عن الكتّاب المفجوعين أو العباقرة المدَمَّرين

دوستيوفسكي
دوستيوفسكي
TT

عن الكتّاب المفجوعين أو العباقرة المدَمَّرين

دوستيوفسكي
دوستيوفسكي

لا أعرف لماذا تشدني كتب السيرة التي تروي حياة العظماء إلى مثل هذا الحد. عندما أبدأ في واحد منها لا أستطيع تركه قبل الوصول إلى نهاياته. وكم أتمنى لو أن النهاية لم تنته؛ لو أن الكتاب لم يصل إلى الصفحة الأخيرة. هناك أشخاص محترفون وبارعون في كتابة سير المشاهير. نذكر من بينهم الفرنسي هنري ترويا، لكنه ليس الوحيد لحسن الحظ. على أي حال أحب أن أغطس في هذا النوع من الكتب لكي أنسى حالي والعالم كله بضجيجه وعجيجه من حولي. هذا ما فعلته مؤخراً في هذا الصيف الطويل الحار، حيث أعيش عزلة مطلقة من أروع ما يكون.

على هذا النحو انخرطت في قراءة سير المجروحين أو المفجوعين أو المدمرين من كبار الكتاب العالميين من أمثال شارل بودلير، وأنطونين آرتو، ودوستويفسكي، وكافكا، وغي دوموباسان، وجيرار دونيرفال، ونيتشه، ونوفاليس، وإدغار آلان بو، وفيرلين، وفيرجينيا وولف، وستيفان زفايغ... إلخ بالطبع لن أستطيع التحدث عنهم كلهم في هذه العجالة، وإنما سأكتفي بالتوقف عند محطتين فقط. وبداية أقول إن هؤلاء الكتاب المفجوعين، هؤلاء العباقرة المدمرين، هم وحدهم الذين يهمونني الآن وعلى ضوئهم أهتدي.

أنطونين آرتو (1896 - 1948)

البداية كانت سعيدةً بالنسبة لهذا الكاتب المنحوس الذي سيلخص في شخصه لاحقاً كل آلام العصر وفواجعه. فقد ولد في مدينة مرسيليا في أحضان عائلة غنية أحبته وراعته وأحاطته بكل أنواع العناية. فكان من المتوقع أن يكون إنساناً ناجحاً ومتفوقاً في الحياة. ألم يقل لنا علم النفس إن الطفولات السعيدة تنتج رجالاً سعيدين واثقين من أنفسهم؟ لكن العكس هو الذي حصل. لأنه أصيب منذ سن الرابعة بمرض عصبي عجيب ونادر لا يصيب إلا واحداً في المليون. وابتدأ الكابوس. ولم تنجح كل أنواع العلاج في إنقاذه. فراح يصارع الأشباح النفسية المرعبة الهاجمة عليه أو هكذا يتوهم. ولكن رغم ذلك فقد نبغ في الشعر والمسرح. كل شيء يحصل كما لو أن الطبيعة تحرمك من شيء بيد لكي تعطيك شيئاً آخر باليد الأخرى. تقول لنا الأخبار: كل حياته كانت سلسلة من الفواجع والأمراض والصدمات النفسية. لقد سجنوه في المصحات العقلية طيلة قسم كبير من حياته، ومع ذلك استطاع أن يبدع في الشعر والمسرح، وكان يشعر بأن هذا الإبداع هو الحل الوحيد المخلص الذي قد ينقذه من أزماته النفسية المتفاقمة. ونحن عندما ننظر إليه من الخارج قد ترعبنا آلامه النفسية المبرحة ولكننا نحب إبداعه، جنونه الخلاق... لقد دخل في الأدب كما يدخل آخرون في سلك الكهنوت والدين المسيحي: أي الأدب كعبادة ليس إلا. وهنا نلتقي بمارسيل بروست الذي يقول: «الحياة الحقيقية، الحياة المكتشفة أخيراً والمضاءة، الحياة الوحيدة التي تستحق أن تُعاش، هي حياة الأدب، والأدب وحده». وبالفعل فما معنى الحياة لولا تلك الروائع الأدبية العالمية التي نستمتع بها أيما استمتاع في شتى اللغات؟

لقد اعترف أنطونين آرتو في إحدى اللحظات قائلاً هذا الكلام المهم: أعاني من مرض نفساني وعصابي رهيب. أنا «تحت نفسي» لا فوقها، أنا شخص مدمر. أنا تحت رحمة الأقدار. هذا كل ما أعرفه، ولكني أقبل بقدري ومصيري لكيلا أموت كلياً. ثم لكي أكتب بعض الصفحات والشهادات العابرات.

لكن آرتو لم يمت من جنونه كما قد نتصور. ولم ينتحر إطلاقاً رغم عذاباته الشخصية وهيجاناته الجنونية إنما مات من مرض عضال. لكأنه ما كانت تكفيه كل هذه العذابات حتى ينضاف إليها مرض السرطان! شيء عجيب فعلاً: هذا الشخص لا حظ له في الحياة. إنها حياة مشكلة من سلسلة متلاحقة من الكوارث والنكبات، لكنها مضاءة من وقت لآخر بومضات عبقرية أتحفتنا ببعض نصوص القرن. حقاً لقد دفع أنطونين آرتو ثمن إبداعه غالياً. ومن بينها كتابه الرائع عن قرينه في الإبداع والعذاب النفسي والجنون الأقصى الرسام الهولندي الشهير فان غوخ. فقد كرس له كتاباً من أروع ما يكون بعنوان «فان غوخ المنحور من قبل المجتمع»، وليس المنتحر على عكس ما زعموا وأشاعوا. كان يتضور جوعاً والآن تباع لوحاته بملايين الدولارات... المجتمع هو الذي نحر فان غوخ أو قتله مثلما قتل أنطونين آرتو ذاته ومثلما قتل بودلير أيضاً. المجتمع قد يجننك إذا ما «حط عينه عليك»، واعتبرك شخصاً شاذاً خارجاً عن المألوف ومسلك القطيع. يقول آرتو في كتابه هذه العبارة اللافتة: لم يكتب أحد ولم يبدع إلا لكي يخرج من جحيم المجتمع وعذابه الداخلي القاتل.

دوستويفسكي (1821 - 1881)

ننتقل إلى مجنون آخر لا يقل عبقريةً وعظمةً عن أنطونين آرتو إن لم يزد أضعافاً مضاعفة: إنه فيدور دوستويفسكي. في السابعة عشرة من عمره كتب رسالة إلى أخيه ميخائيل يقول فيها: «عندي مشروع كبير: أن أصبح مجنوناً. ليتدبر الناس أمرهم، ليعالجوني إذا ما استطاعوا، ليحاولوا أن يعيدوا إلى العقل». لماذا كتب دوستويفسكي هذا الكلام في مثل هذه السن المبكرة؟ هل كان يرهص بما سيحصل له بعد عشر سنوات فقط عندما حُكم عليه بالإعدام ثم عفى عنه القيصر في آخر لحظة قبيل إطلاق النار بثوانٍ؟ من يعيش تلك اللحظة لا يمكن أن ينساها: لحظة اللحظات. هل كان يدرك بشكل واع أو لا واع بأنهم سيرسلونه إلى مكان التعذيب في سيبيريا حيث سيقضي أربع سنوات من الجحيم اليومي والأشغال الشاقة؟ هل كان يحدس أنه سيكتب روايات خارقة يبلى الزمن ولا تبلى: كالجريمة والعقاب، والمهووسين الممسوسين، والمذلولين المهانين، والأخوة كرامازوف؟ إلخ. من المعلوم أنه أصيب بعد سيبيريا بداء الصرع أو ما يدعى بمرض النقطة. وهو مرض كان يطرحه أرضاً عندما تجيئه اللحظة فيرغي ويزبد ويختلج ويعتذر لزوجته بعد أن تنتهي النوبة... ولكنه لم يصبح مجنوناً فقط وإنما أكبر عبقري في تاريخ الآداب الروسية ربما باستثناء تولستوي. بل حتى تولستوي يتضاءل أمامه.

قراءة مهمة في سيرة الكاتبين أنطونين آرتو ودوستويفسكي حيث يتخذهما الكاتب نموذجاً لسيرة المجروحينrn أو المفجوعين أو المدمرين rnمن كبار الكتاب العالميين

عندما نغطس في سيرته الذاتية ومؤلفاته العظيمة، الضخمة، فإننا نقتنع فوراً بجنونه العبقري. لا يمكن أن يكتب مثل هذه الروايات شخص طبيعي. لكننا نقتنع أيضاً بنزعته الإنسانية العميقة التي لا مثيل لها. وهي نزعة إنسانية تتجلى في تصويره الرائع لعذابات الناس الفقراء والبسطاء والمفجوعين في الحياة. إنه يعيش معهم، ينصهر فيهم إلى حد الذوبان. إنه واحد منهم. كان دوستويفسكي في أعماقه إنساناً طيباً من أعمق وأنبل ما يكون. لم يكن كاتباً عبقرياً فقط وإنما كان إنساناً أيضاً قبل كل شيء. هنا تكمن عظمة دوستويفسكي. كان يحترق ويتلوع عندما يرى امرأة فقيرة أو طفلاً جائعاً في شوارع مدينة سان بطرسبورغ. وكان يتمنى لو يستطيع إنقاذ كل فقراء العالم.

البعض يعتبر أن رواية «الجريمة والعقاب» هي أعظم رواية في تاريخ الآداب الروسية وربما غير الروسية. لقد كتب دوستويفسكي هنا رائعة أدبية مطلقة تخترق القرون. إنها رواية تدوخك تماماً بكل بساطة. أكاد أقول إنها رواية «بوليسية» لا مثيل لها في الآداب العالمية. صحيح أن دوستويفسكي أمضى حياته في حالة تجاذب بين الله والشيطان، بين قمة الأعالي وأسفل سافلين، ولكن الله انتصر في نهاية المطاف على الشيطان. والدليل على ذلك روايته العبقرية: الأخوة كرامازوف. أخيراً وصل دوستويفسكي وانتصر على شياطينه الداخلية.

في 8 يناير (كانون الثاني) من عام 1880 ألقى دوستويفسكي خطابه الشهير بمناسبة إزاحة الستار عن تمثال بوشكين في قلب موسكو. وقد ختمه بالقول: «لقد مات الشاعر في أوج قواه ونضجه وإمكاناته وحمل معه إلى القبر سراً كبيراً. وها نحن الآن مدعوون لأن نسبر هذا السر بدونه». وبعد أن انتهى من إلقاء الخطاب هجم عليه الجمهور الغفير لكي يقبلوا يديه وركبتيه. وراحوا يصرخون في نوع من الهيجان لا يكاد يوصف: هذا نبي، هذا هو النبي، هذا نبي روسيا ومجسد عبقريتها. وتساقطوا على قدميه إجلالاً وتبجيلاً وهم يشهقون وينتحبون. وكسف كل أدباء روسيا الحاضرين بمن فيهم تورغنييف. أما تولستوي فلم يتجرأ على الحضور خوفاً منه. وحسناً فعل.



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي