى الخشبة، وكان له ما أراد، وكذلك اهتمامه بكتابة نصوص مسرحية، وإن كان مُقلّاً.

كما تحدث ربيع مروة عن الاحتضان الذي لقيه من إلياس خوري، حين عرض عليه أن يحول جزءاً من روايته «رحلة غاندي الصغير» إلى مسرحية وكان لا يزال مبتدئاً. «لم يكن داعماً فقط، بل ترك لنا مطلق الحرية أن نتصرف بالنص، ونفعل ما نشاء».

جلسة ثانية أدارها عقل العويط ضمت رفيف صيداوي ولطيف زيتوني وعبدو وازن

تلت الاستراحة الموسيقية الغنائية مع الفنانة ريما خشيش، جلسة نقاش لأعمال إلياس خوري، وانطباعات حولها في جلسة أدارها الشاعر والناقد عقل العويط، والذي تساءل عمن يكون حقاً إلياس خوري، وإن كان بمقدورنا أن نعثر عليه في شخصياته: في كمال الذي يعيش هواجس الانتماء، أو في الذات الممزقة لآدم حنون في رواية «أولاد الغيتو»، أم هو يونس في «باب الشمس»، أم الشاهد الصامت خليل أحمد جابر؟ و«هل يتماهى خوري مع بطل (يالو) السرياني الذي يكتب اعترافاته تحت التعذيب، ثم يعاود كتابتها وسردها دون أن يروي الحقية كاملة؟ وتسهل يختفي خلفه». وتساءل: «كيف يكون ألم خوري الأخير هو الرواية التي يجب أن تكتب وتقرأ؟» وذكّر العويط أن إلياس خوري آمن بأن الرواية بمجرد نشرها لا تعود ملكاً لمؤلفها، بل للعلاقات التي يبنيها القراء مع شخصيات الرواية. وإذا كان الفرق بين الكاتب وشخصيات الرواية هو أن الكاتب يموت، أي يكمل بالموت، فإن الشخصيات تبقى حية، لأنها تتجدد بالقراءة.

وهكذا تجدد حضور الشخصيات من خلال دراسة نقدية قدمتها الدكتورة رفيف صيداوي التي اعتبرت أن خوري «شكل علامةً مميزة في الرواية اللبنانية والعربية بسياقاتها الجديدة، قطعت نهائياً مع صراع الخير والشر وحمولاته الواقعية الفجة، هو الذي تعدى عدد رواياته الاثنَتيْ عشرة رواية، وكأنها نص واحد مُحور عن رؤيتهِ لواقعٍ لبناني وفلسطيني وعربي، تجري أحداثه ووقائعه بعكس ما كان يجدر بها أن تجري». كما لفتت صيداوي إلى توالد الحكايات وتواليها عند خوري «حيث لكل شخصيةٍ زمنُها الخاص وحيثيتُها وحكاياتُها التي تَرفد الخطابَ الروائي، بالاستناد إلى أسلوبٍ سردي يُحاكي الأسلوبَ العربي القديم، المتمثل بإدراج قصةٍ ما داخل قصة أخرى على غرار قصصِ وحكاياتِ (ألف ليلة وليلة) ونمطِها الحكائي، مُشتغلاً على تجاوُرِها أحياناً وتقاطُعِها أحياناً أُخر بطُرقٍ فنية مختلفة».

بينما لفت الباحث الدكتور لطيف زيتوني إلى أن فعل النضال عند إلياس خوري جاء مدفوعاً بشعور من يكره اللامبالاة، ويكره الظلم. هو شعور أقرب إلى ثورة داخلية، أخلاقية.

رغم أنه كتب عن فلسطين الكثير، ذكر د. زيتوني أنه «لم يكتب كأصحاب الأرض الذين يحكون عن وطن وهوية وانتماء إلى قرى نزحوا منها، لا تزال تحمل ذكرياتهم وحكاياتهم وعظام أجدادهم. لم يكتب عن فلسطين، وإنما عن الفلسطينيين. تعزز ذلك نتيجة تواصله الطويل مع الناس في المخيمات ليجمع الحكايات ويحولها إلى روايات. كل ذلك ربطه خوري لا بالقضية وحدها، بل بالجماعة الفلسطينية والشخصيات. كانت علاقته بالفلسطينيين كجماعة مظلومة مقهورة ومقتلعة». يقول د. زيتوني إن «باب الشمس» شكلت منعطفاً في الكتابة عن القضية، بعدها «صارت الروايات حكايات اللاجئين، صارت ذاكرة جمعها من أفواه العجائز، وشكلت لوناً روائياً جديداً، اعتمده المؤلف في كل رواياته اللاحقة، وصولاً إلى أولاد (الغيتو)».

ميزة إلياس خوري أنه «تنبه إلى أننا شعوب بلا ذاكرة لا ندون الأحداث وإنما نتركها تُتداول شفاهياً وتضيع ملامحها. لم يدون اللبنانيون أحداث 1840 ولا 1860 ولا أحداث الاستقلال ولا حرب 1975، اقتصرت الكتابة على وجهات النظر الرسمية والأحزاب والطوائف والدول المشاركة فيها. وبقيت وجهات نظر الناس على اختلاف تجاربهم حكايات شفهية».

وقدم الشاعر والناقد الزميل عبدو وازن قراءة مؤثرة لما كتبه إلياس خوري من مقالات خلال 14 شهراً من المرض، متحرياً موقفه من الموت والألم والدين. في تلك المقالات التي أملاها على ابنته عبلة فيض من المشاعر والرؤى، لهذا يتساءل وازن: «لو قدّر للروائي إلياس خوري أن يقاوم المرض وينتصر على الموت، فهل كان له أن يكتب هذا الاختبار الممض والقاسي. هذه التجربة التي خاضها بعينين مفتوحتين وعقلٍ حاد لكن بجسد مريض كاد أن يصبح في الفترة الأخيرة طيف جسد. هي من أقسى التجارب التي يواجهها الإنسان»، معتبراً أن «جبهة المحاربة هذه من أشد الجبهات عنفاً. فهو وحده يقاوم هنا داخل السرير فارغ اليدين منهكاً». فقد كان في هذه المعركة أقرب إلى أيوب الذي استوحى اسمه في روايات له، كما في مسرحيته «مذكرات أيوب» الشهيرة التي أخرجها روجيه عساف.

كتب خوري: «ضربني ألم لا قدرة للإنسان على تحمله، فصرت أطلب المورفين من الممرض، ثم طلبت الموت، ثم غبت عن الوعي. لحظة من لحظات الوجع المستديم على طريق جلجلته الأخيرة وقد خضع لست عمليات جراحية أعمل فيها الجراحون مباضعهم في منطقة وعرة من جسمه». وقال وازن شارحاً أن إلياس رغم ذلك «ظلّ في حالة من الرجاء، ظلّ يصرّ على الأمل والحب الذي صار ندّ الألم الذي يمهد للانتصار عليه، كما أملى على عبلة حرفياً».

وهدية ثمينة لمن حضر هذا اللقاء حول ذكرى إلياس خوري كتيب «الورقة البيضاء» الذي وُزع على الحضور، ويضم الفصل الأول من «رواية الربيع» التي كان يخطها خوري في البدايات، ونشر هذا الجزء منها في مجلة «مواقف» عام 1980.

لكن الخبر السعيد أن روايتين غير مكتملتين وُجدتا بين أوراق الراحل «رواية الربيع»، وأخرى لاحقة أنجز منها تسعة فصول.

يكتب في «الورقة البيضاء»: «البطل يموت، يجب أن يموت البطل في النهاية حتى يبقى بطلاً. هل تستطيع أن تتخيل بطلاً لا يموت، يصبح كهلاً ويفقد ذاكرته ويبول على نفسه في الفراش... مستحيل... يجب أن يموت البطل... إذن، فالقصة صارت جاهزة. إنها قصة بطل يموت».


مقالات ذات صلة

حفلات الزفاف الأعلى سعراً... أحدها بلغ مليار دولار

يوميات الشرق حفلات الزفاف الأعلى تكلفةً في التاريخ (وكالات)

حفلات الزفاف الأعلى سعراً... أحدها بلغ مليار دولار

يأتي الصيف وتأتي معه حفلات الزفاف. منهم من يحتفل ببساطة فيما يختار آخرون البذخ عنواناً. فأي أعراس كانت الأغلى عبر التاريخ؟

كريستين حبيب (بيروت)
رياضة سعودية هدف السباق إلى إحياء روح الإبحار السعودي (الشرق الأوسط)

ساحل أملج يتزين بسباق «البحر الأحمر كلاسيك» للإبحار الشراعي

أُقيم سباق «البحر الأحمر كلاسيك» للإبحار الشراعي، الذي نظَّمته شركة «54» العالمية للرياضة والترفيه، بالتعاون مع شركة «البحر الأحمر العالمية»، والمجتمع المحلي.

«الشرق الأوسط» (أملج)
يوميات الشرق شاب يفاجئ شريكته بعرض الزواج في ساحة تروكاديرو بالقرب من برج إيفل بمناسبة عيد الحب (أ.ف.ب)

«عيد الحب» يغزو شوارع العالم... فكيف بدأ؟ وإلى ماذا يرمز؟ (صور)

تتزين الشوارع في معظم المدن والبلدات بالورود الحمراء و«الدباديب» اللطيفة والبالونات التي تتضمن شعارات مليئة بالمشاعر وعبارات الحب

تمارا جمال الدين (بيروت)

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل
TT

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

حكايات الدُمى الشعبية في مصر تدعو للتأمل

رغم أن جذورها تعود إلى حقبة ما قبل الميلاد، فإن دمية العروس في مصر تحمل في نسختها الشعبية العديدَ من الأشكال والمفارقات، تتنوع ما بين دلالات وطقوس وحكايات تدعو للتأمل.

هذا ما تؤكده الفنانة التشكيلية والباحثة سماء يحيى في كتابها «العروسة في الفن والحياة»، الصادر أخيراً عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» ضمن سلسلة «آفاق الفن التشكيلي»، لافتة إلى أن الدُمى كانت توضع في حقب زمنية سابقة في قبور الأطفال الصغار، وكأنها تبعد عنهم الوحشة، وهو ما يعكس قوة حضورها في الثقافة الشعبية.

تشير المؤلفة إلى أن «العروسة» هي تشكيل نحتي يُصنع على هيئة إنسان أو حيوان بحجم صغير وخامات مختلفة لأغراض اللعب أو لأغراض تزينيية وطقسية وفنية، وتعد واحدة من أقدم التشكيلات النحتية التي صنعها الإنسان، ويعود تاريخها في رأي بعض الباحثين إلى ما قبل ظهور الحضارة.

ومن الواضح أن افتتان الإنسان الأول بالجسد وخيالاته الأولى في التجسيد جعله يحاول تقريب صور الطبيعة لكي تشبه شكله وأشكال مخلوقات أخرى مألوفة لديه ليخلق في مخيلته اعتقاداً بأنه يستطيع أن يقترب منها أو يقوم بطقس ليتقي شرها، فكانت هناك عرائس لموسم الحصاد في بداية عصر الزراعة والأمطار وأخرى لجلب الرزق والصيد في المجتمعات الرعوية، كذلك عرائس منحوتة كتمائم وآلهة صُنعت من القش والعظم وعرائس لأغراض الخصوبة والإنجاب.

نجد أيضاً أن الإنسان الأول صنع تشكيلات من خامات البيئة المحلية مثل الطين والبوص والأخشاب في محاولة لتجسيد الآباء الراحلين الأعزاء على نحو يجعله قادراً على أن يتواصل معهم ويحدثهم بما يجول في خاطره. حتى في الطقوس السحرية والإيذاء، كانت صناعة دمية على شكل العدو أمراً شائعاً في عصور ما قبل التاريخ، حيث تخلق الدمى نوعاً من التواصل الحسي والحركي مع البيئة وتفتح المجال للخيال ونمو العقل لدى الأطفال، فالظروف البيئية في العصر الحجري على سبيل المثال كانت من العوامل المهمة التي قامت حولها طائفة من العقائد والطقوس القديمة.

حرف وصناعات

تلفت سماء إلى أنه ترتب على ذلك قيام مجموعة من الحرف والصناعات والفنون لنجد أن الطقوس الدينية أو السحرية اتخذت من تلك الحرف وسيلة لحفظ هذا التراث الإنساني من الضياع، بل ربما كانت ضماناً لارتقاء تلك الحرف والصناعات.

عُثر على العديد من نماذج الدمى في العصور الأولى المبكرة للحضارة المصرية القديمة، لا سيما في كل من «نقادة» و«البداري»، كما وُجدت بأحجام وخامات وأشكال منوعة في سيبيريا ووسط آسيا والبلطيق، وابتُكرت في أشكال مختلفة بملابس أو من دون، وألبست حلياً تشبه تلك التي يستخدمها أهل المنطقة ولُوّنت في بعض الأحيان مثل الدمى السومرية الملونة، كما وُجدت منها نماذج فرعونية مكسوة بالذهب والمطعمة بالملابس.

ومع هذا التاريخ العظيم الثري من استخدام العرائس والدمى في التعبير الفني والثقافي والمجتمعي في مصر، فإن المؤلفة تلاحظ أن النظر إلى «العروسة» كعنصر مهم من الممكن الاستفادة منه في الفن التشكيلي المصري الحديث بكل مجالاته، وهذا لم يلق العناية الكافية من الفنانين التشكيليين المصريين المعاصرين.

وبينما اقتصرت أغلبية الأعمال التشكيلية المعاصرة في مصر على «تيمة عروس المولد» في أعمال نحتية وتصويرية، لم يهتم إلا قليلون باستخدام مفاهيم وتشكيلات أخرى لدمى مصرية لها خصوصية متفردة واستلهامها في تطوير أساليب وأعمال فنية ذات فرادة، وفي الوقت نفسه يقبل على مشاهدتها الجمهور العادي لأنها ليست غريبة على ثقافته وذائقته، وإن كان هذا لا ينفي قيام بعض التشكيليين بمحاولات رائدة في هذا السياق مثل جمال السجيني، وعبد الغني الشال، وممدوح عمار، ومصطفى الرزاز، وفرغلي عبد الحفيظ، ورمزي مصطفى، وعصمت داوستاشي، وحلمي التوني.

أشهر النماذج

تعد «دمية فرن الخبز» أشهر عروس في منازل المصريين الذين كانوا حتى وقت قريب يصنعون الخبز في منازلهم، من وجه بحري حتى أقاصي الصعيد، وهى تُصنع من قطعة صغيرة من العجين، وتخلطها الأمهات والجدات بالسمن وبعض السكر، ثم يشكلها الأطفال على هيئة دمى بدائية قريبة الشبه جداً بتلك التي شُكلّت في عصور فرعونية قديمة تعود إلى ما قبل الأسرات.

تخرج «عروسة الخبيز» وقد نضجت بنار الفرن فيفرح بها الصغار ويلهون بها قبل أن يأكلوها في طقس بسيط يحمل معاني البهجة والاحتفال، وربما كان متوارثاً من أعياد ومناسبات سحيقة لا يُعرف عنها شيء الآن.

أما ثاني الدمى المهمة في الحياة الاجتماعية المصرية فهي «عروس القمح»، أو باللهجة الشعبية «عروس الغلة»، التي تُصنع من سنابل القمح الخضراء المضفرة في تركيبة تشبه علامة «العنخ» أو «مفتاح الحياة» المصري القديم، التي تعلّق على أبواب المنازل وفوق النوافذ للاحتفال وجلباً للخير.

وكانت الدمية تُقدم ومعها وعاء من القمح كقربان للإلهة «رنتوتت» في مصر القديمة كنوع من الشكر لها على بركة الحصاد، وهى الآن تُصنّع وتباع في أعياد «شم النسيم» ويطلق عليها «مشط الفريك» وتعلق على الشرفات والعتبات.

وتذكر سماء أنه من أشهر الدمى الشعبية في هذا السياق «خيال المآتة» وهي تشكيل يوضع في الحقول الزراعية لتخويف الطيور يتكون من خشبتين متصالبتين، ويصنع لهما رأس من القماش أو يلبس قبعة من القش، وقديماً كان يُصنع لها رأس مخيف من الطين ويطلق عليه لقب «أبو خف».

أيضاً توجد دمية الحسد الورقية الشهيرة التي تُقص من ورقة على شكل إنساني، ثم تخرم بالإبرة الغشيمة التي ليس لها عين ثقباً باسم كل من تحوم حوله الشكوك في أنه حاسد أو يحمل شراً، ثم تُحرق في موقد صغير مع بخور الحسد ولبان وشبّة، ثم يخطو المحسود فوق الموقد سبع مرات ويقال إنه تظهر في رماد الدمية وجوه الحساد.

وهناك كذلك «عروسة الخماسين» المصنوعة من القش وورق الشجر، التي يصنعها الأطفال أيام رياح الخماسين في أرياف الدلتا ويُلبسونها جلباباً قديماً مثل «خيال المآتة»، ثم يزفونها ليلاً على عرصة فرن حديدية بمركب في النهر، ومع مطلع الفجر يأخذونها للشاطئ ويشعلون فيها النار ثم يقفزون في الماء وهم يغنون: «عروسة الخماسين... سنة بيضة على الفلاحين».


الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري
TT

الشخصية القبطية في الأدب المصري

الشخصية القبطية في الأدب المصري

صدر عن دار «العين» للنشر في القاهرة كتاب «الشخصية القبطية في الأدب المصري» للدكتورة نيفين مسعد، أستاذة العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والحاصلة على جائزة الدولة التقديرية العام الماضي. ويسعى الكتاب لمقاربة صورة الشخصية القبطية على مدار عقود طويلة، ولدى أجيال مختلفة من الأدباء، ويتَّخذ من ثورة يناير (كانون الثاني) 2011 مرحلةً مفصليةً في تحولات تمثيل هذه الشخصية في الأعمال الروائية.

يبدأ الكتاب بمقدِّمة مقتضبة كتبها الروائي المصري نعيم صبري، ثم مقدمة المؤلفة التي تشرح فيها تاريخ اهتمامها بالموضوع، بدءاً من دراسة مطولة نشرتها في إحدى المجلات في عام 1999، ثم عودتها مؤخراً لهذه الدراسة وتحويلها إلى كتاب، ومحاولتها رصد وتحليل معظم الأعمال الروائية التي تقدم الشخصية القبطية عقب 2011، وما حدث في تقديمها من اختلاف بين روايات القرن الماضي وروايات ما بعد الثورة.

يتكوَّن الكتاب من 3 فصول رئيسية، الأول نظري بعنوان «الشخصية القبطية بين تاريخين»، تشير فيه إلى أنَّ هناك اهتماماً كبيراً منذ يناير 2011 بالكتابة عن الأقباط، وأن أبرز أهداف هذا الاهتمام هو محاولة النفاذ إلى داخل المجتمع القبطي، وجعل الأقباط يعبِّرون عن أنفسهم، بدلاً من الكتابة عنهم وعن مجتمعهم من خارجهم. وكذلك إعادة قراءة تاريخ بعض الشخصيات القبطية الأكثر خلافية، فضلاً عن توثيق وإضاءة المساحات غير المعروفة في حياة الأقباط.

الفصل الثاني بعنوان «الشخصية القبطية في الأدب المصري قبل ثورة يناير 2011»، وتتوقَّف فيه عند عدد كبير من الروايات، ومنها روايات لنجيب محفوظ ويحيى حقي، ويوسف إدريس، وإدوار الخراط، وإبراهيم عبد المجيد، وبهاء طاهر، وسلوى بكر، ونعيم صبري، ونبيل نعوم، وغيرهم. وتخلص من خلال دراسات هذه الروايات إلى 17 نقطة تلخص خصائص تقديم الشخصية، ومنها خلو تلك الأعمال من خصائص شكلية ينفرد بها الأقباط، كما تخلو من صفات ذاتية تلازمهم، كما كانت الشخصية القبطية تتخلل مختلف أنحاء الوطن وسائر الأعمال والمهن، كما تتخلل رقائق النسيج الاجتماعي المصري في الواقع، وتتضافر مع خيوطه في جديلة واحدة.

النقطة الأخيرة، ضمن النقاط الـ17، تتصل بالبُعدَين الوطني والقومي للشخصية القبطية، وموقف الأقباط من العروبة. وتشير المؤلفة إلى أنَّ «الأقباط ليست لهم مشكلة مع العروبة، بل يجدون أنفسهم في إطارها، ولا يحسنون التعبير عن ذواتهم إلا بلسانها». وتشير إلى مواقف الأقباط الواضحة «من القضايا القومية عموماً، ومن القضية القومية المركزية، أو الصراع العربي - الإسرائيلي خصوصاً، وكيف تفاعلت الشخصيات القبطية بكل عمق مع تطورات هذا الصراع».

الفصل الثالث «الشخصية القبطية في الأدب المصري بعد ثورة 2011»، قراءة في 28 رواية قدَّمت هذه الشخصية عقب الثورة. وتُخصِّص الكاتبة مقالاً منفرداً عن كل رواية، وتخلص من هذه القراءات إلى ظهور نزعة واضحة للتمرُّد على السلطة الأبوية للكنيسة بعد الثورة، رغم أنَّ نوازع هذا التمرد على السلطة البطريركية كانت موجودة قبل هذا التاريخ، لكن الفرق في المساحة التي أخذت تتمدَّد فيها روح التمرُّد بعد الثورة.


هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
TT

هابرماس... حارس الحداثة الذي احترقت أدواته في أتون غزة

الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس
الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس

ليس مؤلماً في موت الفلاسفة أن أجسادهم ترحل؛ بل أن أفكارهم تُستدعى في لحظة الوداع لتُحاكم على ضوء العالم الذي خلَّفوه وراءهم. هكذا يغادر عالمنا يورغن هابرماس، آخر حرّاس الحداثة الكبار، في وقت يبدو فيه العقل الذي دافع عنه طويلاً عاجزاً عن تسمية المذبحة في غزة، والحوار الذي بشّر به ضيقاً عن احتواء صراخ الضحايا. فماذا يبقى من «العقلانية التواصلية» حين تتكلم القنابل، ويختار المفكّر أن يختار ذاكرة أوروبا على كونية الإنسان؟

مات الفيلسوف الألماني في اللحظة التي كان فيها إرثه أحوج ما يكون إلى محكمة، لا إلى تأبين. فالرجل الذي أمضى عمره يدافع عن المجال العام، وعن حق البشر في بلوغ الحقيقة عبر الحوار الحر، انتهى في لحظة غزة إلى لغة تضيق بالحقيقة، وتضع للضحايا سقفاً أخلاقياً لا يجوز لهم تجاوزه. لذلك يأتي رحيله بوصفه لحظة كاشفة لمصير تقليد فلسفي كامل: تقليدٍ أراد إنقاذ الحداثة، ثم وجد نفسه عاجزاً عن إنقاذ إنسانها المستعمَر من العمى الأوروبي القديم.

توفي هابرماس -حسبما أعلن ناشره- السبت الماضي، 14 مارس (آذار) 2026، مخلِّفاً وراءه إرثاً فكرياً ضخماً هيمن على الساحة الفلسفية والاجتماعية الغربيّة أكثر من ستة عقود، أهّله ليكون الوريث الأبرز لمدرسة فرانكفورت النقدية، والشخصية التي حاولت ترميم مشروع التنوير الأوروبي، وإعادة الثقة في العقلانية بعد الفظائع التي شهدها القرن العشرين.

وُلد عام 1929 في مدينة دوسلدورف، وعاش طفولته في ظل صعود النازية، وهي التجربة التي شكّلت وعيه السياسي المبكر. وقد عانى من تشوه خلقي في الحنك (الشفة الأرنبية)، ما سبب له صعوبات في النطق، ربطها متابعوه باهتمامه العميق لاحقاً بمفهوم «التواصل» واللغة. تلقى تعليمه في جامعات بون وغوتينغن وزيوريخ، وعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو في معهد البحوث الاجتماعية بفرانكفورت.

تمثل أعمال هابرماس -وخصوصاً «نظرية الفعل التواصلي» و«التحول البنيوي للمجال العام»- محاولات جادة لصياغة ديمقراطية تقوم على مبدأ الحوار الحر، فطرح فكرة أن المجتمعات الحديثة تعاني من «استعمار العالم المعيش» أي تغلغل منطق الربح المادي والآليات الإدارية الجافة إلى تفاصيل حياتنا اليومية وقيمنا الأخلاقية؛ فيتم تنحية «الحوار»، وإبراز «المال» و«السلطة» كوسائل وحيدة للتنظيم. وبدلاً من أن يتفاهم البشر حول غاياتهم المشتركة، تُحيلهم البيروقراطية إلى مجرد «زبائن»، وتُحوّلهم الرأسمالية إلى «مستهلكين»، ما يؤدي إلى تآكل الروابط الاجتماعية وفقدان المعنى. ونظّر بأن الخلاص يكمن في استعادة الإنسان لقدرته على التفاهم العقلاني، وبناء سد منيع من «الديمقراطية التداولية» يحمي المساحات الإنسانية من طغيان الأنظمة البيروقراطية والرأسمالية.

ارتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية وتعديلية واسعة للماركسية التقليدية. فبينما ركّز ماركس على «العمل» و«قوى الإنتاج» كمحرك للتاريخ، رأى هابرماس أن ذلك يغفل جانباً حيوياً هو «التفاعل اللغوي» أو «التواصل»، وزعم أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية أو السيطرة على الطبيعة؛ بل عبر تحرير اللغة من الزيف والإكراه. وقد خلص إلى أن «دولة الرفاهية» في الغرب استطاعت امتصاص حدة الصراع الطبقي الماركسي التقليدي، ما يوجب نقل المعركة إلى «المجال العام» لضمان شرعية ديمقراطية حقيقية. في هذا السياق، كان يسمي نفسه «ماركسياً» من حيث الالتزام بالتحرر ونقد الرأسمالية المتأخرة، ولكنه يرفض الحتمية الاقتصادية، ويفضل عليها ما أطلق عليها وصف «العقلانية التواصلية».

تمحورت فلسفته حول مفهوم «العقلانية التواصلية» هذا، مفرقاً بين نوعين من العقلانية: «العقلانية الأداتية» التي تهتم بالوسائل لتحقيق الأهداف والسيطرة، و«العقلانية التواصلية» التي تهدف إلى الوصول إلى تفاهم مشترك. ويُنسب إليه ابتكار مفهوم «المجال العام»، أي تلك الفضاءات التي يلتقي فيها الأفراد كمواطنين لمناقشة القضايا العامة بحرية، معتبراً أن الديمقراطية الحقيقية تعتمد على جودة هذا النقاش وقدرة «الحجة الأفضل» على الإقناع دون استخدام القوة. كما طوّر «أخلاقيات الخطاب»، وهي القواعد التي تجعل الحوار عادلاً، مثل حق الجميع في المشاركة، وصدق المتحدثين، وخلو النقاش من الضغوط الخارجية.

مثلت علاقته بالفلاسفة المعاصرين صراعاً بين «بقاء الحداثة» و«ما بعد الحداثة». في مواجهة ميشيل فوكو، انتقد هابرماس اختزال كل شيء في «علاقات القوة»، وأصر على وجود معايير عقلانية كونية يمكن الاحتكام إليها، متهماً الفيلسوف الفرنسي الراحل بأنه يقدم تشريحاً للسلطة يفتقر إلى معيار أخلاقي للتغيير.

أما في سجاله مع جاك دريدا، فقد انتقد «التفكيك» الذي قد يؤدي إلى العدمية، مفضلاً بناء جسور التفاهم. وبالنسبة لجان فرنسوا ليوتار، رفض هابرماس فكرة «نهاية السرديات الكبرى»، معتبراً الحداثة «مشروعاً لم يكتمل» يحتاج إلى مواصلة العمل بدلاً من التخلي عنه. وفي مقارنته مع حنا أرنت، يتفق معها لناحية أهمية الفعل السياسي في الفضاء العام، ولكنه يضيف إليها شروطاً تداولية وقانونية أكثر صرامة.

يأتي غيابه في وقت يشهد فيه إرثه الفكري هزة عنيفة بسبب مواقفه السياسية الأخيرة تجاه الحرب في غزة؛ إذ كان قد أصدر بياناً بعنوان «مبادئ التضامن» في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، دافع فيه عن رد الفعل العسكري الإسرائيلي، وصوره «مبرراً من حيث المبدأ». هذا الموقف أثار موجة عارمة من النقد؛ حيث رأى كثيرون في هذا البيان «احتراقاً» لكامل مشروعه الفلسفي.

يجد النقاد -ومن بينهم أساتذة من المدرسة النقدية نفسها- أن هابرماس خان أهم مبادئه في هذا الموقف. فالفيلسوف الذي قضى حياته يبشر بـ«الكونية» الإنسانية، سقط في فخ «الخصوصية» الألمانية، بعد أن ربط التضامن مع الدولة العبرية بالهوية الديمقراطية الألمانية، وضرورة التكفير عن «الهولوكوست»، ما اعتبره بعض المفكرين نوعاً من عمى «المركزية الأوروبية» التي ترى ضحايا «الهولوكوست» وتعمى عن ضحايا الاستعمار والاحتلال.

وبينما طالب في كتبه بفتح المجال العام لكل الأصوات، يرى منتقدوه أنه ساهم في إغلاق هذا المجال في ألمانيا. فالبيان الذي أصدره حاول وضع حدود لما يجوز قوله، معتبراً أن توجيه تهمة الإبادة الجماعية لإسرائيل يمثل «انزلاقاً في المعايير»، في تناقض تام مع فكرته عن «الحوار غير المشروط»؛ إذ وضع قيوداً مسبقة على البحث عن الحقيقة؛ خصوصاً مع تحرك القانون الدولي ومحكمة العدل الدولية للنظر في هذه التهم بجدية.

تجلّت في موقفه أزمة فلسفية تتعلق بتعريف «الآخر»، واتهمه باحثون بأنه يميز بين «الآخر الأقرب» (الأوروبي أو الذي يشبهه) وبين «الآخر الأقصى» (الفلسطيني أو غير الأوروبي). إن تواصلية هابرماس التي يفترض أن تكون عالمية، بدت في لحظة غزة وكأنها حوار حصري بين الأوروبيين حول مآسيهم الخاصة، مع تجاهل تام للمعاناة الفلسطينية والظلم التاريخي الواقع عليهم.

أدى هذا الموقف إلى شعور تلاميذه في العالم العربي والجنوب العالمي بالخذلان. فإذا كان الفيلسوف الذي يُنظر إليه كحارس للقيم الديمقراطية والكرامة الإنسانية يعجز عن مد هذه القيم لتشمل شعباً يرزح تحت القصف والحصار، فإن مصداقية «الكونية الأوروبية» برمتها تصبح محل شك. ووصف البعض هذا التحول بأنه «إفلاس أخلاقي» للفلسفة الغربية؛ حيث يتم التضحية بالعقل النقدي لصالح الحسابات السياسية وسياقات «الشعور بالذنب» المحلية.

يمضي يورغن هابرماس تاركاً خلفه مفارقة كبرى؛ فبينما تظل أدواته التحليلية عن المجال العام والفعل التواصلي ضرورية لفهم أعطاب المجتمعات الرأسمالية المعاصرة، فإن تطبيقه الشخصي لهذه الأدوات في لحظة الحقيقة التاريخية كشف عن فجوة عميقة بين النظرية والممارسة. وسيبقى في ذاكرة الفكر بوصفه الفيلسوف الذي حاول بناء عالم من الحوار، ولكنه تعثر في فهم لغة الألم خارج حدود قارته، فاحترقت فلسفته في أتون غزة قبل أن يوارى الثرى.