كيف عبَّرت الرواية الإماراتية عن الهوية الثقافية للمجتمع؟

الأكاديمية مريم الهاشمي ترصد تحولاتها ومراحلها التاريخية

كيف عبَّرت الرواية الإماراتية عن الهوية الثقافية للمجتمع؟
TT

كيف عبَّرت الرواية الإماراتية عن الهوية الثقافية للمجتمع؟

كيف عبَّرت الرواية الإماراتية عن الهوية الثقافية للمجتمع؟

في كتابها «التحولات السردية في الأدب الإماراتي: الرواية الإماراتية الجديدة أنموذجاً - دراسة فنية» الصادر عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، تقدّم الكاتبة والناقدة الإماراتية الدكتورة مريم الهاشمي قراءة لبعض الروايات الإماراتية الجديدة، تكشف من خلالها عن التحولات السردية في الأدب الإماراتي.

في مقدمة الكتاب، تعرض الباحثة القضايا التي تثيرها الرواية، مثل مكان ظهورها وزمانها ومراحلها التاريخية. حيث تشير إلى أن العلاقة بين الجنس والنص هي علاقة معقدة ومتحولة، وأن الرواية نوع من الأجناس الأدبية المتشعبة والمتنوعة، لها خصوصيتها وجذورها الضاربة في الملحمة والشعر الغنائي والأدب الشفوي. كما تشير إلى أن الرواية اقترنت في بدايتها الأولى في أواخر القرن التاسع عشر بوظيفة التسلية والفكاهة، ثم تطورت للتعليم والوعظ والإرشاد، وفي بداية القرن العشرين اتخذت بشيء من التعميم أحد الاتجاهات الثلاثة: الاتجاه الرومنطيقي، والاتجاه التاريخي، والاتجاه الواقعي. وأن تعبير الرواية الجديدة حمل إشكالية اصطلاحية لدى البعض، وأن المصطلح تمت استعارته من بيئات أخرى، مثل الرواية الفرنسية الجديدة.

وترى أن الإمارات، تُعدُّ من المجتمعات سريعة التغير والأكثر انفتاحاً على الآخر، وأن ذلك أثَّر على التعبير عن الواقع والذات وعلى اللغوية الإبداعية؛ لتزدهر الرواية وتتعدد أنواعها، وتتسع أغراضها، وتتنوع مصادرها، وتتسارع في تطورها، وتمردها على القوالب واستيعابها كثيراً من عناصر الفنون وانتشارها في كل الآداب المعاصرة.

وتقول إن الرواية الإماراتية، هي نص تخييلي سردي يدور حول شخصيات متورطة في حدث، وهي كذلك تمثيل للحياة والتجربة واكتساب المعرفة.

ومن خلال قراءة بعض الروايات الإماراتية؛ عرضت المؤلفة في الفصل الأول، اتجاهات الخطاب السردي في الرواية الإماراتية الجديدة، ومنها: الاتجاه التاريخي، والواقعي، والعجائبي. أما في الفصل الثاني «تطور التقنيات الفنية السردية في الرواية الإماراتية الجديدة»، فقد عرضت لكثير من التقنيات الفنية الخاصة بكتابة الرواية الإماراتية، ومنها: تقنية السارد، والتقنية الزمانية، والتقنية المكانية، والتقنية الحوارية، وتقنية الشخصية، وتقنية اللغة.

الرواية الإماراتية

ترصد الهاشمي مسيرة الرواية الإماراتية، والتنوع الذي تتميز به، وتعبيرها عن الهوية الثقافية للمجتمع الإماراتي. حيث تعرض لرواية «ثلاثية الدال» لنادية النجار، التي تناولت فترة الستينات في الإمارات، وحادثة احتراق سفينة «دارا»، والتي عرضت من خلالها تراث المنطقة بانسيابية سردية للأحداث. ثم عرضت لرواية «رحلة غريسة» للكاتبة فاطمة حمد بوعيسى الشامسي، التي تداخل فيها التاريخ مع السيرة في توليفة تراثية ثرية، يمكن أن تكون مرجعاً للعادات القديمة والتراث، والألعاب الشعبية، واللهجة، والحياة الاجتماعية والاقتصادية؛ فهي تقف على الحياة في الإمارات قبل مائة عام، بخاصة منطقتا عجمان ورأس الخيمة. ثم عرضت لرواية «يوميات روز» للكاتبة ريم الكمالي، التي تناولت قضية تعليم المرأة وتمكينها، والتي ارتبط فيها التاريخ بالحياة الاجتماعية.

وعرضت لرواية «رياح من طشقند» لمنى التميمي، التي تسقط التاريخ على الحاضر، والاعتبار من أخطاء الماضي برؤية وعظية. ثم عرضت لرواية «في فمي لؤلؤة» للكاتبة ميسون القاسمي، التي اعتمدت على المعطيات التاريخية في خطابها السردي.

وتوضح الكاتب أنه على رغم أن الرواية والتاريخ ينتميان إلى حقلين متباعدين، فالتاريخ يستند إلى المادة الواقعية، والرواية تعتمد في بنائها المادة التخييلية، لكنهما ينتميان إلى مملكة السرد، وصارت أشكال التبادل بينهما ميسورة نسقياً. كما أن نظرة الفن إلى سياق الواقع بصفة عامة تقوم على تخييله، فنكون أمام ذاكرتين: الأولى: تاريخية تسجيلية تنتمي إلى حقل التاريخ، والأخرى: جمالية تعتمد على لعبة الخيال.

الاتجاه الواقعي

وعن الاتجاه الواقعي للرواية الإماراتية، ذكرت المؤلفة أنه في العمل الروائي يوجد تكامل بين الفن والوعي، وبين الذات والموضوع، وبين بنية شكلية فنية وبنية موضوعية اجتماعية، وأن الرواية استطاعت أن تتمثل الواقع وتعكس صورته. كما أن الذات المتلقية هذا الفن سوف تنظر إليه من خلال عين أخرى، هي عين المبدع الذي اختار أن يمنح تجربته مع هذا الواقع قدراً من البقاء عبر التواصل مع فضاءات أخرى؛ ليتحول الواقع المرئي عبر هذه العين المبدعة إلى ما يشبه المرآة، التي يمكن للقارئ أن يرى فيها ذاته الفردية، وجماعته والظرف الزمني الذي يحتويه. والرواية الواقعية هي من أكثر الأنواع الروائية التي تحتمل تداخل الأجناس الأدبية في رحمها، وتعيد إحياءها في خطابها السردي؛ كالتراث، والأسطورة، والشعر، والقصة الشعبية، والملحمة والأرجوزة.

كما عرضت لبعض الروايات الواقعية الإماراتية، مثل رواية «رحلة غريسة» للكاتبة فاطمة الشامسي، التي تعكس واقع أمة وحضارتها وواقع إنسان عاش فترة ناضل فيها من أجل لقمة العيش. ثم عرضت لرواية «كولاج» للكاتبة فتحية النمر، التي تحكي عن القضايا الاجتماعية في المجتمع الإماراتي، والتي طرأت بفعل الانفتاح الحضاري، والتغير القيمي، والاحتكاك الثقافي مع الآخر، ثم عرضت لرواية «الهائمون» للكاتبة نجيبة الرفاعي، ورواية «ريتاج» للكاتب حمد الحمادي، ورواية «سين تريد ولداً» للكاتبة لطيفة الحاج، التي تطرح قضية الزواج في مجتمع منفتح ومتطور اقتصادياً وثقافياً، ونظرة الرجل للمرأة في المجتمع الحديث.

وتضيف الكاتبة أن الرواية في طرحها قضايا مجتمعية وواقعية – تُعدُّ توثيقاً للمجتمع وقضاياه خلال زمن كتابة الرواية أو زمن الخطاب السردي؛ فالمجتمع دائم التغير والتبدل، ليأتي دور الخطاب السردي في الأعمال الروائية كالراصد المستمر لتلك التحولات كونها من أكثر الأجناس الأدبية الحاملة لهم القضايا المجتمعية والكاشفة عن أسرارها وخباياها بواسطة اللغة والتقنيات السردية.

الاتجاه العجائبي

وعرجت الباحثة على الاتجاه العجائبي في الرواية الإماراتية، لافتة إلى أنه يعتمد على ثقافة الأديب ورؤيته للآداب الأخرى، عن طريق الخروج من الواقع إلى أشياء غير مألوفة تتعدى مخيلة الإنسان. وأن هذا النوع من الخطاب السردي في دولة الإمارات قائم على السحر والتحول واستحضار الجن، والغرائبية التخييلية، والتنقل عبر فضاءات غيبية غامضة ومخيفة.

ثم قدمت قراءة لبعض الروايات الإماراتية التي تعتمد هذا الاتجاه، ومنها: رواية «ثنايئة مجبل بن شهوان»، ورواية «زينة الملكة» للكاتب علي أبوالريش، ورواية «عذراء وولي وساحر» للكاتبة سارة الجروان الكعبي، ورواية «ربيع الغابة» لجمال مطر، ورواية «ك – ص: ثلاثية الحب والماء والتراب» لعلي أبو الريش ورواية «غرفة واحدة لا تكفي» لسلطان العميمي.

التقنية الزمنية والمكانية

وعن التقنية الزمنية في الرواية، تذكر المؤلفة أن الزمن يُعدّ أحد مكونات العمل الأدبي؛ فالزمن في الأدب هو الزمن الإنساني، وهو مكونً للنص الأدبي، له ارتباطه بعناصر أخرى مهمة للعمل منها المكان؛ فالزمن حركة لا تتم إلا في مكان. وله ارتباط كذلك بشخصيات العمل الأدبي وأحداثه ولغته، بل هو صانع الأحداث ومؤثر في صيرورتها.

وعرضت المؤلفة للتقنية الزمنية في رواية «الهائمون» للكاتبة نجيبة الرفاعي، وكذلك في رواية «يوميات روز» للكاتبة ريم الكمالي، وفي رواية «رياح من طشقند» للكاتبة منى التميمي. وفي رواية «دائرة التوابل» لصالحة عبيد.

وذكرت أن الرواية الإماراتية الجديدة، اتجهت إلى تفعيل البنية الزمانية بشكل أكبر؛ ما شكَّل نقلة نوعية في توظيفها تقنيةً فنيةً واضحة الحضور في النص السردي. ولم يعد الزمن هو الزمن الآني أو الماضي؛ بل أصبح الجمع بين زمانين مختلفين في البعد الحضاري والمكاني واللغوي والقيمي. ثم عرضت لتقنية الاسترجاع أو الفلاش باك، ومدى ارتباطها بالتناص الأدبي بكل أنواعه.

وبخصوص التقنية المكانية في الرواية الإماراتية، ذكرت المؤلفة أن وظيفة المكان في العمل الروائي لا يمكن أن تكون مجرد وظيفة تزيينية أو منفصلة عن باقي عناصر الرواية، أو زائدة عليها، إنما يقدم المكان دلالات رمزية متعددة حسب رؤية مؤلف الرواية واستجابة القارئ وما يراه من تأويلات قد تختلف من متلقٍ إلى آخر بوصفه عنصراً متداخلاً ومتحداً مع باقي مكونات العمل الروائي. وعرضت المؤلفة قراءة لبعض الروايات الإماراتية التي وظفت تقنية المكان. وتحدثت عن التعددية المكانية والفضاء المكاني، ودور المكان في خيال المتلقي، ورمزية المكان، ودور المكان في الكشف عن التاريخ وتفاصيل الحياة، ودوره في تفعيل الحواس وتحريك البصر لدى المتلقي، ليصبح جزءاً من المكان.

الحوار في الرواية

ثم عرضت المؤلفة للتقنية الحوارية في الرواية الإماراتية، مشيرة إلى أن الحوارية تعمل أحياناً على تقديم صوت الشخصية مستقلة عن صانعها، وأحياناً لا يمكن الفصل بين الصوتين، وقد يتماهى الصوت الداخلي للشخصية مع الصوت الخارجي؛ وهو ما يحيلنا إلى التناص الأدبي. ثم عرضت لأنواع التقنية الحوارية وطرق توظيفها بما يخدم رؤية الكاتب الإبداعية في بعض الروايات الإماراتية ومنها: رواية «كمائن العتمة» للكاتبة فاطمة المزروعي، التي استطاعت أن تدخل القارئ في أعماق الشخصيات، من خلال تقنية الحوارية؛ ما يسهم في الحفاظ على الإثارة في العمل الحكائي فيما يتعلق بتطور الشخصيات ودورها في المشاهد اللاحقة. كما عرضت لرواية «ليلة مجنونة» لمحمد بن جرش، وكيف أتت الحوارية في روايته ملائمة لمستوى وعي الشخصيات وطبيعة أدوارها، كما كشف عن الفوضى الداخلية التي تعتري كوامنها الشخصية. أيضاً الخلفية المجتمعية التي ينتمي إليها العمل الأدبي، كما في رواية «رحلة غريسة» لفاطمة الشامسي.


مقالات ذات صلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

ثقافة وفنون روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت

دوايت غارنر
ثقافة وفنون «تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
ثقافة وفنون  عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات،

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون «سر الأسرار» لدان براون بالعربية

«سر الأسرار» لدان براون بالعربية

خلال رحلته برفقة العالمة المرموقة كاثرين سولومون التي دُعيت لإلقاء محاضرة في العاصمة التشيكية براغ، يجد العالم روبرت لانغدون نفسه في دوامة تخرج عن السيطرة

«الشرق الأوسط» (القاهرة: )
ثقافة وفنون الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية

الدولة الحية والدولة التاريخية ليستا توصيفين زمنيّين بقدر ما هما طريقتان في العيش داخل الزمان. ليست المسألة أن تكون الدولة قديمة أو حديثة، بل كيف تفهم نفسها،

خالد الغنامي

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!