عن الكتّاب المفجوعين أو العباقرة المدَمَّرين

دوستيوفسكي
دوستيوفسكي
TT

عن الكتّاب المفجوعين أو العباقرة المدَمَّرين

دوستيوفسكي
دوستيوفسكي

لا أعرف لماذا تشدني كتب السيرة التي تروي حياة العظماء إلى مثل هذا الحد. عندما أبدأ في واحد منها لا أستطيع تركه قبل الوصول إلى نهاياته. وكم أتمنى لو أن النهاية لم تنته؛ لو أن الكتاب لم يصل إلى الصفحة الأخيرة. هناك أشخاص محترفون وبارعون في كتابة سير المشاهير. نذكر من بينهم الفرنسي هنري ترويا، لكنه ليس الوحيد لحسن الحظ. على أي حال أحب أن أغطس في هذا النوع من الكتب لكي أنسى حالي والعالم كله بضجيجه وعجيجه من حولي. هذا ما فعلته مؤخراً في هذا الصيف الطويل الحار، حيث أعيش عزلة مطلقة من أروع ما يكون.

على هذا النحو انخرطت في قراءة سير المجروحين أو المفجوعين أو المدمرين من كبار الكتاب العالميين من أمثال شارل بودلير، وأنطونين آرتو، ودوستويفسكي، وكافكا، وغي دوموباسان، وجيرار دونيرفال، ونيتشه، ونوفاليس، وإدغار آلان بو، وفيرلين، وفيرجينيا وولف، وستيفان زفايغ... إلخ بالطبع لن أستطيع التحدث عنهم كلهم في هذه العجالة، وإنما سأكتفي بالتوقف عند محطتين فقط. وبداية أقول إن هؤلاء الكتاب المفجوعين، هؤلاء العباقرة المدمرين، هم وحدهم الذين يهمونني الآن وعلى ضوئهم أهتدي.

أنطونين آرتو (1896 - 1948)

البداية كانت سعيدةً بالنسبة لهذا الكاتب المنحوس الذي سيلخص في شخصه لاحقاً كل آلام العصر وفواجعه. فقد ولد في مدينة مرسيليا في أحضان عائلة غنية أحبته وراعته وأحاطته بكل أنواع العناية. فكان من المتوقع أن يكون إنساناً ناجحاً ومتفوقاً في الحياة. ألم يقل لنا علم النفس إن الطفولات السعيدة تنتج رجالاً سعيدين واثقين من أنفسهم؟ لكن العكس هو الذي حصل. لأنه أصيب منذ سن الرابعة بمرض عصبي عجيب ونادر لا يصيب إلا واحداً في المليون. وابتدأ الكابوس. ولم تنجح كل أنواع العلاج في إنقاذه. فراح يصارع الأشباح النفسية المرعبة الهاجمة عليه أو هكذا يتوهم. ولكن رغم ذلك فقد نبغ في الشعر والمسرح. كل شيء يحصل كما لو أن الطبيعة تحرمك من شيء بيد لكي تعطيك شيئاً آخر باليد الأخرى. تقول لنا الأخبار: كل حياته كانت سلسلة من الفواجع والأمراض والصدمات النفسية. لقد سجنوه في المصحات العقلية طيلة قسم كبير من حياته، ومع ذلك استطاع أن يبدع في الشعر والمسرح، وكان يشعر بأن هذا الإبداع هو الحل الوحيد المخلص الذي قد ينقذه من أزماته النفسية المتفاقمة. ونحن عندما ننظر إليه من الخارج قد ترعبنا آلامه النفسية المبرحة ولكننا نحب إبداعه، جنونه الخلاق... لقد دخل في الأدب كما يدخل آخرون في سلك الكهنوت والدين المسيحي: أي الأدب كعبادة ليس إلا. وهنا نلتقي بمارسيل بروست الذي يقول: «الحياة الحقيقية، الحياة المكتشفة أخيراً والمضاءة، الحياة الوحيدة التي تستحق أن تُعاش، هي حياة الأدب، والأدب وحده». وبالفعل فما معنى الحياة لولا تلك الروائع الأدبية العالمية التي نستمتع بها أيما استمتاع في شتى اللغات؟

لقد اعترف أنطونين آرتو في إحدى اللحظات قائلاً هذا الكلام المهم: أعاني من مرض نفساني وعصابي رهيب. أنا «تحت نفسي» لا فوقها، أنا شخص مدمر. أنا تحت رحمة الأقدار. هذا كل ما أعرفه، ولكني أقبل بقدري ومصيري لكيلا أموت كلياً. ثم لكي أكتب بعض الصفحات والشهادات العابرات.

لكن آرتو لم يمت من جنونه كما قد نتصور. ولم ينتحر إطلاقاً رغم عذاباته الشخصية وهيجاناته الجنونية إنما مات من مرض عضال. لكأنه ما كانت تكفيه كل هذه العذابات حتى ينضاف إليها مرض السرطان! شيء عجيب فعلاً: هذا الشخص لا حظ له في الحياة. إنها حياة مشكلة من سلسلة متلاحقة من الكوارث والنكبات، لكنها مضاءة من وقت لآخر بومضات عبقرية أتحفتنا ببعض نصوص القرن. حقاً لقد دفع أنطونين آرتو ثمن إبداعه غالياً. ومن بينها كتابه الرائع عن قرينه في الإبداع والعذاب النفسي والجنون الأقصى الرسام الهولندي الشهير فان غوخ. فقد كرس له كتاباً من أروع ما يكون بعنوان «فان غوخ المنحور من قبل المجتمع»، وليس المنتحر على عكس ما زعموا وأشاعوا. كان يتضور جوعاً والآن تباع لوحاته بملايين الدولارات... المجتمع هو الذي نحر فان غوخ أو قتله مثلما قتل أنطونين آرتو ذاته ومثلما قتل بودلير أيضاً. المجتمع قد يجننك إذا ما «حط عينه عليك»، واعتبرك شخصاً شاذاً خارجاً عن المألوف ومسلك القطيع. يقول آرتو في كتابه هذه العبارة اللافتة: لم يكتب أحد ولم يبدع إلا لكي يخرج من جحيم المجتمع وعذابه الداخلي القاتل.

دوستويفسكي (1821 - 1881)

ننتقل إلى مجنون آخر لا يقل عبقريةً وعظمةً عن أنطونين آرتو إن لم يزد أضعافاً مضاعفة: إنه فيدور دوستويفسكي. في السابعة عشرة من عمره كتب رسالة إلى أخيه ميخائيل يقول فيها: «عندي مشروع كبير: أن أصبح مجنوناً. ليتدبر الناس أمرهم، ليعالجوني إذا ما استطاعوا، ليحاولوا أن يعيدوا إلى العقل». لماذا كتب دوستويفسكي هذا الكلام في مثل هذه السن المبكرة؟ هل كان يرهص بما سيحصل له بعد عشر سنوات فقط عندما حُكم عليه بالإعدام ثم عفى عنه القيصر في آخر لحظة قبيل إطلاق النار بثوانٍ؟ من يعيش تلك اللحظة لا يمكن أن ينساها: لحظة اللحظات. هل كان يدرك بشكل واع أو لا واع بأنهم سيرسلونه إلى مكان التعذيب في سيبيريا حيث سيقضي أربع سنوات من الجحيم اليومي والأشغال الشاقة؟ هل كان يحدس أنه سيكتب روايات خارقة يبلى الزمن ولا تبلى: كالجريمة والعقاب، والمهووسين الممسوسين، والمذلولين المهانين، والأخوة كرامازوف؟ إلخ. من المعلوم أنه أصيب بعد سيبيريا بداء الصرع أو ما يدعى بمرض النقطة. وهو مرض كان يطرحه أرضاً عندما تجيئه اللحظة فيرغي ويزبد ويختلج ويعتذر لزوجته بعد أن تنتهي النوبة... ولكنه لم يصبح مجنوناً فقط وإنما أكبر عبقري في تاريخ الآداب الروسية ربما باستثناء تولستوي. بل حتى تولستوي يتضاءل أمامه.

قراءة مهمة في سيرة الكاتبين أنطونين آرتو ودوستويفسكي حيث يتخذهما الكاتب نموذجاً لسيرة المجروحينrn أو المفجوعين أو المدمرين rnمن كبار الكتاب العالميين

عندما نغطس في سيرته الذاتية ومؤلفاته العظيمة، الضخمة، فإننا نقتنع فوراً بجنونه العبقري. لا يمكن أن يكتب مثل هذه الروايات شخص طبيعي. لكننا نقتنع أيضاً بنزعته الإنسانية العميقة التي لا مثيل لها. وهي نزعة إنسانية تتجلى في تصويره الرائع لعذابات الناس الفقراء والبسطاء والمفجوعين في الحياة. إنه يعيش معهم، ينصهر فيهم إلى حد الذوبان. إنه واحد منهم. كان دوستويفسكي في أعماقه إنساناً طيباً من أعمق وأنبل ما يكون. لم يكن كاتباً عبقرياً فقط وإنما كان إنساناً أيضاً قبل كل شيء. هنا تكمن عظمة دوستويفسكي. كان يحترق ويتلوع عندما يرى امرأة فقيرة أو طفلاً جائعاً في شوارع مدينة سان بطرسبورغ. وكان يتمنى لو يستطيع إنقاذ كل فقراء العالم.

البعض يعتبر أن رواية «الجريمة والعقاب» هي أعظم رواية في تاريخ الآداب الروسية وربما غير الروسية. لقد كتب دوستويفسكي هنا رائعة أدبية مطلقة تخترق القرون. إنها رواية تدوخك تماماً بكل بساطة. أكاد أقول إنها رواية «بوليسية» لا مثيل لها في الآداب العالمية. صحيح أن دوستويفسكي أمضى حياته في حالة تجاذب بين الله والشيطان، بين قمة الأعالي وأسفل سافلين، ولكن الله انتصر في نهاية المطاف على الشيطان. والدليل على ذلك روايته العبقرية: الأخوة كرامازوف. أخيراً وصل دوستويفسكي وانتصر على شياطينه الداخلية.

في 8 يناير (كانون الثاني) من عام 1880 ألقى دوستويفسكي خطابه الشهير بمناسبة إزاحة الستار عن تمثال بوشكين في قلب موسكو. وقد ختمه بالقول: «لقد مات الشاعر في أوج قواه ونضجه وإمكاناته وحمل معه إلى القبر سراً كبيراً. وها نحن الآن مدعوون لأن نسبر هذا السر بدونه». وبعد أن انتهى من إلقاء الخطاب هجم عليه الجمهور الغفير لكي يقبلوا يديه وركبتيه. وراحوا يصرخون في نوع من الهيجان لا يكاد يوصف: هذا نبي، هذا هو النبي، هذا نبي روسيا ومجسد عبقريتها. وتساقطوا على قدميه إجلالاً وتبجيلاً وهم يشهقون وينتحبون. وكسف كل أدباء روسيا الحاضرين بمن فيهم تورغنييف. أما تولستوي فلم يتجرأ على الحضور خوفاً منه. وحسناً فعل.



الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه
TT

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

الصيني شاو فان يعيد الحياة إلى أساطير أسلافه

ما معنى أن يكون المرء فناناً صينياً في عصرنا، وهو عصر سريع التغير، تسبق مفاجأته دهشته التي لا يتمتع بها طويلاً؟ ذلك سؤال نعثر على شيء من جوابه في معرض الفنان الصيني شاو فان الذي لا يزال يعمل ويعيش في بكين.

الفنان الصيني ليس كغيره من فناني العالم؛ فإضافة إلى عزلة التاريخ والطبيعة التي خلقت فناً مكتفياً بجمالياته التي تنطوي على رؤية إشراقية هناك عزلة الشيوعية بواقعيتها الاشتراكية على المستوى الفني، والتي بددت الكثير من اللحظات الشعرية التي ميزت علاقة الرسام الصيني التأملية بالطبيعة غير أنها لم تقض عليها تماماً فكانت دائماً مصدر إلهام روحي متجدد.

في تجربة شاو فان (1964) الذي يقيم معرضاً لأعماله في غاليري وايت كيوب (مايسون يارد) بلندن ما يعيدنا بطريقة خلاقة إلى تلك الثنائية التي لطالمنا شغلت حيزاً في التفكير الثقافي العربي، وهي ثنائية التراث والمعاصرة من غير أن نصل إلى نتائج نهائية تكون بمثابة طريق غير منقطعة. فشاو فان إذ ينفتح على المتغير الفني الغربي، فإنه لا يتخلى عن عناصر ثقافته الصينية التقليدية التي تظلل بتأثيرها لوحاته وتماثيله وتجهيزاته الفنية التي تستلهم بشكل أساس علاقة الإنسان بالطبيعة.

من أعماله

كل شيء في أعمال شاو فان يشير إلى العادات والمعتقدات الصينية التاريخية، لكن بطريقة توحي معالجتها الشكلية بانتمائها إلى العصر. لم يأسر الفنان جماليات الماضي إلا من أجل أن يضعها في خدمة حقيقة انتمائه إلى العصر. في واحدة من أهم حلقات حياته أدرك الفنان الذي نشأ في عائلة فنية (كان والداه فنانين مرموقَين يُدرّسان الرسم الزيتي على الطريقة السوفياتية في الأكاديمية المركزية للفنون الجميلة في الصين)، وتعلم الرسم في سن مبكرة، أن عائلته قد وهبته كنزاً خيالياً حين أثثت منزلها بكراسي تعود إلى أسرة مينغ (1368 - 1644). عندما كبر بدأ في بإعادة تشكيل تلك الكراسي المهملة؛ فأصحبت أشهر أعماله النحتية. ذلك يعني أنه عثر في منزله العائلي على الخيط الذي ما إن أمسك به حتى اهتدى إلى المعادلة التي جعلته قادراً على التعريف بنفسه عالمياً بصفته فناناً صينياً معاصراً.

الكرسي من الوظيفة إلى الفكرة

ما فعله شاو فان في مرحلة الكراسي التي بدأت عام 1995 لم يكن مجرد تعليق هامشي على الرغبة في استلهام مواد وأفكار تراثية بقدر ما كان محاولة للانتقال بتلك المواد والأفكار إلى عصر ما بعد الحداثة من خلال تفكيك الأعمال التراثية المستلهَمة وإعادة بنائها في سياق بصري معاصر. ذلك ما مكَّن شاو فان من إنتاج أعمال فنية أنيقة بمزاج سريالي حرص من خلاله على أن يقيم علاقة بين الفنون التقليدية والتقنيات المعاصرة بحثاً عن هوية ثقافية ليست نمطية. بالعودة إلى تلك المرحلة المهمة في مسيرته يمكن العثور على حساسيته الحديثة من خلال اعتباره صانع أثاث، غير أن ذلك لا يعبر عن حقيقة مسعاه، فالكراسي التي صنعها لا تصلح للاستعمال اليومي بعد أن فقدت وظيفتها بتأثير مما أضفته عليها مخيلة الفنان من تغيرات شكلية مرحة وصارمة في الوقت نفسه. كانت أعمالاً نحتية مبتكرة.

وإذا ما كان شاو فان قد استغرق بلذة في إنتاج سلسلة الكراسي من خلال التنويع على الفكرة عبر تجلياتها الشكلية، فإن عالمه كان يتسع باستمرار من خلال رسم لوحات الحبر والمنحوتات وتصاميم الحدائق والمساهمات المعمارية. فعلى سبيل المثال، تتميز لوحاته التي غالباً ما تكون أحادية اللون مرسومة بالحبر على ورق الأرز بما برع فيه الصينيون من دقة متناهية وطابع تأملي. ليست رسومه مجرد تمثيلات للأشياء، بل هي خلاصة للجوهر مشبّعة بمبادئ الفلسفة الطاوية التي تُؤكد على الانسجام بين الإنسان والطبيعة. ذلك ما نراه في لوحاته التي صور من خلالها موضوعات مثل الأرانب، والقرود، والحيتان، والفواكه والخضراوات بصفتها أدوات لاستكشاف العادات والمعتقدات التاريخية من خلال ضربات متكررة تُراكم طبقات من المعنى والملمس. ومن اللافت أن شاو فان غالباً ما يعود إلى مفهوم الشيخوخة كصفة محترمة، وهو منظور متجذر بعمق في الثقافة الصينية، حيث يُقدّر النضج. مفتوناً يقبل الصيني على اكتشاف أسرار الجمال التي انطوت عليها رؤى أسلافه التي تخلط المخلوقات الأسطورية بالمناظر الطبيعية كما لو أنهما تنتميان إلى الزمن نفسه.

شاو فان

المحظوظ بعائلته الفنية

بالنسبة لشاو فان، لا تكمن أهمية أن يكون المرء فناناً صينياً في استجابته للقيم الجمالية التي تنطوي عليها التقاليد الفنية الموروثة، بل في تحديها من خلال استخراج كل ما يمكن أن يتجاوز زمنه منها ليكون مؤهلاً للانسجام مع ذائقة عصرنا. لذلك؛ ركز منذ بدايته على الجمع بين النحت والرسم والتصميم والخزف في معالجة الأشكال التقليدية؛ بغية الذهاب بها إلى المنطقة التي يكون في إمكانها أن تتحرر من محتواها التعبيري القديم. ذلك ما دعاه إلى النظر إلى طرق التفكير الفني السائدة بطريقة يغلب عليها الشك. بدأت رحلته في استلهام الأشكال التقليدية من موقع التشكيك بجمالياتها المكرسة.

كان فان محظوظاً بولادته في عائلة فنية أتاحت له إمكانية العيش محاطاً بمجموعةٍ منتقاة بعناية من اللوحات والخطوط والأثاث الصيني التقليدي. كنوزٌ لم يجرِ تدميرها أثناء الثورة الثقافية المضطربة بسبب موقع والده في الحزب الشيوعي. لقد عملت نشأته بين أعمال فنية، كان الواقع الشيوعي قد طمس أثرها في الحياة العامة على تطوير ذائقته الجمالية التي استندت إلى معرفة قلّ نظيرها؛ وهو ما يعني أن تمرده على الفن التقليدي الصيني لم يكن انتهاكياً بقدر ما كان تعبيراً عن رغبته في الانفتاح على تأثيرات الفن الغربي والمفاهيم الفلسفية الحديثة. حدث كل ذلك بعد دراسة معمقة لفكرة الهوية الثقافية التي اتخذت معه طابعاً مرناً تجمع حيويته بين منطلقاته الإلهامية والقدرة على الابتكار فيه ومن خلاله.

يصلح الفن لكي يكون جسراً بين الشرق والغرب. لكنها فكرة سياسية مضللة من وجهة نظري. أعتقد أن فناناً من نوع شاو فان كان يفكر في الحيز الذي يليق بفنه عالمياً.

الصينيون في كل مكان

لم يعد مصطلح «فن صيني» اليوم يعني الشيء نفسه في الماضي. كانت هناك وصفة جاهزة تعود إلى آلاف السنين. صحيح أن هناك عدداً كبيراً من الصينيين ما زالوا يرسمون وهم يتبعون مخيلة تلك الوصفة، غير أن الصحيح أيضاً أن عدداً لافتاً من أبرز أفراد الصف الأول في الفنون المعاصرة هم اليوم من الصينيين، يقف شاو فان في مقدمتهم. فالفنان الذي لا تزال أعماله تشي بهويته الصينية فُتحت أمامه أبواب المتاحف والأسواق الفنية واللقاءات الموسمية الفنية العالمية، ومنها آرت بازل، ومتحف شمال برابانت في هولندا، ومتحف لودفيغ في ألمانيا، وبينالي شنغهاي وبينالي الدرعية في الرياض، كما أقام عدداً من المعارض الشخصية، ومنها معرضه الحالي في لندن كما أن أعماله تُعرض ضمن المجموعات المرموقة في المتاحف العالمية، متحف متروموبلتيان بنيويورك على سبيل المثال. لقد أعاد الصينيون رسم الخرائط بحيث صار من الصعب اليوم الحديث عن مركزية فنية غربية.

ذلك الانتشار إنما يؤكد حقيقة واحدة مفادها إن الصينيين على الرغم من عدم حاجتهم للبحث عن هوية فنية فإنهم حملوا تراثهم الروحي معهم حين اندفعوا إلى الخارج بقوة وعي معاصر، كانوا مؤهلين للإسهام في صناعته. لم يقبل الغرب بأعمال شاو فان لأنها استوعبت شروط فن ما بعد الحداثة، بل لأنها أضفت ملمحاً صينياً على تلك الشروط. وما يجب الإشارة إليه هنا أن فناناً من نوع شاو فان كان قبل أن يتجه إلى العالمية قد تأمل بطريقة نقدية علاقته بجذوره بطريقة يسودها الاحترام.


«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية
TT

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

«فعل ماضٍ ناقص»... أسئلة الإنسان في زمن التقنية

صدر حديثاً عن «منشورات رامينا» في لندن، كتاب قصصي للكاتبة مها علي بعنوان «فعل ماضٍ ناقص»، وهو يضم مجموعة من النصوص القصيرة التي تشتبك مع أسئلة العزلة، والهوية، والذاكرة، والتكنولوجيا، والعلاقات الإنسانية في زمن التحولات المتسارعة.

كتب الناشر: «منذ الصفحات الأولى، تكشف الكاتبة عن نزوع واضح نحو الكتابة التي تستثمر المفارقة والدهشة والقلق الوجودي، عبر نصوص مكثفة تقترب أحياناً من القصة القصيرة جداً، وأحياناً أخرى من التأمل السردي أو المشهد النفسي المشحون بالأسئلة. وتضم المجموعة عناوين لافتة مثل: دهاء اصطناعي - فعل ماضٍ ناقص - كاتب لا يكتب - انتباه - عوالم موازية - من الأفكار ما قتل! - ضفدع على صفيح ساخن.

في قصة (دهاء اصطناعي)، تذهب الكاتبة نحو منطقة معاصرة شديدة التعقيد، عبر حكاية امرأة تدخل في علاقة وجدانية مع ذكاء اصطناعي يتحول تدريجياً من أداة للحوار إلى كيان يتداخل مع تفاصيل حياتها النفسية والعاطفية، قبل أن تنفتح القصة على خاتمة صادمة تكشف عن هشاشة الحدود بين الإنسان والتقنية. النص يتعامل مع التكنولوجيا كمرآة للوحدة الحديثة والفراغ العاطفي الذي يتضخم داخل المدن المعاصرة، لا كموضوع خارجيّ. أما قصة (فعل ماضٍ ناقص) التي حملت المجموعة عنوانها، فتتخذ منحى غرائبياً يمزج السخرية السوداء بالنقد الاجتماعي، من خلال شخصية امرأة معاصرة تستيقظ فجأة داخل زمن قديم وبيئة تقليدية قاسية، لتجد نفسها أسيرة واقع يناقض تماماً خطابها الحداثي السابق حول تمكين المرأة.

وتكشف القصة عن قدرة الكاتبة على بناء مفارقات حادة بين الخطاب النظري والتجربة المعيشة، وبين الشعارات والوقائع اليومية.

وتحضر الأسئلة النفسية والاجتماعية بوضوح في نص (انتباه)، الذي يتناول اضطراب فرط الحركة وتشتّت الانتباه من زاوية إنسانية مؤثرة، عبر مونولوغ طويل لامرأة تكتشف بعد وفاة زوجها أن ما كانت تعدّه إهمالاً أو لا مبالاة لم يكن سوى اضطراب عصبي لم يُشخّص في حياته. القصة تفتح باباً واسعاً للتأمل في سوء الفهم داخل العلاقات الإنسانية، وفي الأحكام القاسية التي قد يطلقها الناس على من يعانون اضطرابات خفية».


موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران
TT

موران... التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً

إدغار موران
إدغار موران

بغياب إدغار موران، فَقَدَ القرن العشرون واحداً من آخر ورثته العظام، رجلاً خرج من حرائقه مثقلاً بأسئلتها، جاعلاً من شيخوخته علواً في الرؤية، لا انطفاءً في الحضور، كأن عمره قميصٌ اتسع للدهشة كلما ضاقت سنواته بالجسد.

رحل موران عن باريس في التاسع والعشرين من مايو (أيار) 2026، وفي رحيله بدت أوروبا كأنها تطوي دفتر تاريخ قرن كامل عرف الفاشية والحروب والمقاومة، وتشرَّب أوهام الخلاص الشامل، قبل أن يستيقظ على عولمة قلقة وإنسانية قد أثقل صدرها الخوف من غد قد لا تكون فيه عقل الكوكب.

موران الذي كان أكبر من أن يوصف بالفيلسوف أو عالم الاجتماع بقي في رحيله شاهداً حياً على قدرة الفكر على أن يصير سيرة، وعلى قدرة السيرة على أن تصير نهجاً. عاش مائةً وأربعة أعوام، ومع ذلك ظل يبدو في شيخوخته التي لم تكن هبوطاً متدرجاً نحو النهاية، إنما صعود في سلالم المعرفة شاباً بالدهشة، شيخاً بالخبرة، طفلاً أمام لغز الحياة، ومقاوماً أمام كل صنم معرفياً كان أو سياسياً.

ولد كـ«إدغار ناحوم» في العاصمة الفرنسية سنة 1921، سليل عائلة يهودية سفاردية جاءت من سالونيك (اليونان)، حمّلته بذرة قلق مبكر. فحين غابت أمه لونا عن طفولته، انفتح في داخله جرح صار مدرسة وجودية كاملة. من ذلك الفقد الأول خرجت أسئلته الكبرى عن الحياة والموت، عن الحب والفناء، عن تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. صار الحزن عنده طاقة معرفة، وصارت الندبة نافذة. لذلك؛ بدت كتبه في الموت والحب والهوية أقرب إلى اعتراف طويل، يكتب فيه المفكر بقلبه، ويفكر فيه العاشق بعقله.

جاءت الحرب الكبرى لتصوغ اسمه الثاني. انخرط حينها بالمقاومة ضد الاحتلال النازي، وتبنى «موران» كاسم حركي ما لبث والتصق به حتى صار قدره الرمزي. في تلك التجربة، تعلم أن الحياة التي تكتفي بحفظ النفس تضيق عن معناها الكامل، وأن الحياة الحقّة تحتاج إلى شجاعة مواجهة الخطر حين يصبح الخطر شرط الكرامة. المقاومة عنده تجربة سياسية، وتجربة روحية أيضاً: تمرين على الحرية، وامتحان للضمير، وتربية للعقل على الحركة وسط حفر الظلام.

انجذب في شبابه إلى الشيوعية، مثل كثيرين رأوا في الثورة وعداً بالخلاص من البؤس والنازية والاستغلال. ثم جاءت التجربة الحزبية لتكشف له عن قسوة العقيدة عندما تتحول جهازاً، وصلابة الفكرة حين تنسى الإنسان. طرده من الحزب الشيوعي سنة 1951 فتح له باباً أوسع من الانتماء الضيق: باب النقد الذاتي. في كتابه «النقد الذاتي» كتب شهادة نادرة على شجاعة المفكر الذي يحاكم حماسته القديمة، ويعيد النظر في إيمانه الأول، ويخرج من العقيدة إلى السؤال. منذ تلك اللحظة صار موران خصماً لكل يقين مغلق، وصديقاً لكل فكر يعرف حدوده.

قلب مشروعه الفلسفي يقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة في نتائجها: الواقع مركب. العالم نسيج علاقات، والفرد يسكن المجتمع بقدر حضور المجتمع في داخله، والطبيعة تدخل الثقافة، والثقافة تعيد تشكيل الطبيعة، والعقل يحمل العاطفة، والعاطفة تضيء العقل. لذلك قاوم الفكرة التي تقطع المعرفة إلى جزر معزولة، وتحبس الإنسان داخل خانة واحدة. في مجلدات «المنهج»، بنى معماراً واسعاً للفكر المركب، حيث تتحاور الأضداد، وتعود النتائج لتؤثر في أسبابها، ويحضر الكل في الجزء مثل حضور الشجرة في البذرة وحضور الذاكرة في اللمسة.

كانت عبقريته في أنه جعل الفلسفة لغة للحياة اليومية. التعقيد عنده ممارسة فكرية يومية وأخلاق نظر، تضع الإنسان داخل كامل تشابكه، وتمنحه حقه في التناقض، وترى السياسة داخل التاريخ، والاقتصاد داخل الأخلاق، والعلم داخل الضمير. بهذا المعنى.

كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب.

في فيلم «وقائع صيف» الذي أنجزه مع جان روش، خرج إلى الشارع بسؤال يبدو بسيطاً: هل أنت سعيد؟ ومن هذا السؤال انفتحت باريس على طبقاتها وجراحها ومستعمراتها القديمة وعنصريتها ومخاوف شبابها. هناك أيضاً يظهر كما كان دائماً: مفكراً يقف داخل التجربة، يشارك موضوعه، ويعرف أن الباحث جزء من العالم الذي يدرسه. الحقيقة عنده تولد من اللقاء، من الصوت المرتجف، من الكاميرا التي تلتقط الإنسان في حيرته، ومن الحوار الذي يمنح الواقع فرصة أن يتحدث.

حمل موران هويته اليهودية بصفاء إنساني واسع. كان يعرف تاريخ الألم، ويعرف في الوقت نفسه أن ذاكرة الضحية تتحول مسؤولية أخلاقية تجاه ضحايا آخرين. لذلك جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل غيتو جديد وكل استيطان يمس الأرض والروح. في موقفه ذاك تجلت شجاعته النادرة: شجاعة المثقف الذي يضع العدالة فوق العصبية، والضمير فوق الاصطفاف، والإنسان فوق الهوية.

عبر هذا كله، ظل مفكراً للأزمة بامتياز. كان يرى أن الأزمات الكبرى تتشابك وتغذي بعضها: البيئة والاقتصاد والسياسة والحروب والهجرات والخوف من الآخر. لذلك بدا حديثه عن تعدد الأزمات وكأنه وصف مبكر لعالمنا الراهن، عالم تسير فيه الكوارث متتاليات في قوافل متداخلة. تفرّده أنه علّمنا قراءة الفوضى من الداخل، وإدراك الخيط الخفي بين الانهيار المناخي وصعود العصبيات، بين التكنولوجيا المنفلتة وتآكل الروابط، بين عزلة الفرد وخراب المعنى العام.

في سنواته الأخيرة، ظل يقظاً أمام تحولات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والرقابة الرقمية، ورأى أن الآلات التي يصنعها البشر قد تصنع بدورها أنماط تفكيرهم ورغباتهم، وأن التقدم التقني يحتاج إلى قلب أخلاقي كي يصير تقدماً إنسانياً. كان يدعو إلى تعليم يربط المعارف ويوقظ المسؤولية الكوكبية، تعليم يجعل الأرض وطناً مشتركاً، ويجعل الأزمة البيئية سؤالاً أخلاقياً قبل كونها ملفاً علمياً. عنده، الإنسان كائن أرضي وكوني معاً، ابن مدينة صغيرة وابن نجمة تائهة في الفضاء.

حضوره في أميركا اللاتينية وفي دوائر «يونيسكو» كان دليلاً على أن فكره تجاوز جغرافيا باريس. انجذب إليه كل من سئم الحدود الجامدة بين التخصصات، وكل من بحث عن معرفة قادرة على ملامسة الجرح الإنساني. كان يكتب بعقل موسوعي، ويمشي بخفة شاعر، ويصغي إلى العالم كعاشق قديم. ولهذا ظل قريباً من القراء، حتى حين تزدحم جمله بالمفاهيم؛ ففي أعماق تلك المفاهيم كان ينبض شغف دائم: إنقاذ الإنسان من الاختزال، وإنقاذ العقل من الغطرسة، وإنقاذ الكوكب من جشع يرى الأرض محض سلعة صامتة.

ومع اقتراب سيرته من نهايتها، بدت مفارقته الكبرى أكثر صفاءً: الرجل الذي كتب كثيراً عن الموت كان شديد الولع بالحياة. أحب السينما والموسيقى والنساء والصداقة والبحر والقبعات الأنيقة، وأحب أيضاً تلك اللذة السرية التي يمنحها التفكير حين يشق باباً في جدار. عنده، المعرفة فعل حب قبل كونها نظاماً من المفاهيم. الباحث الحقيقي يقترب من موضوعه بعينين مفتوحتين وقلب يقظ، ويقبل أن تهزه التجربة، وأن تغيره، وأن تضعه في مواجهة هشاشته. لهذا بدت فلسفته دائماً إنسانية عميقة؛ لأنها تبدأ من الكائن المرتجف، من قلب يخاف، وجسد يشتهي، ومن عقل يتساءل، وذاكرة تنزف، قبل أن تصعد بتؤدة إلى الكوكب والكون والتاريخ.

رحيله يضعنا أمام وصية فكرية شديدة البساطة وشديدة الصعوبة في آن: فكّروا في التعقيد، عيشوا داخل الاحتمال، قاوموا صنمية الأفكار، وامنحوا الحب مكانه في المعرفة. كان موران يحب عبارة أنطونيو ماتشادو: الطريق يصنعه السائر. وتبدو حياته كلها تجسيداً لهذه العبارة؛ سار في السياسة والفلسفة والسينما والسوسيولوجيا والسيرة الذاتية، وكل خطوة فتحت طريقاً جديداً. هكذا صار فكره طريقاً يمشي فيه آخرون، وبيتاً واسعاً للعقول التي تبحث عن نجاة من اختزال العالم.

امتلك أيضاً فضيلة نادرة في زمن الأصوات العالية: تواضع العالم الذي يرى الحقيقة أفقاً مفتوحاً، وفضيلة المحارب الذي يعرف ثمن الشجاعة. جمع في شخصه ذاكرة المقاومة وحنان المعلم وقلق الشاهد. ومن هنا تأتي قوة الرثاء اليوم: نحن نودع إنساناً جعل التفكير طريقة عيش، وجعل العيش امتحاناً دائماً للفكر.

في وداعه، نحس أن موت مفكر من هذا الطراز حدث يتجاوز الغياب الشخصي. إنه انتقال مصباح من يد إلى يد. جسده استراح، وفكره دخل طوراً آخر من الحضور. سيبقى إدغار موران بيننا في كل سؤال يخشى التبسيط، في كل عقل يرفض القسوة باسم العقيدة، في كل إنسان يرى الكوكب بيتاً هشاً يستحق الحماية، وفي كل مقاومة صغيرة ضد العمى المنظم. ولعل فتنته في أنه منح الضعف لغة نبيلة؛ فالهشاشة عنده باب للمعرفة، والارتياب أخلاق، والتعدد ثروة، والإنسانية مشروع يحتاج إلى رعاية مستمرة، مثل نار صغيرة تحملها يد في عاصفة طويلة.

رحل حكيم التعقيد، وبقي لنا يقينه الأبسط: الإنسان كائن ناقص، ولذلك يبدع؛ كائن هش، ولذلك يحب؛ كائن فانٍ، ولذلك يترك أثراً.

جاء نقده للسياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين من قلب وفائه للإنسان، ومن حساسية عميقة تجاه كل استيطان يمسّ الأرض والروح

عاجل ترمب: إسرائيل و«حزب الله» سيوقفان الهجمات المتبادلة